مقالات: الأسرة الدهرية من طور الحداثة لما بعد الحداثة(2).. عبث بالمفاهيم وتداعيات ذلك

سيدة محمود [1]

الأسرة هي أهم المؤسسات الاجتماعية، بل إنها قاعدة لكل هذه المؤسسات والتي لا وجود لها دون وجود الأسرة، وهي أول وحدة اجتماعية عرفها الإنسان في حياته، والتي ضمت (آدم وحواء)، بل يمكن القول إنها الترمومتر الذي يمكن أن نقيس به درجة تحضر المجتمع أخلاقيا من عدمه، فهي منبع القيم، ومخزون التراث، والنسق الأولي الذي ترتكز عليه بقية الأنساق البشرية. والأمر الذي لا مراء فيه أن الأسرة حساسة للغاية لما يصيب المجتمع في نظمه وقيمه من تغيير وتحويل، والمجتمع كذلك يتأثر بما يقع في الشأن الأسري من تغيير، وينطبق هذا على الأسرة في المجتمعات الدهرية، فالعلاقة لم تتغير فحسب بين الرجل والمرأة، وإنما تغيرت باقي الأنساق تبعا لذلك، وعلى حد وصف النسوية مارتين سيجالين “أننا دخلنا إلى عصر اللازواج، وتغيير نقطة التوازن في نظام القرابة”[2].

وسوف نسلط الضوء في المقال الذي بين أيدينا على حقيقة أن التفكك الذي أصاب الأسرة في المجتمعات الدهرية في طوري الحداثة وما بعدها، يجد تربته الملائمة في مفهوم الأسرة ذاته الذي اعتمدوه في علومهم الاجتماعية، ثم ننثني بالتعرف على معمار الأسرة وتطور نشأتها برأيهم، لنصل إلى رصد مكامن الخلل الذي أصاب الأسرة في هذه المجتمعات الدهرية، ونختم بالاطلاع على الثمار المرة التي جنتها هذه المجتمعات، كتداعيات لتغييب مفهوم الأسرة الصحيح.

  • أولاً تعريف الأسرة في النسق الدهري:

كثيرة هي التعريفات الدهرية الواردة للأسرة، ولا اختلاف بينها يُذكر في وصف جُل التعريفات لها بأنها المؤسسة الاجتماعية الأولى لتنشئة الكائنات البشرية، أيضا القاسم المشترك هو استبعاد المرجعية الدينية أو الإطار الشرعي ضمن هذه التعريفات، فالمنطلق الرئيس لها الإرادة الفردية وحسب.

لكن ثمة اختلافات في محور ارتكاز كل تعريف، وسوف نقتصر على بعض النماذج التي توضح المنظور الدهري الذي تتبناه هذه التعريفات:

  • يعرف أوجست كونت رائد الاجتماع الغربي الأسرة بأنها: “منظومة علاقات وروابط بين الأعمار والأجناس”[3].

ونلحظ أن وحدة التعريف هنا، هي العلاقة التي بين الأشخاص والأجيال، أي العلاقة فحسب دون تحديد ماهيتها أو إطارها الشرعي أو أسسها، بل دون تحديد جنس الأشخاص الذين تجمع بينهم هذه العلاقة، فهي قد تصدق على جنسين مغايرين، كما قد تصدق أيضا على شخصين من نفس الجنس، كذلك صيغة الجمع في الأجناس تصدق أيضاً على رجال وامرأة، أو رجلين وامرأة….

  • يعرفها القاموس الاجتماعي المعاصر على أنها: “تلك العلاقة التي تربط بين رجل وامرأة أو أكثر معا بروابط القرابة أو علاقات وثيقة أخرى، بحيث يشعر الأفراد البالغين فيها بمسؤوليتهم نحو الأطفال، سواء كانوا هؤلاء الأطفال أبنائهم الطبيعيين أم أبنائهم بالتبني”[4].

نلحظ أن التعريف ركز على:

  • الوحدات البنائية للأسرة: البالغون والأطفال وأدوار كل منهم بغض النظر عن العلاقة التي تربط بين البالغين شرعية أو غير شرعية.
  • العلاقة بين البالغين والأبناء بغض النظر عن رابطة دم أو تبني.
  • وفي قاموس علم الاجتماع لريمون بودون: “التعريف الأكثر شيوعا للأسرة: أنها تجمع يتسم بإقامة مشتركة لجنسين بالغين يتعاونان إزاء بعضهما، وإزاء أطفالهما، سواء كانوا هؤلاء الأطفال أبنائهم الطبيعيين أم أبنائهم بالتبني”[5].

نلحظ أيضا في هذا التعريف عدم الإشارة إلى الرابط الشرعي، وإنما مجرد إقامة مشتركة. ويصدق هذا بالطبع على علاقات المساكنة، كذلك التسوية بين الأبناء الطبيعيين والمتبنين.

  • وفي معجم علم الاجتماع أن “الأسرة عبارة عن جماعة من الأفراد يرتبطون معا بروابط الزواج والدم والتبني، ويتفاعلون معا ويتكون منهم جميعا وحدة اجتماعية تتميز بخصائص معينة”[6].

ما يعيب هذا التعريف أن الأسرة حسب المعجم، لا فرق فيها بين الأبناء من الصلب والتبني.

  • وفي موسوعة أنكلوبيديا البريطانية، طرأ تحول على تعريف الأسرة النووية، ففضلا عن ترسيخ التبني، فإنه تم توسيع التعريف ليشمل الشواذ[7].
  • وفي موسوعة أنكلوبيديا الفرنسية، كان التعريف أكثر اتساعا وضبابية، فحسب هذا التعريف: الأسرة تشمل الأشخاص الذين يعيشون تحت سقف واحد[8].

أي أن الوحدة الأساسية للتعريف هي المسكن المشترك، بغض النظر عن جنس الأشخاص، ذكورا معا، إناثا معا، رجلا ونساء، رجالا وامرأة، امرأة ورجلا بزواج أو بدون زواج، أطفال تبنٍ أو طبيعيين، أطفالا من نفس الزيجة القائمة أو من غيرها..

  • يرى جورج ميردوك أن الأسرة هي “جماعة اجتماعية يقيم أفرادها جميعا في مسكن مشترك، ويتعاونون اقتصادياً”[9].

وهذا التعريف جعل الأسرة جماعة ما دون تحديد أي رابطة أو علاقة زوجية أو غيرها، فالتركيز على عنصرين: السكن المشترك، والتعاون الاقتصادي.

إذن أي رجال وأي نساء وأي عدد، وأي جنس، وأي عمر، وليس هناك حقوق أو واجبات، أو وظائف خلا الوظيفة الاقتصادية، فالكل يعمل دون إعالة أي منهم صغيرا، أو امرأة، أو مسنا، وهذا التعريف يطفح ليس فقط بالفوضى المطلقة، وإنما أيضا بالمادية المفرطة!!

  • ثانياً: نشأة الأسرة في النسق الدهري:

حتى اللحظة الراهنة لم يستطع علماء الاجتماع الدهريون التوصل إلى نظرية للأسرة، وإنما مجرد افتراضات وتخمينات ما أنزل الله بها من سلطان، فالاعتقاد بأن البشرية بدأت بمرحلة الشيوع الجنسي والعلاقة طليقة بين الرجل والمرأة يكذبها أن آدم وحواء هبطوا من الجنة متزوجين.

كل الدراسات المعاصرة باخوفن ومورغان تجتر مقولات علماء القرن التاسع عشر والذين اعتمدوا بالأساس على مبادئ النظرية الداروينية التطورية، المرتكزة على مبدأ أساس هو أن جميع المجتمعات البشرية تتطور في نظمها الاجتماعية وتتغير، وهي بذلك تمر بمراحل تطورية، كل مرحلة تمثل انتقال المجتمع من حال أقل رقياً إلى حال أكثر رقي، وأن هذه المراحل هي في كل أنحاء العالم، أي لا تخص مجتمعاً دون آخر.

فحسب (مورجان وباخوفن …) أن الأسرة نشأت في مرحلة فوضى جنسية بدائية، تشبه إلى حد كبير الحياة التي يعيشها الحيوان، ليدخل الإنسان بعد ذلك في مرحلة الزواج الجماعي، ليظهر بعد ذلك النسب الأمومي ثم ظهر النظام الأبوي، ثم يصل الإنسان بتطوره إلى شكل زواج الرجل الواحد بزوجة واحدة[10].

أضاف المعاصرون مرحلة رابعة إلى المراحل السالف ذكرها، والتي عدها باخوفن (الشيوع الجنسي – النظام الأمومي – النظام الأبوي) أطلقوا عليها مسمى (مرحلة الاستقلالية أو الانفرادية):

وهي التي يستقل فيها كل من الزوجين بنفسه، فلا يكون للآخر أي سلطات عليه، وقد أتت هذه المرحلة نتيجة للتطور الاقتصادي في المجتمعات الأوروبية أو الأمريكية، حيث يصبح البيت مكانا للنوم فقط، وبعد أن كان الطعام يعد في البيت أصبح الزوجان يتناولانه في المطاعم، وأصبح كل منهما في وظيفته يقضي معظم النهار والأولاد في المدارس أو الحضانة”[11].

وهذا في حد ذاته يثير أسئلة عدة:

  • هل ثمة شواهد لتلك المراحل التاريخية، أم أن الأمر كله مجرد تخمينات وافتراضات لا تزال بحاجة إلى إثبات؟
  • افتراض أن هذه المراحل موجودة في كل المجتمعات، ألا يُعد ذلك تجاهلا للتنوع الثقافي بين الشعوب؟
  • أن هذه المراحل تفترض أن التطور صار بمثابة انتقال من حالة أقل رقي إلى أكثر رقي، وبطبيعة الحالة يتخذ علماء الاجتماع الغربيون النموذج الغربي (برافديه الليبرالي والشيوعي) معياراً يقيسون به هذه المراحل.

ونظرة موضوعية إلى هذا النموذج الخطي الذي يفترضونه نجد العكس تماما، فمع الحداثة وما بعدها صار يعكس ردة انتقالية من حالة إنسانية أكثر رقيا، حيث بقايا من الدين المسيحي ودفء الأسرة بقوانينها، إلى حالة من الفوضى البهيمية أي ردة إلى البدائية الأولى. إذن التطور دائري كما قال ابن خلدون وليس خطي كما قال علماء الاجتماع الغربيون.

ويؤشر معمار الأسرة في هذه المجتمعات حاليا على انقراضها بالمفهوم الذي درجت عليه الإنسانية. إذ ورد في بيان إحصائي لتصنيف المنازل وقاطنيها من “الأسر” البريطانية لعام 2008 جاءت الأسر على النحو التالي:

  • عائلة ثنائية التكوين: أب وأم، وأولادهما.
  • عائلة ثنائية التكوين: أب وأم (مطلقان سابقان أو يعيشان سوية خارج رباط الزوجية)، وأولاده وأولادها، من علاقة أو زيجة سابقة.
  • عائلة ثنائية التكوين: أب وأم (يعيشان سوية خارج رباط الزوجية)، وأولادهما من هذه العلاقة، أو من علاقة أو زيجة سابقة.
  • عائلة أحادية التكوين: أم بمفردها (إما نتيجة الطلاق أو الترمل أو هجر عشيقها لها) وأولادها قد يكونون من أكثر من أب.
  • عائلة أحادية التكوين: أب بمفرده (إما نتيجة الطلاق أو الترمل أو هجر عشيقته له) وأولاده.
  • عائلة ثنائية التكوين: من جنس واحد (لوطيان أو سحاقيتان) يعيشان سوية مع أو من غير أولاد[12].
  • ثالثاً: الخلل الذي أصاب أدوار ووظائف الأسرة في النسق الدهري:

يمكن رصد مكامن الخلل الذي أصاب الأسرة في النسق الدهري من خلال المدخل الوظيفي، وذلك برصد الوظائف المنوطة بالأسرة.

الأسرة كما درج عليها الإنسان منذ بدء الخليقة، منوط بها عدد من الوظائف الجوهرية التي لا يمكن لأي مؤسسة اجتماعية أخرى القيام بها، وإن تم استحداث مؤسسات للقيام ببعضها فإنه لا يمكن أن تكون بكفاءة الأسرة.

 وكثيرة هي التقسيمات التي تناولت وظائف الأسرة، ولكن يمكن تحزيمها في أربع حزم رئيسة هي:

  • الوظيفة البيولوجية (السلوك الجنسي والإنجاب):

كانت وظيفة الإنجاب ولا تزال منوطة بالأسرة، ومرتبطة بها منذ وجود الإنسان على ظهر الأرض “وهي الوسيلة البيولوجية التي تمد المجتمع بالأفراد، والتي عن طريقها نضمن استمرار النوع الإنساني، ومن خلالها تنتقل المورثات التي تحملها الجينات”[13].

لكن مع “السعار الجنسي” الذي أصاب المجتمعات الدهرية، وصيرورة المادة هي المرتكز الأساس “لم يعد الهدف من العلاقة الجنسية محددا بالتكاثر ودعم الوحدة الاجتماعية، بقدر ما هو نزعة فردية لإشباع الغريزة الجنسية، وتحقيق الاستقرار البيولوجي الذي يجب تحقيقه لضمان الفاعلية في الأداء الاقتصادي”[14].

وبعد أن كان الزواج هو الإطار الشرعي لتكوين الأسرة وتحقيق الإشباع الجنسي والعاطفي، اختفت منظومة القيم المتعلقة بالنشاط الجنسي عند الأفراد، وأصبح النشاط الجنسي مرجعية ذاته، وأصبحت اللذة إحدى الآليات التي يستخدمها المجتمع العلماني الحديث في استيعاب الجماهير في عمليات الضبط الاجتماعي بعد أن كان يبذل جهوداً لمحاصرتها[15].

  • الحماية والأمن المادي والنفسي لأفراد الأسرة (النساء والأطفال):

 يحتاج الإنسان للغذاء والأمن المادي لينمو ويكبر، كذلك يحتاج إلى إشباع حاجاته النفسية من حب ودعم نفسي وتقدير، وهذا لا يمكن توفيره بشكل متوازن إلا من خلال الأسرة، فهي المكان الأول الذي يجد فيه الفرد الحنان والدفء الوجداني.

إلا أن الفكر الدهري الذي لا يرى إلا الجانب المادي الاقتصادي فحسب، حرّف هذه المفاهيم وادعى أن توفيرهذا الأمن المادي والنفسي -والذي هو بالأساس استجابة لفطرة بشرية و تنفيذا لأوامر ربانية توزع المهام حسب الطبيعة الفسيولوجية للذكر والأنثى-  إنما هو برأيهم القاصر لغاية خاصة وهي حماية المصالح الأبوية، فيقول أحد روادهم “يضمن الزواج تبعية المرأة والأولاد الاقتصادية وهي سمة رئيسية للعهد الأبوي، ومن جهة أخرى حمايتهم الاقتصادية والخلقية على أساس المصالح الأبوية، وبالتالي فإن المجتمع الأبوي لابد له بالضرورة من أن يحافظ على الزواج”.

وهذا التفسير الاقتصادي أحادي النظرة، يرجع إلى أنهم رأوا أن نشأة الأسرة بالأساس ليس لفطرة، وإنما بزعم الماركسية أنها نشأت بدافع اقتصادي. إذ لجأت المرأة إلى الرجل لأنها لا تقوى على الصيد، فعاشت معه مقابل توفير احتياجاتها، وفي زمن تستطيع المرأة ذلك فلا حاجة للأسرة ولا ضرورة للزواج، وبإمكان كل من الأنثى والذكر إشباع غرائزهم كما تشبع الحيوانات غرائزها، بل ترى الشيوعية أن هدم الأسرة ضرورة من ضرورات الانتقال إلى المجتمع الشيوعي[16].

وإذا ما تم هدم الأسرة فأين يجد الطفل الوليد أمنه النفسي والمالي؟

 بل إن الفكر الدهري يفتح الباب على مصراعيه ليس فقط لرفض الزواج، وإنما التنظير لعلاقات إنسانية حرة، فالارتباط بشخص واحد مرفوض برأيهم لسببين:

  • أن الزواج برأيهم يقمع الحب، والحرية الجنسية مع أشخاص كُثر. فيقول ويليهام رايش: “إن جميع العلاقات الجنسية بين شخصين هي قمعية، لأن هذه العلاقات مقفلة، محدودة، وهي تعارض إنشاء وحدات تعاونية أكبر”[17].
  • أن الزواج يتسم بالديمومة، وهذا يبعث السأم والملل، ومن ثم رفض العلاقات الجنسية طويلة الأمد، حتى وإن كانت غير شرعية، والبديل المطروح ما أطلقوا عليه (شركاء جنسيون مجددون) عبر علاقات مفتوحة وغير ثابتة، يقول رايش: “لن يفكر أحد في أن يأخذ على شخص ما، رفضه ارتداء الملابس طوال سنين أو سأمه من تناول نفس الوجبة باستمرار، لذا يوصي ويليهام رايش بسلوكين ممكنين لأجل تلطيف وهن الرغبة الجنسية: الانفصال النهائي عن الشريك، وإما خيانته بصورة مؤقتة”[18].
  • التنشئة الدينية والخلقية:

تمثل الأسرة الجماعة المرجعية الأولى للطفل في قيمه، ومعاييره، ومعارفه، فهي توفر للطفل المصدر الأول لإشباع الحاجات الروحية الأساسية له.

وكانت المؤسسة الكنسية -ومن خلال التعاليم المسيحية- تتبنى المفهوم الديني للأسرة، الذي يجعل من الرجل السيد، والزوجة التي عليها خدمة زوجها وصيانة أطفالها. وكانت أدوار الأم والأب واضحة فعلى الأولى الرعاية، وعلى الأخير الإنفاق. فجاء رد الفعل الحداثي عنيفا وجريئا، وصار من واجب الإنسان الجديد أن يرفض الأخلاق السائدة ويحرر نفسه منها، ويرفض التصور القديم للعائلة والمجتمع، وأن يسعى لتحقيق فرديته بلا قيود أو كوابح لاهوتية، وعليه أن يؤسس من جديد ما ينفعه قيمة وأخلاقا ونظام حياة[19].

وصار رفض الأسرة جزء من رفض الدين في هذه المجتمعات الدهرية، ولم يعد الدين في هذه المجتمعات مصدراً للقيم على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع، أو ما يطلق عليه هيمنة العلمانية والتي تولد عنها ما يسمى بـ “الفردية المطلقة” بمعنى أن الدين لا يستطيع أن يملي على الفرد كيف يفكر ويسلك، بل حق الفرد المطلق ألا يواجه أية عوائق تقف أمام “منفعته الفردية المطلقة وصارت قيم المجتمع تنشأ وتختفي تبعاً لمدى ما يعظم منافع الأفراد المادية”[20].

أي لم تعد القيم ثابتة بعكس المجتمعات الإسلامية ذات المرجعية الدينية، لا تتبدل قيمها مع الزمن مثال ذلك: ستظل المجتمعات الإسلامية ترى في ممارسة الجنس من خلال مؤسسة الزواج قيمة أساسية لا تتبدل مع الزمن، أما في المجتمعات الدهرية -في ظل العلمانية- تتولد القيم انعكاسا لمصلحة الفرد أو مجموعة الأفراد، وهذا ما يفسر مطالب المثليين والزناة و … والتي تتحول إلى قوانين تتغير يوماً بعد يوم!

مثال ذلك تعديل القانون الكندي عام 1972 ليجيز الممارسة الجنسية المثلية ويجعلها مقبولة قانونا، والبيان الرئاسي الأمريكي الأخير الذي أقر لهؤلاء الشواذ المساواة مع الطبيعيين في كافة امتيازاتهم، ومنع التمييز ضدهم، وعلى حد ما ورد بالبيان الرئاسي: “نحن فخورون بالاحتفال بيوم المتحولين جنسيا.. لمزيد من الحماية الكاملة للحقوق المدنية للأمريكيين المتحولين جنسيا، يجب علينا تمرير قانون المساواة وتوفير الحماية الفيدرالية للحقوق المدنية التي طال انتظارها على أساس التوجه الجنسي والهوية الجنسية”[21].

  • التنشئة الاجتماعية:

تتجلى هذه الوظيفة في تنشئة الأبناء، ويبدو تأثيرها خاصة في السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل، ففي هذه السنوات يتم تعريف الطفل بذاته، وتنمية مفهومه لنفسه، وتعليمه المعايير الاجتماعية ليعرف حقوقه وواجباته، بما يساعده فيما بعد على التكيف الاجتماعي، لكن حتى هذه الوظيفة ضُربت في مقتل، فقد سحبت الحضانات ومنازل إيواء الأطفال هذه الوظيفة بالأخص من الأسرة، فضلا عن توزع الطفل بين أكثر من شريك للأم “العزباء”، أو شريكات متعددات للأب “المستقل”، والأخطر من ذلك أنه حتى في الأسر التي يجتمع فيها الأبوان سادت ثقافة تدمر تنشئة الطفل، إذ “أصبح ينظر للحقوق الخاصة في إطار الأسرة على أنها محكومة بالإرادة المحضة، لذا قد تتحول معاشرة الرجل لزوجته إلى اغتصاب، وبالمقابل فإن ممارسة المرأة لذات الحق مع رجل غريب في عش الزوجية برغبتها حرية مكفولة قانوناً”[22].

  • رابعاً تداعيات التطور المفاهيمي للأسرة:

الأمر الذي لا شك فيه أن ثمة عاملين رئيسيين أديا إلى إحداث تطور مفاهيمي للأسرة منذ البواكير الأولى للحداثة الغربية:

أولها: العلاقة الجدلية المضطربة بين العلماء ومنهم علماء الاجتماع من جهة، ورجال الدين المسيحي من جهة أخرى.

ثانيها: التطورات العلمية والاجتماعية السريعة التي شهدها الغرب.

التداعيات:

  • انخفاض معدلات الزواج:

تشير الإحصاءات على ضفتي الأطلسي إلى “أن معدّلات الزواج في الاتحاد الأوروبي، بين عامي 1960 و2011، انخفضت بنسبة 50 بالمائة، في حين أن من بين ألف شخص، تزوّج 7.8 شخصاً في العام 1965، فإن هذا المعدّل تراجع إلى 4.2 في العام 2011”[23]، وفي الولايات المتحدة الأمريكية بلغت نسبة المتزوجين عام 1960م 72% لتصل إلى 51% عام 2010 وفقاً لمركز (Pew) للأبحاث[24].

وثمة عوامل عدة تفسر سبب تراجع معدلات الزواج (كما يراها الغربيون):

  • ضغوط العمل التي لا تترك متسعا من الوقت للقاء شريك.
  • الرغبة في العيش بحرية من دون التزامات ومتطلبات يومية.
  • صعوبة الطلاق، فقوانين بعض البلدان الأوروبية تتطلب من الزوجين أن يبقيا سنة كاملة بعد تقديم أوراقهما إلى المحكمة بغية الطلاق؛ للتأكد من أنّ هذا القرار نهائي، بالإضافة إلى ما يرتبط به من محاصصة مالية (اقتسام الممتلكات)، ليفضّل كثيرون البقاء معاً لكن من دون علاقة زوجية؛ تجنباً للإجراءات.
  • تكاليف الزواج الباهظة، وأيضا قبول المجتمع فكرة المساكنة، وتأسيس أسرة، من دون عقد زواج.
  • كما أنّ الأطفال الذين يولدون خارج العلاقة الزوجية، يلقون المعاملة نفسها في المدرسة أو الروضة كالأطفال الذين يولدون من أب وأم متزوجين.
  • الحكومات الغربية صارت تعطي للأفراد العزاب امتيازات كانت تقتصر على الأزواج، مثال ذلك صار للشركاء الذين يعيشون معًا دون زواج، بإمكانهم تبني طفل، ودفع الضرائب معًا.

وكثيرة هي الدراسات الغربية التي باتت تدق ناقوس الخطر مؤخرا، ونتساءل هل هيمنة الزواج الرسمي التقليدي على العلاقات يقترب من نهايته بفعل الحداثة المدمرة التي دمرت الأعراف المجتمعية، والتي جعلت “الزواج الرسمي قد يستمر، ولكنه يتحول ويصبح أكثر هامشية. وفي مكان الزواج الرسمي تظهر حديقة حيوانات جديدة، فهناك علاقة عفوية لشركاء يدرسون الأفعال والأفكار، قبل أن يلزموا أنفسهم بعلاقة زوجية رسمية، وهناك مرشد ميداني للترتيبات البسيطة، من العيش منفصلين وبعناوين مستقلة للممارسة الجنسية المتعددة الأزواج”[25].

  • ارتفاع معدلات الطلاق:

وذلك نتيجة طبيعية للتعديلات المتلاحقة التي تطرأ على القوانين هناك، فالبدائل القانونية للزواج أصبحت متاحة أكثر انتشارًا، مثل الشراكة المسجلة والحياة المشتركة والعقد المدني، كما تغيرت التشريعات الوطنية لمنح المزيد من الحقوق للأزواج غير المتزوجين.

وقد أعلنت المنظمة الأوروبية للإحصاء (يوروستات) أنه على مدى العقود الماضية، شهدت إحصائيات الطلاق والانفصال الزوجي في أوروبا ارتفاعا كبيرا، فقد سجلت مصالح الحالة المدنية في دول الاتحاد الأوروبي عام 2017 حالتي طلاق لكل 1000 شخص، أي زيادة بنحو الضعف عن معدل الطلاق المسجل في العام 1965م الذي كان يبلغ حوالي 0.8 حالة طلاق لكل 1000 شخص[26].

ففي البرتغال، كانت نسبة الطلاق في العام 1960 لا تتجاوز الواحد بالمائة، فإن تلك النسبة ارتفعت إلى 64 بالمائة، وحققت البلاد بذلك القفزة الأعلى بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

أما في إيرلندا، التي لم تكن تسمح بالطلاق حتى العام 1997، فقد ارتفع المعدّل من أقل من حالة طلاق واحدة لكل مائة زواج، إلى حوالي 15 حالة طلاق لكل مائة زواج.

وفي إسبانيا ارتفعت معدّلات الطلاق، إذ بعد أن كانت نسبتها في العام 1981 نحو 5 حالات طلاق لكل مائة زواج، فقد ارتفعت مع حلول العام 2011 لتصل إلى 57 حالة طلاق لكل مائة زواج، لتحتل إسبانيا بذلك المرتبة الثالثة تلتها مباشرة فرنسا التي سجّلت 56 حالة طلاق من بين كل مائة زواج في العام 2011.

وفي إيطاليا سُجّلت 4 حالات طلاق لكل مائة زواج في العام 1971، أي بعد عام من سنّ قانون يجيز الطلاق، غير أن معدّل الطلاق ارتفع ليصل إلى 50 حالة لكل مائة زواج، فيما قفزت حالات الطلاق في لوكسمبورغ من 7 حالات لكل مائة زواج في العام 1960 إلى 62 حالة طلاق في العام 2017.

وفي مالطا سُجِّلت النسبة الأقل لحالات الطلاق، إذا بلغت (10.6 في المائة) وفي أيرلندا (14.9)، ولكن أيضًا في رومانيا ارتفع الطلاق 3 نقاط فقط إذ بعد أن كان معدّل الطلاق يبلغ 18.7 لكل حالة زواج أصبح 21.8 لكل مائة حالة زواج[27].

  • الإنجاب خارج إطار الزواج:

انفصل الجنس عن الزواج، كما انفصل الزواج عن الإنجاب “حيث زاد الإنجاب خارج إطار العلاقة الشرعية هروبا من تكاليف التقاضي والطلاق، وظهر تأجير الأرحام والعلاقة المأجورة التي تقوم المرأة من خلالها بتأجير رجل يمارس معها العلاقة -من أجل الإنجاب- مقابل مبلغ مالي على ألا يطالب بأي حقوق ووصاية تجاه المولود”[28].

سجلت ألمانيا خلال عام 2010 أكبر عدد للأطفال المولودين خارج نطاق الزواج في تاريخها، فقد كشفت مصادر مكتب الإحصاء الاتحادي في أغسطس2011 أن واحدا من بين كل ثلاثة أطفال ولدوا العام الماضي لأبوين غير متزوجين، وارتفع عدد الأطفال المولودين خارج نطاق الزواج في ألمانيا لأكثر من الضعف خلال الـ 20عاماً الأخيرة[29].

وترجع هذه الزيادة إلى التعديلات القانونية التي أعطت مشروعية قانونية للأطفال المولودين خارج نطاق الزواج، فأصبح الكثير من الآباء والأمهات في ألمانيا يؤجلون فكرة الزواج الرسمي أو يتخلون عنها تماما.

كما كشف مكتب الإحصاء الأوروبي أن 43% في المتوسط من الأطفال المولودين في الاتحاد الأوروبي سنة 2016، تم إنجابهم خارج إطار العلاقات الزوجية، وأظهرت البيانات الأخيرة التي نشرها المكتب الإحصاء الأوروبي، أن عدد الأطفال المولودين خارج إطار الزواج ارتفع بنسبة 15 بالمائة مقارنة بالعام 2000[30].

وتحظى فرنسا بنصيب الأسد في نسبة الولادات خارج الزواج، فقد حققت النسبة الأعلى، والبالغة 59.7% من المواليد الأحياء خارج نطاق الزواج في دول الاتحاد الأوروبي، بما يعادل ستة مواليد من كل عشرة أطفال ولدوا لأبوين غير متزوجين في فرنسا عام 2016[31].
والإشكالية الأخطر في العلاقات غير الشرعية هذه، تداعياتها العنيفة على الأطفال. فقد نشرت وكالة فرانس 24 أن تعدد العلاقات “الرسمية” في فرنسا إلى: زواج، معاشرة دون زواج، أو ارتباط وفق عقد مدني يمضي لدى السلطات المعنية ويسمح للمرتبطين بدفع الضرائب بصفة مشتركة رفع أعمال العنف داخل الأسر سواء بين الشركاء أو الأطفال الذين شهدوا هذا العنف. وقد نشر بيان مشترك من قبل وزير الداخلية (جيرار كولومب) وكاتبة الدولة المكلفة بالمساواة بين المرأة والرجل (مرلان شيبا) قالا فيه: “هذه الجرائم تكون غالبا مسبوقة بعنف زوجي يجب الانتباه إليه… فمن الضروري أيضا حماية الأطفال حتى لا يكونوا شهودا على جرائم يمكن أن يعيدوها لاحقا”[32].

  • ارتفاع عدد الملاجئ وبيوت المسنين:

نتيجة انهيار مفهوم الأسرة ووظائفها؛ زادت عدد دور إيواء الأطفال (ملاجئ وحضانات)، وكذلك دور إيواء المسنين. والعلاقة بينهما طبيعية، فالأولى تضم أبناء بلا آباء، والأخيرة تضم آباء بلا أبناء.

ألمانيا وحدها على سبيل المثال بلغ عدد دور إيواء المسنين فيها 13 ألفا، والعدد يشهد زيادة مطردة لزيادة عدد الأشخاص الذين سيحتاجون للرعاية في العام 2030 من 2.8 مليون حالياً إلى 3.4 مليون[33].

أما عن الطفل فحدث ولا حرج، زيادة جنونية في عدد الأطفال حديثي الولادة المتخلى عنهم إلى حد بدأت هذه الدول سواء بسن قوانين على المستوى الرسمي أو تأسيس مراكز استقبال من قبل المجتمع المدني للحد من ظاهرة تركهم في الأماكن العامة!

مثلما قامت به (كابريلا شتانغل) في ألمانيا بتأسيس مركز لاستقبال الأطفال حديثي الولادة المتخلى عنهم، بما يمكن للنساء بعد الولادة وضع أطفالهن في هذا المركز، وذلك بوضع الطفل عند باب المركز والضغط على جرس الإنذار، ليتم أخذ الطفل إلى الداخل.

 كذلك تم سن “قانون الولادة السرية” والذي شهد تغييرات في عام 2013، ومع حلول مايو 2014 دخل حيز التنفيذ. وبموجب هذه التعديلات يحق للمرأة الولادة في أي مستشفى أو مركز للتوليد بدون الحاجة لإعطاء بياناتها كاملة كالاسم والعنوان، لكن بشرط أن تسجل نفسها قبل حلول موعد الولادة لدى أحد مراكز الإرشاد التي يبلغ عددها في مجموع ألمانيا حوالي 1600 مركز. وبحسب بيان صادر عن وزارة الأسرة الاتحادية، فإنه بموجب القانون الجديد سيكون متاحا للمرأة الحامل التي ترغب في الإبقاء على سرية بياناتها عدم الكشف عن هويتها إلا بعد مرور 16 عاما على الأقل ابتداء من يوم الولادة، ويذكر البيان أيضا أن المرأة يجب أن تعطي بياناتها لموظفة الخدمة الاستشارية فقط التي تلتزم بدورها بإبقاء هذه البيانات سرية والحفاظ عليها بشكل آمن، كما تلتزم الأم بتسليم المولود بشكل اختياري للتبني”.[34]

  • دفع النساء نفقة الزوج والطفل حين الطلاق:

بعد أن كان الرجال يتذمرون من دفع النفقة المالية لزوجاتهن السابقات، تشكو النساء حاليا من انقلاب المعادلة. ففي ظل تدرج النساء في السلم المهني وتقاضيهن رواتب تفوق رواتب أزواجهن، فهن يجبرن عندما يغيب الحب ويتفكك الزواج، على المساهمة في معيشة أزواجهن السابقين، ما دفع بعضهن إلى إبداء استيائهن من هذا الواقع الجديد.

ووفقا للأكاديمية الأميركية لمحامي الزواج، أشار 56% من المحامين في الولايات المتحدة إلى ارتفاع في معدّل الأمهات اللواتي يدفعن نفقة الأطفال خلال السنوات الثلاث المنصرمة، فيما لفت 47% منهم إلى ارتفاع عدد النساء اللواتي يتكبدن نفقة الزوج[35].

  • أسر الشواذ:

 سادت الغرب موجة عارمة ليس فقط بإباحة الشذوذ وتقنينه، بل جعله معياراً لتصنيف الدولة كدولة ديمقراطية أم لا، وثمة تنافس بين ضفتي الأطلسي على الترويج لهذه الديمقراطية الزائفة بفتح باب الهجرة للشواذ؛ كي يشكلوا أسراً!

 أصدر المكتب الاتحادي الأوروبي للهجرة واللاجئين مذكرة قانونية، تشرح في بندي (7، 8) أحقية الشواذ سواء كانوا أفراداً، أو أزواجاً شواذ، سواء كانوا رجال أم نساء، كيفية التقدم لطلب اللجوء إلى أي من دول الاتحاد الأوروبي، باعتبار أن زواجهم من نفس الجنس غير مقبول في بلدانهم حتى وإن لم تجرم بعض هذه البلدان المثلية الجنسية، لكنها لا تزال أمراً غير مقبول اجتماعياً في دولهم بما قد يعرضهم لشيء من الاضطهاد يعجزوا حينها عن أن يعيشوا -على حد ما ورد بالمذكرة- حياة زوجية طبيعية كزوجين من نفس الجنس[36].

وكذلك الحال في الولايات المتحدة الأمريكية، فتحت باب الهجرة على مصراعيه لدخول الشركاء من نفس الجنس، كما هو الحال مع الأزواج من جنسين مختلفين، بمعنى أنه صارت الخُطوبة تسمح لخطيب من نفس الجنس بالدخول إلى الولايات المتحدة من أجل الزواج، طالما استوفى جميع المتطلبات الأخرى للهجرة. وذلك وفقاً لما قضت به المحكمة العليا في يونيو 2015 بأن الشريكين من نفس الجنس يمكنهما الزواج في أي ولاية من الولايات المتحدة الأميركية، وكان قبل هذا الحكم، 37 ولاية فقط بالإضافة إلى منطقة العاصمة واشنطن، هي التي تعتبر الزواج من نفس الجنس إجراء قانونيًا. وكان قد سبق أن صرح وزير الخارجية الأمريكي أن: “كل زوجين سوف يُعاملان بنفس الطريقة تمامًا”، مُعلنًا بذلك عن إدخال تغيير في عملية إصدار تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة للأزواج من نفس الجنس في 2 أغسطس 2013[37].

وهذه التصريحات الرسمية والأحكام القضائية، والتسابق بين ضفتي الأطلسي في منح حق اللجوء لأسر الشواذ، لم تظهر للعلن بشكل عشوائي، وإنما مناخ دولي يتم تهيئته لعولمة نمط الحياة الغربية الذي يقبل هذا الشذوذ ويفخر به، بل ويقدم نماذج -على كافة المستويات- كي يجد الشواذ حواضن شعبية في دولهم الأم:

  • أعلى مستويات السلطة السياسية: فها هي يوهانا سيغوردوتيير رئيسة وزراء إيسلندا والتي انتخبت بنجاح لثمان مرّات في البرلمان كممثلة للشعب قبل وصولها لمقعد الرئاسة، هي أول رئيسة وزراء تصرح بهويتها الجنسيّة الشاذّة كسحاقيَة، وتحظى بذلك على تقدير الدولة، أما “ليو دي روبو” رئيس وزراء بلجيكيا الملحد العقلاني جداً كما يصنّف نفسه، فهو أول رئيس وزراء يعلن عن مثليته وشذوذه الجنسيّة ويعتبر اللواط سببا من أسباب نجاحه وإبداعه وتفوقّه في المراكز الرياديّة [38].
  • على مستوى التشريعات: دول كثيرة جدا تقرّ قوانين تحفظ حقوق المثليين، والزواج المثلي بكافة حقوقه على رأسها هولندا التي بدأت مسيرتها “القانونية” هذه منذ مطلع القرن الواحد والعشرين والتي بها أكثر من 16 ألف حالة زواج مثلي قانوني، ثم بلجيكيا وكندا وأسبانيا وجنوب إفريقيا والنرويج والسويد وإيسلندا بالطبع والبرتغال والأرجنتين والدنمارك والأورغواي وفرنسا التي تنتظر التصديق ليصبح بذلك قانون المثليين بها واحدا من إنجازات هولاند الذي حرص على إنجاز وعوده الانتخابية لناخبيه[39].
  • أعلى مستويات السلطة الدينية: دافع البابا فرنسيس عن حق الأزواج المثليين في العيش ضمن “اتحاد مدني” يحميهم قانونا، قائلا: أن “المثليين جنسيا لهم الحق في أن يعيشوا في أسرة. إنهم أبناء الرب ولهم الحق في تكوين عائلة”. من ثم “المطلوب هو قانون اتحاد مدني، فلهم الحق في أن يحصلوا على غطاء قانوني. لقد دافعت عن ذلك”[40].

والنتيجة الطبيعية لهذا التصريح أن يكون هناك حراك حقوقي واسع يقوم به الحاخامات والكهنة المعروفين بشذوذهم الجنسيّ المريض في عدّة كنس بأوربا وأميركا يطالبون بحقّهم الشرعيّ بالشذوذ وشرعنة لسلوكهم هذا.

  • على المستوى الأممي: دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان في سبتمبر 2017 الحكومات في اجتماع وزاري -نظمته الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن وضع حدٍّ للعنف والتمييز ضد المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية وحاملي صفات الجنسين- إلى اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة الكفيلة بجعل المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية وحاملي صفات الجنسين بمأمن من الضرر والتمييز. قائلا: “ندعو كل الحكومات إلى أن تسمح للأشخاص بأن يحبوا من وقع عليه خيارهم وإلى حظر التمييز ومعالجة جرائم الكراهية والتهويل السائد في المدارس إلى حدٍّ كبير”[41].

الخلاصة:

لا نجد كلمة تعبر عن هذا الوضع المأساوي للأسرة في المجتمعات الدهرية سوى أن نستعير مقولة لرئيس جمهورية التشيك “فاكيلاف هافل” عن الجانب التفكيكي في الحضارة الغربية: “هذا الوضع له علاقة بأننا نعيش في ظل أول حضارة ملحدة في التاريخ البشري. فلم يعد الناس يحترمون ما يدعى القيم الميتافيزيقية العليا والتي كانت تمثل دعامة للناس وأفقاً لهم ولكنها فقدت الآن. وتكمن المفارقة، أننا بفقداننا إياها نفقد قبضتنا على المدنية”[42].

                                                                                                                           مركز باحثات لدراسات المرأة


[1]  باحثة دكتوراه، علاقات دولية.

[2] لمزيد من التفاصيل، انظر: مارتين سيجالين، الأسرة.. نهاية النموذج الوحيد، ترجمة مصطفى قمية، الجمعية العربية لعلم الاجتماع، مجلة إضافات، العددان 41- 42، 2018، ص 242،243.

[3] خليل أحمد خليل، المفاهيم الأساسية لعلم الاجتماع، مصر: دار الحداثة، 1984، ص60.

[4] عبد الحميد الخطيب، نظرة في علم الاجتماع المعاصر، القاهرة: مطبعة النيل، 2002، ص358.

[5] Raymond Boudon,Philippe Besnard etd’autre:Dictionnaire de Sociologie.Larousse,France,2005,p97.

[6] Josef Sumpf et Michel Hugues : Dictionnaire de Sociologie. Librairie,Larousse,Paris,1973, p131.

[7] https://bit.ly/323TZJ1 .

[8] LE DICTIONNAIRE ENCYCLOPEDIQUE,QUILLET ,Librairie Quillet ,Strasbourg.في: https://bit.ly/3dVAckr .

[9] غريب سيد أحمد وآخرون، علم اجتماع الأسرة، مصر: دار المعرفة الجامعية، 2001، ص118.

[10] سعيد حسني العزة، الإرشاد الأسري: نظرياته وأساليبه العلاجية، عمان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2000، ص13.

[11] أحمد يحيى عبد الحميد، الأسرة والبيئة، الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث، 1998، ص14.

[12]  صحيفة الديلي ميل البريطانية، عدد 27، يونيو 2008م، في:

عز الدين معميش، منظومة القيم الأسرية في الفكر الغربي الحديث: رؤية تحليلية نقدية في:

رائد جميل عكاشة، منذر عرفات زيتون (محرران)، الأسرة المسلمة في ظل التغيرات المعاصرة، هرندن – فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1436هـ – 2015م، ص356 – 357.

[13]  الأسرة أدوار ووظائف، ص31، على هذا الرابط: https://bit.ly/3t8bPqp .

[14] عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، القاهرة: دار الشروق، ط2، 1426هـ – 2005، ج2، ص159.

[15]  عبد الوهاب المسيري، فتحي التريكي، الحداثة وما بعد الحداثة، دمشق: دار الفكر، 2003، ص58.

[16] سدني هوك، التراث الغامض: ماركس والماركسيون، ترجمة سيد كامل زهران، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986، ص 51- 53.

[17]  ويليهام رايش، الثورة الجنسية، في: رايموت رايش، النشاط الجنسي وصراع الطبقات، بيروت: دار الآداب، 1986، الطبعة الثالثة، ص244- 254.

[18]  المرجع السابق، ص258.

[19] عبد الوهاب المسيري، دراسات معرفية في الحداثة الغربية، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 1427هـ- 2006م، ص128.

[20] محمد خالد المعاني، الأسرة المسلمة بين فوضى العلمانية ونظام الإسلام، في:

رائد جميل عكاشة، مرجع سبق ذكره، ص514.

[21] https://bit.ly/3g05IR6 .

[22]  عز الدين معميش، مرجع سبق ذكره، ص531.

[23] https://bit.ly/3wIxQy6 .

[24]  لماذا تقل معدلات الزواج الأمريكية بشكل حاد، 9 يناير 2012، على هذا الرابط: https://bbc.in/2QhEKtf .

[25] https://bit.ly/3wOmLvg .

[26] ارتفاع معدلات الطلاق في أوروبا، 11/07/2020: https://bit.ly/3s9U1Kb .

[27] https://bit.ly/3ta8kjc .

[28] عز الدين معميش، مرجع سبق ذكره، ص155.

[29] https://bit.ly/3seSD9e .

[30] https://bit.ly/3t8YPAx .

[31] https://bit.ly/2RrJL3h .

[32] https://bit.ly/3a4xIPE .

[33] https://bit.ly/3fYudxZ .

[34] https://bit.ly/3dcHO3f .

[35]  كارول يمين، في أمريكا.. النفقة من حق الزوج، 14 مايو 2012. على هذا الرابط: https://bit.ly/2QbRXE4 .

[36]  لمزيد من التفاصيل، انظر: https://bit.ly/2RrK3Hp .

[37] تأشيرات دخول للأزواج من نفس الجنس، 1 يوليو 2015، https://bit.ly/3mDl6UH .

[38] https://cutt.us/i3Nnq .

[39]  المرجع السابق.

[40]  بابا الفاتيكان: من حق المثليين تكوين أسرة، 22-10- 2020، على هذا الرابط: https://bit.ly/3fXt61H .

[41] https://bit.ly/2OEs0wB .

[42] غبد الوهاب المسيري وفتحي التريكي،  الحداثة وما بعد الحداثة، دمشق: دار الفكر، 2003، ص146.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز