مقالات: وقفات مع بروتوكول حقوق المرأة الملحق بالميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

هذه وقفات مع بروتوكول حقوق المرأة الملحق بالميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان، والذي يدور النقاش في مؤسسات الدولة حول المصادقة عليه في القمة الأفريقية التي ستعقد في أديس أبابا في الأسبوع الأخير من يناير 2015م.

1- البروتوكول يخضع للتوقيع والمصادقة، وقد وقع عليه السودان في 2008م بعد 5 سنوات من صدوره، التوقيع لا يترتب عليه أثر قانوني والمصادقة تلزم الدولة بالتنفيذ ورفع تقارير دورية تبين ما نفذته.

2- الجهة المخولة بتفسير ومتابعة تنفيذ البروتوكول هي اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب[1] ريثما تتشكل المحكمة الأفريقية.

3- نص الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب في المادة 18/3 على أنه: “يتعين على الدولة القضاء على كل تمييز ضد المرأة، وكفالة حقوقها وحقوق الطفل على نحو ما هو منصوص عليه في الإعلانات والاتفاقيات الدولية”. وبنود الميثاق كلها تشمل الرجل والمرأة وتغطي جل المحاور التي يغطيها البروتوكول، مع ذلك أعد البروتوكول بتوصية من اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان ليستكمل أحكام الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان!

4- توصية اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان جاءت استجابة لإعلان وبرنامج عمل فينا الصادر عن المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان الذي أقامته الأمم المتحدة سنة 1993م، فقد جاء في الإعلان ما نصه: “وعلاوة على ذلك، يطلب المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان من المنظمات الإقليمية والمؤسسات المالية والإنمائية الدولية والإقليمية البارزة القيام أيضاً بتقييم أثر سياساتها وبرامجها على التمتع بحقوق الإنسان[2] … وأنه ينبغي أن تأخذ في الاعتبار نتائج المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان ضمن مجالات اختصاصها[3].

ويوصي المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان بقوة، ببذل جهود متضافرة لتشجيع وتيسير التصديق على المعاهدات والبروتوكولات الدولية لحقوق الإنسان، المعتمدة في إطار منظومة الأمم المتحدة، والانضمام إليها، أو الخلافة فيها بهدف تحقيق القبول العالمي لها، وينبغي للأمين العام أن ينظر بالتشاور مع الهيئات المنشأة بموجب معاهدات، في إقامة حوار مع الدول التي لم تنضم إلى معاهدات حقوق الإنسان هذه؛ بغية تحديد العقبات والتماس سبل لتذليلها[4].

5- الأمم المتحدة لا تدعو الهيئات الإقليمية للتعاون معها في الدعوة لاحترام حقوق الإنسان وحسب، ولا تكتفي بدعوتها لدفع الدول نحو المصادقة على اتفاقيات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، بل تحتكر المبادئ التوجيهية المتعلقة بوضع أي صكوك متعلقة بحقوق الإنسان في أي بقعة في الدنيا، وتراجع ما يكتب فنيا! نص برنامج عمل فينا على: “المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان، إذ يسلم بالحاجة إلى استمرار الالتزام بالنوعية العالية للمعايير الدولية القائمة، وإلى تجنب تكاثر صكوك حقوق الإنسان، يؤكد من جديد المبادئ التوجيهية المتعلقة بوضع الصكوك الدولية الجديدة، والواردة في قرار الجمعية العامة 41/ 120 المؤرخ في 4 كانون الأول/ ديسمبر 1986، ويطلب إلي هيئات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان أن تضع هذه المبادئ التوجيهية في اعتبارها لدى النظر في وضع معايير دولية جديدة، وأن تتشاور مع الهيئات المنشأة بموجب المعاهدات المتعلقة بحقوق الإنسان حول ضرورة صياغة معايير جديدة، وأن تطلب من الأمانة العامة إجراء مراجعات فنية للصكوك الجديدة المقترحة”[5].

6- البروتوكول الأفريقي وإن أوحت ديباجته بأنه وضع للحفاظ على القيم الأفريقية إلا أنه في الحقيقة لم يرتكز على القيم الأفريقية إن كان ثمة قيم أفريقية مشتركة، بل نقلت بعض مواده نقلا من اتفاقيات الأمم المتحدة المختصة بما يسمى حقوق الإنسان.

7-  من المواد التي أضيفت في البروتوكول ولم ترد في الميثاق:

  • المادة (1) التي تتحدث عن التعريفات، وقد نقلت الفقرة (و) منه من المادة (1) اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) والتي لم يوقع عليها السودان مع 5 دول أخرى، ونقلت المادة (ي) من إعلان العنف ضد المرأة الصادر سنة 1993م.
  • المادة الثانية هي نفسها المادة الثانية في سيداو، وهي تدعو إلى تغيير التشريعات والعادات والأنماط الاجتماعية لضمان تسوية المرأة بالرجل تسوية تامة في كل مناحي الحياة، والقضاء على ما يسمى الأدوار النمطية للجنسين، ويقصد بها اختصاص كل جنس بمهام يؤديها أكثر من الجنس الآخر أو ينفرد بها.
  • المادتان 3 و 4 شملهما الميثاق الأفريقي، والإضافة هي المطالبة بسن التشريعات وتغيير العادات التي تحول دون تنفيذ ما ورد فيهما. ونصت المادة 4/أ على: “سن قوانين تمنع جميع أشكال العنف ضد المرأة، بما في ذلك الممارسة الجنسية غير المرغوب فيها والإجبارية، سواء كان هذا العنف يحدث سرا أو علنا، وتضع هذه القوانين موضع التطبيق الفعلي”، ومفهوم العنف منقول من إعلان الأمم المتحدة للعنف، والنص السابق يجرم كل علاقة جنسية غير مرغوب فيها من طرف المرأة، بصرف النظر عن طبيعة العلاقة التي تربطها بالرجل ويفهم منها السماح بكل علاقة ترضاها!
  • نصت المادة 5/ب من البروتوكول على: “أن تحظر وتعاقب التشريعات على جميع أشكال تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، وتجريحها ومداواتها بالطرق الطبية وشبه الطبية، وجميع الممارسات الأخرى، وذلك بغرض القضاء على تلك الممارسة”، ويدخل فيها الختان بمختلف أشكاله.
  • نصت المادة 6/ب على: “أن يكون الحد الأدنى لسن زواج المرأة هو 18 سنة”، وفي الفقرة (هـ): “أن يختار الزوج والزوجة باتفاق فيما بينهما نظام زواجهما ومكان إقامتهما”، ونظام الزواج يمكن أن يكون عرفياً أو شرعياً أو غير ذلك.
  • وفي المادة 7/أ: “يتم الانفصال أو الطلاق أو بطلان الزواج بأمر قضائي فقط”، وبقية المادة منقولة من سيداو المادة 16.
  • بقية المواد مكتوبة على نسق سيداو وكلها تطالب باتخاذ التدابير التشريعية اللازمة لتنفيذ المادة بخلاف الميثاق الأفريقي.
  • المادة 12 تدعو للقضاء على التمييز ضد المرأة في التعليم والتدريب، والمادة (ه) منها تدعو لـ: “إدماج منظور مراعاة نوع الجنس وتعليم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية وتدريب المدرسين، وذلك على جميع المستويات”. والإشارة لنوع الجنس (gender) يمكن أن تشمل أنواع غير الذكر والأنثى[6] إن صدرت صكوك دولية تختص بالهوية الجنسية (gender identity) وقد دعي لذلك في عدة محافل دولية، آخرها الجلسة 47 للجنة السكان والتنمية بالأمم المتحدة في أبريل 2014م.
  • المادة (14) موضوعها الحقوق الصحية والإنجابية، وقد ظهر مصطلح الصحة الإنجابية لأول مرة في الوثائق الدولية بديلا عن صحة الأمومة والطفولة في مؤتمر القاهرة للسكان سنة 1994، وهو أحد مرجعيات البروتوكول المنصوص عليها في ديباجته. عرفه برنامج عمل مؤتمر القاهرة للسكان وعدّه من حقوق الإنسان، ومما جاء في تعريفه: “ولذلك تعني الصحة الإنجابية قدرة الناس على التمتع بحياة جنسية مرضية ومأمونة، وقدرتهم على الإنجاب، وحريته في تقرير الإنجاب وموعده وتواتره”[7].  الناس مطلقا بصرف النظر عن حالتهم الاجتماعية، وصرف النظر عن أعمارهم، فيدخل بذلك من هم دون 18 سنة ممن لا يحق لهم الزواج حسب المادة 6/ب من هذا البروتوكول. أما إطلاق لفظة حياة جنسية مرضية دون تقييدها بشيء يجعل مزاج الناس هو الذي يحدد نوعها، فيدخل فيها كل أشكال العلاقات الجنسية بالتراضي سوية أو شاذة. ورغم أن الصحة الإنجابية غايتها تمتع الناس بحياة جنسية مرضية لم يدع أي برنامج من برامجها لا التابعة للأمم المتحدة ولا للاتحاد الأفريقي للتقليل من العنوسة، مع التشديد على تجريم زواج من لم يبلغ الثامنة عشرة.
  • ونصت الفقرة (1/ج) من المادة 14 على حق المرأة في “اختيار أي أسلوب لمنع الحمل” دون تقييد فيدخل من ضمنها الإجهاض. وفي المادة 2/ج منها دعوة لـ: “حماية الحقوق الإنجابية للمرأة وخاصة التصريح بالإجهاض الطبي في حالات الاعتداء الجنسي والاغتصاب وسفاح المحارم، حيث يشكل استمرار الحمل خطرًا على الصحة العقلية والبدنية للأم، أو يشكل تهديدا لحياتها وحياة الجنين”. وقد عمم في المستشفيات في أغسطس 2014م بروتوكولا فيه بعض التسهيلات بشأن الإجهاض الطبي.

8- الميثاق والبروتوكول داخلان في نطاق اتفاقية فينا لقانون المعاهدات، والتي نصت في المادة (19/ج) على أن تبدي الدول تحفظا على أن لا يكون “التحفظ منافيا لموضوع المعاهدة وغرضها”، وكل مادة في البروتوكول تصب في الغرض الذي وضعت له! ونصت اتفاقية فينا كذلك في المادة (27) على أنه: “لا يجوز لطرف في معاهدة أن يحتج بنصوص قانونه الداخلي كمبرر لإخفاقه في تنفيذ المعاهدة”. وهذا يعني أن انضمام دولة لاتفاقية ما يعني استعدادها لتغيير القوانين الداخلية التي تتعارض مع مواد الاتفاقية الدولية. وهذا يقتضي أن تلغى النصوص القانونية المستمدة من الشريعة الإسلامية التي لا تساوي بين الجنسين مساواة مطلقة.

9-  المادة (30/1) من البروتوكول تجيز لكل الدولة أن تتقدم بمقترحات وتعديلات.

10- بعض الكلمات لا يعرف ما المقصود منها بالضبط وما الذي يترتب على المواد الواردة فيها، مثل المادة (21/2) المتعلقة بالإرث والتي تنص على أن: “يكون للنساء والرجال الحق في إرث ممتلكات أبويهم بحصص منصفة”. فما المقصود بالإنصاف؟ اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب هي من يحدد ذلك، ومرجعيتها الميثاق الأفريقي المستفاد من ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والثلاثة مواثيق تنص على تجريم التمييز بسبب الجنس.

11- جل المبادئ الواردة في البروتوكول وردت في الميثاق الأفريقي، وصادق عليه السودان عام 1986، والجديد بعض التفصيلات مع المطالبة بتغيير القوانين والعادات لتتوافق مع المواد الواردة في البروتوكول.

12-  ويشجع المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان الدول على أن تنظر في تضييق مدى أي تحفظات تبديها على الصكوك الدولية لحقوق الإنسان، وأن تصوغ أي تحفظات بصورة دقيقة وضيقة قدر الإمكان، وأن تكفل أن أيا منها لا يتنافى مع موضوع المعاهدة ذات الصلة والغرض منها، وأن تستعرض بانتظام أي تحفظات بقصد سحبه[8].

13- بناء على ما سبق ما الداعي للمصادقة على البروتوكول؟ وما الضمان على ألا تدفع الدولة لسحب التحفظات بناء على برنامج عمل فينا؟ وما الضمان على ألا تتوافق تفسيرات اللجنة الأفريقية للمواد التي لم تتحفظ عليها الدولة مع دين أهل البلاد؟ وهل يمكن أن تعدل صيغ المواد دون تغيير جلها كليا لئلا تتعارض مع الإسلام؟

إعداد أوقاف مركز باحثات لدراسات المرأة


[1] موقعها: www.achpr.org

[2] برنامج عمل فينا، ثانيا/أ/2.

[3] برنامج عمل فينا، ثانيا/أ/3.

[4] برنامج عمل فينا، ثانيا/أ/4.

[5] برنامج عمل فينا، ثانيا/أ/6.

[6] وهم الشواذ

[7] تقرير مؤتمر السكان والتنمية العالمي الثالث، الفصل السابع: الحقوق الإنجابية والصحة الإنجابية، ألف – الحقوق الإنجابية والصحة الإنجابية، أساس العمل، الفقرة 7-2، وانظر منهاج عمل بيكين، الأهداف الاستراتيجية، جيم/ الصحة والمرأة – الفقرة 94.

[8] برنامج عمل فينا، ثانياً/أ/5.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

قريباً

جميع الفعاليات