مقالات: المضامين الحقيقية لشبكة المفاهيم المتعلقة بالجندر

أ.سيدة محمود[1]

حط  قطار العولمة في بلدان العالم الإسلامي محملاً بثلة من المفاهيم غربية الملامح والجوهر، وعلى رأسها مفهوم “الجندر”، والذي عنى بالنسبة للكثيرين دعم المرأة وتمكينها من استرداد حقوقها المسلوبة، إلى حد تبنى البعض المفهوم بديلاً عن المفهوم الأصيل (الجنس).

إلا أن هذا المفهوم الشائك بما يكتنفه من خلفيات، ومضامين خطيرة لمشتقاته أو شبكة المفاهيم ذات الصلة به، جعلها تتعارض بالضرورة مع الثوابت الدينية والأخلاقية، يتطلب منا شيئا من التأني قبل التعامل معه؛ وذلك بإخضاعه لعدسة التحليل التي تستصحب اقتراب “إعادة بناء المفاهيم”، والذي يرتكز على حقيقة الإيمان بأن “المفاهيم ليست مجرد ألفاظ بل هي مشروعات كبرى للمعاني والدلالات سواء في جذورها اللغوية أو الاصطلاحية أو الشرعية أو في كوامن سيرتها التاريخية ومن ثم فإن عملية بناء المفاهيم لن تتم بمنأى عن معطيات بيئتها”[2].

وقبل البحث عن السبب الحقيقي الذي يكمن خلف طرح المفهوم بديلاً عن مفهوم “الجنس”، سوف نسلط الضوء على شبكة المفاهيم المتعلقة بالجندر؛ حتى إذا تبناه البعض يكون على وعي تام بمضمون ما تبناه “لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيم”[3].

أولاً: المضامين الحقيقية لشبكة المفاهيم المتعلقة بالجندر[4]:

  • النمطي:

 أي ما تعارف عليه البشر منذ فجر التاريخ، وترى النسويات وأنصار الجندر ضرورة تفكيكه ومراجعته؛ بهدف إزاحة القديم الذي استقر في وجدان البشر منذ  بدء الخليقة، وشرعنته الأديان والقوانين، وهو برأيهم مصدر الهرمية والتراتيبية: علو الرجل على المرأة، الطبيعي على الشاذ، الأسرة الشرعية الطبيعية على أشكال الاقتران الأخرى. من ثم ينبغي برأيهم إعادة النظر فيه لصالح اللا نمطي، والذي يفتح الباب على مصراعيه أمام كافة الممارسات التي لا يحدها شرع أو قانون أو سلطة.

بذا فإن السلوك الجنسي غير النمطي: هو الشذوذ والذي يصل إلى حد اشتهاء الأطفال مقابل توصيف العلاقة الطبيعية بين الذكر والأنثى بالنمطية.

  • التقليدي:

هو القديم حتى وإن كان صحيحًاً، وصار برأي النسويات وأنصار الحداثة من مخلفات التاريخ وسمة للتخلف، بينما على المرء الأخذ بالحديث حتى وإن كان سيئًا، بل وإن حمل سمات البدائية الأولى من عري ومشاعية و…، ويسري هذا على كافة الأبنية التي تعارف عليها البشر منذ بدء الخليقة وعلى رأسها الأسرة. فالأسرة “التقليدية” وبخاصة الممتدة برأيهم نموذج للرجعية بعكس أشكال الاقتران الحديثة من مساكنة، أو شواذ !!

  • الجامد:

هو الثابت، أو المطلق الذي ينبغي تحويله إلى متغير مرن، ويُشير وصف (الجامد) هذا بحسب النسويات إلى إقرار الإنسان بالاختلاف البيولوجي وتمسكه به. تقول كيسلر في دراسة لها بعنوان

 “دروس من ثنائيي الجنس “Lessons from the Intersexed، تقول فيها: “كيف أن الأفكار الجامدة حول كون المرء منتميًا إلى جنس ما تقيد خيارات الحياة” !![5]

  • الدور النمطي/الدور الجامد/النمطي الجامد:

هو إسناد أدوار بعينها لنساء باعتبارهن نساء وأدوار خاصة بالرجال باعتبارهم رجالاً، كدور المرأة في المجال الأسري وإسناد الأمومة إليها، وإسناد الأعمال الشاقة للرجل. وهذا الوصف المنفر بالجمود والنمطية أو جمعهما معًا (نمطي جامد) لتسريع وتيرة التخلص من هذا الجمود لصالح الأدوار المرنة وتبادلها بين الجنسين، بل بين التصنيفات داخل الجندر دون أي وصم.

  • الجنس، الجنسانية، الجندر:

يستعرض كتاب (النسوية والجنسانية) الفروق ونقاط الالتقاء بين المفاهيم الثلاثة بناءً على تعريفات أصحابها الغربيين وبالأخص الكتابات النسوية، وعبر صفحات الكتاب أشار مصطلح (الجنس) إلى الذكورة والأنوثة كفروق بيولوجية، بينما أشار مفهوم (الجنسانية) وهو مشتق من الجنس إلى الرغبات والممارسات والميول الجنسية، بينما أشار مفهوم (الجندر) إلى التصنيف الاجتماعي للرجال والنساء من جهة، وأن مرد هوية الفرد ليست لطبيعته البيولوجية وإنما ذاته، أو المجتمع من جهة أخرى.

ويلتقي الجندر والجنسانية في عدم تعبير أي منهما عن سمات بيولوجية ثابتة، وإنما يتشكل كل منهما اجتماعياً وثقافياً، مع ارتباط الجنسانية بالجسد، بينما يستند الجندر إلى العلاقات وينعكس على الأدوار..

وعلى حد ما ورد بالكتاب، بحمل الفرد رجلاً كان أو امرأة جوانب أربعة:

وهي الجانب البيولوجي، الميل الجنسي، الهوية الجندرية، الدور الجندري الذي يعبر عن هذه الهوية.

فمن حيث الجانب البيولوجي (الجنس): يولد البشر حاملين أعضاء جنسية إما مذكرة أو مؤنثة، أو مخنثة.

ومن حيث الميول الجنسية (الجنسانية): تتنوع ما بين غيري الجنسانية، ومثلي الجنسانية، وثنائي الجنسانية.

أما من حيث الهوية الجندرية: فأكثرها انتشاراً هوية الرجل وهوية المرأة، مع وجود من يحملون هويات أخرى غير نمطية، كهوية الكوير”الشواذ” أو المتحولين جنسيا.

وأخيرًاً فإن هذا المزيج الذي يجمع بين البيولوجيا والميل الجنسي والهوية يعبر عن نفسه من خلال الدور الذي يتشكل اجتماعياً ويتجلى في الممارسات اليومية[6].

والمدقق في هذه التصنيفات، لن يُعييه الأمر طويلاً في أن يلحظ أن (الممارسة الجنسية) هي ركيزة التصنيف، وليس التقسيم البيولوجي، فهذه البيولوجية لن يتم الانطلاق منها للتصنيف (فهذا نمطي/ تقليدي/ جامد)، وإنما حسب الميل الجنسي والذي يترتب عليه تحديد هويته، ومن ثم الدور الذي سيسلكه، إذ أن ما سوف يتخذه من مظهر وملابس وسلوك سوف يعكس ما سوف يختاره من أحد الهويات المتعددة!!

  • الهويّة الجندرية:

عرفها البعض بأنها: تعني الانتماء الذاتي الذي يعيشه أحد الجنسين، أو أيضًا رفض الارتباط بالجنس البيولوجي، وبالتالي الذهاب إلى حدّ تغيير الجنس (التحوّل الجنس) وكانت في بادئ الأمر تًعدّ ظاهرةً مرضيةً، وتُصنف لدى أطبّاء الأمراض العقلية في الستينات، “اضطراب الهويّة الجندرية  gender identity disorder“.

لكن مع التنظير النسوي لم تعد اضطرابًاً أو مرضًاً، بل صارت تكريسا لمفهوم الفردانية المطلقة التي لا تأبه بحتمية طبيعية أو دين أو قانون، وإنما حرية الفرد في أن يكون ما يرغبه.

وعليه فإن مفهوم الهوية الجندرية “Gender Identity”صار يُعرَّف على أنّها:

المفهوم الشخصيّ الذي يحدّده الفرد لنفسه كذكرٍ أو كأنثى (أو بشكلٍ نادرٍ لكليهما معًا، أو ليس لأيٍّ منهما)[7]، وهي هنا مقابل الهوية الجنسية، والتي نرجع إلى طبيعة الشخص البيولوجية والتي تحدده ذكرًا أو أنثى، أي أن الفارق بينهما أن الأولى تخضع لمزاج الشخص ورغباته حتى وإن كان بخلاف جسده، ويحددها بنفسه ويرتبط بذلك أن يختار ما يشاء من مظهر وسلوك،  بغض النظر عن شرع أو قانون أو استهجان مجتمعي، أي أن الدور الجندري يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالهوية الجندرية، ويدور معها حيثما دارت.

ما هو مصدر الهوية الجندرية:

صار الإنسان وحده صاحب الحق في تحديد هذه الهوية، فإذا شعرت المرأة بهوية تتفق مع خصائصها البيولوجية فلا ضير، وإذا رغبت بغير ذلك فلا حرج عليها أن تتحول أو تظل كما هي، وتسلك مسلك الذكر الذي ترغب به في المظهر والسلوك والدور (البوية/ المرأة المسترجلة )… وعلى المجتمع أن يحترم هذه الهوية التي اختارتها المرأة لنفسها دون أي وصم أو انتقاد!

  • الدور الجندري:

يرتبط هذا المفهوم ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الهوية الجندرية السابق ذكره، فهو مجموعةُ المظاهر الشخصية الخارجية (السلوك والملبس) التي تعكس الهوية الجندرية.

ويشير “الدور الجندري” إلى سَنِّ الذات لقوانين سلوكية تتعلق بتوقعات الأدوار، ولكنه لا يربط هذه التوقعات بالجنس (والجسد) بل بشعور الفرد بذاته كعضو من فئة جنس [معين][8].

مقابل ما يطلق عليه الدور الجنسي والذي يشير إلى التوقعات الاجتماعية للواجبات والممارسات الثقافية المناسبة لكل من الرجال والنساء، خصوصًا ما يتعلق بالإنجاب للمرأة، والنشاط الاقتصادي للرجل، وكذلك العلاقة الحميمية الطبيعية بينهما، بناء على الحتمية البيولوجية. إذن مع الجندر ليس ثمة دين أو طبيعة بيولوجية أو حتى مجتمع يفرض على الشخص دورًاً يلائم طبيعته، بل تحدي فكرة أن التركيب البيولوجي للشخص هو قدره الاجتماعي، وإنما صار الشخص هو الذي يشرع لنفسه القوانين السلوكية وفق ما يرغب.

  • العنف الزوجي المبني على الجندر

هو جزء من مفهوم أوسع وهو “العنف المبني على الجندر”، ويختلف الأخير في كونه يتعلق بالمجال العام، بينما يشير المفهوم الأول الضيق إلى الفضاء الخاص أي الأسرة.

ويُفترض أنه وفقاً لمفهوم الجندر الذي يشير إلى (الدور المبني اجتماعيًا) فإن هذا المفهوم يشير إلى عنف أي من الزوجين تجاه الآخر.

أما بالنظر إلى مفهوم الجندر(كهوية) كما أوضحنا أعلاه، فإنه بسهولة يمكن التنبؤ بما يمكن أن يشهده المستقبل، من استمرار سيولة مفهوم (الأسرة) لتضم ما يطلق عليه أسر الشواذ سوف تدخل ضمن  مفهوم العنف الزوجي المبني على الجندر، وكما يُجرم الأزواج الطبيعيون إذا ما تعاملوا بعنف مع نصفهم الآخر، فإن مظلة الحماية القانونية قد تتسع لتضع الجندر الذي يسيء إلى شريكه الجندر الآخر تحت طائلة العقوبات!!

 إلى هذا الحين يمكن الاقتصار على التعريف النسوي للمفهوم، والذي أشاروا به إلى  أنه يعني: عنف أي من الزوجين تجاه الطرف الآخر، ولكن عند تحديد مكونات المفهوم ضاق ليشير إلى عنف الزوج تجاه الزوجة فحسب، استناداً إلى تعريف الجمعية العامة للأمم المتحدة في إعلانها المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة في العام 1993م، وهو “كل فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس، ويترتب عليه أو يحتمل أن يترتب عليه أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الجانب الجسماني أو الجنسي أو النفسي بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل، أو القسر، أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة”. وكما تقول إحداهن: “يبدأ هذا العنف من المنزل ليمنع النساء والفتيات من الوصول إلى الحيّز العام”[9].

وفي دراسة حملت عنوان: “تجريم العنف الزوجي المبني على الجندر في مصر” وأخرى بعنوان:

“العنف الجنسي داخل مؤسسة الزواج في المغرب” تتجلى مكونات المفهوم في الأسئلة التي وجهتها الباحثات إلى النساء:

أن المفهوم يشير إلى خمسة أشكال: العنف الجسدي – العنف اللفظي-  العنف الاقتصادي – العنف النفسي – العنف الرمزي، وعلى رأس القائمة العلاقة الحميمية بين الزوج وزوجته “الاغتصاب الزوجي” والذي حددته الدراسات المذكورة على هذا النحو: “أما الاغتصاب الزوجي كما تصورته المواثيق الدولية والتقارير الحقوقية، وكما هو في تصورنا أيضًا فهو: معاشرة الزوج لزوجته من دون رضاها، ومختلف التصرفات السلطوية التي تدخل في هذا الإطار والمتمثلة فيما هو معنوي كاللجوء إلى الإهانة والحط من قيمة الزوجة أو عزلها عن محيطها العائلي أو حرمانها اقتصادًّيا أو تهديدها بالطلاق الخ…”[10].

وعليه فإن منظومة تأديب الناشر حتى تفيء إلى رشدها الواردة في القرآن الكريم -وفقا لهذا التعريف- سيتم تجريمها بالكامل بكافة درجاتها. فالتعريف يعتد بالفعل فحسب، والمعيار المأخوذ به هو ادعاء المرأة فقط، أما السياق والظروف التي أتت بالفعل فلا محل لها! فنشوزالزوجة قد يتطلب التعامل معها لفظياً بشكل يختلف عن الطبيعي، لدرجة قد تصل إلى تهديدها بالطلاق إن استمرت على عنادها. أو قد يكون النشوز بسبب تدخل أهلها بما يضر بالأسرة الصغيرة.. لذا ينبغي الإحاطة بكافة جوانب الفعل وليس التجريم لمجرد أنه صادر عن الرجل، بل قد يفتح الباب على مصراعيه لافتراءات بعض الزوجات لغرض ما بدافع الغيرة، أو نية مبيتة للإضرار بهؤلاء الأزواج، ومن ثم فإن المعيارالنسوي للعنف سوف يخل بالنظام القانوني بشكل كبير.

  • الفروق الجندريَّة:

يعرفها المعجم النسوي بأنها: الصفات والخصائص المجتمعيَّة التي تتصل بالسلوك والمظهر، والملبس، والتَّعبير، والأدوار وغيرها من الصفات التي يقررها المجتمع عند الولادة وتحدد جنس الأفراد”[11].

أي أن الفروق بين الجنسين ليست طبيعية، وإنما مجتمعية بالأساس. وهي التي يُوكل إليها تحديد جنس الفرد. بذلك نصير أمام اتجاه آخر يحدد مصدر الهوية، فعلى حين أوكلت التعريفات السابقة إلى الشخص ذاته تحديد هويته، فهنا ثمة مصدر آخر وهو المجتمع، وكلاهما يلتقي في عدم الاعتداد بالبيولوجيا !!

  • المساواة الجندرية:

يُشير المفهوم في ظاهره إلى ضرورة ألّا تعتمد الحقوق والمسؤوليات والفرص المتاحة للنساء والرجال، على كونهم ولدوا ذكورًا أو إناثًا.

 وهي تعني أيضاً أن التوزيع المتساوي للمقدرات الاقتصادية يجب أن يُفهم في إطار التوزيع المتساوي للفرص والقدرة على التأثير والقوة الاجتماعية[12].

غير أنه بنظرة فاحصة لمضمون هذا المفهوم، وبفهم المفهوم الرئيس (الجندر) على أنه لا يعني فقط التشكيك في التنظيم الاجتماعي للصِّلات بين الجنسين، أي إعادة تقسيم الأدوار بين الجنسين، وإنما بصيرورة الجندر في المرحلة “ما بعد البنيوية” أداةَ نقدٍ جذريٍّ لازدواجية الشكل الجنسية[13]؛ أي نقد الحتمية البيولوجية التي تجعلها ثنائية فقط: ذكر وأنثى، وإنما تعدد التصنيفات داخل الجندر.

إذن مفهوم المساواة المذكور أعلاه ليس بين الجنسين، وإنما بين تصنيفات عدة داخل الجندربما يستلزم توسيع مظلة المساواة في الحقوق والفرص وتوزيع المقدرات لتسع الجنادر بكافة تصنيفاتهم بغض النظر عن الجنس (ذكرا أو أنثى أو مخنث، أو شاذ، أو متحول …) وعليه إذا كانت ثمة شبهة تراتيبية في توزيع الفرص والمقدرات لصالح جندر بعينه على حساب جندر آخر: للذكور على الإناث، أو للطبيعيين على الشواذ، فإن هذا يُعد  تمييزا! والأخطر لو حرُم هؤلاء الشواذ من أية حقوق ممنوحة للطبيعيين، فإن هذا ضد المساواة الجندرية!!

  • العدالة الجندرية:

ويتم التعبير عنها أحياناً بـ “عدالة الجندر” ويتم تعريفها بشكل براق بأنها: العدالة في التعامل مع كلٍّ من الرجال والنساء بناء على الاحترام الكامل لاحتياجاتهم، وتعتمد على المساواة في الحقوق والمكتسبات والحريات المدنية والسياسية وكذلك الفرص.[14].

يرتبط هذا المفهوم بسابقه، فالعدالة الجندرية ترتكز على المساواة الجندرية، وعليه فإن العدالة المذكورة أعلاه لن تقتصر على الذكر والأنثى فقط، وإنما سوف تسري بموجب المفهوم لتعم المساواة في الحقوق والمكتسبات والفرص والحريات المدنية والسياسية الجميع دون تمييز! ومن يعترض على إعطاء الشواذ حق تكوين أسر أو التوارث أو ضم أطفال، أو الانخراط في سلك الجندية أو… فهو متهم بتعطيل العدالة الجندرية!!

وفلسفة المفهوم ترتكز على أنه طالما جندر الشخص مبني اجتماعياً، ولا يرتبط بخلقته البيولوجية.  فإن على الرجال مثلاً ألا يتعرضوا لانتقادات مجتمعية عندما يسلكون دوراً لا يمت بصلة لمظهرهم البيولوجي! تقول إحداهن: “الرجال الذين لا يتبعون الأدوار التقليدية يواجهون انتقادات علنية. لكن ولأن الجندر هو فكرة مبنية اجتماعياً فإنه من الممكن تحديها وتغيير المفاهيم القمعية حول أدوار الذكور والإناث. وهذا هو ما نسميه “عدالة الجندر”.

  • المقاومة الجندريّة:

يرتبط هذا المفهوم بالمفاهيم سالفة الذكر، فالمقاومة هي نوع من حض الجندر أي كان تصنيفه (ذكراً أو أنثى أو مخنث أو متحول جنسيا ً لخلقته التي تستدعي ذلك، أو متحول جنسياً لرغبته في تغيير جنسه، أو باق على جنسه كما هو مع تغير في إحساسه أو توجهه… أو…) بأن يرفض أي دور اجتماعي يفرض عليه من غير أن يكون راض عنه؛ ومن ثم مقاومته أو مفاوضته بطريقة أو بأخرى.

  • الأقليات الجنسية:

مفهوم ظهر في إطار خطاب المظلومية والتهميش الذي يعاني منه الشواذ، وبشكل رئيس من هم خارج إطار الثنائية البيولوجية المعتادة، فمنهم المرتدي لملابس الجنس الآخر، والمتحول جنسيًا، وثنائي الجنسانية/الجنسانية المزدوجة (الذين تتوجه ميولهم الجنسية إلى الجنسين)، والراغب في الأطفال، والسادي – المازوخي… إذ يضعهم الطبيعيون الذين يشكلون أغلبية في مرتبة ثانية.

 وقد تجلى هذا المفهوم على يد جوديث بتلر والتي رأست (اللجنة الدولية للحقوق الإنسانية للمثليين لأعوام1994-1997)[15]. وتصرح قائلة: “أنا أستمرُّ في الأمل في تكوُّن تحالف بين الأقليات الجنسية من شأنه أن يتجاوز المقولات البسيطة للهوية، ومن شأنه أن يرفض إلغاء الجنسانية المزدوجة، والذي من شأنه أن يكافح وأن يقضي على العنف الذي تفرضه المعايير الجسدية التقييدية”[16].

ثانياً: لم الإصرار على طرح مفهوم الجندر كبديل لمفهوم الجنس؟

يتساءل الكثيرون عن السبب الذي يجعل لتلقي مفهوم الجندر هذا الصدى الواسع، ولاسيما مع غموض تعريفه!

وحقيقة الأمر أنّ الغموض الذي يكتنف المفهوم هو سر ذيوعه، فغموضه يؤهّله لخدمة كل أنواع المطالبات. وبذا صار قلعة تتمترس فيها كافة التصنيفات رغم تباين أهدافهم، على النحو التالي:

  • صناع القرار:

 فعلى سبيل المثال، الحقوق التي تم منحها للشواذ منحت في الأساس لاعتبارات براجماتية، وليس نتيجة بحوث ودراسات علمية رصينة أثبتت أنهم أسوياء، علمًا بأن الشذوذ الجنسي كان يصنف حتى عقود قليلة خلت في سائر المراجع الطبية بوصفه من الاختلالات العقلية والنفسية التي تستوجب العلاج. ولكن بمجرد أن منحت السياسة الضوء الأخضر للشواذ، انطلقوا ينشرون إيديولوجيتهم الحائدة عن السواء في كل الأوساط، وبخاصة الأكاديمية والإعلامية والفنية، ويتعاملون مع تلك الإيديولوجيا المتهافتة كما لو كانت حقائق علمية لا تقبل النقاش أو الجدل. والواقع إن القوانين اليوم في عالم الغرب تدعمهم إلى حد كبير، فمجرد انتقاد أحدهم أو الإيحاء بموقف سلبي من شذوذه قد يفضي بالمنتقد إلى السجن، بتهمة التمييز والقدح والذم! [17].

  • التيار النسوي:

وجدت بعض النسويات في الجندر ضالتهن المنشودة  للتخلص من هيمنة الذكور وتحقيق استقلالية المرأة بنديتها المطلقة، وذلك عبر التلاعب بأدوار كل من الرجل والمرأة.

فتحييد البيولوجي عن الجندري، ينتج عنه عدم تبعية أدوار الإنسان الاجتماعية والثقافية إلى الجنس وبالتالي عدم طبيعيتها، وتصبح بذلك نسبية تتغير بحسب المجتمع. وعلى هذا النحو تتحقق الغاية المنشودة للنسويات، وهي التماثل بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات والخصائص والوظائف.

  • الرجال أنفسهم الراغبون في تكريس إخضاع المرأة:

كما ذكرنا سابقا استقلت النسويات حافلة مفهوم الجندر، كمطية لاسترداد حقوقهن المسلوبة، لكن للأسف الشديد وقعوا _مع مفهوم الجندر هذا_ ضحايا للفخ الذكوري من جديد. وقد فطنت فئة منهن إلى فخ الجندر، وأنه يكرس الامتيازات الذكورية وليس إلغاءها، بل إن به استمرارا للنظام الأبوي والسيطرة الذكورية، وحذرت من كون الجندر ليس في صالح النسويات، من حيث أنه يُكرس الازدواجية بين الثقافة (البناء الاجتماعي لدور كل من الذكر والأنثى) والطبيعة (الاختلافات البيولوجية بين الجنسين).

تقول سومر برودريب Somer Brodribb: “إننا هنا -في الجندر- لا نتعامل مع تعارض بين الطبيعة والثقافة فحسب، وإنما مع إيديولوجية أبوية تقدم الثقافة على الطبيعة، وتعتبر أن التركيز على الجندر واستبعاد الفروق البيولوجية هو بمثابة رفض للجسد الأنثوي، وهذا يمثل تعصباً جنسياً وليس تحرراً!![18]

  • الشواذ

يصب ( الجندر) في صالح الشواذ بشكل مباشر من جهتين:

  • تقبل الشواذ والتطبيع معهم، ولن يتم هذا إلا بتغيير جذري لمعتقدات المجتمعات حيال موقفهم من الشذوذ:

يصرح أحدهم حيال تدمير النظام القديم من أجل إفساح الطريق للبناء الجديد بقوله:

“يجب أن نحارب المعايير: لا يتعلق الأمر باستخدام الجندر لتغيير العلاقات بين الجنسين، وإنما بجعله أداة نقد جذري لازدواجية الشكل الجنسي ذاتها (ذكر وأنثى فقط) ولعاقبتها الوخيمة، وهي تطبيع المغايرة الجنسية، أي «المَزيّة» الممنوحة اجتماعيًا للمغايرة الجنسية، وعلى طريقة جوديث بتلر، إبراز المثلية الجنسية بوصفها جنسانيةً شرعيةً كغيرها، فليس هناك ما يُهيّئ الرجل سلفًا، وعلى نحو فطريّ، كي يحبّ المرأة، والعكس؛ ومن جهة أخرى إبراز «الهويّات الجنسية» المُضطربة أو اللانمطية  في مقابل الفكرة القاضية بأنّ هناك حصرًا، وحتى بصورةٍ رئيسةٍ، جنسين فقط لا غير[19].

  • إقرار حقوق «كل الاتجاهات الجنسية» بما يجعل للشواذ مظلة رئيسة ذات مشروعية قانونية يجتمعون تحتها، الأمر الذي يجعل لهم ثقل ديمغرافي داخل دولهم ومن ثم يحق لهم المطالبة بالحقوق والمزايا الاجتماعية التي ينالها الطبيعيون.

على سبيل المثال كان التعداد الإحصائي لسكان الولايات المتحدة عام 2000م أول تعداد يسمح بالهويات المتعددة.. وقد كان هذا الاعتراف العام بالهويات المتعددة مثيراً للجدل حينها، وخصوصاً بالنسبة للأقليات التي تعتمد استحقاقاتها على الاعتراف بأعدادها”[20].

إذن ثمة علاقة طردية بين العدد ونيل الاستحقاق، فالشواذ يعزفون على تيمة التهميش وأنهم أقلية مقابل الأكثرية، لحين تجمعهم تحت راية واحدة بغض النظر عن تصنيفاتهم، بما يمنحهم الحق في الاعتراف بهم لكونهم رقماً لا يمكن غض الطرف عنه!!

  • الرأسماليون:

من المعلوم أن الفردانية وانعزال الفرد، والحركة الدائمة التي تُؤدي إلى نسْف الثوابت باتهامها بالجمود والرجعية والنمطية والتقليدية و… هي شروطٌ مُلائمةٌ أكثرَتحقق انتفاخ جيوب الرأسماليين الذين يريدون البيع من دون توقفٍ.

 من هذا المنظور سوف يُنظر إلى الأسرة كحصنٍ بارزٍ، حيث تستمرّ المُقولَبات/النمطيات، والقيم التقليدية، وتماسك المجموعة، وهيبة السلطة و…، أي أنها عائق ينبغي إزاحته بكافة ما تحمله من قيم  وعلى المجتمعات “الحديثة” أن ترحب بالانفجار الذي تشهده البُنى الأسرية، المؤسَّسة على  العلاقات الطبيعية (الغيرية الجنسية) لتحل محلها المثلية الجنسية، فالأخيرة تُجسد: الحركة الدائمة، والتأكيد الأقصى للفرد صانِعِ ذاتِه، والزبون النّهِم، وهذا هو المطلوب للشركات الرأسمالية.

وبالفعل بات الاستهلاك مرتكزاً أساسياً في عصر ما بعد الحداثة، وقد تمكّن الرأسماليون من تحقيق أرباحٍ ماليةٍ طائلةٍ على المستويين الفردي والجماعي، وذلك باستغلال التنوّع الذي صار هو الأصل  في المجتمعات الغربية الحديثة، هذا التنوع يرفع بطبيعة الحال من مستوى الاستهلاك.

وعليه شرع الرأسماليون في بذل كلّ ما بوسعهم لتأصيله في حياة البشر وترويجه على نطاقٍ أوسعَ، مستثمرين مناخ العولمة.

وهذا يشكل خطورة كبيرة على المجتمعات الإنسانية؛ فهذه الشركات لا يهمها إلا السوق والربح المادي بغض النظر عن أية قيم، ومن ثم إذا كانت تبغي الترويج لوسائل منع الحمل، أو الشذوذ، فإن النظرة المادية ستكن سيدة الموقف بغض النظر عن تداعيات هذا على الفرد أو الأسرة أو حتى استمرار الجنس البشري ذاته!

الخلاصة:

كنا ننتظر أن يفيء الغرب إلى رشده بعد تداعيات موجة الإباحية، التي فصلت بين الجنس والزواج والإنجاب. إذا به مع الفكر الجندري الهدام يقطع أشواطاً أبعد من الإباحية السابقة والتي كانت -على الأقل- ممارسات طبيعية، وإن كانت خارج إطار الزواج، لكن هذه المرة تم شرعنة الشذوذ والتنظير له.

إذن القصة ليست هي إشكالية علاقات القوة بين الرجل والمرأة، وإنما هي حالة من السيولة يعيشها الغرب، ويريد جر العالم وراءه، حيث صيرورة المطلق إلى نسبي، والثابت إلى متغير إلى حد أن صارت الحتمية الثنائية البيولوجية محل مراجعة -ليس عن مرض أو اضطراب يخضع للمعالجة- بل صار إيديولوجية وحرية اختيار أفضى إلى تعدد لا نهائي! بل داخل هذا التعدد تتنوع  الخصائص من جندر لآخر.

في ظل هذا الوضع المتأزم لن نمل من التحذير مرارًاً وتكرارًاً من المستقبل المظلم الذي ينتظر البشرية في نهاية المطاف في حال التطبيع مع مفهوم الجندر، لاسيما أن الأمر لم يقف عند حد حرية الاختيار، وإنما تحول إلى إجبار المجتمع الإنساني برمته، بكافة مكوناته السوية على التعامل بالمفهوم على أنه الأصل، ليحل محل الجنس في  التعريف سواء على الأوراق الرسمية في بعض المطارات، أو البنوك، أو وسائل التكنولوجيا الحديثة!!

إن إنصاف المرأة ليس كما أراد الجندريون، أن تكون تحت هيمنة المجتمع وثقافته التي يصنعها الرجل في الخفاء، وإنما في ظلال مرجعية سماوية لا تحابي أيّا من الجنسين، بل تطالب كليهما بالتعاون والتكامل الذي يحقق لهما معاً السكينة فسبحانه يقول في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾.

والشيء المستغرب أن هذا السكن القرآني صار هو الآخر موضوعاً للمزايدة لأجل تكريس المفهوم، إذ علت أصوات البعض من الباحثين والباحثات عن بطاقة انتساب لمفهوم “الجندر” في الإسلام، للبحث داخل النصوص القرآنية ما يرسخ المفهوم في الأذهان وتقبل التطبيع معه. والسؤال المثار هنا هل بإمكان الإسلام والجندر أن يلتقيا؟

هذا ما سوف نفرد له مقالاً كاملاً يغطي كافة أبعاده، فإشكاليات الجندر لم تنته بعد!!

 

مركز باحثات لدراسات المرأة


[1]  باحثة دكتوراه علاقات دولية.

[2] السيد عمر، “بناء المفاهيم ودورها في نهضة الأمة“، دمشق: دار الثقافة للجميع، 1435هـ – 2014، ص10.

[3]  [الأنفال:42]

[4]  أبرز المصادر التي تم الرجوع إليها عند تحليل مضامين هذه المفاهيم:

  • سعد البازعي، وميجان الرويلي، “دليل الناقد الأدبي”، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط3، 2002.
  • مجموعة مؤلفين، الإنسان نقيض الجندر، ملف خاص، مجلة الاستغراب، بيروت: المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، 2019.
  • أميمة أبو بكر وشيرين شكري، المرأة والجندر، دمشق: دار الفكر المعاصر، 2002.
  • مجموعة دراسات نسوية بحثية غربية، النسوية والجنسانية، ترجمة عايدة سيف الدولة، القاهرة: مؤسسة المرأة والذاكرة، 2016.
  • مجموعة دراسات نسوية بحثية عربية، المقاومة الجندرية، عدد خاص، بيروت: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية ، 2019.

[5]  برنيس ل. هوسمان،  الجندر والأدوار الجندرية، ترجمة زينب صلاح، على هذا الرابط .

[6]  هالة كمال، قراءات في الجنسانية من منظور نسوي، جيفري ويكس، اختراع الجنسانية، ستيفي جاكسون، مقاربات حول الجندر والجنسانية، في: النسوية والجنسانية، ترجمة عايدة سيف الدولة، القاهرة: مؤسسة المرأة والذاكرة، سلسلة ترجمات نسوية، العدد 7، 2016.

[7]  ترجمة: دانيا الدخيل، تدقيق: تسنيم المنجّد، تحرير: رؤى درخباني، 

[8]  برنيس ل. هوسمان، مرجع سبق ذكره.

[9]  مريم مكي، في تحدي التفاوض: الحشد النسوي والدولة، وتجريم العنف الزوجي المبني على الجندر في مصر، ضمن: المقاومة الجندرية ، مرجع سبق  ذكره، ص29.

[10]  لمزيد من التفاصيل ، انظر المرجع السابق ، الدراسة الثانية والثالثة .

[11]  عبد النور إدريس، النقد الجندري تمثلات الجسد الأنثوي في الكتابة النِّسائيَّة، تونس: دار فضاءات،  ط1، 2013م، ص 94.

[12] ملف الجندر، 12-5-2018، على هذا الرابط .

[13]  إيديولوجيا الجندر، الإنسان نقيض الجندر، مرجع سبق ذكره، ص43.

[14] ملف الجندر، مرجع سبق ذكره.

[15] وهي منظمة تمثِّل الأقليات الجنسية فيما يتعلق بمجموعة واسعة من قضايا حقوق الإنسان، جوديث بتلر، مشكلة الجندر، ترجمة فتحي المسكيني، الطبعة الثانية، 1999م، على هذا الرابط .

[16]  المرجع السابق.

[17] ملف الجندر، مرجع سبق ذكره.

[18] ستيفي جاكسون، مقاربات حول الجندر والجنسانية، في: النسوية والجنسانية، تحرير وتقديم هالة كمال وآية سامي، ترجمة عايدة سيف الدولة، سلسلة ترجمات نسوية، القاهرة: مؤسسة المرأة والذاكرة، 2016، ص99.

[19] إيديولوجيا الجندر، في: الإنسان نفيض الجندر، ص43.

[20] التهجين ما الذي يعنيه: رد الفعل العنيف العادي للتهجين ومعضلات الاعتراف؟ في كتاب: جان نيدرفين بيترس، العولمة والثقافة: المزيج الكوني، القاهرة: المركز القومي للترجمة، ص 136.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز