مقالات: المرأة المسلمة وسؤال الخلق والتكليف

أ.زينب صلاح

لطالما كانت كثير من قضايا المرأة المسلمة في بلادنا مثارًا للنقاش والجدل على مدار عقود مضت، ولا تكاد السجالات تنتهي حول ما يتعلق بالمرأة المسلمة: منزلتها، وحقوقها، وواجباتها، وعلاقتها بالرجل، وأدوارها، وما خُلقَت عليه من أمور طبيعية، وما ارتبط بها في الشرع من أحكام. وكلما كثر الجدل كلما زاد الغبش، حتى طال كثيرًا من المسلمات شتاتٌ في تصوراتهن، لا عن الأحكام الشرعية فحسب، بل عن الأصول التي بنيَت عليها الأحكام، وعن الرؤية الكونية التي يقدمها الإسلام للأنثى عموما. ولما كان الأمر كذلك، فإنه من الأفضل أن نعيد سرد نظم التصور من البداية، تذكيرًا بثوابته وتأكيدا لها، ومناقشة لبعض مكامن الخلل التي تواجهنا تجاهها، وإجابة -في حديثنا الحالي وما يتلوه بإذن الله- عن بعض الأسئلة الكبيرة التي تشكل أساسًا ينبني عليه العمل. وأول هذه الأسئلة هو ما تناقشه هذه المقالة: سؤال الخلق والتكليف.

لقد خلق الله بني آدم -ذكورًا وإناثًا- خلقًا كريمًا، وأكَّد على معنى عبوديتهم لربهم وأنهم لم يُخلَقوا سُدى وهملا، بل هم مأمورون بأشياء ومنهيّون عن أشياء، ومبشَّرون بالجنة إذا أطاعوا، ومنذَرون النارَ إذا عصوا فقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُون﴾ [الذاريات ٥٦] وقال: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِی خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ٢١]. وهذا يعني أن الرؤية الإسلامية للإنسان عمومًا تنطلق من كونه عبدا لله، وعليه فإنه يستمد مرجعيته بالكامل من الله سبحانه، ويكتسب تصوراته وقِيَمه وكذا حقوقه وواجباته وفق خبره وأمره. وهذا الخلق الكريم عام في جنس البشر -رجالا ونساءً- فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا[الإسراء 70]. قال الطاهر ابن عاشور رحمه الله: “والمُرادُ بِبَنِي آدَمَ جَمِيعُ النَّوْعِ، فالأوْصافُ المُثْبَتَةُ هُنا إنَّما هي أحْكامٌ لِلنَّوْعِ مِن حَيْثُ هو، كَما هو شَأْنُ الأحْكامِ الَّتِي تُسْنَدُ إلى الجَماعاتِ.”[1]. وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء ١]. فأصل خلق الإنسان واحد وهو آدم عليه السلام، ثم خلق الله سبحانه حواء عليها السلام من آدم، ثم يتساوى سائر الرجال والنساء من بعدهما في التولد من ذكر وأنثى انتهاء إلى ذلك الأصل الواحد، وفي ذلك يقول الإمام الطبري رحمه الله: “..جميعهم بنو رجل واحد وأم واحدة، وأن بعضهم من بعض، وأن حق بعضهم على بعض واجبٌ وجوبَ حق الأخ على أخيه، لاجتماعهم في النسب إلى أب واحد وأم واحدة”[2]. فالمرأة تشترك مع الرجل في الأصل الإنساني وليست مخلوقة من نوع مغاير له، وهذا أصل كبير ينبني عليه أن كل خطاب يخاطب الله تعالى به الناس من وصف أو إعلام أو أمر فإنه يشمل المرأة ولا يقتصر على الرجل وحده إلا ما دل عليه الدليل. ومما يدل على هذا ما رواه الإمام مسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنها الذي فيه ذكر الحوض، قالت: “فَلَمَّا كانَ يَوْمًا مِن ذلكَ، وَالْجَارِيَةُ تَمْشُطُنِي، فَسَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُ: أَيُّهَا النَّاسُ فَقُلتُ لِلْجَارِيَةِ: اسْتَأْخِرِي عَنِّي، قالَتْ: إنَّما دَعَا الرِّجَالَ وَلَمْ يَدْعُ النِّسَاءَ، فَقُلتُ: إنِّي مِنَ النَّاسِ”[3].

ومن عجَبٍ أن بعض الناس يريدون التشويش على أصل كمال الصفة الإنسانية للمرأة بالاختلاف بين آدم وحواء عليهما السلام في زمن الخلق وطبيعته، فيقولون أن المرأة أوضع منزلة في إنسانيتها من الرجل، ويعترضون بثلاثة اعتراضات:

الأول: أن آدم عليه السلام خُلِق قبلها كما هو ظاهر قول الله سبحانه: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر ٦].

