قراءات: الجندر .. الأبعاد الاجتماعية والثقافية “وقفات نقدية”

 

منذ السطور الأولى لهذا الكتاب سيظن القارئ أنه يقرأ كتاباً مترجمًا، فهو يعكس الفكر الغربي بكافة سماته وملامحه، حتى وإن ادعت كاتبته أنه شرقي الملامح، وإن وشى الكتاب بشيء فإنما يشي بمركزية “العقل النسوي الغربي”، ليس فقط في رسمه الثنائية الضدية (المرأة- الرجل)، وافتراض الصراع بينهما، وإنما محاكاة النسوية العربية للغربية في موقفها من اللغة، ومناقشة كافة القضايا الواردة به، انطلاقا من موقف مسبق يستند إلى رؤية –جندرية كما ابتدعتها العقلية النسوية الغربية- في الحياة الاجتماعية، حيث الإعلاء من قيمة المتغير على الثابت، والمجتمعي على البيولوجي، بل وفتح الباب على مصراعيه أمام العبث بالبيولوجي؛ لإكساب المرأة الهوية التي ترغبها!

على مدار صفحات الكتاب، تتعمد الكاتبة إضافة تاء التأنيث لكل كلمة، حتى وإن لم تستقم مع اللغة العربية، قياساً على ما تقوم به النسويات الغربيات من ملاصقة “هي” لكل “هو” في كل طرح He/She وهذا ليس بإضافة شكلية وإنما محاكاة للنسوية الغربية، حيث شاع في الغرب ما يسمى بـ “اللغة الجندرية”؛ للتعبير عن التصوير اللفظي للهيمنة الذكورية في البنيان اللغوي والاستعمال اللغوي.

وهذا الدرب ليس بجديد، فقد سارت فيه الكاتبة جنباً إلى جنب مع مواطنتها الأردنية زليخا أبو ريشة  التي سبق وإن اتهمت اللغة العربية بالذكورية، ودعت إلى تخليص اللغة مما زعمته “صفات ذكورية طاغية”، بإضافة تاء التأنيث على الألفاظ الذكورية، مثل نائب لتكون نائبة، أمين/ أمينة، في كتابها الذي عنونته بـ “اللغة الغائبة” مسترشدة بمقولة للنسوية الإنجليزية “ديل سبندر”، أوردتها في كتابها (الرجل صانع اللغة)، حيث أكدت الأخيرة في هذا الكتاب أن “الرجل قد وضع اللغة الإنجليزية، وأنه لا يزال يطورها تحت سيطرته وفي الاتجاهات التي يريد. وعلى الرغم من أن المرأة تستخدم اللغة إلا أنها حسب ديل سبندر مجبرة على استعمال لغة ليست من صنعها”[1]. وتسترسل أبو ريشة قائلة: “مع أن سبندر ليست أول من اهتم بالجنسوية في اللغة إلا أن كتابها هذا يعتبر من أهم الكتب التي بلورت صرخة الاحتجاج الصادرة عن الحركة النسوية في الغرب بسبب تحيز اللغة للذكر، هذا التحيز الذي ينتقل بشكل تلقائي إلى تحيز فعلي في المجتمع للذكور ضد الإناث”[2].

كذلك أوردت كاتبة “الجندر والأبعاد الاجتماعية والثقافية” في كافة سطور الكتاب دارسي/ ات، المهتمون/ ات، يسمعوا/ عن، خصائصهم/ هن، إنسان/ ة، وهذا خطأ فاحش بكتاب ناطق باللغة العربية وليس بلغة عامية، ويشير إلى تعمد كاتبته إلى تجسيد المساواة المطلقة في كل كلمة ظناً منها أن هذا يبرز المرأة في سياق الكلام، وهذا جهل باللغة العربية التي تتعامل مع المرأة والرجل كلاهما كإنسان.

“فالإنسانُ لفظٌ يَقَعُ على الذَّكَرِ والأُنثى من بني آدمَ، كما يُقالُ: بَعيرٌ، فيَقعُ على الجَمَلِ والنَّاقَةِ، فالجملُ بمنزلةِ الرّجلِ يَختَصُّ بالذَّكَرِ، والنَّاقَةُ بمنزلَةِ المرأة تَختَصُّ بالأُنثى. قالَ تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبينًا﴾ وقال عَزَّ شَأنُه: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾؛ فالإنسانُ في الآيتينِ يَعُمُّ الرّجلَ والمرأةَ، وعليهِ؛ فإنّه يُقالُ للرّجلِ إنسانٌ، وللمرأةِ أيضًا إنسانٌ.[3]

يضم الكتاب بين دفتيه مقدمة، وخمسة فصول، وخاتمة، تتناول (الفصول): التأريخ لمفهوم الجندر عبر إبراز تطوره التاريخي، واستعراض وجهة نظر الفلاسفة القدامى حول دور ومكانة المرأة والرجل، وكذلك تاريخه في الحركة النسوية، ثم ماهية مفهوم الجندر وأبعاده الاجتماعية والثقافية، سواء كمؤسسة اجتماعية أو على مستوى الأفراد والصلة بين مفهومي الجنس والجندر، ثم الجندر وعملية التشكل الاجتماعي عبر مؤسسات التنشئة الاجتماعية، بدءاً بمؤسسة الأسرة، مروراً بمؤسسة التعليم، وانتهاءً بمؤسسة الإعلام ومؤسسات المجتمع الأخرى، والخيط الناظم لهذا الفصل هو الصلة العكسية بين النظام الأبوي ومفهوم الجندر، فالأول طارد للأخير والعكس صحيح، ثم الاتجاهات النظرية لتطور مفهوم الجندر وأبعاده، سواء النظريات البيولوجية أو النفسية أو الاجتماعية أو النسوية، وبعد استعراض الجانب النظري في الفصول الأربعة السابقة، يأتي الفصل الخامس ليتناول الجانب العملي عبر مجموعة من التمارين التطبيقية سواء على المستوى الفردي أو المؤسسي؛ لترسيخ المفهوم لدى متلقيه وبخاصة حين يتم إدماجه في مؤسسة التعليم.

إطلالة على أبرز الأطروحات الواردة بالكتاب:

  • أولاً: منشأ لفظ “الجندر”:

أرجعت الكاتبة منشأ لفظة “الجندر” إلى آن أوكلي، التي رأت أن الشعوب والثقافات تختلف في تحديدها لسمات الذكورة والأنوثة. ومن ثم برأيها أن الفصل بين مفهومي الجنس والجندر يختلف من ثقافة إلى أخرى، أي أن الدور لا يرتبط بالبيولوجي، فثمة أدوار أنثوية يتم إسنادها إلى رجال، كالتزين، وإعداد الطعام، ورعاية أفراد الأسرة، وأدوار ذكورية تختص بها النساء كحمل السلاح.

 وهذا هراء استند إلى مصدرين: الأساطير، والبحوث الأنثروبولوجية ودراسة المجتمعات: ومن المعلوم أن الأساطير ليست حجة، أو سند علمي[4].

 أما المصدر الثاني والذي تحتفي به النسويات يستند في الغالبية منه إلى آراء النسوية الأمريكية “مرجريت ميد” والتي سعت للتأكد من افتراضاتها ميدانيا عبر العيش فترة من الزمن مع بعض القبائل البدائية، وقد تراجعت الأنثروبولوجية الأمريكية مرجريت ميد في نهاية حياتها الميدانية عن كثير من آرائها، وتوصلت إلى حقيقة تحاول النسويات إنكارها وتبحث عن تفسيرات غير منطقية لتبريرها، فتقول ميد:

“إن كافة الادعاءات عن وجود مجتمعات كانت تتمتع المرأة فيها بالسيادة باطلة، لا أساس لها من الصحة. ففي كل عهود التاريخ كان الرجل يتمتع بالسيادة في الشئون العامة، وكان يمتلك السلطة المطلقة للبت في شئون البيت”[5].

ومثلما احتفت بها النسويات في بادئ الأمر شنت عليها رفيقاتها في الدرب فيما بعد حملة شرسة، كبيتي فريدان التي اعترضت عليها قائلة: “كيف وأنها أنثربولوجية تصل بعد دراسة المجتمعات إلى خلاصة تضعها في صفوف علماء الاجتماع الوظيفيين في توكيدهم على عيش حيواتنا ضمن إطار التحديدات الثقافية التقليدية للأدوار المذكرة والمؤنثة”[6].

ومع هذا ما زال الفكر النسوي العربي يجتر مقولات لفظها أصحابها، ونشهد إصرارا عجيبا على تهميش أو إلغاء وجود الجبلة التي خُلق كلا من الذكر والأنثى عليها، وإنما السعي نحو ترسيخ مقولة أن المجتمع هو الذي يصنع من الإنسان، ذكرا كان أم أنثى، ما يتفق مع مفاهيمه وتوقعاته، وطبقا لمعايير ومصالح الفئة صاحبة السلطة والسيادة[7]. فجنس الإنسان يُكْتَسَب اكتسابًا[8]،  والطبيعة البشرية مرنة مطواعة تخضع لما يُشكله[9].

وتستعرض مؤلفة الكتاب هذا الفكر على كامل صفحات كتابها، بأن البشر وإن وُلدوا إناثاً وذكوراً، إلا أنه من خلال التعلم يجعل المجتمع منهم صبية وبناتاً، ثم يصبحان رجالاً وإناثاً، فمن خلال التنشئة الاجتماعية سوف تتشكل “هوية جندرية” ليست بالضرورة أن تتطابق مع هوية المرء التي خُلق عليها. وتقتبس من النسوية سارة جامبل مقولتها: “لا يوجد ذات مذكرة في جوهرها ولا ذات مؤنثة في جوهرها. وإنما تتشكل الذات عن طريق المحاكاة التي تحافظ على هوية النوع /الجندر”.

 بل إنه يمكن عدَ الخيط الناظم للكتاب أن الإنسان يصنع نفسه، ويدور النقاش ضمن إطار هذه الرؤية: أن هذه الصناعة تتم بشكل جمعي أي أن المجتمع بمجموع أفراده يشكل الفرد، أوبشكل فردي أي أن الفرد هو الذي بإمكانه أن ينسحب من المجتمع ويشكل بنفسه الهوية والدور الذي يناسبه، أما عن الموقف من الحتمية البيولوجية فإما التقليل من شأنها أو تهميشها، ذلك لكونها مفروضة وتتسم بالثبات، إلى حد المطالبة بضرورة قيام ثورة بيولوجية تلغي الفروق بين الجنسين كما طالبت شولاميت فايرستون[10].

  • ثانيًا: مفهومي “الجنس” و “الجندر”:

يطالع القارئ في أول صفحة من الكتاب أن الهدف من ترسيخ مفهوم الجندر في ذهن القارئ العربي هو أمرين:

  • إبراز التكامل بين مفهومي “الجنس” و “الجندر”.
  • أن الإقرار بمفهوم الجندر لا يعني الدعوة إلى أن الجنسين متماثلان.

ولكن من يطالع كامل صفحات الكتاب لن يبذل جهداً كبيراً في تفنيد هاتين المقولتين.

بالنسبة للأولى:

 ليس التكامل بين المفهومين الذي صار، وإنما تمييع مفهومي الذكورة والأنوثة من جهة، والإعلاء من قيمة المتغير (الجندر) على حساب الثابت من جهة أخرى.

فالكاتبة تعتبر أن تحديد معنى الذكورة والأنوثة في المجتمعات يُمثل ضغطاً على كل من الذكر والأنثى للامتثال لها. واستشهدت بنماذج قائلة أن: “الذكورة في جميع المجتمعات تعني أن يكون الرجل قوياً، طموحاً، ناجحاً، عقلانياً وقادراً على ضبط عواطفه… وما زالت تمارس ضغطاً على الرجال للامتثال لها والتحلي بها، وكذلك الأمر بالنسبة لمفهوم الأنوثة، كي تعتبر امرأة حقيقية ينبغي أن تتحلى بصفة الرعاية، تهتم بالآخرين وبالعلاقات الاجتماعية وتحب الأطفال والمنزل”، ثم بنت نتائجها على هذه المقدمات بأنه صار المجال العام للرجال حيث الأعمال الهامة، والمجال الخاص والأعمال الرعائية الدونية للمرأة.

وهنا يتجلى بوضوح الاحتقار النسوي لطباع المرأة والمجال الذي تصلح معه هذه الطباع، وتعظيم شأن الرجل سواء لصفاته أو الأدوار التي تناسب هذه الصفات.

والسؤال الذي يطرح نفسه، من الذي يطلق توصيف “هام” على الدور، ومن ثم المكانة؟ ولم الربط بين ما يؤديه الرجل وبين المكانة؟ فكلام الكاتبة يشير ضمناً إلى أن ولوج الرجل إلى ما يُعد حصرياً للمرأة سوف يعزز من قيمة هذا الدور، واختراق المرأة لمجالات عمل الرجل والقيام بنفس مهامه يعطيها المكانة التي ترغب بها، أي أن المكانة تدور حيثما دار الرجل، أهذه هي الحقوق التي ينبغي تغيير الهيكل المجتمعي جذرياً من أجل الوصول إليها!!

 بل تسترسل الكاتبة في اتجاه تغيير الثابت رويداً كي يصير بحكم المتغير، فتقول في ص69:

“ممارسة الأعمال والطباع نفسها يومياً تؤدي إلى تطور الدماغ تدريجياً وفق المهام الموكلة إليه”.

وهذا ما عنته في ص 88 بأن الجسم البيولوجي يمكن أن يتغير فتقول:

“وإذا افترضنا كما قال علماء البيولوجيا الاجتماعية أن الجنس هو سبب رئيسي للفروق السلوكية بين الجنسين، وأن الهرمونات والعوامل الوراثية تؤثر على السلوك. لا يمكننا أن نغفل دور البيئة المحيطة التي يوضع فيها كل من الذكور والإناث في التأثير على مستوى إفراز الهرمونات بمقدار تأثير الهرمونات على السلوك. الأمر الذي ينبني عليه كون الجسم البيولوجي سيغدو جسماً اجتماعياً فيما بعد”.

وقد هاجمت في ص 46 علماء الاجتماع على اختلاف مدارسهم، في معرض الإشادة بعالمة الاجتماع الوحيدة “هارييت مارتينو”؛ لأنها طالبت بوجوب تبادل الرجل الأدوار مع المرأة في المنزل، أما الآخرين فإنهم على اختلاف آرائهم اتفقوا على أن الأدوار الرعائية من نصيب المرأة فهي المؤهلة لذلك بيولوجيا.

وفي موضع آخر في ص 137:

“فعلى سبيل المثال عضلات الإنسان/ة تقوى بدوام ممارسة الألعاب الرياضية، وتضمر وتخف قوتها بالمقابل إذا لم يتم استخدامها. المهم هنا ألا نعتمد على خصائص ثابتة لجنس معين”.

وفي فقرة أخرى ص148:

 “إن الهوية لا تكون إستاتيكية وثابتة بشكل كامل في مراحل العمر الأولى، فالذات الأولى تُبنى من خلال العلاقات الأولية …” معنى هذا أن الهوية غير ثابتة ومرنة ومطواعة لأي عبث بها في مراحل العمر المبكرة”.

 وكما تسوق في ص149:

“في البداية يتم بناء الهوية الجندرية في مرحلة التنشئة الاجتماعية الأولية، فالمعرفة وتعلم الأدوار الجندرية إما أن تكون في مرحلة سابقة وتمهد للهوية الجندرية أو أن يتم اكتسابها في الوقت نفسه مع اكتساب الهوية الجندرية”.

فبرأي الكاتبة أن الطفل حين يتم تنشئته وهو يرى والده هو الذي يقوم بالرعاية وتغيير الحفاضات، والأم تسوق الجرار سوف يكتسب الدور الجندري من خلال الملاحظة، ويبدأ بالتقليد ثم النمذجة.

والسؤال الآن لمصلحة من هذا العبث؟ ما الذي عاد على المرأة والطفل والمجتمع بتبديل الأدوار، أبهذا سوف تحوز المرأة المكانة اللائقة بها أم نكون بصدد جيل مشوه؟

“إن فكرة محاولة تغيير أي من سمات الطرف الآخر، فإن ذلك العبث السيكولوجي هو أشبه بالعبث البيولوجي بالمجموعة الجينية المحددة للسمات الخِلقية بهدف الحصول على مخلوق أفضل، بينما لا يكون نتيجة ذلك العبث سوى حدوث طفرة جينية تشوه ذلك المخلوق”[11].

ومن جهة أخرى إن كان الهدف هو التكامل بين مفهومي الجنس والجندر، فلم الإصرار أساساً على المفهوم الأخير بكل ما يحويه من أبعاد ودلالات؟ أمن أجل تصحيح أوضاع المرأة وإعطائها المكانة اللائقة بها كإنسان؟

يمكن الوصول لهذه الغاية بالاكتفاء بمفهوم الجنس البيولوجي، مع الربط بين المكانة والدور الذي يقوم به الإنسان بما يتفق مع خصائصه البيولوجية دون مفاضلة بينهما فكلاهما بذات الأهمية، أي أن إزالة المفاضلة بين الجنسين ليس بإلغاء البيولوجيا أو تهميشها، وإنما الإبقاء عليها لتكريس الاختلاف والتنوع والإفادة منه، والمطالبة فحسب بإزالة المفاضلة في الكينونة الإنسانية.

وبالنسبة للثانية:

 رغم التصريح بعدم التماثل، إلا أن الشواهد التي ساقتها المؤلفة في الكتاب تفيد بغير هذا. وقد  استعانت المؤلفة بنظريات نفسية واجتماعية تساندها في ترسيخ مقولة أن الجنسsex  مصنوع اجتماعياً وثقافياً أكثر من كونه حقيقة طبيعية بيولوجية.

فعلى سبيل المثال تسوق المؤلفة النظرية الإثنوميثودولوجية في ص160 وما بعدها، التي تقسم العالم إلى نمطين متقابلين: التنميط الجنسي إشارة إلى مفهوم الجنس، ومفهوم الجندر فتقول:

“النمط الجنسي والاتجاه الطبيعي لمفهوم الجندر ما هما إلا بناءات اجتماعية أكثر من كونها حقائق بيولوجية”.

وتسترسل في ص161 بالقول:

“وإن أهم ما يميز هذه النظرية هو أنها تنظر للنوع البيولوجيsex  أيضاً على أنه مصنوع اجتماعياً وثقافياً أكثر من كونه حقيقة طبيعية بيولوجية”.

بل ويتسع وعاء النظرية ليشمل الشواذ، حيث تقول: “وترى هذه النظرية أن الثقافة والمجتمع يتجاهلان احتمالية وجود تصنيفات أخرى في المجتمع قد تحمل صفات النوعين معاً أو غير ذلك”، لتصل في نهاية شرح النظرية إلى النتيجة النهائية “.. ومن هنا تعتبر الإثنوميثودولوجية أن كلا المفهومين (الجنس والجندر) يتحقق من صنع الأفراد”.

أليس هذا هو التماثل؟ ألم يتطابقا ليصيرا كلاهما من صنع الفرد!!

كذلك ساقت بعضا من النظريات النفسية التي لفظها الغرب ذاته، وبخاصة النسويات اللواتي هاجمن تحليلات فرويد؛ لأنها تكرس دونية المرأة، وأثبتت البعض منهن خطأ كثير من فرضياته. لكن باستكمال سردها لآراء فرويد يتضح سر الاستعانة بمقولاته حيث توصلت إلى النتيجة التي تبتغيها فقالت في ص 143:

” لقد جذبت نظرية فرويد للتحليل النفسي النسويات، لأنه يعتبر مفاهيم الذكورة والأنوثة تصنيفين وبنيتين اجتماعيتين، وبذا فهي تمثل رفضاً للحتمية البيولوجية”.

وهكذا من أجل البحث عن أسانيد لرفض الحتمية البيولوجية لا مانع من نبش قبور نظريات فرويد، والتي كانت فقط نتاج المناخ السياسي والعلمي اللذين كانا في أوروبا آنذاك، والذي كان مهيئاً لتقبل أفكار فرويد كما تقبل أفكار داروين من قبل على غرابة أفكارهم، فآراؤه كما حللها تلميذه “أريك فروم” كانت حصيلة الشكوك التي ولَّدها عالم ينهار، حيث كانت الإمبراطوريَّة النمساويَّة الهنغاريَّة في حالة انحطاط تام ينبئ بأنَّه لا مستقبل لها[12].

واستعانتها بفرويد ليس فقط في آرائه التي أسهبت في سردها وأفردت لها عددا كبيرا من صفحات كتابها، وإنما تكمن في طيات فقراتها الأخرى، فعلى سبيل المثال تذكر في ص 156:

“ينظر الطفل/ة للجنس الآخر بأنه الجنس المعاكس والنقيض له / ها. مما يتولد لدى الذكور ما يسمى بالتفوق العرقي والذي يعني: الاعتقاد بأن للذكور والذكورة مكانة فوقية أعلى من مكانة الإناث والأنوثة”.

ما هذه القفزة العالية من إدراك الاختلاف إلى الإحساس بالتفوق؟ إن هذا بالتحديد اجترار لفكر فرويد الذي بنى على أساس مفهوم “حسد القضيب” جُلَ آراءه عن المرأة[13].

 ألم تتساءل الكاتبة أثمة رابط بالأساس بين الشعور بالاختلاف والإحساس بالتفوق العرقي؟ وأين اُختبرت هذه الفرضية؟ وإذا كان ثمة رابط فما الميكانزم لتفسير ارتباط الاختلاف بالشعور بالتفوق؟ وما المانع من العكس بأن يكون الشعور بالاختلاف مدعاة للشعور بالدونية؟ أو أن يكون هناك إدراك للاختلاف دون أي مفاضلة!

وبالرغم من عدم منطقية الرابط، إلا أن مؤلفة الكتاب تسوق مثل هذه النظريات كي تصل في ص 157 إلى:

أن يتم “تعليم الأطفال سلوكيات جديدة من خلال مشاركة الآباء في الأعمال المنزلية، أو تقديم هدايا غير تقليدية مثلاً دمى للأولاد والكرة للبنات أو تعريف الأطفال على رجال ونساء في مهن غير تقليدية”.

  • ثالثًا: التحامل على العائلة بدعوى التخلص من النظام الأبوي:

لم تعتبر الكاتبة الأسرة هي عش التراحم الأول الذي يتلقى فيه الإنسان كل معاني المودة والتراحم والسكينة، وإنما أسبغت عليها وصفاً منفراً كشأن كل الماركسيات اللواتي يناصبن الأسرة العداء. فالأسرة برأيهن الخلية الأولى للتسلط والتي تشكل البنى التسلطية الأخرى فتقول في ص104:

“تعتبر العائلة الخلية الثقافية الأولى التي تنقل وتجدد النزعة الأبوية، ومن ثم تشكل كل بنيات التسلط الأخرى” وتجعل هذه الأبوية قرينة التخلف والركود، فتقول في ص105:

“يشير المجتمع الأبوي إلى المجتمعات التقليدية الراكدة عن مواكبة التقدم والتحديث.. ويتعامل النظام الأبوي على مستوى القوالب النمطية لتصنيف أدوار المرأة وخصائصها التي تعتبر أنها تختلف اختلافاً جوهرياً عن أدوار الرجل وخصائصه. وفي إطار هذه المقابلة الثنائية يُصنف المؤنث على أنه الأدنى، ويُعلى من شأن المذكر”.

بفرض بعض الصحة في هذه المقولة -الاختلاف الجوهري بين خصائص الجنسين وأدوارهما–، فإن الخطأ ليس في اختلاف الخصائص والذي يترتب عليه اختلاف الأدوار، وإنما يكمن الخلل في تقييم الأدوار. ومن ثم لتصحيح الأوضاع ينبغي تغيير النظرة الدونية وليس إلغاء المقابلة الثنائية وخلق كائن (جندر) ليس له ملامح، وإزاحة النظام الأبوي من أجل إخلاء الساحة لهذا الكائن.

كذلك تكرر في ص111:

“والنظام الأبوي يتم الحفاظ عليه كعملية دائمة ومستمرة من خلال عملية التنشئة الاجتماعية في إطار العائلة ويتم تعزيزها بالتعليم، كما أنها ترتبط أيضاً بالدين وتعمل هذه العملية على إدخال القيم للجنسين بشكل متشابه، ولكنها تشكل لدى بعض النساء كرهاً ورفضاً للذات وقبولاً للتبعية والدونية…. لذلك ترى كيت ميليت أنه لن تتحقق المساواة إلا إذا تم التخلص من النظام الأبوي بشكل تام”.

وهنا يجدر بنا القول أنه إذا كان إدخال القيم ولَد لدى بعض النساء إحساسات خاطئة، أيكون الحل تصحيح إدراكات هؤلاء النسوة أم التخلص من النظام برمته بما فيه العائلة والتعليم والدين، وبما في هذه القيم من جوانب الرعاية والحماية.. إلخ.

كما أن النظرة الأحادية في تناول النظام الأبوي تتجاهل الجوانب الإيجابية في هذا النظام بما فيه من أبعاد رعائية وحمائية، وإنما هو النسج على منوال من ادعى بأنه كان في الأصل (نظام أمومي) إلى إن اغتصب الذكر السلطة وتحول إلى (نظام أبوي)، وقد فشل هؤلاء في إثبات صحة فرضياتهم.

وقد كان مصطلح Patriarchal أي الأبوية يستخدم فيما مضى بشكل إطرائي في عبارات مثل “الخصال الأبوية الحميدة”، التي تحيل على البساطة وعدم التكلف والحياة في البادية. وكانت الكلمة أيضا تحيل على مجتمعات فلاحية صغيرة مكونة من وحدات أسرية إنتاجية يقودها أحد السلف باعتباره قائد الأسرة. وكانت هذه الصورة بإيجابية تعكس عصرا ذهبيا يتعارض مع الفساد والتخلف اللذين تثيرهما الحياة في المدينة[14].

إلا أنه بانتصاف القرن العشرين بدأ استعمال المصطلح ليُعبر عن مفهوم قدحي له على يد مورجان Morgan وباخوفن Bachofen عام 1970، إذ تحدثا عن (نظام أمومي)استُبدل بـ (نظام أبوي) أطلق عليه باخوفن اسم  [15] Patriarchate .

والتقطت النسويات الراديكاليات طرف هذا الخيط؛ لينسجوا عليه منوال جُلَ أطروحاتهن كالناشطة النسوية Kate Millett في كتابها (sexual politics 1971)، حيث صارت البطريركية تعني هيمنة الرجل، وبذلك اعتمدت الحركات النسائية في الغرب في السبعينيات هذا المصطلح للإحالة على نظام وجب التصدي له[16]. بل صارت النسوية مرادفة للتمرد على ذلك النظام الأبوي، ولن يُعترف بأية امرأة على أنها نسوية ما لم تتمرد على كل ما يمثله الرجل من سلطة وتتحداه، تقول «سارة جامبل»: “ويشير مصطلح النسوية إلى: أي محاولة لتحدي النظام الأبوي في أية صورة كانت في الفترة من عام 1550 إلى عام 1770”[17].

  • رابعاً: لمز الإسلام:

لا يفوت الكاتبة لمز الإسلام فتقول في ص25:

“تعريف أرسطو للمرأة أنها رجل ناقص لا يختلف كثيراً عما يتم تداوله اليوم من أن (المرأة ناقصة عقل ودين)”.

وهذا ينم عن جهل فاحش، إما بما قاله أرسطو أو بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإلا ما كانت قاست هذا على ذاك. فشتان مابين أرسطو الذي برأيه أن المرأة ليست سوى ذكر عقيم ممسوخ[18]، بل إن الأخلاق والعقل من نصيب الرجل، ولا حاجة لها للعقل الكامل فهي لن تحتاجه[19].

وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ، قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى، قَالَ فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا).

ويؤخذ من الحديث ثلاث نقاط:

  • نقصان دينها يعني توقفها عن الصيام والصلاة وقت الحيض والنفاس فحسب لضعفها حينها، لكنها مطالبة شأنها شأن الرجل بتمام الصيام ولكن في أيام أخر، وذات الرخصة ممنوحة للرجل إذا سافر أو مرض “فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ”[20].

وكذلك شرع لها التوقف عن الصلاة حال الحيض والنفاس غير أنها لا تقضي؛ لأن في القضاء مشقة كبيرة، فالصلاة تتكرر في اليوم خمس مرات، والحيض قد تكثر أيامه، فتبلغ سبعة أيام أو ثمانية أيام أو أكثر، والنفاس قد يبلغ أربعين يوماً، فكان من رحمة الله لها وإحسانه إليها أن أسقط عنها الصلاة أداء وقضاءً، إذن نقصان الدين هذا ليس تقليلاً من شأن المرأة أو تحقيراً لها وليست مؤاخذة عليه، وإنما هو نقص حاصل بشرع الله عز وجل؛ رفقاً بها، وتيسيراً عليها.

  • أما عن نقصان عقلها فمن جهة ضعف حفظها، وذلك لضبط الشهادة، بسبب أنها قد تنسى، فتزيد في الشهادة أو تنقصها، ولا يلزم من هذا أن يكون نقص عقلها في كل شيء، ولا يلزم من هذا أن تكون أيضاً دون الرجل في كل شيء، وأن الرجل أفضل منها في كل شيء. وقد تكثر منها الأعمال الصالحات فتربو على كثير من الرجال في عملها الصالح، وفي تقواها لله عز وجل، وفي منزلتها في الآخرة، وقد تكون لها عناية في بعض الأمور، فتضبط ضبطاً كثيراً أكثر من ضبط بعض الرجال في كثير من المسائل التي تعنى بها[21]، بل يُسجل للمرأة مفخرة ليست للرجل، فقد وقع الكذب في الحديث من رجال كثيرين، ووقع منهم الغلط، أما النساء على كثرتهن في الرواية لم يقع منهن تعمد الكذب في الحديث بشهادة إمام الجرح والتعديل في عصره شمس الدين الذهبي، وأفرد لتراجمهن قسم خاص (قسم النساء) في كتابه ميزان الاعتدال في نقد الرجال[22].
  • تتمة الحديث يوضح قوة المرأة وتأثيرها في الرجل “.. أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ..” حيث يشير إلى أن المرأة تملك مفتاح الشهوة التي إذا ثارت لدى الرجل دون وازع من دين أو رادع من خلق غطت على العقل واللب وصيرته أداة طيعة في يدها؛ وهذا هو سلب اللب.. أما إذا وظفت في الإطار الذي حدده الله كانت عونا على إظهار إبداعات لا حصر لها، وقدرات مكنونة في النفس البشرية، إذن ليس ذماً للمرأة وإنما توصيف لقدراتها، واللوم والذم على سوء التعامل مع النعمة وتحويلها إلى نقمة، ويستوي في هذا مطلق الإنسان ذكراً كان أو أنثى.
  • خامساً: الاتجاه الماركسي:

 يبدو الفكر الماركسي جلياً في الكتاب، من خلال الكثير من مفردات الاستغلال، والقهر، والاعتداد بالبعد الاقتصادي، والتأكيد على المكون المادي للمكانة التي يحوزها الإنسان، وغيرها من المقولات التي نجدها في أدبيات النسوية الماركسية والاشتراكية التي ترى أن المجتمع يتضمن بنيتين مسيطرتين هما النظام الرأسمالي والنظام الأبوي، كشكلين متمايزين للعلاقات الاجتماعية الاقتصادية، وكليهما يستغل النساء ويضطهدهن، ويطالبن بالتخلص من كلا النظامين[23].  وأن إقناع المرأة بالمكث في المنزل إنما هو لخدمة الدول الرأسمالية، مع أن العكس هو الصحيح بأن ما يجري هو إقناع المرأة بالنزول لحلبة العمل جنباً إلى جنب الرجل؛ كي يتم جني الضرائب من كليهما، وتنتفخ جيوب الرأسماليين.

 كما عرضت الكاتبة مقولات لسيمون دي بوفوار أخذاً عن إنجلز، والذي أخذ بدوره من باخوفن ومورجان، واللذين وضعا فرضيات لم يحاول أي من اللاحقين أن يتثبت من صحتها، بل تناولها كل منهم وكأنها حقائق يقينية. استند باخوفن في نظريته بصورة رئيسية على ما قاله هيرودوت، والأساطير، فهي برأيه مصادر ليست أقل غنى من المصادر التاريخية، وقد لاقى كتابه انتقادات لاذعة من زملائه الذين اعتبروا أن ما كتبه “مجرد هراء في مستوى عال”، وبقى معزولا من الناحية العلمية؛ وذلك بسبب رفض نظريته عن حق الأم من قبل أغلب علماء عصره، ولكن فيما بعد احتفى به الماركسيون والشيوعيون أيما احتفاء، فقد وجدوا فيه ضالتهم المنشودة ليبنوا أطروحتهم حول المشاعية من جهة، ومهاجمة كلا من الرأسمالية، والأديان من جهة ثانية.

وتأثراً بالفكر الماركسي الذي يمثل الصراع جوهر إيديولوجيته، أسقطت الكاتبة هذا النسق الصراعي في  كافة أطروحاتها على الصراع بين الذكر والأنثى رغم الادعاء بالتكامل، فالأطروحات الواردة بالكتاب جردت المرأة من سياقها الاجتماعي، وسعت لأن تكون للمرأة إيديولوجيتها الخاصة بها، فكافة المعارف، والأنظمة، واللغات، والأديان، و… ذكورية. بل التحامل على الإنتاج الإنساني على مدار التاريخ، والمطالبة بتغييره جذريا بدعوى ذكوريته، فـ “الرجل يعتبر المرأة آخر ويعرف نفسه عبر مغايرته لها”.

ونتساءل ما الضرر في أن يعرف الرجل نفسه عبر مغايرته للمرأة؟ أليست المرأة ذاتها تعرف نفسها بدلالة وجود الرجل؟ فهذا بديهي للإنسان فهو “كائن اجتماعي بطبعه، يحتاج إلى الآخرين لكي يشعر بوجوده! كمثل أي مادة لا يمكن تعريفها إلا بدلالة وجود مادة أخرى! الإنسان أيضاً لا يستطيع أن يدرك أي مفهوم في الحياة دون مقارنته بمفهوم آخر قد أدركه عندما قارنه بشيء يسبقه.. وهكذا، في متسلسلة من المقارنات التي لا نهاية لها”[24].

الإشكالية إذن ليست في تعريف كل منهما بدلالة الآخر، وإنما يكمن القصور في نظرة أي من الجنسين لسماته ودوره بدونية أو استعلاء، ومن ثم يجب تصحيح هذه النظرة والاعتزاز بما جُبلا عليه، وأن يعزز إدراكهما للاختلاف والتنوع سعيهما نحو التكامل والتعاون، لا التناظر والمشابهة. وبديهي ألا تستقيم الحياة الإنسانية وتطمئن إذا كانت علاقة الجنسين غير مستقرة، وفي صراع دائم تتأرجح بينهما إلى أقصى اليمين أو إلى أقصى اليسار.

الخلاصة:

هذا النوع من الكتابات إنما يُشير إلى مرحلة جديدة من الكتابات النسوية، فالكتابات السابقة كانت تمثل دعوة إلى إدراك وفهم حقوق المرأة عبر انتزاع بعض القوة من الرجال، وهذا يُشير ضمناً إلى المرأة كشخصية ضحية وتابعة، كما أنه يقف حصرياً على الحتمية الثنائية البيولوجية الذكر والأنثى فقط.

أما دراسات الجندر فهي اتجاه يرسخ ضمناً الندية والمساواة المطلقة بين الذكر والأنثى، الأمر الذي يُفضي بطبيعة الحال إلى إعادة النظر جذرياً في كافة التشريعات وتوزيع الموارد، وإسناد المهام والمشاريع دون الاعتداد بالجنس البيولوجي، كذلك يتسع وعاء الندية والمساواة المطلقة ليشمل كافة الأنواع الشاذة الأخرى، فالتشريعات لا صلة لها بالجنس البيولوجي، وكذلك توزيع الموارد من استحقاقات مالية وغيرها تُمنح للجميع دون وصم بفاحشة أو شذوذ، حتى وإن تهدد استمرار النوع الإنساني، فالمهم أن يحيا مفهوم “الجندر” وإن تعرض الإنسان للفناء.

لنطالع هذا الكتاب لمؤلفته عصمت محمد حوسو، الصادر عن دار الشروق بعمان / الأردن لعام 2009، مع صرخة تحذير عالية لعلها تبلغ آذان علماء اللغة للتدخل.

الكتاب يُجسد مسعى لتيار نسوي جديد، يحاول فرض نفسه على الساحة الأدبية، وقد تعدى مرحلة التنظير إلى مستوى الاستعمال بالوسائل والأدوات، حيث صار يكتب بطريقة (إضافة تاء التأنيث على كل لفظ حتى وإن لم يستقم المعنى ويُشوش القارئ)، بدعوى أنه بها يجعل من اللغة العربية لغة الجنسين، ويُخلص اللغة العربية من صفاتها الذكورية! واللغات بوجه عام إن كانت إرثا إنسانيا واجتماعيا، فاللغة العربية أكبر من ذلك بكثير فهي لغة القرآن، ومن ثم على علماء الأمة الغيورين على هذه اللغة الانتفاض لصيانتها من العبث الذي يجري بها.

كذلك ملاحظة أخيرة: أن مفهوم الجندر ليس كما ادعت كاتبته غربي الجنسية، وشرقي الملامح، بل إن كل ما ساقته من تاريخ الفلسفة الغربية، والنظريات النفسية والاجتماعية، واستعراضها لآراء معظم المفكرين الغربيين –باستثناء ابن خلدون فقط وكان في معرض الذم- يصب في حقيقة أنه غربي الجنسية والملامح، كل ما هنالك أن الكاتبة سعت جاهدة لإيجاد بطاقة انتساب عربية له؛ كي توحي بعالميته لكن هيهات هيهات!!

                                                                                                                                   مركز باحثات لدراسات المرأة


[1]  زليخة أبو ريشة، “اللغة الغائبة.. نحو لغة غير جنسوية”، الأردن: دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، 2014م-1434هـ، ص13.

[2]  المرجع السابق، 14.

[3]  محمد تبركان، أخطاء شائعة: الإنسان لا الإنسانة .

[4] لمزيد من التفاصيل حول العلاقة بين الأسطورة والفكر، انظر:

جان بيار فرنان، “الأسطورة والفكر عند اليونان: دراسات في علم النفس التاريخي“، ترجمة جورج رزق، مراجعة عبد العزيز العيادي، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2012.

[5] ستيفن غولد برغ، حتمية النظام الأبوي، في:

وحيد الدين خان، “المرأة بين شريعة الإسلام وحضارة الغرب“، ترجمة سيد رئيس أحمد الندوي، مراجعة ظفر الإسلام خان، القاهرة: دار الصحوة للنشر والتوزيع، 1414هـ – 1994م، ص37.

[6] لمزيد من التفاصيل، انظر:

بيتي فريدان، اللغز الأنثوي، ترجمة عبد الله بديع فاضل، دمشق: الرحبة للنشر والتوزيع، 2014.

[7] هالة كمال، “النوع: الذكر والأنثى بين التمييز والاختلاف، ترجمة محمد قدر عمارة، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة 2005، ص 22.

[8] Kate Millet, “Sexual Politics”,Avon Books: N.Y., 1971, p.54.

[9] محمد سيلا وعبد السلام بنعبد العالي، “الطبيعة والثقافة”، دفاتر فلسفية، نصوص مختارة 2، المغرب: دار توبقال للطباعة والنشر، 1991، ص 52-53.

[10]  عصمت حوسو، ص 188.

[11] ياسمين الخولي، “في عمق الذات“، الجيزة: أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي، 2019، ص67.

[12] أريك فروم، مهمَّة فرويد.. تحليل لشخصيَّته وتأثيره .

 

[13] حسد القضيب.. غلطة فرويد الجنسية، http://www.elyomnew.com/news/refresh/2014/12/18/2483

[14] بشرى الغزالي، المفاهيم في الكتابات النسائية الإسلامية وإشكالية ترجمتها مصطلح “النظام الذكوري” نموذجا

http://www.annisae.ma/Article.aspx?C=6050

[15]  أسهبت مؤلفة الكتاب في عرض حق الأم لباخوفن ص108.

[16] Hirita, Helena et al. Dictionnaire critique du féminisme, 2ème édition augmentée, Presses Universitaires de France, 2004.

[17] سارة جامبل، النسوية وما بعد النسوية، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000، ص22.

[18] خديجة العزيزي، المرأة والفلسفة الذكورية، مجلة الفكر المعاصر، عدد 116-117، مجلة النبأ العدد 60، بيروت 2001، ص 119-118.

أيضاً سوزان موللر أوكين، “النساء في الفكر السياسي الغربي”، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، القاهرة: المشروع القومي للترجمة، ص102، 103.

[19] أرسطو، السياسة، الكتاب الثالث، 1277ب، في: سوزان موللر أوكين، المرجع السابق، ص113.

[20]  سورة البقرة: 184.

[21] معنى نقص العقل والدين عند النساء .

[22] نور الدين عتر، “ماذا عن المرأة”، دمشق: دار اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الحادية عشر، 1424هـ – 2003م، ص34.

[23] – لمزيد من التفاصيل انظر: صوفيا فوكا، رببيكا رايت، “ما بعد الحركة النسائية”، ترجمة جمال الجزيري، المجلس الأعلى للثقافة، المركز القومي للترجمة، 2005.

[24]  ياسمين الخولي، مرجع سبق ذكره، ص68.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز