مقالات: المرأة المسلمة وسؤال الأخلاق

أ.زينب صلاح

كان نقاشنا في المقال السابق حول المرأة المسلمة وسؤال الخلق والتكليف[1]، وكان من النتائج التي خلصنا فيه إليها نتيجتان أساسيتان، الأولى هي كمال الصفة الإنسانية للمرأة، والثانية هي أن الأصل هو المساواة بين الرجل والمرأة في الخطاب الشرعي إلا ما دل عليه الدليل. وفي هذا المقال سيكون النقاش حول المرأة المسلمة وسؤال الأخلاق انطلاقا من هذين التقريرين، في محاولة لضبط تصور المرأة المسلمة عن أثر أنوثتها في أخلاقها، والتفريق بين ارتباط المرأة المأمور به في الشرع ببعض الأخلاق وبين ارتباطها الطبيعي أو الاجتماعي ببعض الأخلاق لمحاكمة ما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون.

إن من أصول شريعة الإسلام أنها جاءت بالأمر بمكارم الأخلاق وأحسنها والنهي عن الرذائل والفواحش، وهذا الأصل مستفيض في نصوص القرآن والسنة، وليس خافيا على من تلقى دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام، أما الأول فمنه قول الله تعالى: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَـٰنِ وَإِیتَاۤىِٕ ذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَیَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡیِۚ یَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّیَ ٱلۡفَوَ ٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡیَ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ یُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَـٰنࣰا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: “بُعِثتُ لأُتَمِّمَ صالِحَ الأخْلاقِ”[2]. وأما الثاني، فيدل عليه أن أبا سفيان لما سأله هرقل عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم -وكان إذ ذاك مشركا- قال: “قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلتُ -أبو سفيان-: يقولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وحْدَهُ ولَا تُشْرِكُوا به شيئًا، واتْرُكُوا ما يقولُ آبَاؤُكُمْ، ويَأْمُرُنَا بالصَّلَاةِ والزَّكَاةِ والصِّدْقِ والعَفَافِ والصِّلَةِ.”[3]. فلم يكن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدق والعفاف وسائر الأخلاق الحسنة من الأمور الفرعية، بل كانت من أصول دعوته التي يشهد بها المشركون.

وانطلاقا من التقريرين المذكورين في البداية، نستطيع القول أن النصوص الشرعية العامة التي تؤسس للقيم الكبرى كالعدل والأمانة، ولتفاصيل الأخلاق الحسنة كإكرام الضيف والوفاء بالعهد وصدق الحديث ورحمة الضعفاء والنهي عن فُحش القول وغيرها كلها تخاطب المرأة كما تخاطب الرجل، فليس للرجل اختصاص بها ولا يمكن للمرأة أن تُحجَب عنها، بل يجب عليها أن تتخلَّق بما تستطيع من سائر الأخلاق المحمودة في الشرع والفطرة من حيث الأصل، وهذا ليس حقًّا تطلب المرأة اكتسابه لحاقا بالرجل، وإنما هو بالأحرى واجب عليها باعتبارها بشرًا مخلوقا لعبادة الله سبحانه. وحين نقول أن الأصل في الخطاب الشرعي المتعلق بالأخلاق هو الشمول للرجل والمرأة، فإن هذا يستلزم التنبيه على عدة مسائل شائعة نسردها في محاور:

المحور الأول:

أن القيم العليَّة والأخلاق الحسنة ليس فيها انقسام بناء على الجنس، فلا معنى لتخصيص قيمة ما أو خلق حسَنٍ ما بأحد الجنسين دون الآخر كما قد يشيع في بعض البقاع، ومن أشهر الأمثلة على ذلك شيوع القول بأن الحياء خلُق تختص به النساء، أو أن الانتصار للحق خلُق يختص به الرجال. وهذا قول مخالف للشرع؛ فإن الأحاديث الواردة في الحث على الحياء لا تختص بها النساء قطعًا، بل كانت مناسبة بعضها حوادث وقعت لبعض الرجال، فعن يعلى بن أمية رضي الله عنه أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يَغْتَسِلُ بالبَرازِ ، فصَعِدَ المنبرَ ، فحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه، وقال: “إن اللهَ عزَّ وجلَّ حليمٌ حييٌّ، سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الحياءَ والسِتْرَ، فإذا اغتسَلَ أحدُكم فلْيَسْتَتِرْ”[4]. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الحياء شعبة من الإيمان[5]، وليس شعبة من إيمان المرأة دون الرجل. ومثل هذا يقال في الانتصار للحق أو في الشجاعة، فقد وردت أحاديث عديدة فيها انتصار المرأة المسلمة للحق وشجاعتها في ذلك قولا وفعلا، أما الأول: فمنه خبر أسماء بنت عميس رضي الله عنها حين “دَخَلَ عُمَرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه علَى حَفْصَةَ، وَأَسْمَاءُ عِنْدَهَا، فَقالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ: مَن هذِه؟ قالَتْ: أَسْمَاءُ بنْتُ عُمَيْسٍ، قالَ عُمَرُ: الحَبَشِيَّةُ هذِه؟ البَحْرِيَّةُ هذِه؟ فَقالَتْ أَسْمَاءُ: نَعَمْ، فَقالَ عُمَرُ: سَبَقْنَاكُمْ بالهِجْرَةِ، فَنَحْنُ أَحَقُّ برَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ مِنكُمْ، فَغَضِبَتْ، وَقالَتْ كَلِمَةً: كَذَبْتَ يا عُمَرُ كَلَّا، وَاللَّهِ كُنْتُمْ مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ، وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ، وَكُنَّا في دَارِ، أَوْ في أَرْضِ البُعَدَاءِ البُغَضَاءِ في الحَبَشَةِ، وَذلكَ في اللهِ وفي رَسولِهِ، وَايْمُ اللهِ لا أَطْعَمُ طَعَامًا وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حتَّى أَذْكُرَ ما قُلْتَ لِرَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَى وَنُخَافُ، وَسَأَذْكُرُ ذلكَ لِرَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وَأَسْأَلُهُ، وَوَاللَّهِ لا أَكْذِبُ وَلَا أَزِيغُ وَلَا أَزِيدُ علَى ذلكَ، قالَ: فَلَمَّا جَاءَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَتْ: يا نَبِيَّ اللهِ إنَّ عُمَرَ قالَ: كَذَا وَكَذَا، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: ليسَ بأَحَقَّ بي مِنكُمْ، وَلَهُ وَلأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ، أَهْلَ السَّفِينَةِ، هِجْرَتَانِ”[6].

 وأما الثاني: فمنه ما ورد عن أم الفضل رضي الله عنها حين شجت رأس أبا لهب فما مكث بعدها إلا سبع ليال حتى مات[7]، وما روي عن صفية بنت عبد المطلب أنها قتلت رجلا من يهود[8]، إلى غير ذلك من الأخبار. وبهذا يتضح أنه ليس في تلك الأخلاق اختصاص بجنس دون آخر، بل الحياء فضيلة للرجل والمرأة والانتصار للحق مسؤولية كل منهما بحسب قدرته وطاقته، وما يقال في هذين الخلُقين يقال في غيرهما من الأخلاق الحسنة التي يُقصَد التحلي بها ويُطلَب الثواب منها، أو السيئة التي تنفر النفس منها، ويُطلَب الابتعاد عنها؛ فالكلمة الطيبة صدقة سواء كان قائلها رجلا أو امرأة، واليد العليا خير من اليد السفلى سواء كانت يد ذكر أو أنثى، ولا دخل للجنس في المفاضلة هنا، لكن هذا لا يعني عدم إمكانية اقتراب جنس معين من خلُق معين، وهو ما سيتضح في المحور التالي:

المحور الثاني:

أن هذا العموم في الخطاب الأخلاقي لا ينفي ارتباط أحد الجنسين ببعض الأخلاق أكثر من الآخر، بعبارة أخرى: لا ينفي وجود أثر للجنس -عموما- في الميل الأخلاقي. فالمرأة -بعموم- أكثر ميلا إلى الحياء من الرجل، والرجل -بعموم- أكثر ميلا للشجاعة منها، وهذا يتفرع في جزء منه على النوازع النفسية والجسدية لدى كل منهما، ولهذا فإن قلة الحياء في حق المرأة أسوأ منها في حق الرجل وإن كانت سيئة في الحالين، والمرأة أولى بهذا الخلُق من الرجل لوجود دواعٍ تساعدها عليه أكثر من الرجل، منها ما هو في الطباع كالرقة الجِبليَّة، ومنها ما هو شرعي كأمرها بمزيد من الاحتشام الحسي والمعنوي. وكذلك فإن الجُبن في الرجال أسوأ منه في النساء وإن كان سيئا في كل منهما، والرجل أولى بالشجاعة من المرأة لوجود دواع مشابهة، كقوته البدنية في العموم مقارنة بها، وكتكليفه الشرعي بكثير من المسؤوليات الخارجية التي تتطلب تقدما في المحافل واختلاطا بالناس. ولهذا يقع تشبيه الرجل الجبان بالمرأة على سبيل الذم، لا لأن الجُبن خلق الإناث بالأصالة، وإنما لأنه يُفترض أن يكون الرجل أبعد عنه من المرأة لأسباب كالمذكورة. وفي المقابل، يقع تشبيه الرجل شديد الحياء بالمرأة على سبيل المدح، وهذا المعنى يغيب عنا كثيرًا للأسف، ولكنه مشهود به في حق خير البريَّة صلى الله عليه وسلم، فقد وصفه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه بقوله: “كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ في خِدْرِهَا، وَكانَ إذَا كَرِهَ شيئًا عَرَفْنَاهُ في وَجْهِهِ”[9]. وهذا ليس لأن الحياء خاص بالإناث فقط، وإنما لأن المرأة أقرب إليه من الرجل، ولهذا يُضرب بها المثل فيه، فلما أراد وصفه بأعلى درجات الحياء استخدم هذا التشبيه. وأيضًا للسبب نفسه يقع تشبيه المرأة الشُّجاعة بالرجل على سبيل المدح، ويقع تشبيه المرأة السلفع بالرجل على سبيل الذم. فالحاصل أننا لا نقول بأن كلًّا من الجنسين يقفان -عموما- على نفس المسافة من كل الأخلاق الحميدة أو الذميمة، بل قد يشيع في أحد الجنسين القرب من بعض الأخلاق الحميدة أو الذميمة على السواء، كما أن هذا الشيوع في أحد الجنسين لا يمنع وقوع الاتصاف بهذه الأخلاق في الجنس الآخر، كما لا يعني إقراره في كل الأحوال، وهو ما سيتضح في المحور التالي.

المحور الثالث:

أن شيوع بعض الأخلاق السيئة في أحد الجنسين لا يعني إقراره في حقه. فشيوع التعالي في الرجال مثلا لا يعني أن هذا هو ما ينبغي أن يكون عليه الرجل، وشيوع الخنوع والخور في النساء لا يعني أن هذا هو ما ينبغي أن تكون عليه المرأة. والخلط بين ما هو إخباري أو وقائعي وما هو إقراري، أو بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون يؤثر كثيرًا في رؤية المرأة لما ينبغي أن تتحلى به من الأخلاق. فبعض الناس يعتقدون أن من كمال أنوثة المرأة أن تكون خانعة، لا رأي لها ولا همَّة، وأنها إذا خالفت هذا تكون عرضة للذم، بل يعتبرون مجرد رغبتها في تلك المخالفة تشبها مذمومًا بالرجل. وكثيرا ما يستحضر في هذا السياق بعض النصوص الشرعية، كقول الله سبحانه: “وَهُوَ فِی ٱلۡخِصَامِ غَیۡرُ مُبِینࣲ” [الزخرف: 18] في سياق بيان نقائص ما نسبه المشركون إليه سبحانه وتعالى من الإناث، فتعتبر المرأة التي تسعى للإبانة عن حاجتها أو رأيها مفارقة لجزء من الطبيعة الأنثوية. لكن هذا ليس صحيحا، لأن العجز من الصفات الذميمة التي يُتعوذ بالله منها، وهذا لا يختص بجنس دون آخر كما تقدم، ووقوعه أو حتى شيوعه في الإناث لا يعني تسويغه في حقهن، أو عدم السعي في إصلاحه ما دام ممكنا. فسواء كان المقصود بعدم الإبانة في الآية الكريمة في القول أو في الفعل[10]، فإن مفارقته ليست مخالفة لحقيقة الأنوثة، ولا تكلف خلافه مناهضًا لطبيعتها، بل هو في الحقيقة مفارقة لصفة مذمومة تشيع في الإناث، وتكلف خلافه محمود وليس مذمومًا، فالشأن في ذلك هو شأن ترويض النفس على سائر الأخلاق الحسنة، كحملها على الصدق وإن كانت قد اعتادت الكذب، أو حملها على الشكر وإن كانت قد اعتادت كفر النعم. فالحاصل أن هناك فرقًا بين الإخبار بما يشيع من الحال الأخلاقي وبين تقرير ما يجب أن يكون عليه ذلك الحال، وأن الجانب الأخلاقي ليس مرادفًا لطبيعة الجنس، وهو ما سيتضح في المحور التالي.

المحور الرابع: أن مسألة القيم والأخلاق تختلف عن الاحتفاظ بوصف الذكورة أو الأنوثة. وكما قررنا وجود مساحة عامة وكبيرة من الاشتراك بين الذكور والإناث في الجانب الإنساني والشرعي، فلابد أن نقرر أن الرؤية الإسلامية بلا شك تقر بوجود اختلافات بين الجنسين على أصعدة عديدة، بل توجهنا إلى وجوب احتفاظ كل جنس بما يخصه من المظاهر وتشدد على عدم التماهي في الجنس الآخر، ويتجلى هذا في الوعيد الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في تشبه كل جنس بالآخر، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء”[11]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لعن رسولُ اللهِ الرجلَ يلبس لبسةَ المرأةِ ، والمرأةَ تلبس لبسةَ الرجُلِ”[12].

وهذا يشمل ما يختص به كل جنس من المظاهر العامة، يقول الإمام ابن حجر رحمه الله: “قال الطبريُّ: المعنى لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس. قلت: وكذا في الكلام والمشي، فأما هيئة اللباس فتختلف باختلاف عادة كل بلد، فرُبَّ قوم لا يفترق زي نسائهم من رجالهم في اللبس، لكن يمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار، وأما ذم التشبه بالكلام والمشي فمختص بمن تعمد ذلك، وأما من كان ذلك من أصل خلقته فإنما يؤمر بتكلف تركه والإدمان على ذلك بالتدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم، ولا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضا به، وأخذ هذا واضح من لفظ المتشبهين”[13]. وهكذا فهذه المظاهر التي ورد النهي عن التشبه فيها لا تتعلق بالقيم الإنسانية أو الأخلاق الشرعية، بل على كل من الرجل والمرأة السعي في تحقيق سائر الأخلاق الحسنة، واجتناب سائر الأخلاق السيئة فطرة وشرعا. أما ما يتعلق بالمظاهر المذكورة في شرح الحديث أو حتى الصفات المرتبطة بالجنس كالتغنج في المرأة أو الخشونة في الرجل والتي يحرم فيها التشبه، فإنها ليست وصفًا قيميًّا.

ومما يقع كثيرا أن بعض الناس يخلطون بين الضعف الأنثوي الطبيعي في المرأة والمتمثل في ضعف البنية الجسدية واللطف والذي لأجله قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ارْفُقْ يا أنْجَشَةُ، ويْحَكَ بالقَوَارِيرِ”[14]. قال الرامهرمزي: “كنى عن النساء بالقوارير لرقتهن وضعفهن عن الحركة، والنساء يشبهن بالقوارير في الرقة واللطافة وضعف البنية”[15]، وبين الضعف الأخلاقي المتعلق بالعزيمة والإيمان، والذي جاء فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ مِنَ المؤمنِ الضَّعيفِ”[16]. وفي معنى القوة هنا يقول الإمام النووي رحمه الله: “عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقداما على العدو في الجهاد وأسرع خروجا إليه وذهابا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في كل ذلك واحتمال المشاق في ذات الله تعالى وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات وأنشط طلبا لها ومحافظة عليها ونحو ذلك”[17]

فالأول ضعف طبيعي بأصل الخلقة ولا تؤاخذ المرأة عليه، بل يراعى كما وجَّه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث. وأما الثاني فإن الإنسان يستطيع أن يرتقي عنه بالمجاهدة، وهذا هو الأفضل، وهو عام للرجال والنساء. فلا يقال للمرأة التي تسعى للارتقاء بهمّتها في الأمور النافعة أنها مفارقة لطبيعتها كأنثى، بل يُحمَد ذلك منها كما يُحمد من الرجل تماما.

وفي ختام هذه المقالة نخلص إلى عدة نتائج:

  • أن الأمر بمكارم الأخلاق مستفيض في نصوص القرآن والسنة.
  • أن القيم الرفيعة لا تختص بجنس دون آخر.
  • أن الجنس قد يؤثر على الميل أو الاقتراب من بعض الأخلاق.
  • أن شيوع بعض الأخلاق في جنس معين لا يلزم منه تسويغ الاتصاف به.
  • أن الإسلام يحافظ على مساحة من التمايز بين الرجال والنساء.
  • أن النهي عن تشبه الرجال بالنساء والعكس لا يتعلق بالقيم والأخلاق الشرعية.

وبهذا يتضح أن الإسلام لا يمنع المرأة من اكتساب شيء من الفضائل، بل تدعوها عموم نصوص القرآن والسنة إلى دوام المجاهدة للارتقاء الأخلاقي والسلوكي كما يُدعى إلى ذلك الرجلُ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِینَ وَٱلۡمُسۡلِمَـٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ وَٱلۡقَـٰنِتِینَ وَٱلۡقَـٰنِتَـٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِینَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِینَ وَٱلصَّـٰبِرَ ٰتِ وَٱلۡخَـٰشِعِینَ وَٱلۡخَـٰشِعَـٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِینَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَـٰتِ وَٱلصَّـٰۤىِٕمِینَ وَٱلصَّـٰۤىِٕمَـٰتِ وَٱلۡحَـٰفِظِینَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَـٰفِظَـٰتِ وَٱلذَّ ٰكِرِینَ ٱللَّهَ كَثِیرࣰا وَٱلذَّ ٰكِرَ ٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةࣰ وَأَجۡرًا عَظِیمࣰا﴾ [الأحزاب ٣٥]. كما تحذِّرها من عواقب إهمال تزكية النفس أو التهاون في بعض السلوكيات كما تحذر الرجل، كما قال سبحانه: ﴿لِّیُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ وَٱلۡمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِینَ وَٱلۡمُشۡرِكَـٰتِ وَیَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورࣰا رَّحِیمَۢا﴾ [الأحزاب ٧٣].

والله أعلم وأحكم وعليه قصد السبيل.

                                                                                                                             مركز باحثات لدراسات المرأة


[1] المرأة المسلمة وسؤال الخلق والتكليف: https://bit.ly/2SIPSkp .

[2] صححه الألباني في صحيح الجامع (2833).

[3] أخرجه البخاري (2681)، ومسلم (1773) بنحوه.

[4] صححه الألباني في صحيح النسائي (404).

[5]  أخرجه البخاري (9)، ومسلم (35).

[6]  صحيح مسلم (2503).

[7]  انظر السيرة النبوية لابن هشام (1/ 647).

[8]  السابق (2/ 228).

[9]  البخاري (6102)، ومسلم (2320).

[10]  لمعنى الخصام في الآية الكريمة قولان ذكرهما المفسرون: الأول هو الجدل وإقامة البرهان، والثاني هو الاقتتال، وقد جوَّزه الطاهر ابن عاشور رحمه الله في التحرير والتنوير. وللمقصود في الآية قولان أيضا: أحدهما أنه النساء وهو المشهور من أقوال المفسرين، والثاني هو الأوثان لعدم قدرتها على الكلام وهو مروي عن ابن زيد رحمه الله. والكلام هنا مبني على حمل المقصود من الآية على النساء.

[11]  أخرجه البخاري (5885).

[12] صححه الألباني في صحيح الترغيب (2069).

[13]  فتح الباري (10/ 345).

[14]  صحيح البخاري (6209).

[15]  انظر فتح الباري (10/ 959).

[16] رواه مسلم (2664).

[17]  المنهاج (16/ 215).

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز