ترجمات: لماذا لا يهتم أحد بالنظرية النسوية؟

جيمس ليندساي

ترجمة: زينب صلاح

دعونا نكون واقعيين بشأن أمر مهم: لا أحد بالفعل يهتم بما يعتقده الباحثون النسويون أو بأسباب اعتقاداتهم. وإحقاقا للحق، هذا ليس مستغربا، فالعمل العلمي النسوي في حالة غريبة من الركود الأكاديمي لا ينبغي لأحد أن يرعيها انتباهه، ومن المحتمل أن لا يفعل أحد ذلك ما لم تصبح مؤثرة بشدة.
وذلك التأثير المتضخم ليس مدهشا أيضا، فالناس يهتمون كثيرا جدا بالمساواة الجنسانية وبحقوق النساء، ففي كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، تتمتع المساواة بين الجنسين بدعم أربعة من كل خمسة أفراد تقريبا، وهذا يسبب مشكلة. فباستثناء النسويات الأخريات، يتجاهل العالم بأكمله تقريبا النظرية النسوية، وقد فعلوا ذلك لعشرات السنين، الأمر الذي سمح لها بالابتعاد إلى حيث جحور الأرانب المرجعية الخاصة بها. إن كون هذا العلم قد تم تجاهله أثناء تطوير ما يشبه المحتِد الأكاديمي الشاهق هو السبب في أن النظرية النسوية تستمر وتمارس الكثير جدا من السيطرة على الأكاديميا والمجتمع، مما يعني أنها مشكلة ضخمة نوعا ما.
ربما تظن أنني أبالغ عندما أقول أنها مشكلة كبيرة أن يتم تجاهل زاوية غير مهمة نوعا ما -على ما يبدو- من الممارسة الأكاديمية. حسنا، تحقق من صلاحياتك وانظر حولك؛ لأنها تتسرب من أقسام النظرية.
صحيح أن الدراسات الجنسانية التي تشمل النظرية النسوية من الناحية النظرية، لا تحتفظ بأي تمثيل وسط أكثر من ألف مجلة أكاديمية مهمة (مجلة الجندر والمجتمع، وهي أعلاها رتبة، ترتيبها بكل فخر هو 824 بين كل المجلات الأكاديمية)، لكن من الصعب تجاهل الكثير من أحدث التطبيقات الواقعية للنظرية النسوية. يمكنني أن أشير إلى انتهاكات مشينة واضحة هنا، مثل التجاوزات المخزية في حرم الجامعات، والرعب الأخلاقي من التحرش الجنسي، لكنني مكبَّل بالخطبة العصماء “الحادة” التي كتبتها المعممة النسوية ليندي ويست حديثا في صحيفة النيويورك تايمز. الأكثر إثارة للقلق، هو تأكيد أصداء خطبة الباحثة النسوية ليزا واد غير الكارهة للرجال بشكل قاطع قبل أسابيع، على أن “المشكلة ليست ذكورية سامة، ولكنها أن الذكورية سامة”، و “أننا بحاجة إلى أن نسمي الذكورية أيديولوجية خطيرة، وندين أي شخص يختار أن ينتسب إليها”. ولأجل الذين لا يعرفون “الذكورية السامة” هي مصطلح فني ينشأ من داخل التنظير النسوي، وليس مجرد صياغة لطيفة لعبارة اخترعها كُتَّابٌ منفعلون مع فأس لسحقها.
في هذه المرحلة، يجب حقًّا أن نتوقف لنسأل أنفسنا كيف تتسرب النظرية النسوية إلى الثقافة الشعبية، والسبب في ذلك أنها علم مدفوع بالنشاط. إن لديها أجندة: وهذه الأجندة هي إعادة تشكيل المجتمع بحسب صورتها الخاصة. رغم أن الدعم الكبير للمساواة بين الجنسين لا يتحول بكفاءة إلى دعم للنسوية من هذا النوع (إذ إن واحدًا فقط تقريبا من كل خمسة أمريكيين، وأقل من واحد من كل عشرة بريطانيين ينتسبون للنسوية)، إلا أنها تقدم مدخلا للنظرية النسوية لتصل إلى الجمهور. إن البوابة التي يحدث ذلك من خلالها بشكل رئيسي هي الجامعة، حيث لا يتم إنشاء النظرية النسوية فحسب، وإنما تُطبَّق في الممارسة العملية، ويحدث هذا بطريقتين من حيث المبدأ، فالأولى: أن النظرية النسوية تتسرب ببطء كمركز للثقافة والتعلم (وبشكل مقصود إلى حد كبير) إلى الدائرة التعليمية والثقافة الجامعية، الأمر الذي أدى إلى انتشارها في وسائل الإعلام (التي تبرزها بصورة تفضيلية)، ومجال المشاريع (بتأكيدها الجديد على التنوع والشمول)، والمجتمع ككل (الذي استبطن قدرا مدهشا من النظرية النقدية على نطاق واسع). والثانية: أنها تُطبَّق مباشرة من خلال التطبيقات الممتدة على نحو مرعب للباب التاسع من القانون(1)، الذي أنشئ كجزء من قانون الحقوق المدنية، ولكنه امتد في فترة الرئيس أوباما بطرق تبدو غير ليبرالية بوضوح، وتتعارض مع الأهداف الرئيسية للجامعة في آن.
نظرا للإيجابية الساحقة للمساواة بين الجنسين ومركزيتها التطبيقية داخل الجامعة؛ فإنه من اللافت للنظر أن يتأثر الجميع بشكل واضح بالنظرية النسوية، خصوصا الأكاديميين غير النسويين. من المسلم به أنها تبدو مملة وغامضة إلى حد ما، بوصفها ذلك التنظير الأكاديمي المعقد، والفلسفي بطبيعته إلى حد كبير، والذي يسعى إلى فهم طبيعة عدم المساواة بين الجنسين، ومع ذلك، فهذا ليس هو السبب وراء نجاح النظرية النسوية. يرجع هذا الشرف إلى أنها جعلت نفسها معزولة، وبسبب الافتقار إلى مصطلح أفضل، فليس بإمكان أحد الاهتمام بها (it is not-care-about-able). وبالتالي فإن الحل لهذه المشكلة الناجمة ليس هو الاهتمام بالنظرية النسوية؛ لأن هذا ضرب من مستحيل. فالأمر ليس مجرد أن النظرية النسوية نظرية لا يهتم الناس بها؛ بل أنها شيء ليس بإمكان أحد الاهتمام به تقريبا. والأسوأ من ذلك، أنك إذا تمكنت من الاهتمام بها نوعا ما، فلن يهتم أحد بذلك، وسوف تعاني وحدك.
تحمل النظرية النسوية كل صفة مميزة لعدم إمكانية الاهتمام بها، تماما مثل تفاصيل لا حصر لها تصف عالم جزيرة في لعبة فيديو لم تلعبها أنتَ بتاتا، أو الجوهر اللاهوتي لدين لا تؤمن به، أو تفسير رؤيا مليئة بالمغامرات رآها شخص آخر وأصرَّ أن يخبرك عنها (“لقد كنا معًا في بيتنا، لكنه لم يكن هذا البيت، كان بيتا مختلفا، لكنه كان بيتنا في الرؤيا، وكان لديك مفترقان للطريق..”)، مثل:
• أنها مقصورة على فئة معينة مثل كثير من التخصصات المتطورة اليوم.
• يبدو أنها تصف عالما بديلا يشبه عالمنا، ولكنه مشوه بصورة خيالية بطريقة تجعل من الصعب تعطيل عدم تصديق المرء به (وهذا مهم).
• أنها تنطوي على صراعات مانوية ثنائية الأبعاد بصورة مأساوية بين الخير (النسوية التحررية المزعومة) والشر (البطريركية، وتحقيق النساء ذواتهم، و”القمع”، والعلم، والمواد الإباحية، والصور الإعلامية فيما يخص أي شيء، والرموز التعبيرية، وما إلى ذلك).
• أنها تشبه نظريات المؤامرة (لأنها تستغل العديد من الأمور مثل “البطريركية”، و”الذكورية المهيمنة”، و”ثقافة الاغتصاب”، و”الأنثوية المهيمنة”).
• أنها تُقدَّم بلهجة تقنية ظلامية (مثل إنك لا توافق بسبب “صدودك المعرفي ورغبتك في حفظ امتيازاتك”) وكذا لغتها المتخصصة غير الفصيحة التي تستبعد غير الخبراء.
• أنها تمتلئ حتى الحافة بحروب قطاعات مربكة (نسوية مادية/ماركسية، نسوية راديكالية، ونسوية متعددة الجهات، ونسوية نقد الجنوسة، والنسوية الليبرالية).
• أنها برُمَّتها لا تُقرأ، ليس فقط من قِبَل أي شخص خارج المجال، بل من قِبَل معظم من هم داخل المجال أيضا (فأكثر من 80% من ورقاتها لا تتلقى اقتباسا واحدا).
• أنها ترفض الاستماع إلى أي شخص آخر إطلاقًا.
ربما كان البيولوجي بول غروس والرياضي نورمان ليفيت هما أول من أتى بانتقاد ساحق وقابل للتطبيق للنظرية النسوية عام 1994م في كتابهما “الخرافة العليا”، الذي سعى إلى إنقاذ الأكاديميا من الزيادة المتنامية لليسار الأكاديمي. المشكلة بصورة جوهرية (وأنا أعلم أني قد أخسر نصف قرَّائي بسبب السبب الموضوعي وراء هذا المقال) هي أن الإبستمولوجيا النسوية والدراسات العلمية النسوية كانت قد ازدهرت في ظل تلكم النجوم الوضَّاءة، مثل إيفلين فوكس كيلر وساندرا هاردنج. سعت هؤلاء النساء -من بين أمور أخرى- إلى عرض العلم والإنتاج المعرفي بوصفهما قائمين على التفريق بين الجنسين، وإلى إعادة صياغتهما بصورة أكثر رسوخًا، وفق إرادة نسوية (حتى أن هاردينج أشارت إلى [كتاب] المبادئ الأسطورية لنيوتن(2) بوصفه “كتيِّب اغتصاب”، ص: 113 (3)، رغم أنها ندمت على هذا القول بعد ذلك).
هكذا اندلعت “حروب العلم”، وكان أول تحفُّظ رئيسي لصالح العقل هو وقفة غروس وليفيت المثيرة للإعجاب، ضد ما لا يمكن أن يوصف إلا بأنه محاولة جادة لبدء لايسينكية(4) نسوية. وقد ألهم غروس وليفيت بدورهما آلان سوكال المشهور بكتابته عن الحيَل الأكاديمية، التي ألهمتنا(5) وقادت إلى كتابه مع جين بريكمونت، والذي بعنوان ((الهراء الأنيق))، وهو عنوان ذكي يصف بإيجاز السبب في أن النظرية النسوية تقع خارج الاهتمام الإنساني.
كان يجب أن تنتهي هذه الحروب العلمية على يد ستيفن بينكر عام 2003م، حينما نشر كتابه الفتاك “القائمة الفارغة” ( The Blank Slate). وكما تلاحظ بلا شك، لم يتوقف التنظير النسوي عام 2003 أو 2004 أو حتى 2005، رغم أن الحروب العلمية انسحبت بالفعل من دائرة الضوء. وبدلا من إنهاء نزعات التنظير النسوي التي كان ينبغي أن تكون متورطة تماما، أنهى الكتاب بشكل أكثر دقة أي اعتقاد عقلاني بأن العمل الجاد مع التنظير النسوي أو نقده قد يبطئ انتشاره. بالمناسبة، بعيدا عن كونها مسرحية جبرية من جهتي، فقد أثبتت شارلوتا ستيرن هذه النتيجة مؤخرا باستخدام كتاب بينكر كمعيار، أهو اكتشاف ستيرن؟
إن النظرية النسوية منعزلة جدا ومحمية من النقد الخارجي، إلى الحد الذي يجعلها تعتبر مكافئا أكاديميًّا لثيمسكيرا(6)، كجزيرة بعيدة من جزر الأمازون، المذكورة في هزليات عالم المرأة العجيبة. لا يقتصر الأمر على أن التنظير النسوي ليس مثيرا للاهتمام، أو مفهوما بالنسبة للغرباء عنه، فقد تطور بطريقة تعزله عن عموم الأفكار العقلانية الأخرى. بعبارة أخرى، لم يكن التنظير النسوي به عجز في النقد، ولكنه من خلال قوة الاتهام التشتيتية بالتحيز الجنسي المحتمل، استجاب لهذا الضغط الاختياري بلا تصحيح أكاديمي مسؤول، حتى جعل نفسه غير قابل للاهتمام بالنسبة للعالم الخارجي، بينما وضع غشاوة على عينيه؛ ليتسنى له الاستمرار كما لو أن كل الانتقادات الموجهة إليه -في حقيقة الأمر- متحيزة جنسيا، بالقدر الذي يجعلها لا تستحق الملاحظة.
وكنتيجة لذلك، في شهر مايو العام الماضي، وبالعمل مع الفيلسوف بيتر بوغوسيان، حاولت لفت الانتباه إلى مشكلة النسوية الأكاديمية، من خلال نشر حيلة أكاديمية تهكمية مضحكة، بعنوان: “العضو الذكري المفاهيمي كبناء اجتماعي”، والتي أثبتت أنها مثيرة للجدل نوعا ما، وأثارت الكثير من الانتقادات.
من بين الانتقادات الأخرى المتفاوتة في أهميتها، انزعج الكثير من الباحثين من أننا حاولنا صناعة حيلة أكاديمية بدلا من المشاركة مع البحث العلمي النسوي مباشرة، وبطريقة مهذبة وعلمية مناسبة.
بيد أن هذا هو الطريق الذي يجري فيه التنظير الأكاديمي الجليل بتهور نحو حائط مسدود للحقيقة، لثلاثة أسباب مهمة، أولا: النظرية النسوية غير قابلة للاهتمام بها، لذلك إذا تعاملنا معها بجديَّة أكبر، فلن يهتم بها أحد. ثانيًا: المشاركة الجليلة مع النظرية النسوية علميا أداؤها ضعيف في مقابل واقعية الموقف، فكل الدجل يستفيد من المشاركة الجادة مع النظراء الذين يود تقليدهم. فالخلوقيون(7) يريدون الجدل مع البيولوجيين لسبب بسيط، يتمثل في أن بعض مؤيدي البيولوجيا بالمصادفة يزيلون الخلوقيين من لحظة بدء الجدل. “انظر، أنا أضطلع بالعلم أيضا، هذا العالِم يريد أن يناقشني!” النظرية النسوية، بطريقة لا تختلف كثيرا عن اللاهوت(8)، تستفيد ولا تتضرر من الارتباط بالفلسفة الراشدة، والعلم الذي يحاول معالجتها بمصطلحاته الخاصة. “نحن فلاسفة وعلماء اجتماع نسويين! إننا نلهم ونشارك في النقاش الأكاديمي في تلكم المجالات!” نحتاج أن نفكر بعناية كبيرة فيما إذا كنا نريد ذلك أم لا. البديل بالمناسبة، هو رفض إدخال أسسها في مصطلحاته الخاصة، وإظهارها كنموذج ساذج وغير ملائم لفهم الواقع.
ثالثا: والأهم، أن نقد النظرية النسوية من داخل النسوية نفسها أسوأ من كونها غير قابلة للاهتمام، فهي مرتبة بحيث لا يكون للنقد الحقيقي أي تأثير. كيف ذلك؟ لقد أسست لنفسها نظامًا ذاتيًّا للحماية (كما تفعل كل نظريات المؤامرة تقريبا)، يُفهم فيه أن نقد النظرية النسوية يثبت صحة النظرية النسوية. خذ على سبيل المثال الدعاوى ذائعة الصيت بأن “نقد النسوية هو السبب في حاجتنا إليها”. فوفقًا للنظرية النسوية، المؤسسة بعمق على الفكر ما بعد الحداثي، يُعتقد أن المعرفة بُنيت بواسطة “خطابات مهيمنة”، وتُعتبر النسوية، خصوصا النسوية المتقاطعة، هي المُدافع الحقيقي عن الأصوات المهمشة، بما في ذلك تلك الأصوات المزعومة للنساء. والأسوأ من ذلك، بسبب اعتقادات النظرية النسوية حول هياكل السلطة؛ فإن انتقادها يعتبر بمثابة اقتراف محرَّم أخلاقي ضد المساواة بين الجنسين. إن انتقادات النظرية النسوية، حتى من الناحية العلمية البحتة، يُسخَر منها بوصفها متواطئة مع التحيز الجنسي، وقد ترك البناء الأخلاقي للأكاديمية بعد عام 1960م الأكاديميين الآخرين (والمدراء) ضعافا -بصورة خاصة- أمام هذه الاتهامات.
إذن، النظرية النسوية تستمر وتتركز بأن تجعل نفسها أقل تواصلا مع الواقع، وغير قابلة للاهتمام بها بدرجة أكبر في الوقت نفسه.
وبالتالي، فإن نقد النظرية النسوية لا يمكن أن يتم بالطريقة الطبيعية. داخليا، يمكن النظر إليه فقط باعتباره دليلا على أن الخطابات المهيمنة التي تسعى للإطاحة بها ما زالت مهيمنة، ومن ثم فإنها تتطلب معارضة أكثر قوة. داخل هيكل البحث العلمي للنظرية النسوية، يُفسَّر النقاد مثلي، ومثل بيتر بوغوسيان، وبول غروس، ونورمان ليفيت، وآلان سوكال، وستيفن بينكر بأنهم مجرد ذكور من البِيض يمارسون رفضنا معرفيًّا، مثل أي رجل آخر يعارض. (ملحوظة: النساء اللائي يعارضن، يعانين من “كره النساء الداخلي”، وفي محاولة للحفاظ تأييد “الرجال”، يشتركن في نفس الرفض المعرفي بمجرد استبعادهن، لذلك لا يوجد فائز هنا، فقط إما أن تتفق مع النسويات، وتُستخدم كدليل على صحة النسوية والحاجة إلى مزيد من النسوية والنظرية النسوية، وإما أن يتم تجاهلك).
وهذا يصنع قوتين فعالتين تسمحان للنظرية النسوية بالاستمرار إلى ما وراء الاضطلاع بالعمل العلمي المسؤول. الأولى: أنها تشتت كل الانتقادات باستغلال ثغرة في البناء الأخلاقي لليسار الأكاديمي والثقافي: حاجة ماسة إلى أن تجعل نفسها على مسافة من أي شيء يمكن أن يسميه أي شخص تعصبا، وهي حاجة مسبوقة بباعث أقوى لإسقاط إشارات أخلاقية واضحة، تثبت المقدار الشاسع لتلك المسافة فحسب. الثانية: أنها تجعل نفسها غير قابلة للاهتمام بها بانسحابها نحو جزيرة أكاديمية رائعة، مثل اللاهوت(9). المشكلة هي أن الجزيرة سلَّحت نفسها جيدًا، ونحن في نطاق قذائفها تماما. ونظرًا لأن هذا يحدث في بيئة أوسع من اللامبالاة شبه الكاملة بالنظرية النسوية، لسبب وجيه جدا يتمثل في أنها تنتج القليل جدا مما هو معقول ومتوائم أو موضوعي؛ فإن هذه في الواقع مشكلة.
نتيجة هذا الرأي المحبِط هي أنه يعطينا فرصة، فهو لا يتركنا في موضع محاولة الاهتمام بالنظرية النسوية – فهذا مستحيل تقريبا، ثم إنه أسوأ حالا. ينبغي بدلا من ذلك أن يتركنا ونحن نسأل بعض الأسئلة حول معنى كون النظرية النسوية غير قابلة للاهتمام بها، ولكنها في الوقت نفسه ذات أهمية هائلة بحيث ترغي وتزبد بأيدي الناشطين.
سوف أقترح أن إجابات هذه الأسئلة تضعها خارج حدود العمل العلمي المسؤول، فالعمل العلمي الذي يرفض أن يُنتقَد ليس عملا علميًّا؛ إنه محاكاة قديمة تُعرف بالسفسطة – ذلك الهراء الذي له مظهر الكلام الفلسفي، والذي يَفترض استنتاجاته ويكتب في دوائر مغلقة محاولًا إخفاء تلك الحقيقة. لا ينبغي أن تؤخذ الأمور بهذه الطريقة، فالنظرية النسوية والدراسات الجنسانية يمكن أن تكون جديرة بالاهتمام وممتعة معًا على نطاق أوسع، إذا كانت تقدِّر الأدلة والدقة وتقبل النقد، وهي لا تفعل ذلك حاليا. وإذا كان بإمكاننا أن نقبل ذلك، فسيكون الطريق أمامنا واضحا. إذا كانت النظرية النسوية ليست عملًا علميًّا على الإطلاق، فليس علينا أي التزام بالتعامل معها على هذا النحو.

ترجم من هنا.

 

                                                                                                                                 مركز باحثات لدراسات المرأة


(1) هذا الباب جزء من قانون تعديلات التعليم لعام 1972م في الولايات المتحدة الأمريكية، وينص على أنه: “لا يجوز استبعاد أي شخص من المشاركة، أو حرمانه من مزايا، أو تعريضه للتمييز بناء على الجنس في ظل أي نظام تعليمي أو نشاط يتلقى مساعدة مالية اتحادية في الولايات المتحدة الأمريكية” (المترجمة).
(2) المقصود هو كتاب نيوتن الشهير “المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية” (المترجمة).
(3) المقصود هنا هو كتاب ساندرا هاردينج “سؤال العلم في النسوية” (المترجمة).
(4) اللايسينكية نسبة إلى فريم لايسينكو، الذي شغل منصب مدير أكاديمية لينين للعلوم الزراعية بالاتحاد السوفييتي، وقام بحملة محاربة للعلم ضد علم الوراثة والزراعة. صارت هذه النسبة تستعار لمن يرفض شرعية المنهج العلمي وتطبيقه (المترجمة).
(5) يشير الكاتب إلى حيلة أكاديمية كتبها هو أيضا بالاشتراك مع بيتر بوغوسيان وسيتحدث عنها في هذا المقال أيضا (المترجمة).
(6) هي مدينة خيالية بها جزر تعرف بجزر الأمازون، وكانت تظهر في الكتب المصورة الأمريكية (المترجمة).
(7) الخلوقيون هم الذين يفسرون الظواهر العلمية والبيولوجية تحديدا من خلال الكتاب المقدس (المترجمة).
(8) لم يُصب الكاتب في تشبيهه، فالنصوص المقدسة لا تستفيد شيئا من معالجتها بالطريقة التي تعالَج بها العلوم التجريبية، بل يكمن الإشكال عند من يحاولون تحميلها ما لا تحتمله من المعاني لإرضاء الهوى العلموي الشائع، وعند من يتلقونها باعتبارها عبارات فيزيائية أو بيولوجية. وهذا ليس إنكارا لوجود تناقضات حقيقية بين ما ثبت بالتجريب وبين بعض النصوص في بعض الأديان [الباطلة]، وكذا بطلان بعض النظريات الملصقة بالعلم انطلاقا من الرؤية الدينية، لكن تظل معاملة النصوص الدينية بالمقاييس التجريبية بصورة عامة ومستدامة خللا في تصور الهدف من كل منهما ومكانته، وليس فيها أي فائدة للنص الديني كما يزعم الكاتب (المترجمة).
(9) ربما يصدق هذا على معاملة التناقضات الواضحة بين بعض النصوص المقدسة وما ثبت بالتجريب في الحالة المسيحية، أو بين محاولة إلباس اللاهوت عباءة العلوم التجريبية، وإلا فالنص المقدس الحقُّ لا يُنتَقد؛ ليس لأنه يرفض الحقيقة، بل لأنه حق خالص ومصدره حق خالص، لا يمكن لأحد أن يقيم حجة صحيحة سالمة من المعارضة في نقده (المترجمة).

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

اللقاء الثقافي 4: مناقشة وعرض كتاب (معبد داروين) مع أ.خالد الشايع – أ.منال الفريح

5:30م - 8:45م
جميع الفعاليات