5 نوفمبر, 2026

يدل مصطلح الأنثوية على الاتجاه الذي يدعو إلى التمركز حول الأنثى، ويهدف إلى تغيير اللغة الإنسانية، ومسار التاريخ، والطبيعة البشرية، وتغيير البُنى الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والأسرية، القائمة على أساس الجنس.
أما المفهوم المركب لنظرية المعرفة الأنثوية فهي عبارة عن مجموعة من المواقف الأنثوية تجاه نظرية المعرفة، تبحث في أصل ووسائل وظروف إنتاج المعرفة وقيمها، مع قيامها بتحليل المشكلات الفلسفية القائمة بين الذات العارفة والموضوع، مع الأخذ في الاعتبار بمقولة الجنس أو دور الجَنْوَسة، وتأثيرها على عملية إنتاج المعرفة.
والفرق بين هذه النظرية وبين الحركة النسوية أن الثانية سياسية في أصولها، ولها غايات اجتماعية تتمثل في حقوق المرأة وإثبات ذاتها، وهي ممارسات تطبيقية ذات أهداف عينية، دون النظر في تغيير المنظومة المعرفية، فهي فقط تطالب بالمواساة لإلغاء فوارق نوعية بين الجنسين.
بينما نظرية المعرفة الأنثوية تُعدّ بمثابة الفكر المطلوب لتدعيم الممارسات النسوية عن طريق تغيير المنظومة المعرفية، والتأكيد على تفوّق الأنثى معرفيًا على الذكر، ورفض مطابقة الخبرة الإنسانية بالذكورية واعتبار الرجل الصانع الوحيد للعقل والفلسفة والتاريخ والحضارة جميعًا.
بدأ النشاط النسوي بشكل عام منذ أواسط القرن السادس عشر حتى بدايات القرن الثامن عشر بالسعي إلى مطالبة المجتمعات الذكورية بمنحها معاملة أفضل بعد شعورها بالظلم عن طريق كتابة التفاسير والدواوين الشعرية، والدعم المتبادل بين المجتمعات النسائية لدفع سلطة النظام الأبوي، وإقامة مدارس تعليم البنات المجانية، وقد قوبل بالدفع القوي من قِبل الحكومات والشعوب، وانتهت هذه الفترة دون تحسّن مقنن بشكل رسمي في مجال الحكم أو الحق في التصويت، رغم وجود تحسن ملحوظ في ظروف التعليم.
ثم تلا هذه الفترة تغييرات اجتماعية واقتصادية كبيرة بسبب الثورة الصناعية في بريطانيا منتصف القرن الثامن عشر زاد معها القمع ضد النساء، وقوبل ذلك بمناداةٍ واضحة لحقوق المرأة حتى بدايات القرن التاسع عشر، وهذا الذي أدى إلى بلورة الموجة النسوية الأولى.
وقد اُعتبرت الثورة الفرنسية عام 1789م سببًا مهمًا في ظهور الموجة النسوية الأولى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، واتّسمت بعدم خروجها عن المطالبة الحقوقية والمساواة أمام القانون، وإصلاح وضع المرأة في التعليم والعمل والمال والأسرة، وحق التصويت، وتغيير الصورة النمطية حول قصور المرأة، دون أن يوحي بكونها أفضل من الرجل، أو المناداة بالخروج والحرية المطلقة، ولم تُقتصر الجهود في تلك الموجة على جنس الإناث، بل شارك فيها ذكور، ورغم أنها قوبلت بدفعٍ شديدٍ، إلا أنها أثمرت بأمور منها: الحصول على حق التصويت في بعض دول أوروبا مع وجود قيود عمرية في بريطانيا، وحصول المرأة على حق التعليم في الجامعات، ودخول المرأة في مجالات العمل المكتبية.
تلت الموجة الأولى فترات ركود نسبي، فقد كانت الحربان العالميتان الأولى والثانية سببًا في توجه النساء للعمل ساعات طويلة في المصانع بدلاً من الرجال الغائبين، وتزايد عدد المستقلات اقتصاديًا، وكذا عدد العوانس بسبب فقدان الرجال الشباب، وتم الضغط على الرأي العام فمُنحت النساء حق التصويت من دولة لأخرى.
حتى جاءت ستينيات القرن العشرين فظهرت الموجة الثانية نتيجةً للثورة التكنولوجية والتطور الاجتماعي المصاحب له، وقد نشطت فيها حركات نسوية معاصرة متأثرة بالمدارس الفلسفية المختلفة كالليبرالية والاشتراكية والماركسية، وكذلك المتأثرة بالفلسفة الوجودية كالحركة النسوية الفرنسية، وقد كانت متعددة الأهداف والمطالب بحسب الأفكار التي تبنتها كل حركة، وظهرت في هذه الموجة المطالبة بإنهاء التمييز الجنسي، والمساواة في العمل والأجر والحقوق، وإدراج المرأة ضمن ثنائية العقل والثقافة، وتغيير القوانين المجحفة بحقهنّ، والمناداة بالحرية المطلقة، كما ظهر مفهوم الجندر من طرف الحركات المتأثرة بالفلسفة الوجودية، وقد استمرت هذه الموجة حتى التسعينيات وظهرت فيها بوادر صريحة لدخول الحركة النسوية حقول الفلسفة، فإنه لما وُصِمت الموجتان النسويتان الأولى والثانية بالعدوانية التي اُعتبرت سمة ذكورية؛ رأت النسويات ضرورة الانتقال من اعتبار الذكر معيًارًا إلى جعل الأنثى هي الأصل والمركز، والاعتزاز بكل ما يندرج ضمن ثنائية الأنثوي من طبيعة، وعاطفة، وذاتية، ولاعقلانية، وهنا ظهر مفهوم الأنثوية.
فبعد هاتين الموجتين بدت ملامح لتغير فكري للحراك النسوي في الظهور يمكن اعتبارها الموجة الثالثة، حيث غلب عليها سمة الصراع بين الذكر والأنثى، ونشأت من هذه التحولات عدد من الحركات، ظهر من خلالها تجاوز كبير في المطالبات المتعلقة بالجنس، كما تحوّل فيها الاتجاه من المطالبة بالحقوق والمساواة المجتمعية بين الجنسين على السواء مع حفاظها على سطح ثابت تقف عليه البشرية جمعاء-الذي يمكن الاصطلاح على تسميته بحركة تحرير المرأة- إلى المطالبة بإصلاح شامل وتغيير جذري للمرأة، والتحرر المطلق وإحلال المركزية الأنثوية مكان الذكورية -ويمكن تسميته بحركة التمركز حول الأنثى- حيث تركز الأنثى على ذاتها منكرة فلسفة الإنسانية المشتركة، وتطالب بإعادة كتابة التاريخ واللغة لا لهدف الإصلاح، بل لزيادة كفاءة المرأة أثناء صراعها مع الرجل، حيث رأت أنها في محاولاتها النسوية الأولى غلب عليها صورة الحدّة الثورية البعيدة عن المعاني الأنثوية، حتى جعلت من نفسها نموذجًا سلبيًا يحاول الوصول إلى الذكر المهيمن عليها بافتراض أن ذكورته معيار للذات المتحررة العاقلة والحيادية والمثقفة، فحولت مسارها نحو تغيير معيار الذات بجعل الأنوثة هي المقياس، وعلى إثر ذلك التحول الجذري اتسع اهتمام الموجة الثالثة، فحفزت النساء للتوجه إلى ميادين مختلفة، واقترحت إعادة النظر في الجذر الذكوري لمناهج المعرفة، وما أدى إلى التمييز بين الجنسين وحدد المكانة والدور لكلٍ منهما.
ثم عقب ذلك من تسعينات القرن العشرين حتى وقتنا الحاضر جاءت فترة سماها البعض بالموجة النسوية الرابعة، وسماها آخرون بما بعد النسوية، بدأت فيه المرأة بالبحث عن هويتها الجندرية، ورحبت بالتعددية، وظهر الدفاع عن زواج المثليين في محاولة لدفع كل ثنائية متقابلة بين الذكورة والأنوثة، وقد تجاوزت هذه الموجة سابقتها في تأكيد الذات الأنثى العارفة مستخدمة أدوات ما بعد حداثية تفكيكية وحفرية وتخريبية للسرديات الكبرى، وفي محاولة تقويض نظرية المعرفة السائدة الموضوعية والحيادية، من حيث الانطلاق الفعلي في كتابات صريحة تحت مسمى (نظرية نسوية) وذلك بنقد بعضهن البعض، ومحاولة تقديم حلول للإشكالات التي تواجههن.
وقد قابل الموجات النسوية في الغرب حراك نسوي في الوطن العربي مع اختلاف يسير في مدى وعمق التأثير بحسب الدين والثقافة والمرجعية المعرفية، وحجم القمع الممارس ضد إناثه.
وكان اختلاط العرب بالغرب من أهم أسباب التأثير الفكري عن طريق الابتعاث، والترجمة، والجامعات الأجنبية، فكانت لموجات النسوية أثر في الفكر العربي من حيث الدعوة إلى تحرير المرأة وإعطائها حقوقها، وتم تأسيس جمعيات ومنظمات كان لها جهود في تغيير القوانين الدولية، وفي نهاية القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين ظهرت كتابات لنساء تشبعن بالفكر النسوي وخدمة قضايا المرأة العربية -كما يزعمن-، إلا أن كل ذلك كان حول المطالبة بالحقوق والمساواة، وتأويل النصوص الدينية لدعم هذه الأفكار، وليس فيه شيء صريح حول نظم نظرية معرفية أنثوية رغم وجود بعض المواقف للإشارة إلى غياب الأنثى العربية العالمة.
وحتى اليوم لا زالت المفكرات الغربيات والعربيات يخضن باب الفلسفة، ويحاولن تقديم كتابات تدعم موقفهن المعرفي للذات الأنثى، وقد كنّ في دراسة التراث الفلسفي على اتجاهين:
الأول/ ينطلق من نظرة مسبقة تتضمن معاداة الذكر وموروثه الفلسفي، فيصفه بالتحيز ضد الأنثى، ويهدف إلى اجتثاث جذوره بالكلية ليحل محلها جذر أنثوي أكثر رقة وعاطفة.
الثاني/ يبدو أكثر حكمة من الأول فهو يدعو إلى مشروع إصلاحي لقطع الفاسد من جذور الفلسفة السائدة، وتوسيع ما بقي منها ليشمل الأنثى كذلك.
لما انقلب مفكري ما بعد الحداثة على ما أنتجه النورانيون والحداثيون من سرديات كبرى، رأوا كل ما كان ثابتًا مجرد أوهام قابلاً للتفكيك، وقد تأثر بذلك الأنثويات فاستقوا هذه الأفكار، حيث تمت الإشارة بوضوح إلى وجود أوجه تشابه بين النقد المناقض للفلسفة التقليدية وبين عناصر نظرية المعرفة الأنثوية المعاصرة، فكليهما يهاجم نظرية المعرفة العقلانية للتنوير، فقد أخذت المفكرات الإناث من ذات المنبع الذكوري، ذلك أن الأصول الفلسفية التي بنيت عليها النظريات عمومًا إنما يراد بها منبعها الذي استقت منه أفكارها.
ومن استقراء تلك الكتابات الأنثوية على الجانبين الغربي والعربي يمكن الوصول إلى بعض الأصول الفلسفية المأخوذة من أبرز الأفكار السائدة في زمن ما بعد الحداثة وذلك في محاولتهن التنظير المعرفي الأنثوي، برز منها أدوات نقدية وتحليلية قامت المفكرات الأنثويات باستخدامه في تأسيس نظرية المعرفة الأنثوية، وعلى رأسها ما يلي:
رفض فيرابند العقلانية والموضوعية المتمثلة في وجود منهج علمي ثابت، فقال بأن الموضوعية ليست حقائق مطلقة، بل هي مجرد دعوى أعاقت تقدم العلوم، حيث هاجم مبدأ التلقين للحقائق العلمية في الجامعات الذي أدى إلى طمس القدرات النقدية عند التلاميذ، ودافع عن الحرية المعرفية المتمثلة في تعددية المناهج، فتبنّى مذهبًا يقوم على اللاعقلانية والتعددية ينتج عنه قبول كل معرفة، وأعلن عن مبدأ (Anything goes) بمعنى (كل شيء يمرّ).
وقد حاولت الأنثويات خلخلة (الموضوعية العلمية الحيادية الخالية من الذاتية)، فاتخذت ذات موقف فيرابند، ورأين زعزعة القداسة العلمية لمناهج البحث، وقمنَ بالدفاع عن اللاعقلانية بكونها سمة أنثوية، والسعي إلى إيجاد نظرية معرفية أنثوية تقوّض الثنائيات (الذات/ الآخر) و(الموضوعية/ الذاتية)، والتأكيد على أن الفلسفة السائدة تدّعي الحياد بينما تطمس الأنثى، وتمنع تجاربها، وتقيس مدى كفاءتها بالمعايير الذكورية، كما أن قبول كل معرفة سيجعل البعض قادرًا على الاستناد على أساطير الآلهة الأنثى من أجل إثبات أسبقيتها وأهليتها في السلطة، وقد قام البعض بالدعوة إلى ترك الاعتماد المفرط على الحياة الذكورية، وجعل حياة المرأة مصدرًا للأدلة العلمية، فيُستفاد منها الأصول التي تعالج المشكلات العلمية، وضوابط صحة ادعاءات المعرفة.
وقد سعت بعض الأنثويات العربيات لمحاكاة التيار الأنثوي الغربي، فدعوا الأنثى إلى البحث عن ذاتها المعرفية المطمورة، وإثبات أن العلم لا جنس له، وأن الالتزام بالموضوعية يسلب أصالة البحث العلمي وقدرته على خلق الجديد، وأن الرجل لا يمكن أن يكون وحده حاملاً للمعايير الاجتماعية، وممثّلاً للأعراف الثقافية، ومؤسسًا للتقاليد الأكاديمية.
يشير مصطلح البنيوية إلى مجموعة دراسات لسانية قام بها علماء اللغة في بداية القرن العشرين، وعلى رأسهم فرديناند دي سوسير مؤسس المنهج البنيوي، وهو عبارة عن تفكير منهجي وصفي استقرائي، حيث تخلى عن اللسانيات التاريخية ليركز على اللسانيات الآنية الوصفية التي تهتم بدراسة اللغة في نقطة زمنية معينة، أما الرابط بين (نظرية المعرفة الأنثوية) و(منهج دي سوسير البنيوي) يتضح من خلال أمرين: الأول/ الثنائيات السوسيرية، وأشهرها التمييز بين الدالّ والمدلول، حيث تُبنى اللغة على شبكة من التقابلات والاختلافات، دون وجود صفات موضوعية ثابتة في الدالّ، فالعلاقة بينه وبين المدلول ليست جوهرًا ثابتًا، بل تُفهم اللغة كشكل لا مادة، ولا علاقة مباشرة بين اللفظ والشيء المشار إليه، إلا أن بينهما علاقة معيّنة تتيح تحسين الأداء اللغوي للوصول إلى الحقيقة عبر المعنى الذي يدركه عقل الإنسان الذي يملك القدرة الكاملة على بلوغ الحقيقة.
الثاني/ القول بالتعددية والنسبية في المعنى، إذ يرى دي سوسير أن إعادة بناء الصيغ اللغوية لا تتم إلا بالمقارنة، وهي ليست عملية آلية، بل تتطلب تناول جميع المعطيات المتعلقة بالمسألة، لربط عبارتين منفصلتين بهدف إعادة بناء الحقائق، ثم إخضاعها لتحليل صوتي دائم وتصحيح مستمر لتدوين تقدم علم اللغة والوصول بسهولة نسبية إلى عدد كبير من الحقائق العامة.
ومن ضمن المتأثرين بالبنيوية جاك دريدا، والذي تجاوزها نحو وضع إستراتيجيته التفكيكية التي تقوّض النص عن طريق توجيه الأسئلة وإثارة الإشكالات، ففي كل نص قوة عمل هي في الوقت نفسه قوى تفكيك، فنُسبت إليه المدرسة التفكيكية ما بعد البنيوية، فالتفكيك عنده لا يعني التحليل والنقد، وليس هو منهج ولا فعل ولا حتى عملية، وهو أقرب إلى بناء (يتهدم وينبني) في ذات الآن، يتم من خلالها قراءة النص ثم تقويض المعنى الناتج، كما أن كل المحمولات والمفهومات والدلالات والتمفصلات خاضعة للتفكيك، وعلى هذا فهو يقاوم الميتافيزيقيا.
وبهذا وجدت الأنثويات في أفكار دريدا ما يعينهن على تأسيس نظريتهن، فمن خلال مقاومته للميتافيزيقيا وتقويض الحد الفاصل بين (القيمة الموجبة/ القيمة السالبة) لإخضاع الجانب المهيمن للاعتراف بفضائل الجانب الخاضع عليه، فاتخذت الأنثويات أداته للكشف عن غياب الأنثى وهويتها المعرفية، وإعادة الاعتبار لطرف الثنائية (الذكر/ الأنثى) المهمش، إلا أن بعضهنّ لم ترحب بهذه الأداة خاصة مع زعم دريدا أن التفكيكية ليست بالتأكيد نسوية، رغم دعمه لدراسات المرأة لاحقًا، وأما الجانب العربي فقد غلب عليهن استعمال الأداة التفكيكية في تناولهن للنصوص والخطابات عمومًا، غير أن هناك من ينأى عنها لآثارها الجسيمة كتشظي الفكر النسوي وتعدد مواقفه رغم الهدف الموحد للحركات النسوية في إنهاء حالة القمع والتبعية التي تتعرض لها النساء.
اعتنى فوكو بحفريات المعرفة من حيث نمط وجودها وكيفية تجليها وآثارها، قائلاً بعدم وجود معنى خلف النص محاولاً تقويض الجوهر الثابت والمعنى الموحد، كما تأثر بفردريك نيشته الذي درس نشأة الأخلاق ومصدرها لا أصولها، وأراد التنبيه على النسبية التاريخية للقيم الأخلاقية الحالية، لهذا عدّ فوكو الباحث الجينالوجي مشخِّصًا للعلاقات بين السلطة والمعرفة والجسد، معاملاً الخطاب كجسد مادي يُبحث في شروط وجوده، فمنهجه يعارض الطريقة التاريخية التقليدية، ويتجاوز الغائية، ولا يهتم بالجواهر الثابتة والأعماق الخفية، وقد ركّز فوكو على ثلاث مهام في أعماله فقال: “وضع إرادتنا في فهم الحقيقة على محك التساؤل والشك، وإعادة صفة الحدث إلى الخطاب، وأخيرًا رفع سيادة الدالّ”.
وفوكو لم يقدم أداة للأنثويات بحد ذاتها، وإنما أفادهن بتشكيكه في الثوابت، وقدّم مفهومًا نسبيًا عن الحقيقة حينما أنكر وجودها وجعلها نتيجة لقوة أصحاب المصلحة، وأن ادعاء الحقيقة من أشكال الإرهاب والشمولية، فلفت انتباههن نحو ضرورة إعادة النظر في التجارب الأنثوية المهمشة، والبحث عن أسباب غيابها عن التاريخ والمعرفة، وتقويض السلطة الأبوية في محاولة لتأسيس نظرية معرفية أنثوية تعيد للأنثى ذاتها، إلا أن البعض رأى في أفكار فوكو أداة تؤكد هيمنة الذكر وخضوع الأنثى، وعليه يلزم تقويضها، كما صدرت في العالم العربي بعض الأعمال الأنثوية التي قرصنت ذات العنوان الفوكوي، وجُلّ كتاباتهن تربط بين السلطة المعرفية الذكورية وعلاقتها بممارسات العلماء في المجتمعات العربية، وعن أشكال تحصيل النساء المعرفة وعلاقتهن بمختلف السلط، وهذه الإسقاطات الفوكوية يمكن تلمّسها كذلك بمن يُسمين أنفسهن (بالنسوية الإسلامية) بالقول بأن القضايا التي لا تتناسب معهن قد أُنتجت بظروف سلطوية ذكورية.
مرّت الهرمنيوطيقا بمراحل متباينة بدأت كمنهج موضوعي للعلوم الإنسانية، مقتصرًا على تأويل النص الديني، ثم تجاوزه إلى النصوص الأخرى، ثم أصبحت تقوم على أساس فلسفي على يد مارتن هيدغر للتعبير عن كشف فينومينولوجي للوجود الإنساني، ثم طوّر غادامير الهرمنيوطيقا فحرّره من المناهج الموضوعية، وأقامها على ثلاثة أركان مترابطة جدليًا وهي (التفسير-الفهم-الحوار)، ولا يمكن تحقق الأولى إلا من خلال الثانية والثالثة، إلا أنه لم ينفِ بالمطلق وجود إجراءات منهجية، بل جعل من الحوار المتحرر وسيلة إلى الحقيقة الأسمى، فأكدت أداته على نسبية الحقيقة، وأنها تكشف التلاقي بين التاريخ والتراث وأسئلة الحاضر، وانصهار أفق الحاضر بأفق التاريخ والتراث، فأعاد الاعتبار إلى التراث والأحكام المسبقة وأنها توسع الفهم ولا تعيقه، فالذات مرتبطة بتاريخها وتقرأ النص منطلقة منه.
وعليه فالمعاني متعددة، والحقيقة ليست مطلقة، فكان هذا منفذًا للفكر الأنثوي من حيث تجاوز القراءة التأويلية التنويرية والحداثية التي تزعم بحقيقة واحدة، ودحض النظرية التأويلية القائمة على منهج محكوم بالقواعد، والسعي إلى إعادة قراءة النصوص الدينية بناءً على خبرة الذات الأنثى وتجربتها دون الحاجة إلى قاعدة منهجية حيادية موضوعية، بل حوار متحرر بينها وبين النص، وأن كل ما أنتجته الذات الذكورية لا يتعدى أفقها الخاص، وعليه لا أحد يملك الحق في إلزام الجميع بتأويل ثابت، وإنما هي حقائق متعددة متغيرة لا نهائية.
وهذا ما فعلته اليهوديات والنصرانيات مع الكتب المقدسة بدعواهن عدم الخضوع لتأويلات الذكور لها، وضرورة صياغة منظومة تأويلية نسوية جديدة للكتب المقدسة، لكن دون اتصافها (بالأبدية المطلقة)، وأن تكون غايتها (الممارسة التحررية)، كما لا يكون ذلك موجهًا نحو تحقيق استمرارية تاريخ الكتب المقدسة فقط، بل نحو تقييم نقدي لها.
وفي المقابل قامت المنتميات للنسوية الإسلامية -كما يسمينها- بإسقاط هرمنيوطيقي على النصوص الدينية في اتجاه تأويلي من جهة، واتجاه يدعي التوفيق من جهة أخرى، وأن للنساء الحق الكامل في إعادة تفسير القرآن من منظورهن الاجتماعي الذي قد يغيب عن الرجل، فأدى استعمال هذه الأداة إلى الضرب بالحقائق اليقينية والنصوص المقدسة عرض الحائط.
اختلفت آراء الفكر النسوي في نظريات التحليل النفسي الفرويدي واللاكاني، فرغم تمييز فرويد السلبي للهوية الأنثوية في بعض مقالاته إلا أنه قدّم للنسويات فكرة أن الذات تتشكل من خلال علاقاتها بالآخرين، فليست جوهرًا ثابتًا لا يقبل الاختزال، وأن الذكورة والأنوثة عبارة عن بُنى ثقافية، وليست حتمية بيولوجية، مما فتح مفاوضات جديدة بين مجالي التحليل النفسي والاجتماعي، فقد رأت النسويات بأن طرح السؤال الاجتماعي يمكّن من إعادة رسم خريطة نسوية للتحليل النفسي التي انقسمت بشكل هرمي على مدى العقد الماضي بين علاقات المكان والموضوع، ورأين الاستفادة من نظرية لاكان النفسي بجعلها الثقافة الأبوية سببًا في تكوين الذات حتى يفسرن تبعية المرأة عبر ثقافات معينة ولحظات تاريخية مختلفة، فبهذا توصلن إلى التعددية الجنسانية ورفض مبدأ الثنائية. وهذه هي أبرز أدوات الأنثويات في تأسيس نظريتهن، دون الجزم بعدم وجود غيرها.
ظهر جدل واسع في بين النسويات حول الحاجة لوجود معرفة نسوية في محاولة للوصول إلى ما يفيد حقيقة الواقع النسوي، وكنّ بين مؤيد ومعارض فيما يتعلق بالانتقال من نسوية الحداثة إلى نسوية ما بعد الحداثة وما بعدها، بسبب التوترات المحيطة بالحركات النسوية.
أما على الجانب العربي فإن عجلة الحراك النسوي كانت بطيئة في سيرها، وما زال خطابها حقوقيًا بسبب الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية، وقد ارتبطت النسويات العرب بالنص الديني شاءت أم أبت، سواءً بالتوفيق أو التأويل أو التجاوز، ولأن المرأة العربية والمسلمة تعلم غالبًا بتكريم الإسلام لها، فقد رفضت الفردانية المغلّفة بالحرية، ولم تلتفت للدعاوى الحقوقية النسوية في الغالب، لكن النسويات العرب لم يأبهن بالأوضاع الاجتماعية، واتّهمن المرأة الواعية بالخضوع والذكورية رغم ادعائهن تقبل الاختلاف والحرية الفكرية والعقدية!، ويجدر بالذكر بأن النسويات العرب لم يتخصصن غالبًا أكاديميًّا في مجالات فلسفية، ولا عملن في أقسام خاصة بدراسات المرأة، فكان لذلك دور في ضعف خطاباتهن وحصرها في الحقوق، فضلاً عن محاولة التنظير المعرفي الأنثوي.
وهذا على عكس قريناتهنّ في الغرب واللاتي كان ظهورهن مرتبطًا بردة فعل للأوضاع الراهنة، واستمرت الموجات النسوية تبعًا للظروف بالتوازي مع الحراك السائد، واستقراءً لما دونته الأنثويات في كلا الحراكين الغربي والعربي، يمكن استخلاص مصادرهن في نظرية المعرفة، وطبيعتها التي أرادوها.
لم تتفق النسويات في الغرب على نضال واحد على مر زمان الحراك النسوي فضلاً عن اعتمادهن على مصدر معرفي واحد للمعرفة الأنثوية، ولكن من خلال كتابات بعض المنتميات للأنثوية يمكن تحديد مصدرين رئيسين:
إن العقل هو المحرك المنشئ للأيديولوجيات، وهو المسؤول عن خلق الأنماط والصور، وقد دعت ما بعد الحداثية لخلق ثقافات جديدة، والتشكيك فيما آمن العقل به على أنه يقيني، والنظر إلى عملية بناء المعرفة على أنها اختراع شيء جديد لا اكتشاف شيء سبق وجوده، كما أن عملية تفكيك الخطابات عملية عقلية صرفة، وقد قدمت دونا هاراوي -مستعينة بخيالها لربط الواقع بالتصورات الجديدة- أسطورة السايبورغ الساخرة في (بيان السايبورغ)، الذي يتنكّر لكل الجوهريات الحداثية، مدعية بأنها قامت بنظم استراتيجية ما بعد حداثية ردمت بها الأسس الحداثية والبنيوية، بتجسيد كائن هجين من الآلة والكائن الحي، من الواقع الاجتماعي والخيال، وعليه فالسايبورغات نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، تتكون من أنفسنا نحن وما نحمله من مظاهر تكنولوجية وآلات متطورة، فهذه الأسطورة انطلقت من العقل كمصدر معرفي، ونسفت كل الخطابات الدينية ولم تعترف بها.
حاولت بعض المفكرات إثبات بعض القدرات المعرفية التي تتفرد بها الإناث دون الذكور، ومن ذلك الحدس على الرغم من اعترافهم بصعوبة إثباته علميًا كمصدر معرفي، وقد ذكرت فايرستون أسلوبين متناقضين في عملية الاستجابة للتجربة ارتبطت أولاهما بالأنوثة وهي موصوفة بالذاتية والحدسية المعتنية بالواقع وأسمتها (الاستجابة الجمالية)، والأخرى بالذكورة وهي موصوفة بالمنطقية والعقلانية وأسمتها (الاستجابة التكنولوجية).
ومن المصادر التي تحدثت عنها المفكرات أن النساء يمتلكن تجربة وفق ظروفهن تمكنهن من معرفة معظم الأشياء التي يمكن أن يعرفها المفكر المستقل؛ انطلاقًا من التجربة الأنثوية كمصدر معرفي، وأسمتها بعضهنّ بـ (الخبرة المتراكمة)، وقد دافعت عنها أمام الفلسفة التنويرية التي ربطتها بالإحساس والعاطفة المخالفة للموضوعية الحيادية، واستشهدت باعتبار المنهجية التجريبية للملاحظة الحسية كأداة للتحقيق التجريبي الذي هو من أشكال الخبرة، فلمَ لا يتم اعتبار خبرة النساء المتراكمة كذلك، كما ربطت ذلك بعلم الظواهر لإثبات أن التجارب المرأة الجسدية والاجتماعية هي مصدر حقيقي للمعرفة، وقد فُسّرت التجارب بأنها نطاق الأنشطة التي تقوم بها النساء في حياتهن اليومية واكتسبن من خلالها معرفة معينة ومهارات متنوعة، وهذا النوع من فلسفة بناء المعرفة أُطلق عليه لاحقًا (أبستمولوجيا الموقعية النسوية) التي تتطلب وضع النساء في مركز مسار البحث ويتم دراسة تجاربهن وتطبيقها لتحسين أوضاع النساء وتحقيق التغيير الاجتماعي، فالبحث الذي يبدأ من حياة النساء ينتج رؤى أكثر وضوحًا للواقع الاجتماعي مما هو متاح فقط من منظور الجانب الرجالي لهذه النضالات.
وقد ذكرت بعض المفكرات إمكانية العمل مع الرجال بشرط تعلمهم النص النسوي؛ حتى لا يكون هناك عائق في تسمية النظرية بالأنثوية، كما وظفت بعضهن تجاربهن الذاتية في نضالاتهن وبيان مواقفهن؛ إيمانًا منهن بأن ذلك يعكس الواقع الفعلي والذي تُبنى على أساسه المعرفة الأنثوية لتكون قريبة من هموم النساء الحقيقية على اختلاف أعراقهم وأديانهم وجنسياتهم.
إلا أنه لم تكن جميع الحركات النسوية مرحبة بالتجربة الأنثوية كمصدر، فالنسوية الماركسية تجاهلت جوانب مهمة في حياة النساء كالإنجاب وتربية الأطفال والأعمال المنزلية وغيرها بحجة ارتباطها بثنائية الطبيعة ولكونها أقل مادية، رغم أنها في الظاهر تدعي الحياد.
رغم عدم تطرق النسويات العرب -بحسب البحث القاصر- إلى الحديث بشكل صريح عن محاولة تأسيس نظرية معرفية أنثوية، إلا أنه من خلال استقراء ما استندن إليه في كتاباتهن بشكل عام فإنها لا تخلو من المصادر التي استندت عليها المفكرات الغربيات بالإضافة إلى مصدر الوحي، رغم قيام بعضهن بالاكتفاء بمصدر على حساب الآخر، أو الجمع بين مصدرين فأكثر.
استندت النسويات عامة، والعربيات منهن خاصة إلى العقل؛ اعتقادًا بأنه الضامن لحقّهنّ، وشعرن بالانتصار حين وُضعت القوانين والحقوق للمرأة، وجُيشت من أجلهن الوسائل الإعلامية، وعلى الرغم من فخر بعضهن الدائم بحقوق الإنسان إلا أنهن شعرن بأنهن خارج مفهوم الإنسانية بحجة فرض الحجاب الذي يغطي الرأس المحتوي على العقل!، كما يحفلن بعبارة (الله هو العدل عرفوه بالعقل)، فلا ثوابت إلا بحسب ما أردن، ولا سرديات كبرى تشمل كل الأزمنة، وإنما متغيرات، وتشكيك مستمر ونزعٌ لليقين من أجل الإبداع وخلق الجديد وإلا لن نتقدم ونتعلم.
وكم حفلت النسويات بقانون منع تعدد الزوجات في بعض الدول التي أعادت النظر فيما هو مقطوع وعدّلت قوانينها بما يقتضي حفظ الحقوق، ثم دعت النسويات إلى التأسي بالغرب الذي فرض المسؤولية الذاتية، وحرص على احترام الآخر، حتى لا تحتاج المرأة إلى الحجاب لحماية نفسها وبإمكانها لبس ما تريد لأن الرجل سوف يضبط نفسه -حتى وإن اكتضّت المحاكم بالمتحرشين- فالقانون هو الضابط! ومما قالته النسوية أن كل سلطة مهيمنة على الأنثى تستدعي تقويضًا، حتى ما جاء في الديانات الإبراهيمية؛ لأنه في حقيقته يضع النساء في مواضع الدونية والاحتقار.
ومن ذلك ما قيل عن سورة النساء إنها استمرار نظام الهيمنة الذكورية رغم التجميلات. مع الدعوة إلى تطوير نقد نسوي إيجابي يعمل على التخلص من أشكال العنف ومنها عنف الدين، والعنف على الجندر، وفي هذه الدعوة وقوف كامل مع القوانين الوضعية وجعلها مصدرًا مشرّعًا.
وكذلك ما قيل عن قضية الردة، فاستُدل بما جاء في ميثاق حقوق الإنسان من أن لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين، وأن قتل المرتدين مرفوض لم يُوفق للجمع بين الدين بقيمه القديمة وبين العلوم الحديثة، ودعوا إلى ضرورة التجديد الجذري للدين، فأظهروا الجمع والتوفيق إلا أنهم في الواقع جعلوا العقل هو الأداة الوحيدة للتوصل إلى المعرفة وأن كل عناصر الكون -بما فيها الله تعالى- أضحت محل بحث ودرس!
إن هذا المصدر دليل على قرب النسويات العربيات من التجارب الصوفية المتضمنة للروحانية والحدس، فالمتأمل في كتاباتهن يجد ارتباطًا بين الصوفية وإقرارهن بالحدس، بالإضافة إلى استخدامهن للتقية الصوفية، كما قامت إحدى الباحثات بدراسة حياة المتصوفات عبر التاريخ لإظهار ما خفي من معارفهن الدينية والروحية، والتي لم تكن تقليدية بل هي خوارق وكرامات لها طرق خاصة للوصول، كما أن عشقهن للإله كان صافيًا بعكس الرجال الذين يشوب عشقهم الإلهي عشقهم للأنثى، فمعرفتهن الصوفية هي تجربة حدسية ووجدانية، متعددة الأوجه والمعاني، وعليه تقرّ النسويات العربيات بأن أحاسيس النساء العميقة تدخل في إطار التجربة الخاصة التي لا يمكن للآخر تحقيقها.
كما تنفي إحداهن أن الاستدلال على وجود الله يحدث عن طريق العقل، بل هو عن طريق تجربة صوفية خاصة وهي الكشف والتجلي التي لا تتم إلا بمكابدة ورياضات، فقد يشعر بعضنا أن الله يهديه وفق علامات لا يحسها إلا هو، ورغم أنها غير قابلة للإثبات لكنه يراها حقيقة.
وعبّرت أخرى عن إعجابها بـ(الجيتا)، وأنه أكثر إدراكًا من العقل الغربي الحديث لماهية الإلهام الفني، وأن الإنسان حين يدرك عظمة نفسه يستطيع أن يخلق، عن طريق وصوله إلى النقاء العقلي، أو إلى الارتفاع فوق الأنا وفوق العقل العادي، والتحرر من الأضداد في الحياة.
إن للنسويات العربيات في الوحي اتجاهان: الأول اختارت الإيمان به والدفاع عنه، مع تأويله بما يخدم الحراك النسوي، وهذا ما سارت عليه النسوية الإسلامية، حيث يظهر في تعريف إحداهن لها أنها تنطلق من المرجعيات الإسلامية المتمثلة في القرآن والسنة الثابتة، إلا أنهن يملن إلى التشكيك بالأحاديث التي لا توافق هواهن، أو تأويلها، أو بجعلها مما كان من أفعال النبي ﷺ اليومية التي لا تعتبر وحيًا!، وربما قمن برفض حديث يخالف صريح القرآن -بحسب زعمهن- مثل الحديث الذي يصف أن المرأة خُلقت من ضلع أعوج، فهو يبين أن المرأة معيبة وأدنى من الرجل، وهذا يخالف كلام القرآن الذي يدل على أن الله خلق الأنثى والذكر متساويان، وكذلك يهاجمن تفاسير العلماء، ويثرن الجدل حول وجود احتمالات متعددة المعاني في القرآن لا تلزم الجميع عامة بالتوقف على معنى واحد ذكره المفسرون.
أما الثاني فاختار مناهضة الوحي وتقويض سلطته، بصفته الحاجز أمام الحراك النسوي، وهذا ليس غريبًا فإن من أسس النسويات الفلسفية: التفكيك والتشكيك، ومحاكمة اليقينيات ومنها، فقلن إن الأصوليات الدينية تعود بنا إلى حروب وفتنة، لأن نصوص الكتب السماوية تحتوي ما يقوي الهيمنة الذكورية، كما إن الأخذ بالنص الشرعي يعني تحجيب النساء وإطلاق اللحى.
وعلى هذا فلم يبق للوحي، ولمن أوحى به أي مكانة أو تقديس لديهن، حيث إنك تجد في كتاباتهن ما يدل على الإلحاد والإساءة إلى الذات الإلهية -والعياذ بالله-.
النقد النسوي: تبعًا لاستمرار النسويات في انتقاد بعضهن، فقد كان من بعضهن رفضٌ لاعتبار العقل بحجة ذكوريته، فجاء الرد بأن ذلك غير مقنع لاعتماد هذا الادعاء على (القفزة الإيمانية)؛ إما لمصادفة اقتران سقوط الديانات بعبادة البعض للعقل، فارتبطت الترتيبات الأبوية مع العقلانية، وإما للتشابه المجازي بين العقل وجسد الذكر، وبما أن أحدهما سيئ فالآخر كذلك، وإما لتجاهل جسد الأنثى من قِبَل المفكرين الذكور على وجه الحقيقة ومن ثم تم ربط الأنوثة باللاعقلانية. ومما قيل: إن النظرية التي ترفض العقل وتريد الديمقراطية؛ هي مغلوطة للغاية.
كما اُنتقدت المدافعات عن اللاعقلانية على حساب الحقيقة، إذ يمكن للفكر النسوي التصدر إذا ما أُعيد الاعتبار للعقل، حيث يمكن بهذا قبول الحقيقة أيًّا كان مصدرها بعد حوار نقدي بنّاء.
النقد الشرعي: فالإسلام أقر بمصدرية العقل لكن ليس لوحده لمحدودية إدراكه، لذا قُيّد بإطار إسلامي سليم، ولا يمكنه الوصول إلى علم مطلق في الوحي والغيب، وقد حدّ العلماء قيدًا للعلم المطلوب في هذا الجانب وهو قدر الطاقة البشرية، وهذا كافٍ للوصول إلى اليقين وتحقيق ما طلبه الشارع من إعمال العقل، والنهي عن تعطيله بالتقليد الأعمى دون حجة أو العناد والتكبر.
فالإسلام يحرر من سلطة الخرافة، والميل للاعقلانية يعطل العقل الذي ما شُرّف به الإنسان عن غيره. أما المتمسكات بالعقل وحده فيُعملنه في تفكيك الخطاب والشك باليقينيات، فيُرد عليهنّ بأن الإسلام يعزز اليقين وينهى عن الظن المذموم الذي هو الشك المساوي دون الغالب الراجح.
النقد النسوي: ترى بعضهن عدم وجود اختلاف في طرق المعرفة بين الجنسين، وأن الانطلاق من خلال الطرق التي ترى بها النساء الأشياء يعتبر ضعيفًا وقد يؤدي إلى فشل النظرية، وأن القول بتفرد النساء برؤية خاصة للأشياء هو في الواقع يحقق الفرار من السلطة المهيمنة الذكورية إلى سلطة مهيمنة أنوثية أخرى، حتى قيل: إن النساء أكثر ميلاً من الرجال في التمييز ضد المرأة.
ومع قبولهن بوجود حدس للمرأة إلا أنهن يسندنه إلى حياة التبعية التي عشنها وبسبب ذلك طوّرن هذه الملكة، ويؤكدن عدم كفايته كمصدر معرفي فريد، وهذا ينطبق على المشاعر والعاطفة رغم دورها المهم إلا أنها استجابات لأعراف اجتماعية سابقة لذا فهي بنيات اجتماعية وليست ذاتية المصداقية، ويجب أن تخضع للتدقيق النقدي، والتحليل السياسي النسوي.
واستخدام التجربة كأساس للنظرية النسوية له مشاكل نظرية؛ لأن التجارب متفاوتة، كما له مشاكل عملية تؤدي إلى استدامة استخدام نمطية الذكر. أما القول بأن الفرد كلما زادت معاناته زادت معرفته، وزادت احتمالية تطبيق وجهة نظره على نطاق عالمي، فهو يفضي إلى النسبية، حيث يمكن لكل تجربة أن تدحض الأخرى؛ وهذا غير مقبول لأن التجارب ذاتية لا يمكن دحضها أو إثباتها، وكل تجربة بحد ذاتها صالحة للتبرير، وبالتالي ستكون الحجج مقبولة ومتناقضة في نفس الوقت، وعليه فإن قبِلْنا بواحدة ستكون الأخرى ليست أنثوية!
أما النقد الشرعي: فقد بيّن الله سبحانه في أول سورة البقرة صفات المهتدين المتقين سالمي المنهج، وقدّمها بصفة الإيمان بالغيب؛ فهم يوحّدون طريق التلقي، فلا يتلقون غيبًا إلا من الله، وممن أقامهم للإخبار عنه وهم أنبيائه عليهم السلام فقط، ومن شذ عن هذا بادعاء معرفة خاصة توصّل إليها بغير طريق شرعي كالحدس والإلهام؛ محتاج إلى إعادة النظر إلى يقينه بما ذكر، ثم إن المتأمل يجد رابطًا بين التجربة الأنثوية والتجربة الصوفية يكمن في التقاء كلٍّ منهما في المكابدة والمعاناة الموصلة إلى المكاشفة والمعرفة وإن اختلفت المسميات، فالعبرة هي الإيمان بمصدر روحي، أو عن طريق تفرّد أحد من غير الأنبياء بمنزلة أو بتجربة قهر ومكابدة مكّنته من بلوغ الغيب، أو الإتيان بأمر يبني عليه أصلاً مُلزمًا للجميع، وهذا منافٍ لما جاء به القرآن والسنة.
ذلك أن الإسلام أقر بالإلهام والرؤى المتعلقة بالأنبياء كوحي معصوم، أما بقية الناس فلا بد فيه من شرطين: أن يكون مدّعيه ملتزمًا بالشرع الإسلامي. وأن يكون الإلهام في ذاته يخضع لقواعد الشريعة؛ لما رواه مسلم عن النبي ﷺ قال: (قد كان يكون في الأمم قبلكم محدّثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم). ومحدّثون أي ملهَمون، وقيل هو من أُلقي في روعه شيء من قِبل الملأ الأعلى، وهذا خلافًا لما ذكرته النسويات من اتحاد بالذات الإلهية، فالإسلام لم يقر مشاركة الله في العلم، إنما هو فضل يفيض به على عباده ذكورًا وإناثًا، ولا ينقص من علمه شيء.
النقد النسوي: تصدّت المنتميات للنسوية الإسلامية -كما سموها-، للحركات النسوية الرافضة للسلطة الدينية، وأكّدن سلامة النص القرآني، وأن المشكلة تكمن في المجتمع الأبوي الذي ظهر فيه آنذاك، ومن فسّره تفسيرًا لم يتجاوز أُطُر شبه الجزيرة العربية.
وقيل: إن النص قادر على إرشادنا إلى المعرفة والفهم، لكن لا يمكن لأحدٍ أن يصف فهمه بأنه الوحيد الصحيح، ولا يمكن أن يُعتمد على تفاسير الرجال الذين انتحلوا لأنفسهم مهمة تحديد مكانة النساء المسلمات الأنطولوجية، واللاهوتية، والاجتماعية، والإيمانية.
أما النقد الشرعي: فإن الوحي وسيلة ومصدر معرفي متعلق بالغيب، يقول سبحانه: {إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡیࣱ یُوحَىٰ} [النجم: 4]. فما قاله النبي ﷺ حق، وهو الإمام المحكم الذي يُرد إليه عند التنازع، فما يوافق أقواله وأفعاله فهو الحق، وما يخالفها فهو مردود عليه.
والوحي قسمان: قرآن وسنة، وكلٌّ منهما متعبَّد بالعمل وبالعلم به، مع اختصاص القرآن بالتعبد بالتلاوة، ولا يجوز العمل بالقرآن دون السنة لقوله سبحانه: {وَمَاۤ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُوا۟ۚ} [الحشر: 7]. والوحي ينزل على النبي ﷺ اصطفاءً محضًا، لا برياضة، ولا تجربة؛ خلافًا للطرق التي ادعت النسويات أنها معرفية تُنال بعمل، أو بخبرة تخص النساء.
وأما من قالت بأن العيب في التفسير الذكوري، فإن عائشة رضي الله عنها فسرت القرآن، وأخذ منها السلف، وهذه دلالة على أن الإناث لا يُمنعن في الإسلام من التفسير، فكانت رضي الله عنها عالمة معاصرة للوحي، ونزل الوحي على النبي ﷺ وهو في لحافها، وهي ابنة الصديق رضي الله عنه فسمعت القرآن وحفظته، وكانت محدثة فقيهة من المكثرات لرواية الحديث وخاصة أحاديث الأحكام، فكل هذا العلم الذي تتناقله الأمة جاء جزء منه عن طريق امرأة لم تكابد أو تُهمّش لتنتج معرفة متفردة، وإنما عاشت حياة طبيعية، ولم يطمسها التاريخ، وهذا دليل واضح على أن الإسلام رفع شأن المرأة وحفظ حقها بعدما كانت لا مكانة لها، وفي تخصيص سورة النساء دلالة شرف ورفعة، وليس كما قيل -والعياذ بالله- من أنها سبب في استمرار النظام الذكوري المهيمن.
كما أن التفسير له شروط منها: صحة الاعتقاد، والتجرد عن الهوى، وأن يكون تفسيره بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة والتابعين، وأن يكون عالمًا باللغة العربية التي نزل بها القرآن، وليحذر المؤمن بالوحي أن يردّ شيئًا مما جاء به، بل عليه المسارعة إلى الامتثال.
من خلال استقراء التاريخ الأنثوي يمكن القول بأن الذات الأنثوية قد مرّت في تاريخ الحراك النسوي في الخطابين الغربي والعربي بأربعة أطوار:
الأول: أن الذات الأنثوية هي الذات الذكورية لكنها تلبّست خطأً بجسد أنثى، وقد تُكهّنّ بأن كل النساء اللاتي حررن أنفسهن تاريخيًّا من سيادة الرجال هن في الواقع متحولات جنسيًا! وهذا هو الخطاب المتماشي مع مركزية العقل كثنائية ترمز للذكورة، والتي سادت الفلسفة التنويرية.
الثاني: أنها تساوي الذات الذكورية، وارتبط هذا بمفهوم النسوية، فقيل: “المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح كذلك”، ولا زال الخطاب العربي في هذا الطور ولم يصل لمستوى الكتابات المتخصصة.
الثالث: أن الذات الأنثوية هي المقياس وأصل الوجود، ومستقبل الرجل؛ فلا تحتاج للمساواة.
الرابع: أن كلتيهما ذات واحدة، فلا ثنائية تمنع الحرية في الفضاءات المختلفة، ولا معنى للهوية الجنسية التي تغرس الاختلاف والحرب، وإنما العبرة بالهوية الجندرية المتعددة، ولا بد من تغيير تصور الذات حتى يتم تغيير عدم المساواة الراسخة في بناء المعرفة في العلوم الحديثة.
وسيكون التركيز على الطورين الثالث والرابع؛ لأنهما يمثلان انطلاقة الحراك الأنثوي بعد أن قوبل الطور الأول والثاني بالهجوم المضاد، وبين الطورين الثالث والرابع تداخل؛ فبعض المفكرات تؤمن بالطور الرابع صراحة إلا أنها في الحقيقة لا زالت تعشق الطور الثالث.
ترتكز نظرية المعرفة على العلاقة بين (الذات/الآخر)، وذلك بتوضيح موقف العارف وأهمية جنسه من الناحية المعرفية، فقد استبعد التراث الفلسفي الغربي المرأة عن الذات العارفة بادعاء العقلانية والموضوعية التي تفتقرها الأنثى الذاتية العاطفية، فهي تمثل (الجسد المادة) الفانية، والرجل هو (الروح العقل) الباقي؛ لهذا نقدت النسويات ذلك كله، فقلن بأن اختلاف خبرات الجنسين يدعونا إلى التنوع، ولا وجود لأسبقية وتفرد لأحد على آخر، فعلى هذا يكون المهم هنا العارف وما يحيط به دون جنسه.
إلا أن هناك من يعزز الاختلاف الجنسي، ويجعل من تجارب الإناث معيار الإنسانية، لذا جنس العارف مهم، ولا بد من إعطاء الأنثى حرية تجاوز الأعراف الوصفية، والتشكيك فيها وتعديلها وفق تجارب جديدة، وهذا لا يتحقق إلا بنبذ الإيمان بالواهب، والإدراك بأن المعرفة تنشأ ذاتيًّا؛ كما في أسطورة كساندرا التي لم تنل حريتها المطلقة إلا باقتراب موتها الذي تنبأت به، فحققت الإبصار والوحدة والمعرفة الكاملة؛ وهذه الذات أقرب إلى الطور الثالث بجعل الأنثى مقياسًا للإنسانية.
وذهب بعضهن إلى اشتراط تطوير الذات الأنثوية دون تعزيز الاختلاف، عبر نقد منهجي لجذور التفرقة الجنسية والافتراضات الأبوية، وحاولن ربط النسوية بعلم الظواهر عن طريق إرساء فهم رافض لأساس الثنائية ينص على محو الحدود بين النظرية والتجربة، وجعل الأولى أكثر تجسيدًا وليست منفصلة عن الجسد، أو موجودة في عالم غير مادي، فالذات هنا متصلة بالعالم ولا يمكن التنظير لها بمعزل عن خبرتها الحية، وذلك لرؤيتهن أن هذا العلم يقدّم انفتاحًا على استيعاب الجسدية داخل علم الرؤية مما يمثّل خروجًا عن التعابير الفلسفية للسلطة الأبوية المقللة من قيمة الأنثى إلى جانب المادية والجسد والعواطف؛ وهذا يمثل انتقالاً من الطور الثالث إلى الرابع.
ثم دعت بعضهن إلى تجاوز الموقعية النسوية فيما بعد الحداثة، مع الإشارة إلى قصورها، والدعوة لفهم ترميز الجندر من أجل رفض جوهرية الاختلاف المدعومة ثقافيًا، والتي فشلت في تحقيق المساواة، وأن ما بعد الحداثة ليست الحل الوحيد لكنها مفيدة وتضعها في الصدارة خاصة في تأكيدها على استحالة التوصل إلى علم حيادي القيمة، وهذا عنصر متماشٍ مع مبادئ النسوية.
وأشار بعضهن إلى أن ما بعد الحداثة تدعم النسوية؛ لأنها تقاوم الفكر الانقسامي، وتدعو لإعادة دراسة الفرضيات الكامنة، وتؤكد أن الطريق للخروج هو عبور طور الثالث إلى الرابع من أجل تجاوز التركيز على تجارب النساء فقط.
وهناك من رفضت تقسيم النساء إلى فئات أو ربطهن بمجموعة معينة، بحجة أن ذلك يسبب مشكلة تؤثر على أنواع التجارب التي ينطلق منها الخطاب النسوي، كأن تكون تلك الفئة محمّلة بقيم محددة، فتكون بذلك معيارية، وبالتالي فهي فكرة إقصائية من حيث المبدأ، وهن لا يقصدن الفئات الاجتماعية فحسب، بل أيضًا ما يكون كشعور محسوس بالذات، أو هوية ذاتية مشروطة أو مبنية، حتى إن بعضهن رفض مصطلح النساء ذاته؛ لأن ربط الخطاب بهذه الفئة إما ينفي أنهن نساء، وإما يعكس الموقع المحدود لمنظّريها، وبهذا تعيق فهم تقاطع الجندر مع العرق، والطبقة، والإثنية، والعمر، والجنس، والتيارات الأخرى التي تساهم في تشكيل الهوية اللاثقافية.
فالذات التي يؤكدّنها جاءت تتجاوز الموقعية والموضوعية القوية المصبغة بما يدعم جوهرية الاختلاف، حين جعلن الأولى تواجه الثانية، وبدأن بتقديم بدائل لتجربة النساء بصفتها فئة جوهرية لا علائقية، وفاعلة مهمة لا يمكن التخلي عنها، كما تجد في خطابهن ملامح الذات ما بعد الحداثية لما فيها من تماهي وتعددية، حيث يُعدّ تحديد الذات إستراتيجية لتحقيق الرغبات، حيث يتماهى المرء مع الخيال لا مع شخص تجريبي، إلا أن التخيلات الجندرية لا تُعدّ خصائص يمتلكها الفرد، بل أوهام تُفعّل الجسد في الفضاء الاجتماعي، وتُنتج خصوصية الذات الجندرية.
كما أن وصف الذات لنفسها ليست مجرد نقل معلومات، بل هي فعل يفترض وجود الآخر مسبقًا، ويتحقق بفضله، فالأنا لا تكون شيئًا دون الأنت، وأن الإخفاق في سرد الذات يكشف عن وجودنا الأخلاقي الضمني في حياة الآخرين منذ البداية، وقد فسّرت موت الذات بأنه تفكك لنموذج متعذر منذ البداية من السيادة الفردية، وأن زعزعة استقرار الذات تُصبح تكتيكًا نسويًا لكشف القوة الذكورية، وقد يؤدي إلى تحرير المجال الأنثوي المكبوت للمرأة في حالة الكتابة المؤنثة.
وكل ذلك محاولةٌ لهدم ثنائية الذكر والأنثى، وتذكيرٌ بأن الهوية الجندرية المتعددة ستكون النمط السائد، ووعدٌ بأن التمسك الثابت لها سيخدم المشروع النسوي، وهذا القول يكاد يتوافق مع رفض الوحدة القائمة على الهوية، فرغم كونها مبدأً نسويًّا أساسيًا إلا أنها مثالية، والاعتماد عليها هشّ؛ لتعارضها مع التعددية الواقعية، فالاعتراف بأهمية التعددية نظري وشكلي؛ لعدم تقبل النسوية للمعنى الحقيقي للتعددية المقتضي إعادة بناء الخطاب النسوي من جذوره، فلا بد لها أن تتخلى عن الإيمان بهويتها الخاصة حتى لا تكون نسخة مكررة من الخطاب الأبوي المرفوض، ولا تكون قابلة لاستدراجها من أي سلطة مهيمنة، ولكي تتمكن من سماع كل الأصوات النسوية.
وقد نوقش تطوير إستراتيجيات تبريرية نسوية عن طريق دراسة الجذور العدائية الطاعنة في معتقدات النسويات، وخاصة الثنائيات مثل (الذكر/الأنثى)، حيث طعنّ في هذا الحد الفاصل، بصفته نشأ نشوءًا ثقافيًا بحتًا، وأنه كان نتيجة محاولات الرجال والأوروبيين لتعريف المجموعات التي اختاروا إخضاعها على أنها أخرى وغير بشرية، مع تأكيدهنّ أن أسلاف البشر لم يضعوا هذا التصنيف، وأن هناك علاقات متنوعة لا تقتصر على الذكر/الأنثى!
كما طعنَّ في ثنائية (الموضوعية/الذاتية) السائدة في خطاب التنوير الحداثي؛ لأن البحوث النسوية خارج دائرة الموضوعية تلك، فهي تُستخدم للتقليل من قيمة الأنثى وتبرير الجهل المحسوب بأي بحث ينطلق منظور أنشطة المرأة، ورغم ظهور ما يسمى بالتفسيرية إلا أن كليهما لا يخدمان المرأة بشكل جيد؛ لهذا تم طرح مفهوم (الموضوعية القوية) كبديل إيجابي، وكذا تم طرح نظرية (وجهة النظر النسوية)، وهي لا تتطلب أي نوع من الجوهرية الأنثوية، ولا تفترض أن النساء مختلفات عن الرجال لخلوّهن من المشاركة في العلاقات الاجتماعية العنصرية والطبقية والمثلية.
وهناك من تبنّت موقفًا وسطيًا بين ثنائية (الموضوعية العلمية/الذاتية)، فاعتذرت للنسويات في رفضهن للموضوعية وعدم ثقتهن بالمؤسسات العلمية كمصدر للحقيقة؛ لتلوثها بالسلطة، لكن هذا لا يعني رفض الموضوعية جملةً والانتقال منها إلى الذاتية جملةً، بل ينبغي علينا الاحتفاظ ببعض الجوانب الموضوعية التي ستساعد في الوصول إلى الحقيقة بطريقة صحيحة، كما لا نتمسك بفكرة إخضاع جميع أشكال المعرفة لتقييم نقدي واختبار تجريبي، وتم اقتراح إعادة قبول المنتج المعرفي عبر مقاومة الفصل بين (الذات/الموضوع)، والاعتراف بعدم حيادية النشاط العلمي واستجابته لأجندات اجتماعية، ثم الانطلاق في إنتاج المعارف العلمية دون إهمال التجربة الذاتية.
وفي المقابل رأت أخريات أن تمثيل الواقع من وجهة نظر المرأة هو أكثر موضوعية وحيادية، محاولات طمس الهيمنة الذكورية عبر قلب المفاهيم السائدة وإلغاء حدود الثنائيات الحداثية، ورفع شأن الذات الأنثوية على حساب الذكورية، وجعلها هي معيار الحقيقة؛ وبهذا لا زلن في الطور الثالث لم يبرحن مكانهن.
وقد بيّنت إحداهن أن أهل الخطاب الفلسفي عندما استبعدوا المرأة كذات عارفة عمدًا، حاولوا تجنب اللوم عن طريق ادّعاء الموضوعية والحيادية، وهم بهذا صنعوا ثنائية (الموضوع/ الذات)، بهدف إبعاد ذات الباحث عما يبحث فيه، لذلك دعت إلى دمج هذه الثنائية في نظرية المعرفة الأنثوية، وتقديم بدائل لمقولات الأبستمولوجيا السائدة، وإنتاج معرفة نسوية نسبوية تهتم بذات العارف وموقعه، لكنها مقيدة تقدم مفهومًا مغايرًا للموضوعية، والذاتية، والنسبوية، وتوضّح اختلاف الموقف والخبرة المعرفية بين الرجل والمرأة، ثم اقترحت تجاوز الثنائيات بالتفكير على أساس الاختلافات لا الانشقاقات، فالاختلاف لا يعني التنافر، بل التفاعل المتبادل.
وتوافقها مؤلفة أسطورة السايبورغ في أن المكوث في الطور الثالث عبث، حيث جسدت أسطورتها الساخرة في محاولة للهرب من الثنائيات، عبر تحطيم ثنائية (الخيال العلمي/الواقع الاجتماعي)، فلا وجود لحرب بيننا وبين الآلة، وأن السايبورغ كائن ما بعد الجندر، فلا يوصف بذكر ولا أنثى، بل ذات واحدة بلا تمايز، مندجمة في هذا العالم الخارجي دون حدود، وهي غير مقدسة ولا شرعية، وقد رأت أنها بهذا هدمت ثلاثة حدود رئيسية اتكأت عليها الفلسفات القديمة:
أولاها: رفع التمايز بين (الطبيعة/الثقافة) فمسحت الخط الفاصل بين الحيوان والإنسان، فلا يسمح للإنسان بانتهاك الثروات الطبيعية؛ حيث إن السايبورغات لا تفاضل بينها.
ثانيًا: رفع التمايز بين الكائنات الحية (الإنسان-الحيوان) وبين الآلة، فجميعها ذاتية التحكم.
ثالثًا: نفي الفروق بين (المادة الفيزياء المحسوس) وبين (الجوهر غير الفيزياء غير المحسوس)، فإننا اليوم نتواصل ونتنقل، دون مغادرة مكاننا الذي نلمسه بحواسنا، فكأننا نتقلد مكانة الرب بوجوده المطلق الأثيري -تعالى الله عما تقول-، وبذلك نكون مندمجين بلا حدود، متقاربين بالاختيار لا بالدم، وهو ما أفضت إليه الليبرالية الجديدة، وما بعد الحداثة من رفض للشمولية والجوهرية.
تعقّبت الكاتبات العربيات آثار الأجنبيات في طبيعة المعرفة الأنثوية، منهن من وافقتهن، ومنهن طابقت ما يلائمها فقط، وهذا عائد إلى ما تتبناه كل واحدة منهن من مصادر معرفية بَنَتْ على أرضيتها نظريتها المعرفية الأنثوية، فمنهن من كانت تقف على عقلها وما يمليه عليها من قوانين وأنظمة، فآمنت بأن المعرفة الكلية الحقيقية الخالية من الازدواجية والثنائية هي سلاح المظلومين، وقد تم منعها تاريخيًّا عبر تجزئة المعرفة، وتأسيس القوانين والأخلاق والفلسفة وفق التقسيم الثنائي الراسخ منذ نظام العبودية التي تضع حدًّا فاصلاً بين (الله/الشيطان)، (الخير/الشر)، (الذكر/الأنثى)، وغيرها من الثنائيات التي رأيْنها باطلة، وبهذا رأينَ ضرورة التمرد على الثوابت والمسلّمات.
كما رأينَ الحاجة إلى الخيال كأداة مقاومة في مشروع التمرد على الظلم، حتى يمكّنهن من الخروج عن الواقع التقليدي، ثم انتقدنَ الذين لم يستطيعوا الخروج عن واقعهم، أو الذين احتفوا بالخيال المتوهم بعيدًا عن أرض الواقع، وأكّدن تجاوز المطلقات العلمية إلى ما يسمى الاحتمالات المتعددة، وأن قانون الاحتمال أو الشك أصبح هو اليقين الوحيد.
ومما انتقدنه أيضًا الفصل بين ثنائيتي (الموضوعي/ الذاتي)، الذي جعل الأبحاث العلمية متشابهة فارغة، همّها استيفاء الشروط شكلًا دون الاهتمام بالحقيقة، فالباحث يشعر بالرغبة والعجز من استخدام عقله وفكره وذاته، وفي موضوع المرأة يخشى من الاصطدام بالمقدسات الحساسة في المجتمع، وإن وُجد بحث يركز على الإنسان فالمقصود به الذكر فقط؛ لهذا رفضنَ الموضوعية بهذا المعنى وأعدنَ تعريفها بأنها هي ألا يكون الإنسان متأثرًا بآراء الغير وأفكارهم، والقدرة على التفكير الحر في الظواهر المرئية والمكتشفة، والمناضلة ضد الأفكار العلمية المتوارثة.
وقد سعت إحداهن إلى دمج ثنائية الذكر والأنثى، فلا مانع من وصف الذكر بصفات أنثوية والعكس؛ لأنهما في الحقيقة وحدة واحدة جندرية، ورغم ذلك فقد مالت وبتطرف شديد إلى الجانب الأنثوي حتى جعلتها أصل الوجود، فاستشهدت بالتاريخ المصري وتعدد الآلهة والإلهات، كما نسبت المعرفة إلى حواء وأن زوجها لم يذق من المعرفة شيئًا إلا بعد تشجيعها! ثم إنها تعدّت ذلك حينما كتبت مسرحية رمزت فيها إلى زوال ثنائيتي (إله/عبد) واتحادهما معًا والعياذ بالله، فلا يبقى انقسام يحط من أحد على حساب الآخر، حتى لو كان هذا هو والله -تعالى عما نسبت إليه.
وناهضت القسمة الثنائية غيرها من النسويات من خلال مناقشة النصوص الدينية بجعلها لا تحتوي على أي بعد تقييمي للمرأة أو الرجل، وكذلك في وسم الدين بالذكورية لكونه موضع الفعل والاختيار والقوة، والإيمان بالأنثى موضع الانفعال والاستسلام، فالدين ينظّم بأحكامه تصاريف الحياة، أما الإيمان فلا يغدو مجال معرفة إلا بعد الموت.
ومن ذلك أيضًا قيام إحداهن بدراسة حيوات الصوفيات؛ توصلت من خلاله إلى تفكيك ثنائية الأنوثة والذكورة، بإثبات أن عالم التصوف يتجاوز الخصوصية الجنسية، وأن الأعمار والطبقات ليست مانعًا من خوض التجربة الصوفية، والتي رأت أنها جرّدت الأنوثة مما نُسبت إليه من الضعف والعجز، وسمحت بمنافسة المرأة للرجال فامتلكن سلطة الضبط ووضع المعيار، مما قطع ثنائية (الذكر/ الأنثى)، وأوجد مفهومًا جديدًا خارج التقسيم الجندري وهو الإنسان الكامل.
كما رفضت أخرى تقسيم الأدوار الذي يفضي إلى تقديم الذكر وفق ما نسبه هو لنفسه من مركزية عقلية تمكّنه من ضبط السلطة والسياسة وبالتالي إبعاد الأنثى التي التصقت بها العاطفة والانفعالية والتهور عن المجلس السياسي تارة، وعن إنتاج الحقيقة تارة أخرى.
وقد دعت النسويات المرأة العربية الراغبات بالتحرر إلى إيقاف أسباب إنتاج التاريخ الذكوري من خلال الانتقال من دور الضحية إلى دور المرأة الفاعلة القادرة على زعزعة استقرار هذا النظام، وإعادة النظر في أساليب تربية الأطفال للوصول إلى إلغاء الهوية الجنسية، والسماح بالتعددية، والدعوة إلى تطوير النسوية الإبداعية لاختراع المرأة كنموذج إيجابي قادر على تشكيل قيم مغايرة، ثم توجيه النقد لكل من يضعف الخطاب الأنثوي المعاصر وعلى رأسهم النسوية الإسلامية التي تناضل لإيجاد تأويلات للنصوص تدعم قضية المساواة، وأن عليهن الانطلاق إلى المساواة الجندرية، ذلك أن المستقبل الخاوي من كل أشكال الفصل بين الجنسين سيكون خاليًا من التعاسة للجميع، وللوصول إليه لا بد من التفات النساء إلى ذواتهن، ولا يعطين الحق للآخر بالتسلط عليهن.
ومن جهة أخرى رأين أن السلطة الدينية لم تُوفّق للتوفيق بين الدين كتعاليم قيمية قديمة، وبين القيم الغربية الحديثة اليوم، وأن رجال الدين سعوا تحت مسمى القوامة والولاية إلى تثبيت ركيزة الثنائيات فاحتكروا العلم ليكون امتيازًا ذكوريًا، ثم حفلْنَ بالنظرية التقاطعية ورأينها مسلكًا ساهم في نقل التفكير بالمرأة الضحية إلى المرأة الفاعلة، ومعرفة درجة التفاعل بين الثنائيات المتعددة ومدى تأثيرها في حرمان النساء من التعلم واكتساب الخبرة وفرض الذات.
يلاحظ مما سبق أن المفكرات يقفن على مطلب واحد رئيسي، وهو تقويض فكرة الثنائيات بصفتها السبب في التمايز وعدم المساواة بين الجنسين، وهذا يتم عن طريقين:
الأول/ جعل الأنثى هي الأصل، إما لأن الله خلقها قبل الذكر، وإما أن الله أصل الوجود وأن جنسه أنثى -تعالى الله عن وصفهم-.
الثاني/ رفع الحد الفاصل بين الثنائيات، وساروا فيه على اتجاهين: قبول التعددية والاختلاف الجندري لا الجنسي، وقبول الموضوعية بصبغة أنثوية ذاتية في البحوث العلمية. وسيأتي الرد على كل طريق بنقد عقلي وشرعي، لكن لا بد من الرد على استفهام، هل نشأة الثنائيات عائد إلى جذر فلسفي، أم إلى أصل الخلقة الإلهية، أم هو اختلاق بشري صرف؟
عقلاً: لا يمكن الجزم بأنها من وضع الفلاسفة، وما نُقل عنهم لا ينفي وجودها قبلهم، وبما أن ما بعد الحداثة تقوم على التشكيك بكل ما هو يقيني فلم استبعدت تاريخ الفلسفة من ذلك وبنت على إثرها أصول يقينية؟ فما داموا لا يملكون دليلاً ثابتًا فاتهامهم ساقط غير معتبر.
شرعًا: أقر الإسلام مبدأ الثنائية كقانون كوني عام ضمن الأطر التي خلق فيها المخلوقات، قال تعالى: {وَمِن كُلِّ شَیۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَیۡنِ} [الذاريات: 49]، ويؤيد ثنائية الذكر والأنثى قوله تعالى: {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَـٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ} [الحجرات: 13]. وفي مواضع بيّن أنه خلق الذكر الذي هو آدم من تراب، وبيّن أطوار ذلك، وخلق الأنثى التي هي حواء من آدم، يقول عز وجل: {ٱلَّذِی خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسࣲ وَٰحِدَةࣲ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالࣰا كَثِیرࣰا وَنِسَاۤءࣰۚ} [النساء: 1]، وقصة نوح عليه السلام تدل على أن ذلك كان مراد الله، وليس اختيارًا، أو نظمًا لا فلسفيًا ولا غيره، حيث أمره الله بصنع السفينة وأن يحمل فيها من كل صنف ذكرًا وأنثى من جميع المخلوقات؛ من أجل أن يبقى نسلها.
النقد العقلي: ليس هناك دليل معتبر على مقولة (الأنثى أصل) سوى ما نُقل عبر التاريخ من حضارات قديمة، وما المانع من أن تكون تلك الحضارات ألغت تاريخ الذكور وطمسته حينها ما الفرق بينها وبين الحضارة الذكورية التي تم رفضها بحجة أنها طمست تاريخ النساء؟
وإن كانت تلك الحضارات منقولة شفهيًّا، أو كتابةً، أو رسمًا على الأحجار، فما الفرق بينها وبين الكتب السماوية التي لم تؤمن بها هؤلاء المفكرات، وهل نقلها بأي طريقة كانت يعني أنها على صواب؟ فما دمتم تشككون بالموروثات كلها فلماذا لا تشككوا بهذه الحضارات أيضًا، وما دام التاريخ يحتمل الصدق والكذب فلا حجة ثابتة لهذه المقولة سوى أنها أوهام مدفوعة بالانتقام من الهيمنة الذكورية، وفرار منها إلى هيمنة أنوثية!
النقد الشرعي: إن هذا القول مخالفٌ للنصوص، فالقرآن الكريم في أكثر من موضع ذكر أن الأسبق في الخلق هو آدم عليه السلام، ثم خُلقت منه حواء عليها السلام، فدلّ على أن أول أنثى كان وجودها مستندًا إلى وجود الرجل وفرعًا عنه، وهو أمر كوني قدري، ولهذا جعل الله الرجل يقوم عليها وجعلها تستند إليه في شؤونها، فالنصوص قررت مبدأ الثنائية، ونفت أن الأنثى هي الأصل.
النقد العقلي: ما هو الدليل على ذلك. فإن استندوا إلى الحضارة الفرعونية، أو إلى كونها منحوتة على الأشجار والأحجار، فنقول كما قلنا سابقًا بالتشكيك في ذلك، فما دام أن احتمال الكذب فيها موجود، فبناء أصل عليها لا يُعتدّ به.
وإن قلن: دلتنا عليه معارفنا الخاصة وحدسنا، فلمَ لا يستعملنها في البقاء، ومنع المرض، ومنح الرزق؟ لم لا تعود هذه الآلهة المزعومة لتناضل معهن في حراكهن؟ ثم أين هو كتابها ووحيها؟
وأما عن استهجان ما ورد من تذكير لفظ الجلالة في القرآن بضمير (هو)؛ فهذه مسألة لغوية صرفة، فإن الإنسان أدرك الفرق بين المذكر والمؤنث فانعكس ذلك على لغته، وكل لغة اختارت شيئًا للتفريق، إلا أن العرب أرادوا تقليل الألفاظ، فأتوا بعلامة نحوية للتفريق بين المذكر والمؤنث، وفي المقابل وُجدت معانٍ بلا جنس يميزها إلا أن هذا القسم لم يسلم من توزيعه على الثنائيتين.
بالإضافة إلى أن التذكير هو المتعارف عليه عند العرب لكونه أشد تمكنًا، وأخف من المؤنث، ألا ترى أن الشيء يقع على كل ما أُخبر عنه من قبل أن يُعلم جنسه؟ وعليه فوصف لفظ الجلالة بصيغة التذكير لا يعني انتقاص المؤنث، ولو قلنا بقلب الأمر وكانت أصل الأعراف هي الأنثى لوقعتم في نفس الهيمنة الذكورية التي رفضتموها.
ثم إن القرآن نزل بلسان عربي، ولكي نفهمه لا بد أن نفهم لغته التي أُنزل بها وإلا وقعنا فيما وقعت به النسويات بين رفض وتأويل وليّ للنصوص.
النقد الشرعي: قال تعالى: {فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجࣰا وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَـٰمِ أَزۡوَٰجࣰا یَذۡرَؤُكُمۡ فِیهِۚ لَیۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَیۡءࣱۖ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ} [الشورى: 11]. وهذه الآية أكّدت على أربع أمور:
الأول: تأكيد مبدأ الثنائية في (السماء/الأرض)، و(الذكر والأنثى) من الإنس والحيوان.
الثاني: توضيح أسبقية الخلق لآدم عليه السلام، وأن الله خلق حواء من ضلع آدم.
الثالث: ابتدأ الله الآية بذكر الثنائيات، وختمها بنفي مشابهته لخلقه (ليس كمثله شيء)، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
الرابع: إثبات ما وصف الله به نفسه من الصفات كما تليق به، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، فلا يقاس سبحانه بمخلوقاته، فالله جعلهم أزواجًا لغرض التناسل، وهو خالقهم فلا يوصف بذكورة ولا أنوثة، فهو الواحد الأحد الذي نفى عن نفسه الصاحبة والولد.
ولا بد من التنبيه على أن الله سبحانه جعل للأنثى مكانة في كل شرائعه وأحكامه، ورد على أهل الجاهلية الذين يسخطون من الأنثى.
النقد العقلي: جاء الرد فيه من أنفسهن، بأن هذا الدعوى مؤدية إلى تبديد الحقيقة وتجزئتها، وبالتالي تبديد المبادئ الأولية كمبدأ عدم التناقض، والسببية وغيرها، ومن ثم ستسيطر الجماعة المهيمنة على الأضعف منها، فلا بد من التمسك بالمبادئ الأولية، فالتأكيد على وجود حقيقة أمر مهم؛ لأن أي فكر يحاول تبديدها لا يعد صحيحًا إلا بالقياس إلى حقيقة ما.
ثم إن التفكيك قد اُستخدم كأداة نقد لهدم الفلسفة التقليدية، فكيف تُستخدم أداة الهدم ذاتها من أجل بناء وتأسيس؟ فجاء التحذير مما استخدمه الفكر ما بعد الحداثي حتى لا يقعن فيما وقعوا فيه من مواقف نسبية وعدمية وشكوكية، كما أن قبول التعدد في الهوية الجندرية سبب انتشار الأمراض كما أثبته الطب، والسماح بالشذوذ سيعيد جذور الفلسفة التقليدية مرة أخرى كما حدث من انتشار اللواط في العصر اليوناني حتى وُضعت المرأة في خانة الحاجة إلى التناسل فحسب، فتكرار ذلك سيفضي إلى استبعاد المرأة، وهيمنة الرجل مرة أخرى.
ثم إنا إذا تأملنا التعددية سنجد أنها تُحدث إشكاليات في جوانب مختلفة، فالقول بالاحتمالات المتعددة سيعرقل القضاء حيث إن الحقيقة مجزأة! وسيلزم أيضًا سن القوانين التي تحفظ حق كل نوع، وسيتم تبرير الاعتداءات بين الأنواع! كما إن التعدد الجندري مكلف، فيلزم على الدولة توفير ما يحتاجه كل نوع من الطرقات والأماكن المخصصة، وربما دعت الحاجة إلى تبني الأسر الطبيعية لحيوانات آدمية، وهل سنرى دولاً عظمى تقدّم خطاب استهجان بنواء قطة؟ أم سيوضع لهم قاموس مخصص للتواصل، وهل سيعج البرلمان بهذه الأنواع؟ وماذا عن قنوات الإعلام والمسارح ومنصات التواصل؟ أما عن أسطورة السايبورغ، فرغم أن الآلات أصبحت جزءًا منا إلا أنها لا تولد معنا، وبقاؤها مرهون بدوام الاتصال، فإن انقطع ستعود الحدود، وهذا يتنافى مع قصد النسويات في تقويض الثنائيات بما يمتنع معه العودة مرة أخرى.
ثم كيف هو الحال إن نقضنا المنظومة الخلقية والجمالية والاستدلالية؟ فهل ثمة خير وشر متحدان؟ أم أننا سنضطر لاختيار واحد؟ لكن ما هو معيار القبول؟ هذا يعيدنا إلى قول: لا معيار يقاس عليه وكل الخيارات متاحة! فهذا كله يساعد على إدراك أن الثنائيات حكمة إلهية وفيها رحمة للبشرية، فبها تتميز الأشياء وتُدرك معانيها، والنضال لهدمها لا يحمد عقباه إطلاقًا.
النقد الشرعي: أن هذه الدعوى تعيدنا إلى المسألة الأصولية: هل الحق واحد أم متعدد؟ وحسبنا فيها ما قاله العلماء في تأملهم لقول الله سبحانه: {ٱللَّهُ وَلِیُّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ یُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ} [البقرة: 257]. فأفرد لفظ النور ليبين أن الحق واحد وهو الصراط المستقيم، وجمع لفظ الظلمات ليبين تعدد طرق الباطل وتشعبها، وكذا في قوله سبحانه: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِی مُسۡتَقِیمࣰا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِیلِهِۦۚ } [الأنعام: 153]. وليست الاحتمالات المتعددة إلا ضياع وفوضى، فمن لم يعرف اليقين في الانقياد للحق الواحد سيعيش في هم وظلال، يقول سبحانه: {وَإِنَّ ٱلَّذِینَ ٱخۡتَلَفُوا۟ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ لَفِی شِقَاقِۭ بَعِیدࣲ} [البقرة: 176].
أما القول باحترام اختلاف الأنواع الجندرية يعني قبول الشذوذ الجنسي الذي جاء النص بتحريمه، ومنه قوله سبحانه: {وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦۤ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدࣲ مِّنَ ٱلۡعَـٰلَمِینَ* إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةࣰ مِّن دُونِ ٱلنِّسَاۤءِۚ} [الأعراف: 80-81]. وذكر المفسرون أن الرجال كانوا قد استغنوا ببعضهم، وكذلك النساء، وقد رتّب الله على مَن شذ عن الفطرة السليمة عقوبة مشددة، ويدخل في ذلك عموم الشذوذ من اللواط، والسحاق، وإتيان البهائم، وزنا المحارم، وقد أشاع أهل سدوم ذلك في مجالسهم دون نكير؛ وهو ما دعت إليه النسويات من إفشاء المنكر، وحرية الفرد في اختيار توجهه الجنسي، وحمايتها قانونيًّا، وإقرار زواج المثليين، بل إنهم يحاسبون من ينكر أو يظهر رفضًا، وبهذا تجاوزوا الطرد الذي فعله قوم لوط كما جاء في قوله سبحانه: {مَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦۤ إِلَّاۤ أَن قَالُوۤا۟ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡیَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسࣱ یَتَطَهَّرُونَ} [الأعراف: 82].
النقد العقلي: تقول إحداهن بأن هناك معايير موضوعية مؤدية لمعرفة الدليل الأفضل، وهي ذاتها التي نحكم من خلالها على القيم التجريبية، ودقة وكفاءة الاستقصاء العلمي، وأن إزالة الحدود بين العلم والقيم، والسماح للقيم النسوية بتحديد النظرية المختارة لا يفضي إلى الوقوع في المعيارية فحسب، بل يظهر أن الحياد هو في ذاته معيار يحدد ما ينبغي أن يكون عليه العلم.
أما عن القول بأن العالِم لا يمكن أن يخلو من التحيز فلا وجود للموضوعية، بل يمكن تحسين أداء العلماء، فإن معرفتهم بخضوع عملهم للنقد سيجعلهم أكثر دقة ونزاهة، وعليه فإن صحة الاستنتاج يضمن عدم تحيز الفرضية، وسيقوض إمكانية وجود علم يسترشد بالقيم النسوية؛ لأن غياب الدليل الموضوعي يمنع تحقيق مصالح المرأة، ويضر البشرية جمعاء.
النقد الشرعي: إن الفصل بين (العقل/الحس) يظهر في تقديم الوحي للعقل على الحس في الإدراك وتصور الحقيقة، والعقل يرمز للموضوعية، والحس يشمل الذاتية، حيث كرّم الله بني آدم بجميع وجوه الإكرام، ومنها العلم والعقل.
وسعى بعض الباحثين لإثبات الوحدة الموضوعية في القرآن، وأن ترتيب سوره وآياته توقيفي، وأن نزوله بحسب الظروف مفرقًا في نيّف وعشرين سنة دليلُ إعجاز، فهو رغم ذلك له وحدة موضوعية واحدة، كما ردّوا على الطاعنين في ذلك بأدلة منها أن سورة الفاتحة مقدمة للقرآن، وأنها اشتملت على مقاصده العليا، وأن السور بعدها أشبه بالفصول والأبواب، ويمكن الاستئناس بهذه البحوث لبيان التزام القرآن بالمنهج الموضوعي الحيادي، وبهذا يكون أدق وأصلح للبشرية جمعاء.
إن دعوى هدم الثنائيات في الخطاب العربي يتذبذب بين عموم وخصوص، فالعموم يؤدي إلى هدم الحد الفاصل بين (الخالق/ المخلوق) ليكون الوجود وحدة واحدة، وأما الخصوص فهو يقف تحت خط هذه الثنائية، وربما اُلبس لباس الحلول الذي يعني حلول الله في المخلوقات، ولباس الاتحاد الذي يعني اتحاد الله مع المخلوقات.
ومن أهم التطبيقات المتعلقة بنظرية المعرفة الأنثوية في باب العقائد ما يلي:
وتظهر في عدد من الكتابات، ومن ذلك ما كتبته السعداوي حول مفهوم الحرية، حيث فسّرت الحرية السلبية بأنها التي يتم الحصول عليها بالشعور بالأمن الاجتماعي الذي يصاحبه إحساس بالقلق والوحدة، ورمزت لها بانفصال الطفل عن جسد أمه فيفقد الأمان الذي اعتاده حين كان جزءًا من شيء أكبر، لذا هو يبحث عما يجعله يتّحد مرة أخرى بذلك الأمان، ثم قالت بأن الحرية الحقيقية تحدث باتحاد الذات بالعالم الخارجي، وهذه عقيدة وحدة وجود صريحة، كما تظهر أيضًا في مسرحيتها (الإله يقدم استقالته في اجتماع القمة)، حيث سعت لإبطال نظرية الخلق بعد تقدم العلوم، ونفي وجود مستقل لذات وخالق منفصل عن المخلوق.
كما تظهر في الكتابات المتأثرة بتجارب الصوفية، التي تنطلق من اعتقاد جازم بأن معرفة الله لا تتم إلا بالحدس عن طريق علامات خفية تنكشف للعبد فيستسلم لها حتى يصل إلى أعماق ذاته ويجد الذات الإلهية حاضرة فيها، مستدلين بحديث: (وما زال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به …) إلى آخر الحديث.
وتظهر هذه العقيدة في كتاب (وجه الله ثلاثة سبل إلى الحق) لألفة يوسف، الذي زعمت فيه خطأ القول بأن الإنسان يمثل الذات العارفة وأن الله هو موضوع المعرفة، وأن الصواب هو أن الله يمثل الذات المطلقة، وأن التقسيم بين الذات والموضوع هو مجرد وهم فُرض علينا لغويًا، أما عرفانيًّا فلا وجود إلى الله وحده، فهو العارف والمعروف، و(الأنا) الوحيدة هي (أناه).
وقد قال العلماء إن فعلَ العبد فعلٌ له حقيقة، ولكنه مخلوق ومفعول لله، ليس هو نفس فعل الله، ففرق بين الفعل والمفعول، وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد، فأهل السنة يثبتون خالقًا واحدًا منفصلاً في وجوده عن المخلوقين، بينما النسويات يسعين إلى هدم هذا الفصل من خلال القول بأن الإنسان ربما يتحكم في عمله لكنه لا يتحكم في النتيجة، كما زعموا بأن من يقول بإن العبد فاعل لفعله سيجعل بينه وبين الرب شراكة في الفعل وهذا يقتضي أن كلاهما فاعل في نفس الدرجة رغم أن القرار الأخير للرب، وسموا ذلك سفسطة، ويرون أن العمل الاختياري بذاته هو نتيجة إجبارية ضمن سلسلة السبب والنتيجة، لذا فالعبد مضطر في صورة الاختيار، وأن إسناد الفعل إليه الموجود في النصوص هو إسناد شكلي، وعلى ذلك فمن النسويات الإسلاميات من تقول بمقالة الجبرية في القدر والمشيئة وأفعال العباد.
رغم الخلاف الدائر حول أسماء الله وصفاته بين أهل السنة والجماعة وأهل الكلام إلا أن أحدًا منهم لم يتطرق إلى مسألة وصف ذات الله بذكورة أو أنوثة، الذي تجده مطروحًا في خطابات النسوية والجندر، وهم فيه على موقفين:
الموقف الأول/ أنه انعكاس يؤكد مبدأ ثنائية (الذكر/الأنثى): ففي الخطاب النسوي من رأى بأن تذكير الذات الإلهية هو نتيجة صراع تاريخي أُقصيت فيه الأنثى عن الألوهية لصالح الذكر، وحُط من مكانتها بعدما كانت هي الأصل، ثم يدينون هذه الثنائية ويحيلونها إلى الله -والعياذ بالله-.
كما يظهر أيضًا في خطاب الجندر بجعل الأنثى تتماهى مع الإله بوصفه صورة عن الأب الذكر لذا فهي أكثر تدينًا من الذكور، ونبّهوا إلى أن تصوير الإله في الديانات السماوية بضمير المذكر مع منع وصفه بالذكر بالمعنى التناسلي ليس بريئًا لغويًا، بل يعكس ثقافة ذكورية، فالتذكير المجازي يطلق على ما لا أنثى له، لذا فالإله يقع خارج أفق الحيوانية بعامة، فلا معنى هنا لتذكير الألوهية، وإن تعدد أسماء الله الحسنى لا يغير من جندر الإله الواحد المذكر، وعليه يحيلون فكرة مبدأ الثنائية إلى الإله الواحد بما يحمله من أسماء وصفات، فتوصلوا إلى أن الإيمان مجندرٌ سلفًا، فدعوا إلى الخروج من الجندرة اللغوية المقدسة للذكورة على حساب الأنوثة في الأديان السماوية.
الموقف الثاني/ أنه انعكاس ينفي مبدأ ثنائية (الذكر/الأنثى): والنفي هذا يكون من وجهين:
الأول: نفي مشابهة الخالق للمخلوقين، وبالتالي بطلان هذه المسألة، مع إبقاء مبدأ الثنائية في حيز المخلوقين، فينكرون التشويش في تصور الآلهة، ويؤكدون اتضاح انتفاء مشابهة الله لخلقه، وأن التذكير مجاز؛ لأن اللغة قاصرة.
أما الوجه الثاني: نفي أن يكون مبدأ الثنائية هو مقصد الشارع، بل هو واحد في ذاته حوى كل الأنواع والكثرة والتعدد في الأسماء والصفات ذكورة وأنوثة، وأننا يمكننا الوصول إلى المقصد الإلهي عبر صور وأفهام متعددة، كما أننا لسنا عائدين إلى جنسين اثنين فقط، ولكننا متعددون نعود إلى أصل واحد، وبهذا يدعون إلى قبول التعددية الدينية والجندرية، ونفي مبدأ الثنائية النابعة من فكرة الجنسانية الذكورية المتأصلة في القرآن الذي كان لا بد أن يكون له معنى سياقي وإلا سوف يفشل منهجه المعلن في كونه عربي، فقد كان يخاطب المشبعين بالهيمنة الذكورية في الجزيرة العربية، أما اليوم فعلينا تطوير الفهم الإنساني لتحقيق المقصد الإلهي الثابت -كما يزعمون-.
إن أهل السنة والجماعة يعتقدون بأن الغيب المطلق لا يعلمه إلا الله، أما الغيب المقيد فهو ما كشفه الله لأحد من خلقه، وخالفهم من ادعى تجربة فريدة يطّلع بها على الغيب كمن قال بمصدرية الحدس والكشف، أو الكهانة.
والكشف لغةً يُطلق على رفع الشيء عما يغطيه، وهو عند الصوفية من سبل المعرفة، فهو (الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية وجودًا وشهودًا). فبعض النسويات آمنت بإمكان رفع الحجاب عن عالم الغيب على أن يتم ذلك في لحظات فقط وإلا أصبحنا آلهة -والعياذ بالله-، إشارة إلى صورة الشاكر السابعة المأخوذة من الفلسفة الشرقية.
ومنهن من تأثرت بالصوفية، فقالت بأن كل التجارب الروحانية هي طريق إلى الله، كالكاتبة أُلفة يوسق التي كان لها كتابات صوفية ذاتية منها ما نقلته من تجارب صوفية أنثوية لوليّات رأت منهن حاملات لمعرفة متفردة تستحق الظهور.
أما الكهانة فهي وسيلة يُدعي بها معرفةً ما، لنيل سلطة مميزة في المحيط الذي يعتقد صدقه، ولهذا احتفت النسويات بتجربة المرأة الكاهنة، وأن نساء العرب قديمًا كانت لهن سلطة معرفية ومكانة لما تمتّعن به من تنبؤ للمستقبل، وأن الكهانة كانت علمًا في المجتمعات القديمة ولها سلطة ذات بعد غيبي مهاب، مشيرات إلى أن الإسلام وإن كان له إيجابيات في شأن المرأة إلا أنه فتح المجال لإمبراطورية ذكورية حكمت على المرأة بالمكث في بيتها، وحجبتها عما كانت تتمتع به، فيرون ضرورة مراجعة النظرة الدونية التي عطلت تطور المرأة العربية المسلمة باسم القوانين الإلهية!
جاء في الخطاب العربي ما يشير إلى أن امتلاك المرأة حقها في هويتها الجندرية يتطلب تفكيك مفهوم المرأة في كل الميادين، وتظهر تطبيقات نظرية المعرفة الأنثوية في باب الأحكام الفقهية بوضوح غالبًا في أحكام الميراث، والصداق، والحجاب.
ويقصد بها النصيب المُستحق في تركة المتوفى بسبب قرابة أو زوجية أو ولاء، وأحكامها في الإسلام من قِبل الشارع لا دخل للبشر فيه، واعتنى بها العلماء عرضًا وشرحًا وترتيبًا على ضوء ما ورد في النصوص الشرعية.
ولما كانت النسويات يطالبن بالمساواة بين الجنسين، فإن مسألة الإرث ليست خارجة عن ذلك، وخاصة ما يتعلق بالنص القرآني: {لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَیَیۡنِۚ} [النساء: 11]. الذي هو مدار حرب النسوية ذات الصبغة الإسلامية ضد الهيمنة الذكورية الفقهية، فلهذا تجدهم يتناولون أحكام المواريث بالتفكيك والتقويض، فتارة يهاجمون العلماء والمفسرين بكونهم تأثروا بالذكورية حتى سمّوا الإجماع (بالإجماع الذكوري)، واتهموا الفقهاء بالقيام بكل ما يستطيعون للتضييق على المرأة في الميراث وحق التصرف في المال حتى وإن دعاهم ذلك إلى تحريف النصوص!
كما يضعفون الأحاديث النبوية التي لا توافق مبتغاهم، ومن ذلك حديث التعصيب: (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر)، معتبرين أن مرجع المال الموروث مسألة مسكوتٌ عنها، وعليه فهم يتهمون العلماء بالجرأة لكونهم نصبوا أنفسهم محدّثين عن الله فيما سكت عنه!
وتجدهم يؤولون النصوص ويلوونها، وهناك من تجاوز ذلك بالمناداة بإصلاح القانون وفصل الشريعة عن قانون الأحوال الشخصية حتى لا تعطّل مشروع المساواة الجنسية النسوية.
وبعد ذلك تجد التحول من المطالبة النسوية الحقوقية بالمساواة الجنسية في نصيب كلٍّ من الذكر والأنثى في الإرث، إلى المطالبة الأنثوية المالية وفق السياسات الجندرية، وبالتالي لا يقتصر توزيع الورثة بين مؤسسة الزواج التقليدية، أو المؤسسة الأبوية، وإنما قد يكون (توفي عن زوج)، أو (توفيت عن زوجة)، أو يُذكر العدد دون تحديد جنس أو نوع أو مدى القرب من الموروث.
وهو العوض في النكاح (المهر)، والشرع أوجب على الرجل دفعه إلى المرأة، وأوجب على وليها أن يعطيها صداقها كله، إلا أن من النسويات من اعتبرته إهانة، واستمرارًا لنظام الهيمنة الذكورية بجعل الأنثى موضوعًا ومفعولاً لا فاعلاً، وشبّهوه بشراء البضاعة التي يملكها المشتري ويكون له السلطة عليها، وهناك من انتقد تسمية (المومس) لمن كانت ضحية مجتمع ذكوري أجبرها أن تحصل على المال مقابل ممارسة الجنس، ونقلها إلى الآباء الذين اشترطوا المهر عند تزويج بناتهم، مدّعين مخالفة ذلك للإسلام الذي يجعل أفضلية الرجل في التقوى والدين والخلق، وعليه يرون أن قانون الزواج في المجتمع الأبوي ضد الشرف الحقيقي؛ لأنه حوّل المرأة إلى بضاعة.
والمعنى اللغوي العام للحجاب دائر بين المنع والستر، وهو بهذا المعنى يكون فرضًا على الذكر والأنثى حتى مع نفس الجنس، كلٌّ بحسب الفوارق الخلقية، والقدرات والوظائف المشروعة، وفي هذا المعنى يتبين وجوب الإيمان والتسليم بالفوارق بين الذكر والأنثى خلافًا لمن حارب الثنائيات، فالفوارق ثابتة قدرًا وشرعًا، وحسًّ وعقلاً، وهو ما توصلت إليه علوم الطب الحديث، ويتبين أيضًا التكامل الرباني بين الأحكام الشرعية والطبيعة البيولوجية التي تختلف بين الذكر والأنثى، فالحجاب للرجال يكمن في منع الاختلاط ووجوب غض البصر، أما للمرأة فبتجنب الخروج لغير حاجة، وإن خرجت فتحتجب، وهذا هو الحجاب بمعناه الخاص، وهو ستر المرأة جميع بدنها وزينتها عن أنظار الرجال الأجانب بما فيه الوجه والكفان، إما باللباس أو بلزوم البيت، يدل على ذلك القرآن والسنة، كقوله تعالى: {وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَـٰتِ یَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَـٰرِهِنَّ وَیَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا یُبۡدِینَ زِینَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡیَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُیُوبِهِنَّۖ وَلَا یُبۡدِینَ زِینَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَاۤىِٕهِنَّ} [النور: 31]. فأمرها بحفظ فرجها، ويدخل في حفظه حفظ ما يكون وسيلة إليه، ولا يرتاب عاقل أن من وسائله تغطية الوجه؛ لأن كشفه سبب للنظر إلى محاسنها، والتلذذ بذلك، ومن ثم الوصول والاتصال، والوسائل لها أحكام المقاصد.
ومن السنة قوله ﷺ: (إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها؛ إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة، وإن كانت لا تعلم) أخرجه أحمد بإسناد صحيح، وفيه نفي الإثم عن الخاطب إذا نظر إلى مخطوبته بشرط أن يكون ذلك للخطبة، فدل على أن غيره يأثم بالنظر إلى أجنبية.
وقد حورب الحجاب منذ الأزل، وعليه سارت النسويات منذ انطلاقهن، إلا أن الاختلاف اليوم بالقول بأن الحجاب ليس باللباس كما كنا نعتقد، فليس المعتبر هو تغطية الجسد أو عرضه، بل تغطية العقل هو المشكلة، فما الفائدة من الأنثى التي تضع الحجاب على عقلها وإن عرّت جسدها.
والنسويات لا يحيلون الحجاب إلى أوامر إلهية، وإنما إلى سلطة ذكورية تحاول كبح قوة المرأة خوفًا منها، فحجبوها في كل المجالات، لذا فالحجاب أُنشئ حماية للرجل وليس المرأة، ورغم ذلك فهي تحمل مسؤولية خلل النظام الاجتماعي، بينما الرجل لا يكلف نفسه عناءً، كما إن تلك السلطة أيضًا ألزمت المرأة بملازمة المجال الخاص دون العام، فرأوا أن الحجاب يحمل بُعدًا عامًا آخر يتعلق بالفصل بين (العام/الخاص).
وهناك من النسويات من رأت أن هناك بعدًا واقعيًّا تاريخيًّا للحجاب بمعناه الخاص، فأخذت ترد على النصوص، كقولها بأن الأمر بإدناء الجلابيب متصل بظرف تاريخي عربي يدعو إلى حماية النساء الحرائر عمومًا ونساء النبي ﷺ خصوصًا، ثم تناولت البعد الرمزي للحجاب من منظورين: الأول ناقشت فيه حرص الأصوليين في جعل الحجاب ركنًا في الدين، معيدة ذلك إلى جهلهم بالواقع التاريخي، كما ربطت بين موقفهم ونظرية فرويد في حديثه عن شوق المرأة إلى القضيب، بجامع الرغبة في الامتلاك؛ لهذا فاتخاذ جسد المرأة صورة القضيب رمزيًّا جعل الرجل يعتبرها عورة.
أما المنظور الآخر ففيه تأثر بالصوفية، وبمحاولات رفع الحد بين ثنائيتي الذكر والأنثى، لتأكيد ذاتٍ واحدة تحمل في طياتها ذكورة وأنوثة، فرمزية الحجاب تجلٍّ لرمزية الغياب، تمامًا كما أن الإله في التصوف غائب محتجب، ومتعة الإيمان به لا تُقال. فغياب المرأة تحت الحجاب يتقاطع مع مواضع الغياب الأنثوي في التجربة الروحية الواقعة خارج العقل والمنطق، وخارج الدين كمؤسسة جماعية، وهذا الغياب مرتبط بالانشطار الذي يعيشه الإنسان بين الذكورة والأنوثة، حيث يُنظر إلى الدين كرمز ذكوري قائم على الفعل والقول، بينما الإيمان أقرب إلى المعرفة الأنثوية، بما تحمله من صمت وانفعال وحقيقة غير قابلة للامتلاك، كما تنتقد وصف المرأة بأنها ناقصة عقل ودين؛ لكونه يعكس انقسامًا داخليًا بين الذكورة والأنوثة، فالإنسان في نظرها يحمل كلا الجانبين؛ ولأن السعي للحقيقة المطلقة وهم، علينا قبول التعدد والاختلاف، فلا أحد يملك الجواب النهائي.
إن التعددية والاختلاف كمفهوم كان ولا يزال له ارتباط بالحجاب بمعنييه العام والخاص، وقد حاولت الكاتبات النسويات أن يدعين إلى خروج المرأة من الحجاب بكلا معنييه، والانتقال من الثنائية الأدنى (العمل الخاص) إلى الثنائية الأعلى (العمل العام)، ورفض كل ما يحجبها ويكبّلها، ومن تلك المحاولات قيام إحدى الكاتبات بالتصريح بأن الحجاب المادي أو الروحي أو كليهما معًا يحجب النساء عن كل مجالات الحياة، مسندةً ذلك إلى النظام الذكوري المهيمن.
وهناك أخرى تحاول تأكيد مفهوم التعددية والاختلاف كحق وقاعدة سلفية موجودة في زمن الرسول ﷺ، ونسب من يخالفها إلى التطرف، حيث ذكرت بعض النساء اللاتي لم يكن يلتزمن بالحجاب كزي ولا حتى الحجاب العام، فكنّ يناقشن ويحضرن المجالس العامة، وأنهن اشتهرن بوصف (المرأة البَرْزَة)، وادّعت بأن معنى ذلك أنها كانت ترفض وضع الحجاب؛ مستندة في ذلك إلى نقولات مضللة من كتب اللغة، بينما ذات الكتب بيّنت أن هذا الوصف يطلق على المرأة الكبيرة والوقورة، وعليه لا بد من تتبع كل النقولات التي استند عليها هؤلاء.
عبثت بعض المفكرات النسويات بالعديد من المفاهيم الشرعية بقصد أو بدون قصد؛ رغبة في تحريرها من القيود الدينية أو الثقافية أو اللغوية التي حطّت من الجانب الأنثوي ورفعت كفة الجانب الذكوري، وذلك باستخدام ورقة الحقوق والمساواة الجنسية، ثم جرّها نحو زاوية جندرية تعددية، ومن هذه المفاهيم:
وهو في اللغة يدل على مقارنة شيء لشيء يكونان متقابلين أو متضادين من الصنف نفسه، ويطلق في الغالب على الرجل والمرأة، وبعد ارتباطهما تقوم علاقة تسمى في الأعراف بالعلاقة الزوجية (الزواج)، و(النكاح).
واصطلح الفقهاء على أنه عقد شرعي يقتضي حل استمتاع كلٍّ من الزوجين بالآخر، وعليه: ما عداه من العلاقات التي فيها إحلال للمتعة الجنسية بين اثنين لا يُعدّ زواجًا، ولا يسمى المقترنان المتماثلان زوجين، ويدخل في ذلك الزنا، واللواط، والسحاق، وعلاقة الآدمي بالبهيمة، بل جاءت النصوص بتسمية العلاقات المحرمة بالفواحش ورُتّبت عليها عقوبة شديدة، إلا أن تلك النصوص طالتها يد الأنثويات بالتفكيك واللّيّ، فمن ذلك المحاولة المستميتة لرفض تطابق مصطلح اللواط مع المثلية بادعاءات مضللة، للوصول إلى نتيجة مفادها أن اللواط يكون بالعنف والاعتداء، وأن إتيان الذكران ممنوع إذا نتج عنه وقف النسل، وهاتين العلتين منتفيتين في المثلية!
ومنه محاولة تأويل آية: {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَـٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ} [الحجرات: 13]، بأن المقصد هو التمييز البيولوجي، وأن (من) تبعيضية، والمراد أن الذات البشرية تحمل بعضًا من السمات الذكورية والأنوثية معًا، وعليه فيرفضن الثنائية ثقافيًّا، ويقبلنه بيولوجيًّا مستدلات بكون القرآن كشف هذا التكامل المزدوج في بعض سياقاته لغويًّا كنفي الصاحبة الافتراضية المؤنثة بتاء التأنيث.
ثم نظرن إلى الآيات المتعرّضة للواط فخَلُصن إلى أن المراد الاغتصاب، والمثلية خارجة عنها، ثم انتقلن إلى مسألة سكوت القرآن عن السحاق، وأن الخطاب القرآني لم يأتِ مخاطبًا النساء، بل الرجال حتى في مسائلهن كالحيض، وخَلُصن إلى أن ذلك من أوجه تغييب الأنثى وعدم اعتبارها كائنًا مستقلاً، كما استنكرن تفسير لفظ (الناس) بالرجال في آية: {زُیِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَاۤءِ وَٱلۡبَنِینَ} [آل عمران: 14]. فلماذا لا تدخل الأنثى في مجموع الناس ويكون ميلها للنساء طبيعيًّا؟
والمتأمل للقرآن حقًا يجد أنه جاء بحفظ النسل ومنع كل ما يمسه، فأمر بحفظ الفرج، وحرّم الوطء في غير محله، وجاء بعقد النكاح الذي يتضمن الرضا وتحقيق النسل، فحفظ حق الأنثى من كل ما قد يؤذيها أو يُغيّبها، ولو أنا قمنا -كما شأن النسويات- بلَيّ النص وفق الهوى لاستطعنا قلب الصورة، بالقول بأن الإسلام حطّم الخطاب الذكوري بدليل تكرار التحذير من المتعة بين الذكران وتوجيههم للإناث، وإنزال أشد العقوبة على من امتنع، وراعى رغبة الأنثى بالولد، وضَمَن حقها في الإنفاق والمهر والتصرف في مالها، ومَنَع وأد الإناث، وخصّص سورة باسمهنّ دون الرجال، فهذه القراءة تدعم الجانب الأنثوي وتنزع السلطة الذكورية.
ثم لو افترضنا صدق من ينفي الأمراض في العلاقات المغايرة، ووجود الرضا مع تحقق استمرار النسل؛ لتحتمت الفوضى والدياثة، فالزوجة تنجب من زوجها وترضى بعلاقته بذكر آخر، وهو يؤيد علاقتها بأنثى أخرى! فما الداعي لإقامة زواج، وكيف تقسّم المواريث، والقوامة لمن؟ إلا إن كن يعنين بشرط حفظ النسل كفرض كفاية على الأسوياء فإن قاموا به سقط الإثم عن المغايرين!
والعلم يطلق لغةً على الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع، وهو يتعدّى لمفعولين، بينما المعرفة تتعدى لمفعول واحد، وهي إدراك الشيء بتفكر وتدبر لأثره، فهي أخص من العلم، والعلم نقيضه الجهل، والمعرفة ضدها الإنكار. أما في الاصطلاح فالعلم هو إدراك الشيء على ما هو به، والمعرفة هي إدراك الشيء على ما هو عليه، وهي مسبوقة بجهل بخلاف العلم، ولذلك يسمى الله بالعالم دون العارف.
وتُقسّم المعرفة إلى قسمين: علميّة وعامّيّة، فالأولى تسير وفق منهج علمي موضوعي، والثانية تتعلق بخبرات الإنسان الذاتية، والفقهاء غالبًا يخصصونه بالعلم الشرعي الديني، وفي الوحي ما يدل على شرف العلم وأهله والحث عليه، وليس في تلك النصوص تخصيص طلب العلم لجنس الذكور دون الإناث، فالشريعة جاءت بأمر كلا الجنسين بتعلم أمور الدين وتعليمه.
أما كون الرجال انبروا لهذا الصف فليس فيه وجه معتبر لدونية المرأة، فلعلّ ذلك عائدٌ إلى طبيعة الرجال من قدرةٍ على الحفظ بلا عارض مؤثر كالحمل مثلاً، ولجبلة المرأة الرقيقة التي تختار برضاها المكث في البيت قرب أطفالها وترك السفر لأشهر طويلة من أجل طلب الحديث كما فعل السلف رضوان الله عليهم، والمشاهَد اليوم ندرة اختيار المرأة للطرق الأصعب في الكسب فكيف بطلب العلوم؟ فهي مفطورة على الراحة والسكن، فهذا لا يتعلق بتغييبها أو طمسها ولا وجه فيه معتبر لدونية المرأة، ولا بد من التنبيه على أن العبرة بما نُقل لنا، لا بمن نقله ذكرًا كان أم أنثى ما عدا ممن خصّهم الله بالوحي وهم الأنبياء، ويقال لو كان الخطاب الديني ذكوريًا لطُمس الجهاد لكونه عبارة عن إزهاق روح ذكورية فقط، ولطُمست قصة مريم عليها السلام التي أنجبت بلا ذَكَر.
غير أن المفكرات النسويات كان لهن رأي آخر، فركّزن هجومهن على المقولات التي تقصي المرأة عن العلم، والتي تصف المرأة المنشغلة بالعلم بالناشز، والتي تقسّم العلم إلى أقسام وتخصص بعضها للذكور فقط بحجة علو همته في الطلب، وادّعين أن الأنثى حُرمت من التصرف في وقت فراغها ومن ذلك اشتراط إذن الزوج في طلب العلم.
كما أنها لو صارت عالمة فإنها تنشر المعرفة فقط دون ابتكار أو اجتهاد، فهي على مر الزمن أقل مرتبة من الرجل، وذات أدوار ثانوية وهامشية مقارنة به، حتى قالت إحداهن: (العلم ذكر لا يحبه إلا الذكران)، وباعتمادها على منظور التقاطعية النسوية توصلت إلى أن تفكيك العلاقات الجندرية وصور المتخيل المرتبطة بها، يكشف ارتباط صناعة الأنوثة والذكورة ببُنى السلطة التي تفصل بين أدوار الجندر، مما يفسّر تسييج المعارف الأنثوية.
ومن شروطها الذكورة، فلا يصح إجماعًا إمامة المرأة للرجال، وكذلك الخنثى لاحتمال كونه امرأة، أما إمامتهما للنساء فجائزة على الصحيح، وقد طالبت النسويات بإلغاء التمايز الجندري في إمامة الصلاة قبل أن يعلنّ ازدواجية بين الذكورة والأنوثة في إمامة المصلين، مدّعين أن المنع الذي يحول بين المرأة والأدوار الدينية هو بناء ثقافي واجتماعي وليس له علاقة بالنصوص، ثم طبّقن ذلك واقعيًّا حيث أقدمت بعضهن على إمامة الرجال والنساء معًا حتى في صلاة الجمعة قائلين بأن ذلك يهدم التصور التقليدي عن المرأة المسلمة ويبني صورًا جديدة لها، مثل: المرأة الإمامة العالمة لا تثير الغرائز، ترفع الأذان والخطبة بصوتها، تصلي دون حجاب، تلقي خطبة الجمعة وتؤم الصلاة فهي أعلم الحاضرين، شريكة في الصف الأول، يمكن للموسيقى والمرأة حضور الصلاة دون إفساد للخشوع! ثم تصرّح إحداهن بأن تجربتها للإمامة في صلاة مشتركة أدت إلى شعورها بالتكامل الإنساني.
وهو لغةً اتصال شيء بشيء وهو في الآباء خاصة، وعُرّف اصطلاحًا بأنه صلة شرعية بين ولد ورجل، لتخلّق الولد من ماء الرجل على فراش. وهو ما دلّ عليه النص الشرعي، وانعقد الإجماع على أن الأصل في النسب أن يكون للأب، إلا أنه يتبع أمه في الحرية والرق اتفاقًا، والناس سيُدعون بآبائهم يوم القيامة لما رواه البخاري من قول النبي ﷺ: (إن الغادر يُنصب له لواءٌ يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان). وقد وقف ابن القيم رحمه الله على أن من مواطن الحكمة في نسب الولد لأبيه دون أمه، أن النساء في الغالب محتجبات مستورات عن العيون، فلا يمكن في الغالب أن تُعرف عين الأم فيشهد على نسب الولد منها، وحتى لا تضيع الأنساب وتفسد جُعلت للأب، وكذا ليتحقق التعارف المقصود في القرآن.
إلا أن هذه المسألة لم تعجب النسويات، لا سيما من تبنّت قاعدة (الأنثى هي الأصل)، والقول بألوهية الإناث، وادّعين أنه في السابق كان النسب للأم ثم سُلب منها ذلك مع الانتصار الذكوري، مشيراتٍ إلى أن الأم لا شك في نسبة الولد إليها بعكس الأب الذي يحتاج إلى تحليل الدم للإثبات.
أدى الموقف الأنثوي للمعرفة إلى عدد من الآثار في المنظومة الأخلاقية، والمعرفية، وبيان ذلك فيما يلي:
اهتمت الفلسفة منذ نشأتها بباب الأخلاق، إلا أن ما بعد الحداثيين تجرؤوا على خلخلة قواعد هذا الباب ضمن تقويضهم للمشروع التنويري، حيث تم قلب بعض الاستفهامات الفلسفية، فبعدما كانت تدور حول ماهية الأخلاق والقيم، ولا يخرج عن ثنائيات الخير والشر، والحسن والقبيح … إلخ، فقد أصبح اليوم يدور حول الحرية الذاتية غير المنضبطة في فضاء النسبية، مدّعين أن تنظيم المعايير القيمية كان من الإنسان المشبع بالعقلانية والقداسة الدينية السالبة للإرادة الحرة، وعلى الفرد الانفكاك عنها وعن القواعد الأخلاقية التي تشكّلت من خلال قيام المسيحية بتحويل السلوكيات الفردية إلى مبادئ انقياد لإرادة الله، ثم إنهم نادوا بجعل الممارسة الأخلاقية تؤدي مفهوم الجمالية في ذات تقودها الرغبة دون تقييد بأي شيء، ورفضوا وجود شكل واحد للأخلاق يخضع له الجميع، ولم يتجرؤوا على ذلك إلا بعد انحراف البوصلة القيمية فيما بعد الحداثة من الإلزام الأخلاقي إلى الواقع المادي، فأضحت الحرية الفردية معيارًا يتناسب مع حقوق الإنسان، ولا وجود لأدنى اتفاق حول المعايير التي يُحتكم إليها سواها.
وكان لتمكن العلم عند مقدّسيه دور في انتهاء الأخلاق، فقد نال السلطة بامتلاكه النجاعة النظرية والعملية، وأصبح مركزًا للحرية والقيادة، فانتقلت الأخلاق من المرجع الإلهي إلى البشري، وتحول الواجب إلى سلطة بشرية، ثم أصبح شكليًا إلى أن زال تبعًا لزوال الإنسان العاقل، وبرزت ملامح ما بعد الأخلاق تبرز فيما بعد الحداثة الذي تميز بالحرية المفرطة، وإذا طابقنا المحاولة الأنثوية في وضع نظرية معرفية بالتنظير الفلسفي ما بعد الحداثي، سنجد بعدًا أخلاقيًا آخر مرتبط بالموقف المعرفي للأنثويات الرافض للكليات الكبرى والعقلانية الذكورية، وينطلق من تجربة الأنثى الموقعية الذاتية القابلة للتعددية، وعلى إثرها برزت أبعاد تمس المنظومة الأخلاقية، منها:
فقد شدّدوا على رفض الصفات الشمولية، وأن الحكم يجب أن يُبنى على النوايا الخاصة بكل تجربة، لا على معيار عام، وبالتالي لا وجود لمنظومة تندرج تحتها ثنائية المعروف والمنكر، ورُفض الحكم بناءً على الظاهر بحجة اختلاف التجارب والظروف، مما أفضى إلى تشريع نماذج كانت مرفوضة أخلاقيًا.
فمن خلال استبدال الثنائية بالتعددية، وتقويض الثوابت؛ لن يُعتبر ما كان محمودًا من الأنثى ضمن القيم، وفي المقابل يُرفض إطلاق حكم أخلاقي شمولي يربط بين الإجهاض واللاأخلاقية، بل يكون الاعتبار في الحكم بحالة المرأة وظروفها الخاصة، دون فصلٍ بين الحياة الأخلاقية والحياة المادية، وعلى ذلك ستكون المفاهيم الأخلاقية متغيرة متكثرة حسب اختلاف الظروف.
وأبرزها الدفاع عن الإجهاض كحق فردي مشروع يحترم خبرة المرأة التي تعيش تجربتها وحدها دون الذكر، وهو صوت أخلاقي حقق ثلاثة مستويات: الاهتمام بالذات، وبالآخر، واندماج الذات بالآخر.
وهذا الأثر مرتبط بالموقف الأنثوي للمعرفة، حيث انطلقن في نظريتهن الأخلاقية من ثلاث ركائز:
١-الاضطهاد الواقع على الأنثى.
٢-اعتماد تجارب النساء كمصدر بيانات.
٣-تغذية الحياة العامة من تجربة الأنثى المهمشة لتأسيس علاقات صحية؛ فتم التطرق لعلاقة الأم بالطفل، والصداقة السحاقية، والرعاية التمريضية ونحوها، وهذه الركائز متداخلة تجعل التجربة الأنثوية معيارًا للأخلاق، وعليه فالمرأة التي لديها أطفال يعتمدون على دخلها لا تُلزم برعاية أمها إن كان ذلك سيكلفها وظيفتها، كما أن تقديم الرعاية بشكل عام يخلق علاقات سلطة وتبعية؛ لأن المجتمع لا يعتبر متلقي الرعاية مستقلاً، فلا يتكافأ بذلك مع مقدمها، وهذه مشكلة يجب معالجتها بإيجاد علاقة تفاعلية بين الذات والآخر، دون إنكار الذات في مقابل الآخر حتى لا يؤدي إلى تدمير الذات.
وقد سعت النسويات لإعادة النظر في تعريف الرعاية الجيدة رغم صعوبة ضبطها لاختلاف الظروف، كما رأوا أن الأخلاق النسوية تتحدى الذات العقلانية المستقلة كنموذج ذكوري معيب على الجانبين النفسي والأخلاقي، وتطرح بديلاً متعدد الطبيعة يراعي الخيال والتعاطف والانفتاح، من ذلك الترحيب بالكتابة عن أخلاقيات السحاقيات، وقدرتهن على تحدي القيم التقليدية.
فقد وصفت الأنثويات المعايير السائدة بالعقلانية الذكورية المهمِّشة لتجربة الأنثى وعواطفها، والمقيدة لها بنموذج يحدد أخلاقياتها بما يخدم النظام الأبوي ويسهل قمع الأنثى.
وعليه اقترحنَ نظرية أنثوية أخلاقية بديلة قابلة للتعددية وتنوع الطرق نحو الحقيقة الأخلاقية، رفضًا منهنّ لهيمنة صوت العدالة بوصفه صوتًا ذكوريًا منفردًا بالشرعية. واعتبرن أن القضاء على هذه الهيمنة لا يتم إلا بهدم نظرية المعرفة الغربية التي نشأت في عصر التنوير، والتي تفرض مبدأً أخلاقيًا عالميًا ومجردًا، يحصّن المجتمع من الفوضى.
ورغم محاولتهن تبرئة أثر نظريتهن في الفوضى إلا أن في طرحهن تناقض؛ فالدعوة إلى التعددية المطلقة تنفي بالضرورة إمكانية الاستقرار، مما يفضي إلى حصول مظاهر الفوضى والعدمية. كما أن الدعوة إلى مركزية أنثوية لا تقبل النقد، تناقض نفسها حين ترفض المركزية الذكورية.
وقد أشارت النسويات إلى ضرورة إعادة النظر إلى الجذر اللغوي للأخلاق، وتوسيع ما أسمينه بألعاب اللغة الأخلاقية؛ لأن اللغة السائدة لا تعكس خبرة المرأة، إلا أن هناك من النسويات من رأت بأن تأسيس نظرية أخلاقية هي محاولة فاشلة؛ بسبب استعمال النسويات لغة الثقافة المهيمنة، مما يؤدي إلى إساءة فهم الخطاب النسوي.
نماذج من الأبعاد الأخلاقية الممتدة للخطاب النسوي العربي: تأثر الخطاب العربي أيضًا من تبعات المد ما بعد الحداثي على المستوى القيمي، فإحدى النسويات تبنت رؤية نسبية لثنائية الخير والشر، معتبرة أن الأحكام الأخلاقية محكومة وفق المنظومة القيمية للفرد، كما انتقدت أخرى ما رأته ازدواجية أخلاقية من فرض النظام الأبوي على المرأة أخلاقًا تختلف عن الرجل، ولضمان إخضاعها جنسيًّا واقتصاديًّا تم ربط العذرية بالشرف، والإخلاص الزوجي بالفضيلة، وأضفوا على ذلك قدسية الدين، فتم تضييق رغبتها وحقوقها، ومُنح الرجل امتيازات كالتعدد والنفقة دونها.
فرأين أن هذه القيود حطّت مكانة المرأة وحولتها من قائدة ينحدر منها النسب إلى جارية تباع وتُشترى بشكل مباشر أو عبر الزواج. لذلك دعون إلى إعادة قراءة التاريخ والفلسفة الإسلامية، مؤكدات أن الطاعة الزوجية ليست فضيلة دينية، بل وسيلة قمع اجتماعي، وأن القيم الأخلاقية والدينية قابلة للتغيير حسب الظروف كاللغة، واستشهدن بقول باطل نُسب إلى إبراهيم عليه السلام، حينما قال بأن زوجته سارة هي أخته، فادعين باطلاً بأنه قدمها فدية عن حياته -نزّهه الله عن ذلك-، كما رفضن وصم المومس باللاأخلاقية، واعتبرنها ضحية مجتمع ذكوري مزدوج المعايير.
إلا أن الإسلام حثّ على مكارم الأخلاق، وبيّن ثوابها دون تفريق بين الجنسين، كالحياء والرحمة والإحسان، فهي للرجل كما هي للمرأة، إلا أن الأنثويات بموقفهن المعرفي فرّغن مفهوم الرجل من المعاني الأخلاقية، وأخطأن في تحليل منبع الأخلاق، وفي فهم الحرية الفردية بوصفها حقًا منفصلًا عن إرادة الله، وكل هذا أدى إلى الفوضى والعدمية، وانعدام الاستقرار في تنظير المعرفية الأنثوية.
إن البشر مجبولون على الاكتشاف والمعرفة، وقد عبّر عنه الفلاسفة بسؤالهم عن الحقيقة الواحدة، وهذه الحاجة العقلية لا يمكن دفعها بقبول الحقائق المتعددة، وإلا ستهتز المبادئ الأولية تباعًا، فهي لا يمكن طمسها مهما حاول البعض ذلك.
وهذه المبادئ الأولية تتميز بسِمتين: الأولى هي الفطرية بمعنى أنها مخلوقة في البشر قبل أي معرفة، وقد تتأثر بعوامل خارجية. والأخرى العمومية، فتشمل كل العقول على حدٍّ سواء، ويتفاوت حضور السمتين نسبيًّا لدى العاقلين من حيث الصلة، ومدى التفاعل، إلا أن المبادئ ليست نسبية في دلالتها على الحقيقة، بل هي مرهونة بالبداهة الذهنية المتفاوتة بين البشر، فإن حصل انحراف عنها وجب إعادة ضبطها بالتذكير، ولا ينكرها إلا فاقد للفطرة، أو العقل بالكلية.
وقد تبنّى مفكرو ما بعد الحداثة والأنثويات موقفًا ينكر الكليات الشمولية ويخلخل مناهج البحث العلمي، وبالتالي خلخلة المبادئ الأولية الضرورية، رغم أن المنهج العلمي نفسه قائم على استعداد فطري في الإنسان، كالسعي المنظم نحو المعرفة وفق قوانين منطقية فطرية، والقول بتعدد الحقائق يفضي إلى قبول التناقضات، فهم رغم محاولاتهم لتفكيك الثوابت، لم يستطيعوا تجاوز مبدأ السببية الذي هو في ذاته مبدأ أولي، إذ انطلقوا من قاعدة تربط كل تهميش أنثوي بسلطة ذكورية، مما يدل على أنهم لا يستطيعون الخروج من هذه المبادئ القبلية مهما سعوا.
فلذا فإن محاولاتهم هي ضرب لا هدم، وهذا التخريب المعرفي يؤدي بهم إلى العدمية والشك، ويشوّه الفطرة، ويؤثر سلبًا على المجتمعات، حتى وصل الأمر إلى تبرير ميول منحرفة كالميل للأطفال، بحجة أنها مشاعر لا يمكن تغييرها، وهذه الخطوة المنتكسة الفطرة في الفكر الغربي هي نتاج سنوات من الهدم والتفكيك، والسعي وراء الرغبات دون غاية نهائية.
فخلخلة الثوابت يُفقد النفس سكونها، ويزعزع الثقة مع الآخرين، ويستبدل اليقين العام بيقين ذاتي خاص، فقد قُدمت المعرفة فيما بعد الحداثة في قالب القصة الذاتية وهوجمت المصطلحات الكبرى مثل النظرية، والرؤية الشمولية؛ لاعتمادها على المركز المتجاوز للمادية، وافتراضها عالمًا للكليات التي لا يرحبّ بها دعاة الفكر ما بعد الحداثي الرافلين بلذّات آنية ورغبات فضفاضة.
وامتدادًا لهذا ضيّقت الأنثويات -في تأسيسهن لنظريتهن- القوالب المعرفية وهدمت الحدود الكلية، وانطلقت من قصة الأنثى الخاصة، مما يجعل الحقيقة الدينية والإنسانية غير ممكنة، والمعرفة غير واردة، إذ لا وجود لتاريخ عام أو نظرية كونية، بل توجد جزر من الحتمية والحرية داخل أطر لغوية خاصة، تمنح الحكاية الصغرى يقينًا خاصًّا عاليًا، إلا أنه لا يتجاوز إطارها، ولا يجيب عن أسئلة كبرى، ولا يعزز الثقة مع الآخرين، وترى الأنثويات أن تغييب الذات الأنثى في التاريخ الذكوري هو سبب غيابها عن المعارف الكلية، مما أدى إلى هدم المرجعية والثقة بكل ما هو عام، واعتباره مجرد أوهام وقمع معرفي.
إن رفض الأنثويات للتأصيل المرجعي في العلوم الأنثوية وإقصائها عن المعرفة المتراكمة السابقة يؤدي إلى نشوء علوم مبتورة، وبالتالي إبطاء التطور العلمي وجمود الفكر، وموت الحضارات التي من عوامل ازدهارها تنمية المعارف المدركة بالعقل والتجارب، والناظر في التاريخ يجد أن التراكم المعرفي هو سبب التقدم والرقي، وأن الجهود اللاحقة معتمدة على السابقة وتنقيحها ونقدها، حتى الذين غيروا بعض المفاهيم لن يتوصلوا إلى ذلك لو أنهم بدؤوا من الصفر، فالتراكم المعرفي المستند إلى المرجعية والمعيارية لا يمكن قطع اتصاله بالمطلق، والفكر ما بعد الحداثي لم يتوصل إلى ما توصل إليه إلا بهما، وبالمثل يقال عن المفكرات الأنثويات! إذن فالمعرفة العلمية هي نتاج اجتهادات سارت وفق مناهج ووصلت إلى حقائق ثابتة، ولا يمكن تطوير المعرفة إلا من خلال تقويم ما توصل إليه السابقين، والاستدراك عليهم.
وأما رفض النسويات قبول أي نقد لنظريتهن، واتهام أي ناقد بالذكورية أو بالكره الداخلي للنساء؛ يجعل النظرية غير قابلة للتقويم، وبالتالي فهي غير قابلة للتطور.
إلا أن بعض النسويات ذهبن إلى أن العلم لا يتقدم إلا بالتعاون والتنافس، كما أنه يهدف إلى تحسين المجتمع وليس لاكتشاف الحقائق فقط، وأن التقويم الجماعي للعلوم مصدر قوة ويوفر الكثير من الجهد والوقت، ثم إن هناك تناقض بين التنظير الأنثوي القائم على التجربة الذاتية، وبين الواقع العملي الذي تضطر فيه النسويات إلى الاعتماد على نتائج علمية موضوعية، خاصة في المجالات الطبية، فإنهن لن يثقن بالحدس والتجربة والمشاعر الخاصة!
وهذا ناتج عن الانطلاق من المعرفة الذاتية للأنثى المهمشة التي ستسعى إلى إثبات إحكام السلاسل السلطويّة حتى تظفر بقصص صغرى، تتجلى في تجارب صوفية أو ممارسات كالعرافة والسحر واليوغا، التي تُغلف بغلاف المعارف والطاقات الإيجابية؛ إذ كل شيء يصلح -كما هو مبدأ فيرباند- بمعنى التسوية العلمية بين العلوم، وبهذا يُهدم الجدار الفاصل بين ثنائيتي (العالم/الجاهل)، وضياع المجتمعات وحيرتها، إذ تختفي النخبة العلمية التي يُرجع إليها في المشورة ورفع الجهل، ويختلط الحابل بالنابل.
فالموقف الأنثوي الرافض للمعيارية الحاكمة للبحوث العلمية سيفضي إلى الانحدار العلمي، وسيتحول التنافس عوضًا عن تحقيق النزاهة الكلية إلى تلبية دعواهن في الوصول لأقصى مراحل التخلي عن القواعد الشمولية، وبالتالي نزول العالم والجاهل إلى الحضيض معًا بأنانية وفردانية مما يزيد الصراع والتخبط والفشل.
فمحاولتهن التنظيرية البائسة وإن راجت في الساحات الفكرية والإعلامية، فهي ستنتج جيلاً لا تنافسي، غير مكترث بالبحث، عاجز عن التفكير، ليس لديه ضابط، ولا معنى ولا غاية.
أخيرًا، فإن الغاية الكبرى من العلوم هي معرفة حقيقة الموضوع المبحوث، لا ما يهوى الباحث أو يميل إليه، فالمصالح الذاتية لا تُعد غاية علمية، بل تُصنّف ضمن السير الذاتية أو الحالات الفردية، وإذا لم يتم الاستقصاء الكافي لهذه الحالات، فإن تعميمها لا يُعد معرفة علمية مقبولة.
وبالتالي، فإن التجارب الذاتية الأنثوية التي سعت الأنثويات لتأكيدها عبر الدمج بين الذات والموضوع، ليست غاية للجميع، والوصول إلى حقيقة الموضوع لا يتم إلا إذا كانت المعرفة المقدّمة مستمدة من الموضوع نفسه فقط، دون أثر للذات العارفة.
***
هذا ما استطعت تلخيصه من هذا الكتاب، فإن كان من صواب فمن الله وحده، وإن كان من خطأ فمن نفسي والشيطان، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إعداد المتدربة: هاجر بنت إسحاق العوضي
أخصائي بحث علمي في إدارة البحث العلمي
بشركة أوقاف مركز باحثات لدراسات المرأة
المؤلف: د. أنوار المكيرش