مقالات: الإسلام والجندر..هل يمكن أن يلتقيا؟

سيدة محمود[1]

 ظهر مفهوم الجندر في الدراسات الغربية في خمسينيات القرن العشرين، ثم انتقل إلى العالم الإسلامي شأنه شأن سائر شبكة المفاهيم المتعلقة بالتيار النسوي عبر مسالك عدة، أبرزها المنظومة الأممية من مؤتمرات ووثائق تصدرها هيئة الأمم المتحدة. وقد حاول البعض إدماجه ضمن المنظومة العربية تنظيراً ومأسسة، ورغم ذلك ظل المفهوم يعاني غربة في غير بيئته، وعبثاً يُجهد متناوليه في إقناع الآخرين بتبنيه.

الإشكالية الخطيرة أن الخبرة التاريخية أظهرت أن الدين مرتكز هام في شخصية إنسان الجنوب وفي القلب منه العالم الإسلامي، فارتفع سقف الطموح البحثي للسعي نحو تضمينه داخل المنظومة الدينية وبخاصة القرآن، حيث ارتفعت أصوات البعض من الباحثين والباحثات عن بطاقة انتساب لمفهوم “الجندر” في الإسلام، ظناً منهم أنهم بذلك يدافعوا عن الإسلام! سائرون على ذات الدرب الذي سبق أن سلكته النساء اللاهوتيات بغرض إحداث مصالحة بين المفهوم الكنسي للمسيحية والمرأة، وذلك عبر تبني مفهوم الجندر.

كذلك قد لا يكون الأمر دفاعاً عن الإسلام، بقدر ما هو رؤية لتحويل دفة الصراع بعيداً عن ثالوث الفقر والجهل والمرض الذي أحدثه الشمال للجنوب عبر قرون طويلة من الإمبريالية قديمها وحديثها، إلى اتجاه آخر.

فبدلاً من تحالف نساء الجنوب مع أشقائهن الرجال لوقف استنزاف ثروات الجنوب المادية والبشرية والحفاظ عليها حفظ بقاء ونماء لأجيال المستقبل، أن تتحالف نساء الشمال والجنوب ضد ما أطلقوا عليه “البنية الذكورية” في عالمي الشمال والجنوب. والسبيل لذلك الجهاد المزعوم سيكون بطبيعة الحال عبر تبني المفاهيم التي أنتجتها العقلية الغربية بلا حرج بدعوى أنه مشترك إنساني. وفي القلب من هذه المفاهيم، المفهوم الكارثة (الجندر)، بحسب رأي هذا الاتجاه أن العالم قد تغير!!

تقول إحداهن: “تغير مفهوم (العالم) ذاته نحو الاندماج بين أطرافه القديمة. لقد دفع ذلك إلى شيوع مقولة إن قضية النوع/ الجندر هي قضية “مستوردة” إلى العالم الإسلامي، وأنها تعكس نوعا من الاستلاب الفكري! بيد أن التأمل في تلك المقولة ليفصح جليا عن حقيقتها كجزء من الصراع الدائر بين مصالح وبنى قديمة شديدة الانحياز ضد المرأة وبين شعور قوي متنامِ لدى نساء العالم الإسلامي وطليعة من رجاله المنصفين بوجود ظلم وإجحاف شديدين تتعرض لهما المرأة في ظل تلك البنى الاجتماعية التاريخية الموروثة”، لتستكمل الباحثة بعد ذلك في الدراسة توضيح أبعاد قضية الجندر في القرآن[2].

وغاب عن كلا الفريقين أن ما يأتينا من الغرب إنما يعكس منظور مفكريه وتحيزاتهم كما هو شأنه في كل تفكير إنساني. وللغرب كامل الحرية في طرح ما يشاء من فلسفات، فالإسلام لا يصادر على حق كائن من كان في طرح التصور الذي يراه السبيل إلى حياة أكثر جودة من وجهة نظره “ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات”، إنما تكمن الخطورة في الاكتفاء بنقل أفكارهم من وجهة نظرهم بما يوقعنا فيما أطلق عليه سيف الدين عبد الفتاح مفهوم الاستهلاك المفاهيمي” الذي يشير إلى حالة من الاستسهال في التعامل مع “الجاهز المفاهيمي ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍”، وجاهزية المفهوم من حيث الإعداد لا تعني بحال صلاحيته أو ملاءمته، إن قاعدة الاستهلاك التي تتعلق بالمعاني الإعلامية والترويجية لا يمكن بحال أن تشكل القاعدة الصواب في “عالم المفاهيم”، فالمفاهيم عالم علم لا عالم سوق!![3]

إن استيعاب ما لدى الغير واستقبال مصطلحاته ومفاهيمه، ينبغي أن ينطلق من الرؤية الخاصة لمفهوم الذات، والوعي بإذا كان ثمة اختلاف جذري في الرؤية الكلية للذات والآخر، أو ثمة تباين في المرجعية الكامنة في النصوص والمفاهيم التي يُروج لنا تبنيها!!

أولاً الرؤية الكلية في كل من: المنظور الإسلامي والمنظور الجندري:

تنطلق مقولات الجندر -حتى في سربالها الإسلامي- في كنف النموذج المعرفي المهيمن الغربي الإنساني المادي الذي يدور في نطاق الوجود ولا يتجاوزه، بما يصاحبه من فراغ أخلاقي ومعضلات متأصلة فيه.

وعلى العكس من ذلك تماماً يفرض تميز العقيدة الإسلامية التوحيدية الممايزة والمفارقة بين التصور الإسلامي وما عداه، فالإيمان بوحدانية الله ليس مقولة خلقية فحسب، بل مقولة معرفية.

 وتبدو أبرز تجليات هذا الفارق الجوهري في النسقين المعرفيين محل المقارنة على النحو التالي:

  • ربانية النسق المعرفي الإسلامي مقابل بشرية النسق المعرفي الغربي

يختلف مصدر المعرفة في النسقين اختلافاً كلياً تبعاً للمرجعية، فالمرجعية الغربية مرجعية أفقية من صنع العقل البشري الفردي والجمعي المكتفي بذاته، بينما المرجعية الإسلامية مرجعية رأسية متجاوزة، تمثل ميزاناً مجعولاً من قبل الله تعالى وليس من صنع البشر[4]. وبينما الكلمة الإلهية المنزلة (الوحي) والكون كمصدرين للمعرفة في النسق الإسلامي، فإن الإنسان نفسه مصدراً للمعرفة بذاته وبالكون في النسق الغربي.

وفي حين تلعب الكلمة المنزلة في النسق الأول دوراً مهماً في تحديد الثوابت التي لا يجوز أن تتغير، والمتغيرات التي لا يجوز أن تثبت، فإن التغيير سمة رئيسة في النسق الثاني.

ب تباين موقع الإنسان في كل من النسقين الغربي والإسلامي، وكلٌ له سماته وتداعياته:

يختلف موقع الإنسان في كلا النسقين وكلَ له سماته وتداعياته، ففي الأول يُعد كائنا ً دهرياً مادياً بسيطاً كل همه اللذة “إن هي إلا حياتنا الدنيا وما يهلكنا إلا الدهر”، ولهذا أسبابه التاريخية التي ارتبطت بزوال القداسة عن السلطة الدينية -التي قدمت تصورات محرفة- فاجتاحت الساحة موجة من الأفكار الحاملة لبذور الشك في المعتقدات القديمة، وتسللت مدركات جديدة تشرب منها الإنسان إحساساً زائفاً باستعادته لهويته ولعقله، ومع فقدان الثقة في الأوصياء تنحت الروح، وبات الإنسان حراً في إطلاق العنان لغرائزه المكبوتة والاستمتاع الكامل برغباته ونزواته. فأعلن الإنسان نفسه سيد الكون ومركزه، وأن مرجعيته هي ذاته التي لا يستمد معياريته إلا منها.

مثال ذلك: استندت النسويات في تأصيلها لمفهوم الجندرإلى مقولة أن (مرجعية الشخص هي ذاته وليست خارجة عنه لحساب دين أو فطرة)، فتدافع إحداهن عن الجندر وأنه ليس وليد تنظير القرن الحالي، وإنما بزغت البذرة الجنينية الأولى لتعريف الذات كما يراها الشخص وليس كما ترتبط بطبيعته البيولوجية في أوائل القرن الثامن عشر، وتحديداً “حين ألقي القبض على شخص يدعى توماس نيوتن في لندن عام 1726م، وشى به مخبر شرطة وهو يمارس الجنس المثلي، وعندما واجهته الشرطة قال: “أعتقد أنه لا توجد جريمة في استخدام جسدي بالطريقة التي أرغب فيها”. وتستكمل الكاتبة تنظيرها في أن ذات الشخص هي مرجعيته، ولتتنبأ بالتعدد في الجندر فتقول:

“وهنا نجد دافعاً جنينياً لتعريف الذات، الأمر الذي سوف يتسع لعدد من الهويات المثلية في القرن العشرين”[5].

 بينما الإنسان في النسق الإسلامي كائنا ًمركباً يتجاوز المادة مؤلف من روح ومادة، مخلوق أكرمه الله تعالى، وحباه بنعم لا تعد ولا تحصى، وكلفه بحمل أمانة كونية، على هدي وحي رباني منزل، وعلاقته بذاته والكون محكومة بميثاق مع الله تعالى سابق على وجود الإنسان على الأرض، ومصاحب وناظم لها، ومتجدد بنبوات تعاقبت في كل الأمم إلى أن ختمت بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن المهيمن والمصدق لما قبله[6].

وبذا فإن مرجعية الإنسان في الرؤية الإسلامية ليست ذاته، والتعويل على عقله وحده دون الاسترشاد بالوحي المنزل سواء في مرحلة ما قبل حياته على الأرض أو بعدها، لن يزيده إلا تيهاً على تيه. فالوحي هوالمصدر الصادق، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يخضع للهوى، ولا يتأثر به، ومن ثم فهو أعلى المصادر. ولكنه في الوقت ذاته لا يلغي العقل. وقد تفرد الإسلام بالنظرة المتوازنة التي جعلت النص يخاطب العقل، وجعلت العقل يعقل النص ويتفهمه، ويستدل له[7]. فلا أحد منهما يمكن أن يكون بديلاً للآخر، ولا أحد منهما يمكن أن يغني عن الآخر فكلاهما من عند الله، ولقد حرص الإسلام على حفظ العقل البشري، وعقيدة التوحيد هنا تعصم المسلم من التيه، فالوحدانية تستتبع وحدة مصادر الحقيقة، فالله تعالى هو خالق الطبيعة التى يستقي الإنسان معرفته منها[8].

ج- ناظم الرؤية الإسلامية يختلف عن ناظم الرؤية الغربية:

العبادة مقابل المادة، فالأخيرة ركيزة الفكر الغربي، بعكس التصور الإسلامي الذي يحدد الغاية من وجود الإنسان: عبادة الله. والعبادة في التصور الإسلامي تشمل كل ما ينظم مظاهر الحياة وجوهرها، وليس هناك من هدف في المنهج الإسلامي لكافة التشريعات -وفي القلب منها تشريعات الأسرة- إلا تحقيق معنى “العبادة” في حياة الإنسان.. والنشاط الإنساني لا يكون متصفا بهذا الوصف، إلا حين يتم هذا النشاط وفق المنهج الرباني[9].

د- اختلاف مفهوم الدين:

المفهوم الشائع عن الدين في النسق الغربي أنه مشاعر ذاتية وطقوس عبادية، والفكرة الأكثر اعتدالاً أن الدين ينبغي أن يقتصر على الحياة الوجدانية ويترك للقانون الذي يصطلح عليه المجتمع والعلم أن يعنيا بالحياة العملية[10].

والإسلام ليس دينا بهذا المفهوم اللاهوتي، بل هو منهج حياة أيضا يشمل القضايا الروحية والمادية، وليس ديناً يقتصر على القضايا الروحية فقط، بل يهتم بالدنيا والآخرة”[11].

هـ – مصدر المعرفة:

هل المعرفة مستمدة من الإنسان أم من الله؟ هل وعي الإنسان بنفسه وبعالمه أنوي أم إلهي المركز؟

زعم الإنسان في النسق الغربي الجندري أنه “مقياس” لكل شيء، أنه يحدد ذاته كما يعرفها هو، ففقد  البوصلة، وطال العبث مفهوم “المعرفة” ذاته، فقد تقلبت التصورات، بين اتخاذ النص (الوحي) وحده مصدرًا للمعرفة (عصر سيادة الدين)، ثم الانصراف عنه بسبب التصورات الكنسية المحرفة. ثم اتخاذ العقل وحده مصدراً للمعرفة (عصر سيادة العقل: المذاهب الفلسفية العقلية أو المثالية). ثم اتخاذ الطبيعة وحدها مصدرا كذلك (عصر سيادة الطبيعة على الدين والعقل: المذاهب الوضعية)! وتعسف كل فريق في “تأليه” مصدره، ونفي المصادر الأخرى إطلاقا، وسلك الصراع بينهم درباً تشكيكياً تقويضياً ليصل به الإنسان الغربي إلى التيه!

تفسر د. منى أبو الفضل سبب التقلبات المعرفية الحادة في هذا النسق بغياب أصل ثابت يدور حوله التطور المعرفي فتارة العقل وتارة الحس والتجريب وتارة الطبيعة، حتى أصبحت النسبية هي المطلق الوحيد وفتحت الباب أمام العبثية والعدم[12].

ثانياً: محصلة الأخذ بالمنظور الجندري:

استكمالاً لوصف البناء المعرفي وبيان ناظمه الفكري، والمضامين التي اتكأت عليها النسويات وأنصار الجندر في التنظير، ثمة مخرجات تؤكد استحالة إدماج فلسفة الجندر في النموذج التوحيدي أبرزهما الثنائيان الكارثيان:

  • الإباحية الجنسية:

عبر عن هذا المعنى مارشال بيرمان بقوله: (رفعنا شعار “كل ما هو مقدس يجري تدنيسه” لا شيء يتسم بالقداسة، لا أحد يبقى محظور اللمس، الحياة تفقد قدسيتها بصورة كاملة، فالرهبة وهالة القدسية كانت تمنعنا، وحين تحررنا من الكنيسة صرنا أحراراً في دوس كل من يقف في طريق رغباتنا)[13].

وقد تم إطلاق الغرائز الجنسية بحيث أصبحت واحدة من ركائز المجتمع الغربي المعاصر، واكتست بكساء فلسفي[14] عند الكثير من الفلسفات أبرزها فلسفة الجندر تفسر بها الدوافع والسلوك، بل تقيَم بها درجة انفتاح المجتمعات والتحولات المجتمعية الكبرى، إذ تصير برأيهم متممة لعملية التحرر الاجتماعي.

وفقاً لفلسفة الجندر لم يعد الشذوذ الجنسي مجرد تعبير عن انحراف شخصي، بل هو دعوة لتطبيع الشذوذ الجنسي، أي جعله أمراً طبيعياً عادياً، الأمر الذي يشكل هجوماً على طبيعة الإنسان كمعيار ثابت يمكن الوقوف على أرضه لتحديد ما هو إنساني وما هو غير إنساني. أي تحول الشذوذ إلى أيديولوجية تهدف إلى إلغاء ثنائية إنسانية أساسية هي ثنائية الذكر/الأنثى التي يستند إليها العمران الإنساني والمعيارية الإنسانية[15].

  • النخر التخريبي:

وهو تعبير أطلقته الناشطة النسوية ريم سعد، أستاذة الأنثروبولوجيا في الجامعة الأمريكيّة، وصفاً للتنظيرات التي قدّمتها النسويات الجندريات، والمقصود بـ«النخر التخريبي» زعزعة النماذج الفكريّة والأطر النظريّة “الجامدة” التي تقوم بها النساء عبر مواقعهن المختلفة لنخر جسم “النظام الأبوي” وغيره من الهياكل القمعيّة[16]. والسبيل لذلك التشكيك في الثوابت والمسلمات، والتمرد على المقدسات، بل معطيات الحس أو العقل، حيث صارت كافة مصادر المعرفة بحاجة إلى إعادة بناء من منظور جندري يقاوم ما اعتبروها مصادر ذكورية، وكافة النظم الأخلاقية نعتوها بالتقليدية أو النمطية ونادوا بتغييرها جذرياً، بل شككوا في معطيات الفطرة والطبيعة اليبولوجية للمرأة، يقول كاتب تونسي:

“إنّ تحرّر جندر المرأة (النوع الاجتماعي) أو جندر الأنثى (الكائن الهووي المفرد والمستقل) هو مشكل ذاتي وما -بعد- نسويّ تمامًا… بتفكيك تداولي لمفهوم «المرأة» ومفهوم «النساء» نفسه، وذلك باعتباره مجرّد «بناء اجتماعيّ» يجدر بنا أن نبحث عن بناه ومفاعيله في كل الميادين، من النحو إلى التاريخ، ومن الاقتصاد إلى الدين، ومن القانون إلى الأخلاق، ومن أنظمة القرابة إلى الأدب. بذلك التفكيك فقط يمكن إعطاء المرأة فرصة التعبير عن هويتها الخاصة بوصفها قادرة وتملك الحق في رسم هويتها الجندرية. لم يعد المشكل «حقوقيًّا» بل صار متعلقًا بضرب غير مسبوق من «سياسة الهويات» (اختيار النوع الاجتماعي، تكسير التقابل البيولوجي بين الذكر والأنثى، بلورة هوية جندرية حرّة، التحوّل من جنس بيولوجي إلى آخر …)[17].

ثالثاً: استحالة الجمع بين الإسلام والجندر لتباين نقطة الانطلاق:

تجسدت اللبنة الأولى لإدماج فلسفة الجندر في الدين، أو بعبارة أدق إعادة تأويل الدين من منظور الجندر على يد التيار اللاهوتي النسوي المسيحي feminist theology فحسب ما ترى نسويات هذا التيار أن:

“الرموز الدينية كالخالق والخلق والبشرية بنوعيها الذكر والأنثى والخطيئة والخلاص تبنى وتشكّل ثقافياً وتوجّه اجتماعياً، ومن ثمّ ليست هناك «حقائق» مطلقة أو نهائية أو منزلة ومتعالية”[18].  والسبيل الذي سلكته هؤلاء النسويات هو “إعادة تأويل النصوص والثقافة الدينيتين واستنباط التصورات والرؤى والقواعد منها من منظور يأخذ بعين الاعتبار مسألة الجندر”[19].

مثال ذلك: ما ضمنته النسوية الاسترالية جين ماري دالي في كتابها beyond God the father حيث أكّدت على عدم صوابيّة تصوير الربّ بكونه أباً ومذكّراً، فهذا التصوير برأيها يمهّد الأرضية المناسبة لترويج أسسٍ ثقافيةٍ ذاتِ طابعٍ ذكوريٍّ تصبّ في مصلحة الرجل فقط، كما أكّدت على عدم صوابيّة تصوير الربّ بصفته كائناً متعالياً يعجز البشر عن الارتباط به[20].

وتقول عالمة اللاهوت: “إن الدور الأساسي لمفهوم الرب في كل الأديان هو إضفاء المشروعية على مؤسسة النظام الأبوي.. وإن الرجل الذي تشكل في صورة الرب[21] هو وحده الذي يمكن أن يدَعي التمتع بوضع (الشخص) في حين أن المرأة تصور على العكس منه[22].

إذن وفقاً لهذا التيار اللاهوتي الجندري:

  • ليست ثمة حقائق مطلقة أو نهائية أو منزلة.
  • إعادة النظر في الخالق، وتعاليه وتجاوزه.
  • إعادة النظر في أنواع البشرية.
  • الخطيئة والخلاص.

ولنناقش نقطة تلو الأخرى؛ كي يتبين لنا التباين الواضح بين المنظور الجندري والمنظور الإسلامي، وأن النسويات المحاكيات اللواتي يردن تكرار التجربة وإعادة تأويل القرآن لا مسوغ لهن لذلك الفعل اللهم إلا بدافع تشبه المغلوب بثقافة الغالب.

  • التجاوز والتعالي: أن يتعالى الشيء ويرقى حتى يجاوز كل حد معلوم أو مقام معروف، إلى أن يصبح مُنـزّهاً عن الزمان والمكان وعالم الطبيعة/المادة، ويصبح مطلقاً متجاوزاً للنسبي، وهذا ما يميز النظم التوحيدية، حيث يوجد المركز خارج عالم الطبيعة/المادة متجاوزاً لها بعكس النظم الحلولية التي يوجد المركز كامناً (حالّاً) فيها[23].
  • الخالق: “ليس كمثله شيء” وتتأسس العلاقة بين الله والإنسان وكافة المخلوقات في الرؤية الكونية الكلية الإسلامية على مغايرة نظام الخالق لنظام المخلوقات، حيث التفرد المطلق لله، وتخلصت مفردات اللغة الدالة على الذات الإلهية من كلمات: الأب، الابن، المخلص، وما شاكلها. ووحدانيته تعالى لا تُختزل في إفراده بالعبادة، وإنما هي أساس نظام الكون كله[24]. وهذا التوحيد هو جوهر التحرر الحقيقي للمرأة من كافة الأغلال والقيود التي يمكن أن تكبل إرادتها، فالتوحيد يستتبعه المساواة، فالكل سواسية في الخضوع لرب واحد[25].
  • البشرية: ليس في البشرية إلا الذكر والأنثى، وتنتمي جميعها إلى نفس واحدة خلق الله منها زوجها، فلا فارق بين المرأة والرجل في الأصل والفطرة، كل منهما إنسان خلـق لإنسان، وشطر مكمل لشطر، وسكن للآخر، وهما ليسا فردين متماثلين بل زوجين متكاملين. قال تعالى: “يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ”، فالآية تساوي بين الذكر والأنثى في الخلق: أصله وأطواره، كما ساوى بينهما في الصورة والملامح والأعضاء إلا فيما يخص التناسل؛ لأن في هذا عمارة الأرض.
  • الخطيئة والخلاص: بمقارنة قصة الخلق الأولى كما وردت في العهد القديم والجديد، وكما وردت في القرآن نجد أنها في الأول وردت في معرض الإدانة واللعن وغضب الرب، بينما وردت في القرآن في معرض التكريم العلوي للجنس البشري “إني جاعل في الأرض خليفة” “اسجدوا لآدم”، كما أن الإسلام لايعرف شيء اسمه الخلاص، ولا يعرف الخطيئة الموروثة فلا يحاسب أحداً بذنب أبيه ولا تزر وازرة وزر أخرى، وارتفاع الإنسان وهبوطه منوطان بالتكليف، فهو بأمانة التكليف قابل للصعود إلى القمة وبالتكليف قابل للهبوط إلى أسفل سافلين.

الخلاصة:

نقطة الانطلاق في البحث المعرفي الجندري/ النسوي أن النسوية/ الجندر هي النموذج المعرفي «البراديم» الذي يحدّد الرؤية الكلية والمنطلقات والمقاربة، والدين والثقافة الدينية بمختلف مكوناتها هي الموضوع الذي يخضع للمحاكمة والمساءلة، وهكذا تبدلت الأوضاع وصار الموزون ميزاناً والميزان موزونا!

لذا على الفريق الذي يسعى جاهداً للبحث عن بطاقة انتساب لمفهوم الجندر داخل منظومتنا الدينية كي يقبل بنا الغرب أن يعيد النظر في موقفه لأسباب ثلاث: أحدهما يرجع للغرب ذاته، والثاني يتعلق بعالم المفاهيم، والثالث معني بالأصيل الحضاري.

فالغرب لن يروج إلا لنظريات تعزز مركزيته في المقام الأول، وتفصح عن هذا لورا كينيز “إننا معشر دعاة النظرية النسوية في العالم الأول والمستفيدون في نظام عالمي يسوده النظام الأبوي (الغرب: الأب الذي يقوم بدوره الرسالي الرعائي للعالم)، يدعمه تقسيم دولي للعمل (الشمال معني برأس المال، والجنوب يقدم عنصر العمل) وتبادل غير متكافئ، ومعنا صندوق للنقد الدولي”[26].

فضلاً عن أن الغرب ذاته لا يقبل هذا الانتساب فالسؤال الدائر في أوساط النسوية المحاكية:”كيف نحرّر المرأة من العلاقة المزعجة بين النسوية الإسلامية والإسلام الأصولي؟”[27].

والثاني: المفاهيم المعلَّبة لا يمكن -بحالٍ- أن تحقق المقصود على أرض الواقع. الاستهلاك المفاهيمي يحيلنا إلى أزمة التوجُّه والاتجاه، فإذا كانت الوجهة هي استهلاك المفاهيم الغربية أو العولمية أو الأمريكية، فإن ذلك لا يمكن أن يؤدي بنا إلى عمل بحثي أو منهجي رصين، ولا يمكن أن يؤتي أُكله إلا في ظل “علاقة تبعية” بين المستهِلك والمنتِج، تصل إلى حالة من “السلوك الاستهلاكي في عالم المفاهيم[28].

والثالث: استهلاك “مفاهيم الآخر” تحيلنا كذلك إلى أزمة “الوظيفة”، فالأصيل الواعي هو وحده المستجيب لحاجات الناس، وقادر على أن يصل إلى المقصود ويؤدي دوره الوظيفي بإحسان.

 فـ “الأصالة” و”الوظيفة”صنوان يحققان الفاعلية والملاءمة والكفاءة والكفاية. ولا يتذرعن أحدهم بمقولة الحكمة ضالة المؤمن، ففي هذا السياق ثمة توهم إمكانية تلمس حكمة في معرفة رافضة للنور المنزل، وعلى أحسن تقدير لي عنق النصوص بما يتوائم مع المنظور الجندري وهذا ما نرفضه.

                                                                                                                                    مركز باحثات لدراسات المرأة


[1]  باحثة دكتوراه علاقات دولية.

[2] أماني صالح، قضية النوع في القرآن منظومة الزوجية بين قطبي الجندر والقوامة، على هذا الرابط: اضغط هنا .

[3]  سيف الدين عبد الفتاح، التربية المدنية: دراسة في المفهوم بين العالمية والخصوصية: كيف نتعامل مع عالم المفاهيم الوافدة، لبنان: مجلة المسلم المعاصر، مارس 2007 ، على هذا الرابط: اضغط هنا .

[4] منى أبو الفضل، “جامع الشرق والغرب”، تعريب وتقديم السيد عمر، هيرندن – فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1437هـ – 2016م، ص27.

[5]  جيفري ويكس، اختراع الجنسانية، في: هالة كمال وآية سامي، سلسلة ترجمات نسوية، عدد 7، القاهرة: مؤسسة المرأة والذاكرة، 2016، ص86.

[6]  منى أبو الفضل، بناء مفهوم الإنسان، ص2.

[7] لمزيد من التفاصيل حول التوازن بين الثنائيات وتوحدها انظر: عماد الدين خليل، “حول تشكيل العقل المسلم”، هيرندن – فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط4، 1412هـ- 1991م، ص142-150.

[8] إسماعيل راجي الفاروقي، “التوحيـد مضامينه على الفكر والحياة“، ترجمة السيد عمر، القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،1431- 2010م ، ص44.

[9] صلاح الدين عبد الحليم سلطان، “المقاصد التربوية للعبادات”، أمريكا: المركز الأمريكي للأبحاث الإسلامية، ط2، 1426هـ – 2005م، ص7. أيضاً سعيد حوى، “الإسلام”، القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، ط4، 1421هـ- 2001م، ص42.

[10] محمد الكتاني، “من منظور إسلامي”، الدار البيضاء: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1410هـ – 1989م ، ص6.

[11] أنور الجندي، “الفكر الغربي دراسة نقدية”، الكويت: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، سلسلة ثقافتك الإسلامية، عدد 4، 1407هـ – 1987م،  ص620.

[12] منى أبو الفضل، دراسة النظرية الاجتماعية المعاصرة: نحو طرح توحيدي في أصول التنظير ودواعي البديل، في: نادية مصطفى، منى أبو الفضل (محرران)، الحوار مع الغرب، دمشق: دار الفكر، 2008، ص29: 62. وذات الدراسة في مجلة إسلامية المعرفة، السنة الثانية، العدد السادس، سبتمبر 1996، ص69: 109.

[13] مارشال بيرمان، “كل ما هو صلب يتبخر”، ترجمة محمد سيلا، قبرص: مؤسسة عيبال، 1993، ص51.

[14] أبرزها النظرية النقدية، حيث اعتبر هربرت ماركيوز أن التحرر الجنسي عنصر مكمل لعملية التحرر الاجتماعي، ودعا إلى انعتاق الغرائز الجنسية بلا حدود، سواء من ناحية الكم أو الكيف، ورفض ربط الجنس بالتناسل، وأقر الشذوذ ومجده باعتباره ثورة وتمرد ضد القمع. انظر: عبد اللطيف شرارة، مقدمة كتاب “نحو ثورة جديدة” لهربرت ماركيوز، بيروت: دار العودة ، 1971، ص139، وأيضاً حسن محمد حسن، “النظرية النقدية عند هربرت ماركيوز”، بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 1993، ص125.

[15] عبد الوهاب المسيري، “قضية المرأة بين التحرير ..والتمركز حول الأنثى”، القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، 2010، ص 11

[16]  ديما قائدبيه وأخريات، المقاومة الجندرية، بيروت: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية، أغسطس 2019، ص7.

[17]  فتحي المسكيني، المرأة والنساء في ضوء دراسات الجندر، 1نوفمبر 2017 ،على هذا الرابط: اضغط هنا .

[18]  كتاب النسوية والدراسات الدينية، ص80.

[19]  المرجع السابق، ص6.

[20]  Daly M. (1973), Beyond God the Father: Toward a Philosophy of Women’s Liberation, Boston: Beacon, p. 32.

[21] حيث أصبح المسيح عليه السلام صورة للرب في العهد الجديد، انظر:

عبد الهادي عبد الرحمن، “سلطة النص”، بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 1998، ص71.

[22] سارة جامبل، “النسوية وما بعد النسوية”، ترجمة أحمد الشامي، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2002، ص309.

[23] عبد الوهاب المسيري، “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”، القاهرة: دار الشروق، ط1، 2002م، مج2، ص465.

[24] الفاروقي، التوحيد، مرجع سبق ذكره، ص 15. أيضاً السيد عمر، الرؤيتان المعرفيتان للاقتصاد الإسلامي والاقتصاد الوضعي، مرجع سبق ذكره، ص9.

[25] العقاد، حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، مرجع سبق ذكره، ص154.

[26]  لورا كينيز، النظرية النسوية: الضمير السياسي لما بعد الحداثة، ترجمة عبد الوهاب علوب، أبو ظبي: منشورات المجمع الثقافي، 1995، ص327.

[27]  Moghissi, Haideh, Feminism and Islamic Fundamentalism (London: Zed Books, 1999)

[28]  سيف الدين عبد الفتاح، التربية المدنية: دراسة في المفهوم بين العالمية والخصوصية: كيف نتعامل مع عالم المفاهيم الوافدة، لبنان: مجلة المسلم المعاصر، مارس 2007، على هذا الرابط: اضغط هنا .

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز