مقالات: آثار وعواقب غبن المرأة

عابدة المؤيد العظم

يستطيع كل زوج استعمال سلطة “الطاعة”، أو “القوامة”، وقهر زوجته، وإجبارها على كل أمر يريده، وتضطر الزوجة للانصياع؛ محافظة على بيتها، أو حباً لزوجها، أو لأي سبب آخر، ولكن هل تستقيم الحياة؟ وهل يتحقق ما أراده الله من مقاصد الحياة الزوجية؟

أيها الزوج، إن سكوت المرأة أو تسكيتها، لا يعني أن المشكلة قد حُلت، وإنما ستنفجر يوماً بطريقة أو بأخرى، فأنت تتعامل مع إنسانة لها مشاعر وأحاسيس وليس مع آلة، ولذلك جاء التنبيه للرجال بألا يضيقوا على النساء، وألا يمسكونهن للإضرار.

وإذا زادت المشقة على المرأة، ولم تحتملها ثارت، فيقولون: “أصبحت ناشزاً ويحق للزوج ضربها”!؟ فكيف ذلك، والخطأ بدأ من طرفه وليس منها؟!

وإن بعض النساء قد تصبر، وتتحمل الإضرار بها حتى حين، ولكن إذا طال الأمد عليها أُرهقت وتعبت، وكان الزوج أول الخاسرين (حين تنصرف عنه وتنفر منه).

وإني لأعجب كيف يرون المرأة ضعيفة وقاصرة، ثم يُحمّلونها فوق طاقتها!؟ وهذه بعض نتائج الإضرار بالزوجة:

1- تراجع أداء المرأة وضعف دورها، والزوجة المقهورة لن تربي الأبناء ولن تكون فاعلة، وإذا غاب الزوج لأي سبب لن تكون لها مَهَابة ولن تكون لها قيمة في العملية التربوية والتي هي لب نشاطها، وأهم دور لها.

وكيف يمكن لإنسان خائف أو حزين أو مقهور أن يُنتج؟

وجاء في كتاب مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة: “حفظ الكرامة الإنسانية أمر مهم جداً، هي عنصر أساسي، ومن يشعر بالمهانة جرّاء ما يعامل به، أو التحقير، أو الإذلال، أو انتهاك كرامة، فإنه يكون مكسور الإرادة فلا يستطيع أن ينتج شيئاً، فضلاً على أن يكون في مقام الريادة والابتكار، أو غير قادر على تنفيذها على الوجه المطلوب، ولهذا المعنى جاءت أحكام كثيرة تلتقي كلها عند مقصد حفظ كرامة الإنسان للحفاظ على معنى الإنسانية فيه، أمراً بكل ما من شأنه أن يشعر بالمذلة والهوان والوهن، سواء أكان ذلك متمثلاً في تصرفات فعلية أو كان متمثلاً في تصرفات قولية.

وكما يتلف الجسم بالجراح والقطع، فكذلك تنتقص الإنسانية في نفس الإنسان بتصرفات التحقير والإهانة والاستنقاص قولاً وفعلاً.. لقد حفظ الإسلام كرامة الميت فكيف بالحي؟!”[1].

2- انعدام التوازن.

والزوج الذي يتعامل مع زوجته بالقهر، لن يستطيع كسب قلبها وولائها، وسيفقد محبتها ومرحمتها ومودتها وكونها سكن له، وهذا من أسباب كثرة الطلاق، وقد يكون سبب طغيان المرأة في هذا العصر.

وظلم الزوجة وقهرها يخلق الصراع والتناقضات، مما قد يجعل البيت حزبين، فتأخذ الزوجة الأولاد من طرفها، ويبقى الأب منبوذاً في البيت، أو يأخذهم من طرفه، فتسقط الزوجة طريحة للأمراض النفسية، وتصبح بحق ناقصة عقل ودين، فتربي الأولاد تربية خاطئة، وغير متوازنة، فيرجع الظلم على الرجل، لما سيدفعه من علاج باهظ، أو ما يجنيه من العقوق وانصراف أبنائه عن بره أو تقديره.

وكم من زوجة وجدتُها تتصرف بلا وفاء، ولا تقدير نحو زوجها حين أسن، وكبر، وضعف، فلما سألت عرفت أنه كان يعاملها بقسوة وعنف، فلما احتاجها لم يعد في قلبها أي ود، أو مرحمة نحوه.

أقصد قد تخضع المرأة في بداية زواجها، وتستكين لزوجها، وقد علموها أن هذا هو الصحيح، وهو واجبها، والمطلوب منها، ولكنها تتعب مع مرور الأيام، وقد تنهار، فتعتزل الناس، أو تصبح جبارة، وكم من زوجة انتقمت من زوجها لما كبر وضعف، فكانت تتعامل معه في نهاية حياته كما تعامل معها في بدايتها، والدنيا في صعود وهبوط، فلا يفرحن أحد بجبروته.

3- إصابة المرأة بالأمراض النفسية: قدمت بأن الزوج يستطيع قهر الزوجة وإجبارها على ما يشاء، ولكنه لن يملك قلبها وولاءها، وسلوكه _إن كان ظالماً_ يزيل المودة والمرحمة، والزوجة لا ترى منه إلا القسوة والمبغضة.

وإن للظلم أبعادا اجتماعية خطيرة على الأسرة الصغيرة، وإن المشكلة التي قد لا يدركها الرجل “سواد الكراهية في العائلة كلها” حين تحمل زوجته الألم منه.

والقسوة تأتي بالعقد النفسية، فتشعر المرأة بالنقص، وأنها أقل، وأنها ليست إنساناً ولا قيمة لها، فتزدري بناتها، وتعلي من شأن صبيانها، فيصبح لديها في البيت طاغية كبير هو الأب، وله أعوان يعملون في غيبته وحضوره هم الأبناء، الأمر الذي ينقل المشكلة والعقدة للبنات.

وهكذا تدخل الأسرة في دوامة من الانحرافات الفكرية والسلوكية، ولو كان الزوج عاقلاً، وخيراً لأهله، وكريم النفس، لانتهت الصراعات.

وإن لهذا السلوك أبعادا أخروية، قد يعجل الله عقوبتها للزوج في الدنيا، والظلم ظلمات.

4- وقد تنحرف المرأة، وتبحث عن رجل بديل يسعدها بكلامه ويطيب خاطرها بمديحه، أو تنتمي لدعوات تحرير المرأة، وهذا ما تنبه له الغزالي: “أحسنوا عرض دينكم، وإلا فسوف نقضي على الدعوة الإسلامية وعلى هذا الدين، ولن يقبل أي رجل أو امرأة الدخول فيه”[2]، وكان يقصد به غير المسلمين، ولكنه أصبح اليوم ينطبق علينا نحن المسلمين، أصبحنا في خطر، وأصبح أبناؤنا وبناتنا عرضة لهجر هذا الدين، لما يرونه من سوء الممارسات ونحن في القرن واحد والعشرين.

أيها الزوج:

إن رعاية كرامة المرأة الزوجة، وحسن التعامل معها، يحمل في داخله إيجابيات كبيرة تنعكس على واقع البيت، وراحة أفراده، وعلى تربية الجيل الناشئ داخله؛ ليتحول المجتمع إلى بيئة صحية سليمة ومنسجمة، ومتوازنة، وتحمل أجواء الحب، والسعادة، والطمأنينة، والسلام.

ولا شك أن الحياة الزوجية تتألف من طرفين، وبذل المعروف والإحسان مطلوب منهما معاً، وعلى قدر جهدهما يعيشان حالة الاستقرار والتناسب، فتتحول هذه الحياة الأدبية الطويلة، إلى علاقة محبة، وانسجام، وسلام. ومن مقاصد التشريع ألا تقع الشحناء والبغضاء بين المسلمين، فكيف بين الزوجين؟

ولقد كانت الأعرابية حكيمة حين قالت لابنتها: “كوني له أرضاً يكن لك سماء”، وهذه النصيحة أقدمها للأزواج جميعاً، وإن ما تحصل عليه بالود، والمرحمة، يفوق ما تكتسبه بالعنف والمزاحمة.

وإن المرأة إذا أحبت زوجها دعمته، وآزرته، وضحّت بكل شيء في سبيل رضاه، وتنازلت له عن حقوقها عن طيب نفس فأيهما أفضل استجابة الزوجة بالمودة والمرحمة، أم الخضوع القسري والطاعة في إكراه؟


[1] مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة، عبد المجيد النجار، ص:98.

[2] محمد الغزالي قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة، ص7.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

قريبًا..

8م-5م
جميع الفعاليات