والثاني: أنها خُلِقَت خلقًا أعوج: من ضلعه ويستشهدون بما جاء في الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استوصوا بالنساء؛ فإن المرأة خلقت من ضِلَع، وإن أعوج شيء في الضّلع أعلاه، إن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، استوصوا بالنساء خيرًا[4].

والثالث: أنها خُلِقت لإمتاعه وليس لعبادة الله ابتداءً، ويستشهدون بمثل قول الله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا[الأعراف ١٨٩].

والحق أن هذه الاعتراضات الثلاثة ليس لها وجه مستقيم. فأما الاعتراض الأول وهو أن آدم عليه السلام خُلق قبل حواء، فردُّه من ثلاثة أوجه:

أولًا: أن مجرد التقدم الزمني لا يلزم منه الفضل، فإبليس -لعنه الله- خُلِق قبل آدم وليس أشرف منه، بل قد يُخرج الله الشريف من الوضيع والصالح من الفاسد، وقد عُلِم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو خير الأنبياء وهو خاتمهم، فلا محل لهذا الاستدلال.

ثانيًا: أنه على فرض هذا اللزوم، فإنه يختص بآدم وحواء وليس بكل ذكر وأنثى لأن هذا التقدم غير حاصل في المتولِّد بعدهما من بني آدم. وقد ثبت أن الله سبحانه خلق آدم بيديه كما قال سبحانه: “قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ” [ص: 7]. ولكن هذا مما خص الله به آدم عليه السلام وهو أبو البشر كما أن حواء أمهم.

ثالثًا: أنه على فرض هذا اللزوم، فإن وجود نوع من التفاضل لا يلزم منه التفاضل في الأصل الإنساني، والتساوي في معنى الإنسانية لا ينتقض بوجود تفاضل عام بين أجناس البشر فضلا عن أن يكون يقتضيه بين الأفراد.

وأما الثاني وهو أن المرأة خُلِقَت من ضلع، فردُّه من أربعة أوجه:

أولًا: أن الحط من إنسانية المرأة أو ذمِّها مطلقًا ليس مقصودًا من الحديث، بل بداية الحديث ونهايته تدل على خلافه، وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم: “استوصوا بالنساء”، “استوصوا بالنساء خيرًا”، وكذلك قوله: “إن ذهبت تقيمه كسرته”.

ثانيًا: أن شراح هذا الحديث تنوعت أقوالهم في معناه واشتهر منها قولان: أحدهما: أن حواء أخرِجَت من ضلع آدم كما تخرج النخلة من النواة، والآخر: أنه أريدَ به ضرب المثَل بأنها لا تستقيم على طريقة الرجل[5]. وعلى كلا القولين فإن هذا الحديث يدل على أن طبائع المرأة ليست مطابقة لطبائع الرجل، بل هي بالنسبة لها معوجَّة ومما يؤكد هذا ما جاء في بعض روايات الحديث من قوله عليه الصلاة والسلام “لن تستقيم لك على طريقة”[6]. ولكنا نقول أن معنى المفارقة في الطبائع لا يتعارض مع معنى كمال الصفة الإنسانية، بل حتى التفضيل في الطبائع -على فرض ثبوته إن قيل بإطلاق الاعوجاج- لا يتعارض مع هذا المعنى.

ثالثًا: أن هذا الاعوجاج وإن كان لا يتفق مع مقتضيات رأي الرجل من وجه، إلا أن فيه اتساقًا مع بعض ما يميز المرأة فهو ليس من الذم لها، وممن أشار لهذا المعنى ابن هبيرة رحمه الله في تعليقه على أن أعوج ما في الضلع أعلاه بقوله: “يعني به صلى الله عليه وسلم -فيما أراه- أن حنوها الذي يبدو منها إنما هو عن عوَج خُلِقَ فيها، وهو أعلى ما فيها من حيث الرفعة على ذلك، فإن أعلى ما فيها الحنو، وذلك الحنو فيه عوج”[7].

رابعًا: أن اعتبار هذا الاختلاف بين طريقة الرجل والمرأة هو الأصلح لهما معًا وأن محاولة تغييره تفضي إلى شر، ويظهر هذا من بيان النبي صلى الله عليه وسلم: “إن ذهبتَ تقيمه كسرتَه، وإن تركته لم يزل أعوج”، وهذا يدل على أن معنى الاعوجاج المذكور في الحديث لا يضر المرأة من حيث إنسانيتها وليس فيه دلالة للحط من شأنها.

وأما الاعتراض الثالث، وهو أن المرأة لم تُخلق للعبادة ابتداءً، فممن قال به الفخر الرازي رحمه الله، عند تأويله لقول الله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[الروم ٢١]، فقال: “وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا تَكُونَ مَخْلُوقَةً لِلْعِبادَةِ والتَّكْلِيفِ، فَنَقُولُ: خَلْقُ النِّساءِ مِنَ النِّعَمِ عَلَيْنا وخَلْقُهُنَّ لَنا وتَكْلِيفُهُنَّ لِإتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْنا لا لِتَوْجِيهِ التَّكْلِيفِ نَحْوَهُنَّ مِثْلُ تَوْجِيهِهِ إلَيْنا ….. لَكِنَّ النِّعْمَةَ عَلَيْنا ما كانَتْ تَتِمُّ إلّا بِتَكْلِيفِهِنَّ لِتَخافَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ العَذابَ فَتَنْقادُ لِلزَّوْجِ وتَمْتَنِعُ عَنِ المُحَرَّمِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَظَهَرَ الفَساد”[8]، ولم أقف على مفسر آخر قال بمثل ما قاله الرازي هنا، بل هذا القول يردده كثير من أعداء الإسلام في هذا العصر. وهو قول ظاهر الفساد، وردُّه من ستة أوجه:

أولًا: أن المقصود من خلق الزوج من النفس له وجهان عند جماهير المفسرين: أحدهما: أنه خلق حواء من آدم كما تقدم، والآخر: أنه خلق الأزواج من نفس الجنس. وكلا القولين يدلان على أن منَّة الله سبحانه على عباده بحصول السكن هي من هذا الجانب، أي أنه خلق زوجًا من نفس آدم أو من نفس جنسه ليحدث سكنه إليها لهذا السبب (لأنها من نفس جنسه)، لا أنه خلقها ابتداء لمجرد أن يسكُن إليها![9].

ثالثًا: أن هذا القول يستلزم أن تكون المرأة المسلمة التي لا زوج لها غير محققة للغاية الأصلية التي خُلِقت لها، وهذا ظاهر البطلان، ومما يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا[النساء ١٢٤]، فاشترط الله سبحانه الإيمان والعمل الصالح لدخول الجنة ونيل الجزاء، ولو كان الزواج هو الهدف من خلق المرأة وكان التكليف تابعًا له لاشترط على الإناث الزواج.

رابعًا: أن المرأة وفقًا لشريعة الإسلام تترك الزوج إذا لم يحقق العبادة إن كان كافرًا ابتداء أو كان مسلمًا ثم كفر بالله، وكذلك فإنها تؤمَر بمفارقته إن كان كافرًا مثلها ثم آمنت هي. فمدار علاقتها بالرجل يتوقف على العبادة، بينما لا تتوقف عبادتها لله على زواجها من عدمه، ولهذا لا يصح أن يقال إن الغاية الأصلية من خلقها هي إتمام النعمة على الرجل أو أن تكليفها بالعبادة غاية فرعية من خلقها.

خامسًا: أن المرأة يحصل لها من السكَن للرجل، والإتيان بالولد من طريقه نظير ما يحصل له منها. فنعمة الله بخلق الزوجين من بني آدم متحققة لكلا الزوجين وشكرها واجب عليهما، وإن كانت على آدم أظهر، لمَّا لم يكن معه من جنسه أحد قبل حواء عليهما السلام. وعلى هذا فلا يصح القول بأن تكليف المرأة حصل لتخاف العذاب وتنقاد للزوج، وكأنه يسكن إليها وهي نافرة عنه، بل السكن حاصل لكل منهما.

سادسًا: أن الحِكَم من تدبير الله سبحانه وأفعاله قد تتعدد، وهذا من تمام رحمته بعباده وإنعامه عليهم، فلا ننكر أن خلق حواء من آدم عليهما السلام كان نعمة على آدم، بل عليهما، ولا ننكر أن خلق الرجال والنساء زوجين من نسلهما هو من أجلِّ النعم وأعظمها، ولكن هذا لا يمنع أن تكون عبادة الله سبحانه هي الغاية العظمى من خلق الرجال والنساء، بل إن هذا هو ما تضافرت على تأكيده نصوص الوحي من القرآن والسنة.

وبهذا يظهر التأكيد على الأصل الكبير الذي قدمناه وهو كمال الصفة الإنسانية للمرأة. وهو بمثابة المقدمة والتمهيد للأصل الثاني وهو الاشتراك بين الرجل والمرأة في الخطاب والتكليف.

فلما كان الزوجان مشتركين في كمال الإنسانية، تناسب أن يشتركا في أصل التكليف. ومن الأدلة على ذلك قول الله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا[الأحزاب ٣٥]. فعن أم عطية نسيبة بنت كعب رضي الله عنها أنَّها أتتِ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالت ما أرى كلَّ شيءٍ إلَّا للرِّجالِ وما أرى النِّساءَ يُذكَرنَ بشيءٍ، فنزلت هذهِ الآيةَ “إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ” الآية[10]. وقد قال ابن عاشور رحمه الله: “لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الصِّنْفَيْنِ في هَذِهِ الشَّرائِعِ سَواءٌ لِيَعْلَمُوا أنَّ الشَّرِيعَةَ لا تَخْتَصُّ بِالرِّجالِ لا كَما كانَ مُعْظَمُ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ خاصًّا بِالرِّجالِ إلّا الأحْكامَ الَّتِي لا تُتَصَوَّرُ في غَيْرِ النِّساءِ، فَشَرِيعَةُ الإسْلامِ بِعَكْسِ ذَلِكَ، الأصْلُ في شَرائِعِها أنْ تَعُمَّ الرِّجالَ والنِّساءَ إلّا ما نُصَّ عَلى تَخْصِيصِهِ بِأحَدِ الصِّنْفَيْنِ، ولَعَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها تَقَرَّرَ أصْلُ التَّسْوِيَةِ فَأغْنى عَنِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ في مُعْظَمِ أقْوالِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ، ولَعَلَّ هَذا هو وجْهُ تِعْدادِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ التَّسْوِيَةُ في خُصُوصِ صِفَةٍ واحِدَةٍ.”[11]. ويدل عليه كذلك حديث عائشة رضي الله عنها وفيه قال صلى الله عليه وسلم: “نعم إنما النِّساءُ شقائقُ الرِّجالِ”[12].

وفي معنى الاشتراك في الخطاب الشرعي إلا ما دل عليه دليل يقول ابن حزم رحمه الله: “وقد تيقنَّا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مبعوث إليهن كما هو إلى الرجال، وأن الشريعة التي هي الإسلام لازمة لهن كلزومها للرجال، وأيقنَّا أن الخطاب بالعبادات والأحكام متوجه إليهن كتوجهه إلى الرجال إلا ما خصهن أو خص الرجال منهن دليل، وكل هذا يوجِب ألا يُفرد الرجال دونهن بشيء قد صحَّ اشتراك الجميع فيه إلا بنصٍّ أو إجماع”[13].

ويقول ابن القيم رحمه الله: “قد استقر في عرف الشارع أن الأحكام المذكورة بصيغة المذكَّرين إذا أطلِقت ولم تقترن بالمؤنث فإنها تتناول الرجال والنساء لأنه يُغلَّب المذكر عند الاجتماع”[14].

وكما أن هذه النصوص من القرآن والسنة وكلام العلماء تؤكد على معنى الاشتراك بين الرجل والمرأة في أصل التكليف، فإنها تؤكد كذلك على استقلالية المرأة المسلمة بتكاليفها الشرعية، بمعنى أن أهليَّتها كفرد أو إنسان لوجوب الانقياد بالتعبد والطاعة، وللإيمان وللعمل الصالح أهليَّةٌ كاملة وليست متوقفة على أحد تماما كأخيها الرجل. ومن الأدلة على هذا قول الله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا [الأحزاب ٣٦].

ومن أبرز الأمثلة التي تُظهِر مسؤولية المرأة تجاه التكاليف الشرعية ما جرى من أمر الصحابية الجليلة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها، وكَانَتْ مِمَّنْ خَرَجَ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعدما كاتب سهيل بن عمرو على صلح الحديبية، وهي عَاتِقٌ: أي شابة في أول بلوغها الحلُم، فَجَاءَ أهْلُهَا يَسْأَلُونَ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَرْجِعَهَا إليهِم، فَلَمْ يَرْجِعْهَا إليهِم، لِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} إلى قَوْلِهِ: {وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10][15] ففي فعلها رضي الله عنها من القوة والشجاعة وتحمل مسؤولية التكليف الشرعي ما يدل على أن المرأة المسلمة تستقل بالقيام بواجباتها الشرعية استقلالا تاما ولا تكون فيها تابعة لأحد.

ولما كانت المرأة مستقلة بالتكاليف الشرعية، كان من رحمة الله بها وحكمته وإكرامه لها أن جعلها كذلك مستقلة في الجزاء ثوابا وعقابا، فإذا أحسنَت فإن ثوابها لا يضيع أو يُنتقَص ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ۖ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ۖ [آل عمران ١٩٥] وكذلك قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [غافر ٤٠].

وهذا التساوي في أصل التكليف الشرعي وفي أصل الجزاء بين الرجال والنساء يدل على تساوي القدر العقلي الذي هو مناط التكليف لدى الرجل والمرأة، وأنه لا محل لاستحضار نقصان عقل النساء الوارد في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: “ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لِلُب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء”[16] إذا تعلق الأمر بالإقبال على صور العبادات المختلفة كما لو كان المقصود به نقصًا في الإدراك الذي يقع به التكليف، وفي هذا المعنى يقول الشيخ عبد العزيز الطريفي: “وكذلك نقصان عقلها، ليس لعلة في العقل؛ وإنما لأمر خارج عنه مؤثر فيه … والله لم يجعل شهادة المرأتين بشهادة رجل لأجل عدم قدرة المرأة على استيعاب المعلومة وإدراكها وتحملها عند تلقيها، وإنما المراد بذلك عدم الكمال عند أدائها في تلك الحال”[17]، وسيأتي كلام أكثر تفصيلا على معنى نقصان العقل في مواطن أخرى بإذن الله ولكن المقصود هنا فك الارتباط بين النقصان الوارد في هذا الحديث وبين قدرة المرأة العقلية على أداء التكاليف الشرعية والقيام بسائر العبادات أداء صحيحًا يتقبله الله ويثيب عليه.

وفي ختام هذه المقالة نخلص إلى عدة نتائج:

  • كمال الصفة الإنسانية للمرأة وتكريمها بالخلق.
  • الغاية الكبرى من خلق المرأة والرجل هي عبادة الله وحده.
  • الأصل هو المساواة بين الرجل والمرأة في الخطاب الشرعي إلا ما دل عليه الدليل.
  • الأحكام الشرعية الثابتة للرجل ثابتة للمرأة إلا ما خُصَّ.
  • استقلال المرأة بأهلية التعبد دون الاعتماد على أحد.
  • استقلال المرأة بالجزاء الكامل في الدنيا والآخرة ثوابًا وعقابًا.

وكل هذه التقريرات تدعو المرأة المسلمة إلى الإقبال على سائر الأعمال الصالحة التي أمر الله بها في كتابه أو أمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم من الصلاة والصوم والصدقة وتعلم العلم النافع وابتغاء معالي الأمور وسائر أعمال البر، وأن لا تقول هذا للرجال. كما عليها أن تجتنب سائر ما نهى الله عنه من السيئات القولية والعملية وأن تتحمل مسؤولية التكليف الذي أمرها الله به مثل أخيها الرجل إلا ما دل دليل فيه على الاختصاص، كفضل صلاة الرجل في المسجد، وأن المرأة صلاتها في بيتها أفضل. وكنهي الرجل عن لبس الحرير والتحلي بالذهب، وأنهما مباحان للمرأة. وكفرض الحجاب على المرأة وعدم فرضه على الرجل. إلى غير ذلك من الأمثلة التي فيها اختصاص بتكليف أحدهما دون الآخر، أو العزم على أحدهما والتخفيف عن الآخر. فهذا القيام بأعباء التكاليف الشرعية هو ما تتحقق به الحياة الطيبة ويتم به الثواب الجزيل في الدنيا والآخرة، وذلك للرجل والمرأة على السواء، مصداقا لقول الله سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[النحل ٩٧].

والله أعلم وأحكم وعليه قصد السبيل.

                                                                                                                            مركز باحثات لدراسات المرأة


[1]  التحرير والتنوير (16/ 165).

[2]  جامع البيان (4/ 296).

[3]  صحيح مسلم (2295).

[4] أخرجه البخاري (3331)، ومسلم (60/ 1468) واللفظ لمسلم.

[5] انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (3/ 222).

[6] أخرجه مسلم (1468).

[7] الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 160)

[8]  مفاتيح الغيب (25/ 110).

[9]  انظر معالم التنزيل (6/ 266).

[10] صححه الألباني في صحيح الترمذي (3211).

[11] التحرير والتنوير (23/ 20).

[12] صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (5/ 219).

[13]  الإحكام في أصول الأحكام (3/ 341).

[14]  إعلام الموقعين (1/ 73).

[15] صحيح البخاري (2711).

[16] أخرجه البخاري (1462)، ومسلم(80) واللفظ للبخاري.

[17] الفصل بين النفس والعقل. ص: 43.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز