التواصل الفعال والحوار داخل الأسرة.

د. مها الجريس:

 

الحوار هو السلوك الإنساني السوي لتحقيق الغايات والمطالب، وهو منهج تربوي قرآني للإقناع، وسلوك نبوي كريم للتربية ومعالجة الأخطاء. وقد ورد في القرآن الكريم نماذج من الحوار الأسري كحوار نوح عليه السلام مع ابنه في سورة هود وحوار النبي إبراهيم عليه السلام مع أبيه في سورة مريم.

إن التربية بالحوار هي تربية بالحب وهي أدعى للتأثير وأدوم للبقاء وغرس القناعات والقيم. أما التربية بالأوامر أو التخويف فلا تدوم، فضلاً عن أنها قد تولد أخلاقاً رديئة، وتجر إلى ركوب أسوأ الطباع! وهنا نورد كلامًا لابن خلدون يقول فيه: “من كان مرباه العسف والقهر، حمله ذلك على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفًا من انبساط الأيادي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة وصارت له هذه العادة خلقًا، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه، وصار عيالًا على غيره في ذلك، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل… فينبغي للمعلم في متعلمه والوالد في ولده ألا يستبدَّ عليهما في التأديب”([1]) .

والحوار الأسري هو أعظم وسيلة لردم الفجوة بين الأجيال خصوصاً ما يسمى بالفجوة الثقافية

التي ظهرت واتسعت مع بداية الألفية الثالثة، ومن أهم أسبابها موجة الثورة التقنية التي باعدت بين الأجيال بشكل كبير. وهي ليست حكراً على محيط الأسرة؛ بل حاضرة وبقوة في مؤسسات التعليم وقطاعات العمل كذلك، وتعني وجود فوارق فكرية واجتماعية وعُرفية بين الأجيال، وذلك نتيجة لسرعة وتيرة التطور والتقدم في كل جيل عن سابقه، فاختلاف مقومات كل فترة، والأحداث المحلية والعالمية التي شهدها كل جيل، تؤثر تأثيرًا كبيرًا في تكوين شخصيته وتُشكِّل صفاته الفريدة التي تميزه، وتؤهله لمواكبة عصره. ولعل هذا الأمر يؤكد أهمية توعية الجيل السابق بأهمية متابعة التطورات التي حدثت مع الجيل الحالي، وأن التكنولوجيا والسرعة والصناعات والحياة الأكثر مدنية ورفاهية جعلت ثقافة هذا الجيل وتفكيره أكثر انفتاحًا وقابلية للأفكار الجديدة مهما بدت غريبة أو غير مناسبة في نظر الآباء، وأنهم بحاجة للحوار أكثر من الأمر والتأديب!

ومن مؤكدات ضرورة الحوار في محيط الأسرة أنه يمثل أسلوباً تربوياً وعلاجاً ناجحاً لبعض الانحرافات، ووسيلة فعالة لاحتواء الانفعالات، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم مع المستأذن بالزنا أعظم شاهد على هذا، فعن أبي أمامة-رضي الله عنه- قال: إن فتى شابًّا أتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا! فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه! فقال: (ادنه) ، فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال: (أتحبه لأمك؟)، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لأمهاتهم) ، قال: (أفتحبه لابنتك؟)، قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لبناتهم)، قال: (أفتحبه لأختك)، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لأخواتهم)، قال: (أفتحبه لعمتك؟)، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لعمَّاتهم)، قال: (أفتحبه لخالتك)، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لخالاتهم)، قال: فوضع يده عليه، وقال: (اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصِّن فَرْجَه)، فلم يكن بعد ذلك الفتى  يلتفت إلى شيء.([2]) وهذا النموذج للحوار الهادئ الحاني، الخالي من الزجر، مع التدرج في الإقناع، والتلطف بالدعاء هو ما نعنيه بالحوار الأسري لحل المشكلات، وتعزيز القيم، وهو وإن لم يكن داخل الأسرة إلا أنه عليه الصلاة والسلام كان بمثابة الأب للمؤمنين، ومن الملاحظ أن الأسرة اليوم تعاني من عدم القدرة على التفاعل مع قضايا الشباب، لأنها فقدت الكثير من مقومات وآليات التعاطي مع المستجدات التربوية في حياة أولئك الشباب. ومع تزايد الضغوط المعيشية على الأب والأم وتقلص الساعات التي يقضيها كل منهما مع الأبناء، أصبح الأبناء يفتقدون إلى من يستمع إليهم ويتحاور معهم وهذا أدى بهم إلى البحث عن التعويض الذي يمدهم بما يريدون والذي يأخذ أشكالًا متنوعة وأحيانًا متطرفة. وهذه البدائل قد تخرج أحيانًا عن الإطار الفكري السائد في المجتمع، وتؤثر سلبًا على شخصية الشاب، وربما تضمنت مخاطر دينية ووطنية واجتماعية. ومن جهة أخرى لم يعد الأبناء يرغبون في مناقشة الآباء أو إطلاعهم على ما يجول في خواطرهم، فقد أصبح هناك فجوة بين الجيلين تكبر وتصغر حسب حجم مجهود وسعي الأسرة في ردمها.

 

([1]) مقدمة بن خلدون، ص 540.

([2]) أخرجه الإمام أحمد 5/256 ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 1/370.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز