مقالات: الإعلام والأسرة

أثر الإعلام كثيرًا في عولمة السلوك الاجتماعي، وسوّق لمبادئ بعض الفلسفات، وساهم في هتك النسيج الاجتماعي في كثير من المجتمعات، وفي إشعال الصراعات بين شقي النفس الواحدة، وفي تحويل بعض الأسر من كيانات متآلفة إلى آحاد يجتمعون تحت سقف واحد كما تجتمع حجرات الدار بين جنبات السور الواحد، والقاسم المشترك الوحيد بينها رقم البناية!

وتفاوت التأثير الإعلامي حسب طبيعته من ناحية الجهة الإعلامية، ومن ناحية طبيعة الوسيلة الإعلامية، أما من ناحية الجهة الإعلامية فالخطاب العالمي تركز تأثيره قبل عصر الإنترنت على فئات من المتعلمين المتأثرين بالثقافة الغربية بسبب التعليم والمعرفة باللغات الأجنبية والسفر، وانحصر تأثير السينما الأجنبية على فئات شبابية محدودة من سكان المدن، أما القصص والروايات الأجنبية المترجمة فلم تحدث أثرًا كبيرًا كالذي أحدثته الوسائل الإعلامية الأخرى.

أما الإعلام المحلي فقد تمكن من زعزعة كثير من المسلمات الاجتماعية، وإعادة ترتيب أولويات كثرة غالبة من أفراد المجتمع نساء ورجالًا، ومن أمثلة المسلمات الاجتماعية التي هزها:

– الحياة ضمن الأسر الممتدة، حتى غدت الحياة خارج بيت العائلة بل وبعيدًا عنها شرطًا يكتب في عقود الزواج في بعض المجتمعات، والتصقت بالأذهان صورة “الحماة” الشريرة التي لا يهدأ لها بال، حتى تحيل حياة زوجة ابنها إلى جحيم! والأمر نفسه ينطبق على تعدد الزوجات الذي ارتبط بالخيانة وقلة الوفاء، فالإنتاج الإعلامي المقروء والمسموع والمكتوب لعقود معدودة جعل “الحما عمى”، و”الجارة ضارة” عقيدة تنازع نصوص الكتاب والسنة عند كثير من بنات ونساء هذا الجيل!

– كثرة الإنجاب، رغم ذيوع وصية النبي صلى الله عليه وسلم بتزوج الودود الولود، ودعوته لتكثير سواد المسلمين، وإخباره بأن الأولاد الصالحين عمل صالح لا ينقطع بموت المسلم، إلا أن كثرة النسل ارتبطت في أذهان كثير من النساء بالتخلف، وحاربها كثير من الرجال بحجج اقتصادية تتعارض مع العقيدة الراسخة في قلب كل مسلم بأن الله هو الرزاق، بل رأينا نسوة لا يتحرجن من الحديث عن محاولات الإسقاط، لكنهن يجدن حرجا بالغا وهن يعتذرن عن الحمل الرابع أو الخامس!

أما الأولويات فقد تحول الزواج من حلم تترقبه كل فتاة، وتحرص على توثيق رباطه يومًا بعد يوم، إلى مجرد واجهة اجتماعية، تتهرب منه الفتاة بحجة الدراسة، ويتلكأ الشاب بحجة “تكوين نفسه”!

ثم يضطر من لم يعصمه الدين وتتجاسر من لم يحرسها العفاف للبحث عن الإشباع العاطفي في ساحات الجامعات المختلطة، وفي ردهات الأسواق، وجنبات الطرق، وغرف المحادثات، وصفحات وسائل التواصل الإلكترونية.

ثم إذا اجتمعا بعد تصرم سنوات الصبا، وتقدم أيام الشباب لا يجد الشاب في رصيده غير شهادة وشيء من مال، وكلاهما لا يغنيان عنه شيئا في قيادة زمام بيته، ووفاضه خال من تربية على تحمل المسؤولية وأداء الحقوق. أما الزوجة التي لم تتأهب للزواج إلا بالعناية بتفاصيل زينتها في ليلتها الأولى، ومعرفة الوجهات السياحية، فتجد نفسها حائرة أمام أبسط متطلبات بيت الزوجية، فإذا تكاثرت عليها المهام وأعياها القيام بها تشبثت بوظيفتها خارج بيتها؛ لأنها في ظنها أمانها الوحيد، ولا يمكن أن تستبدلها برجل، ويجد الزوج نفسه في آخر قائمة المهمات، فتتباعد القلوب، وربما تبعتها الأبدان. والمشكلة الأساسية أن سلم الأولويات لا يحتمل إلا مهمة واحدة في كل درجة، أعلاه التعليم الأكاديمي العام، ثم العالي، ثم الوظيفة، ثم السيرة الوظيفية العالية، ثم الزواج وأشياء أخرى!

أما وسائل الإعلام في الألفية الميلادية الثالثة، فقد غدت وسيلة حياتية لا يمكن الحياة بدونها؛ لارتباط جوانب الحياة المختلفة بها، سواء التعليم، أو التسوق وقضاء الحوائج، أو الترفيه، أو التواصل، وزاد من تأثيرها خاصية التفاعل، وسهولة التعامل معها، وكثرة أشكالها، وقلة تكلفتها، فازداد تأثيرها على مختلف الفئات في مختلف مناحي الحياة.

من أهم مخاطر وسائل الإعلام القديمة والحديثة:

– التسويق الفكري:

بعد السنة الدولية للمرأة سنة 1975م اتجهت وسائل الإعلام الموجهة للمرأة شيئًا فشيئًا إلى تناول جوانب فكرية، وتبني فلسفة أنثوية، ومزاحمة الموضوعات التي كانت محصورة فيما يسمونه “4 f’s” وهي الأسرة، ويدخل فيها العناية بأفراد البيت، والموضة والأثاث، وأساليب صناعة الطعام.

وكانت السينما المصري، ثم تلتها المسلسلات المصرية، والمجلات العربية التي أدارها بعض النصارى، مثل روز اليوسف في مصر، والمجلة التي أنشأتها القبطية اليونانية سركسيان في السودان سنة 1946، ثم تلتها عدة مجلات نسوية ويسارية رائدة الدعوة للمساواة بين الجنسين، ومطبلة لنضال النساء، وممجدة لتمكينهن الاقتصادي والسياسي.

وفي السنوات الأخيرة خصصت بعض القنوات الفضائية برامج تعنى جانب حقوق المرأة، ضمن منظومة حقوق الإنسان التي ترعاها الأمم المتحدة مثل قناة الحرة، وللنساء فقط في قناة الجزيرة.

وتكاثرت الصفحات الإلكترونية والمواقع المتخصصة في هذا الجانب، بل وحملت الحكومات على تبني هذا الاتجاه في القنوات الإعلامية الرسمية بعد مصادقة غالبية دول العالم على برنامج مؤتمر القاهرة ومنهاج بكين.

– التسويق الثقافي والسلوكي:

تمكنت وسائل الإعلام والدعاية الغربية والعربية على السواء من مسخ المجتمعات العربية، وتجميل نمط الحياة الأمريكي المنمق في استوديوهات هولي وود، والمستنسخ في ماسبيرو ودبي، وربطه بالمدنية والعصرية، وطال التغيير مناحي الحياة المختلفة، من طعام ولباس وبنيان وأثاث وترفيه وعلاقات اجتماعية.

لكن الخطير في الأمر أن التسويق السلوكي مبني على دعامة فكرية نسوية تسعى لتغيير هيكلة المجتمعات، بل وتغيير اللبنة الأولى فيها، والبرامج المعنية بهذا الجانب تعمل في اتجاهين:

  • اتجاه تغيير المهام الفطرية للزوجين داخل الأسرة الشرعية، بتشجيع المساواة التامة بين الجنسين، وتصوير كل مهمة تسند للمرأة بأنها وضيعة ينبغي أن تخلص منها جهدها أو تقتسمها مع الرجل، وتصوير كل مهنة رجالية بأنها رفيعة يجمل بالمرأة العصرية المتحررة أن تنازعه فيها، فصرنا نرى المرأة تستنكف أن تكون مجرد ربة بيت تطبخ وتكنس وترعى أبناءها، وترضى بكل عرض يوظفها خارج منزلها ولو كانت طاهية في مطعم أو مربية في حضانة، تطعم كل من هب ودرج، وترعى كل ضحية تركته أمه لأم صناعية يشاركه فيها عشرات الأطفال!
  • اتجاه الترويج لأشكال الأسر المختلفة، توصم الأسرة الشرعية غالبا بالأسرة التقليدية، ويختلف الموصوم بهذه الصفة حسب كل مجتمع، فالأسرة التقليدية في السعودية مثلًا هي التي بنيت على زواج تقليدي مرتب! حرم الزوجين من فرصة تعرف كل منهما على الآخر قبل الارتباط، لذلك فهي “بطيخة حلوة وحمراء أو قرعة”. والأسرة التقليدية في دولة عربية أخرى هي التي أنشأت بمعرفة الأهل ومباركتهم، وفي دولة ثالثة هي التي تقام بالتراضي بين متغايرين! (رجل وامرأة) بصرف النظر عن وجود عقد من عدمه!

ولعل الأفلام التي أنتجت لحملة أحرار ومتساوون، التابعة للأمم المتحدة، التي تستعرض حياة الشواذ حول العالم، هي آخر موضة وتحتفل بأصنافهم الستة، هي آخر ما توصل إليه العالم من أشكال الأسر العصرية.

– التسويق التشريعي:

لم تقف وسائل الإعلام عند حد التغيير الثقافي، بل تعدته لمحاولة التأثير في استصدار القوانين، وتبديل التشريعات؛ لشرعنة النمط الثقافي الذي تروج له وتجريم ما سواه.

ولعل أوضح قضية توحدت حولها كلمة كثير من وسائل الإعلام في كل العالم قضية زواج من لم تبلغ الثامنة عشرة، وعدت أقسى جريمة ترتكب بحق الطفولة!

ومن العجائب أن كثيرًا من وسائل الإعلام العربية والغربية احتفت بنجود الأهدل، الفتاة اليمنية التي تطلقت من زوجها في الثانية عشرة من عمرها، وكافأتها فرنسا بمنزل وأموال، وطبعت إحدى القنوات الألمانية سيرتها الذاتية، ونشرت بعدة لغات! ثم احتفت في تيك الأيام بالفتى البريطاني الذي أنجب من زميلته في المدرسة وهو في الثالثة عشرة وصديقته في الخامسة عشرة!

مثل: قضية زواج البنات قضايا كثيرة منها ما يسمى العنف ضد المرأة، والتمييز ضد المرأة، وتمكين المرأة، وغيرها من اللافتات التي يراد بها التدرج بالتشريعات والدساتير وتحويلها كليا للدين العالمي الجديد!

 

إعداد أوقاف مركز باحثات لدراسات المرأة

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

(بناء الهوية في ضوء السيرة النبوية) مع أ‌.عبدالله عادل

4 - 9 مساءً
جميع الفعاليات