القائمة الرئيسية


الخطاب الفقهي المتعلق بالمرأة.. أصوله وأبعاده

28 أكتوبر, 2026

  • شارك

 

 

معلومات عن الكتاب

ذكر في الكتاب أن هذا البحث لبيان العلاقة بين النص الشرعي ونص الفقيه، بتسليط الضوء على الانحرافات التي وقعت في ذلك ما بين من يجرد النظر في النص دون اعتبار للمنهجيات والقواعد والأصول العلمية التي قررها العلماء لتحصيل المجتهد للحكم والفتوى، ودون اعتبار لنصوص الفقهاء السابقين له.

 تأليف: إيمان بنت سلامة الطويرش، ومها بنت علي المانع

 

 

التمهيد:

  • المراد بالخطاب الفقهي، ومعالمه:

يتألف من ثلاثة أركان أساسية هي: النص الشرعي، وفهم الفقيه، والواقع المعاش المحيط بالحكم الفقهي.

لابد أن نستحضر أثناء تناول الخطاب الفقهي أن الفقه الإسلامي يتضمن نوعين من الأحكام مختلفين في طبيعتهما:

 

النوع الأول: أحكام قررتها نصوص قطعية الثبوت والدلالة، مثل: أصل وجوب الصلاة.

وفي هذه المسألة يحرم مخالفة حكمها، أو اعتقاد عدم إلزاميتها، وهي ليست مجالاً للاجتهاد في الرأي.

النوع الثاني: أحكام لم ترد منصوصاً عليها في الكتاب والسنة والإجماع، وتركت لاجتهاد الفقهاء، أو جاءت بها نصوص غير قطعية الثبوت أو الدلالة، وهي محل اجتهاد في فهمها واستنتاج الأحكام.

والنوع الثاني أكثر ما يتضمنه فقه المذاهب، وفيه تعرض الأقوال على الكتاب والسنة ويحتج لها لا بها على الكتاب والسنة. والخطاب الفقهي المتعلق بالمرأة يشمل هذين النوعين.

 

  • دور الفقه في صياغة الحياة الاجتماعية بعامة، وقضايا المرأة بوجه خاص: 

العلاقة بين الفقيه والمجتمع علاقة مؤثر ومتأثر. فالفقيه لا يمكن أن ينفصل عن تأثير مجتمعه وتقاليد وأعراف بيئته، واستعراض جانب من المصنفات الفقهية في باب الفتاوى والنوازل، يظهر الدور الاجتماعي للفقيه.

الفقه والتشريع بوجه عام ليس إلا صورة صحيحة للحياة الاجتماعية الواقعية، وليس اختلاف الشرائع بين الأمم إلا تعبيراً عن الاختلاف في الحياة الاجتماعية والاقتصادية فيما بينها.

وكتب الفتاوى والنوازل تدل على أن الفقه في أكثر صورة ما هو إلا انعكاس لتفاعل الفقيه مع قضايا عصره الاجتماعية والاقتصادية، التي قد لا تتوفر في كتب التاريخ.

 

  • مدى تناول التراث الفقهي لمسائل المرأة: 

يظهر للباحث في الفقه الإسلامي عنايته بمسائل المرأة من جهة التناول ابتداء، ومن جهة نوع هذا البحث والتناول، ومثل هذه الجهود العلمية ما كانت لتتم لولا وجود تركة ثرية وضخمة من الجهود الفقهية التفصيلية التي تطرقت لقضايا المرأة.

دور المرأة في بناء الفقه وتدوينه:

في عهد التشريع، كانت المرأة حاضرة وفاعلة في صياغة الإرث الفقهي، ففي النقل: رائدته الصديقة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

وفي النقد: أُلف لما استدركته عائشة رضي الله عنها على الصحابة، وأورد فيه استدراكها على ثلاث وعشرين من أعلام الصحابة.

وفي باب الفتوى (وهي من قبيل البناء العلمي للفقه): كانت عائشة رضي الله عنها قد استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، إلى أن ماتت رضي الله عنها.

ومن المفتيات كذلك أَمَة الواحد بنت الحسين بن إسماعيل، فقد كانت من أحفظ الناس للفقه. ومنهن فاطمة بنت الإمام السمرقندي، وغيرهن الكثير.

وقد وعظ النبي صلى الله عليه وسلم النساء وعلمهن، وأفردهن بمجالس العلم، وحث الرجل على تعليم أهله وأمته، وحرص على تعليم نسائه ووعظهن صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أن المجتمع كان يؤمن بحقها في تعلم العلم.

 

المبحث الأول: الأصول والقواعد التي اعتمدها الفقهاء في تأسيس القضايا المتعلقة بالمرأة:

وهي في غالبها أصول وقواعد عامة في النظر الفقهي، من أهم هذه الأصول التي اعتمدها الفقهاء في تأسيس القضايا المتعلقة بالمرأة ما يلي:

  • الأصل الأول: المصدر الإلهي في بناء الحقوق والواجبات: أن المرجع والمصدر لإيجاب الحقوق والواجبات هو الوحي من الله عز وجل، وبناء على ذلك وجب على المكلف الامتثال وتمام التسليم والإذعان لله.
  • الأصل الثاني: الأصل في خطاب الشارع تناوله للجنسين (الذكر والأنثى): أن الشريعة جاءت لعموم البشر باختلاف أجناسهم وألوانه، وعليه فإن المرأة داخلة بالأصالة في الخطاب الشرعي.
  • الأصل الثالث: الأصل المساواة بين الجنسين في الإنسانية والمسؤولية الشرعية، والتنوع والتمايز في الحقوق والواجبات: والمساواة لا يعني تماثلهما في كل شيء، بل لكل منهما حقوق وعليه واجبات وهي تتنوع وتختلف بينهما.

فالأحكام مبنية على علل ومعان هي مناط الأحكام فإذا تساوى الجنسين بالمناط تساووا في الحكم وإذا اختلفوا في المناط اختلفوا في الحكم.

والاختلاف والتنوع في الحقوق والواجبات بين الجنسين له عدة أسباب منها:

١- الاختلافات الفطرية والطبيعية بين الجنسين.

٢- ما يترتب على المساواة في بعض الحقوق من مفاسد وأضرار.

٣- كون المختص بالواجب أقدر على أداء الحق من غيره.

٤- وقد يكون الاختلاف في الحقوق والواجبات متعلق باختلاف المركز القانوني لكل من الجنسين.

  • الأصل الرابع: الأصل إعمال الحقوق في أمور مشروعة إلا فيما فيه ضرر: فقاعدة (لا ضرر ولا ضرار) من القواعد الفقهية الأصلية المجمع عليها.
  • الأصل الخامس: التأكيد على الوازع الديني في صيانة الحقوق: فالجانب التعبدي، والوازع الديني الذاتي هو مما يكفل صيانة الحقوق وأدائها لأصحابها.

 

المبحث الثاني: المعاني الشرعية الفاعلة في النظر الفقهي المتعلق بالمرأة، من أبرز المعاني الفاعلة في النظر الفقهي ما يلي:

  • المعنى الأول: شمولية النظر للنصوص الشرعية: تظهر شمولية نظر الفقهاء للنصوص في الكثير من المسائل والأحكام الخاصة بالمرأة ومنها:

١- شمولية النظر للنص الشرعي في الحكم الواحد.

٢- شمولية النظر للنص الشرعي في الموضوع الواحد.

  • المعنى الثاني: مراعاة المقاصد الشرعية: من المجمع عليه أن الشريعة جاءت لحفظ ورعاية الضروريات الخمس: (حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ العرض، حفظ المال) فجميع المعاني والمقاصد التي اعتبرها الشارع جاءت لحفظ هذه الضروريات، ومنها:

١-مراعاة المقاصد في أحكام الزواج والعلاقة بين الزوجين.

٢-مراعاة المقاصد في تربية الأبناء.

  • المعنى الثالث: مراعاة واقع المجتمع وطبيعته وحاجاته، وما يرتبط به من الأعراف والعادات.
  • المعنى الرابع: مراعاة المعاني النفسية والاجتماعية الثابتة للمرأة وصفاً في النصوص الشرعية، من الأمثلة:

١-مراعاة الحياء الفطري في المرأة من اللجاج والخصومة.

٢- مراعاة جانب الفتنة في المرأة، وافتتان الرجل بها وافتتانها به.

٣- مراعاة المعاني النفسية والاجتماعية الإنسانية العامة.

ومع مراعاة الفقهاء لحاجات المرأة إلا أننا قد نجد من الفقهاء من لم يوفق في معرفة صفات المرأة وحاجاتها، فيضيف للمرأة معنى ناتج من اجتهاده الشخصي ومن باب الحكم بالعرف والعادة، مثل:

ما قيل عن استحقاق النساء للحضانة، وما قيل في زينة المرأة.

 

المبحث الثالث: مكانة المرأة ودورها في الأسرة والمجتمع في الخطاب الفقهي، ويمكن تلخيص رؤية الفقهاء في النقاط التالية:

١-أهلية المرأة ورشدها، وتحملها المسؤولية: فلها حق التصرف واتخاذ القرار في أمورها المالية، وشؤونها الاجتماعية الخاصة، كما أنها تتولى مسؤولية رعاية غيرها وحفظه.

٢- القيام بواجباتها نحو المجتمع.

٣- الحث على تعليمها ما تحتاج إليه الأسرة وما يحتاجه المجتمع.

٤- معنى نقصان عقل المرأة عند الفقهاء: قد وضّح النبي صلى الله عليه وسلم أن معنى قوله (ـناقصات عقل) بأن شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل، ومع هذا التوضيح من النبي إلا أن الفقهاء في أقوالهم وشروحاتهم لهذا الحديث يتفاوت، فمنهم من اقتصر على ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم ففسروا نقصان العقل بقلة الضبط والنسيان.

 

المبحث الرابع: العوامل المؤثرة في تفاوت اجتهاد الفقهاء في مسائل المرأة:

إن النظر لأصول ومعاني الشريعة التي اعتبرها الفقهاء ليست بمستوى واحد عندهم فهم يتفاوتون، ومن أسباب هذا التفاوت ما يلي:

١- الاختلاف في فهم دلالة بعض النصوص الشرعية، وتفاوتهم في شمولية النظر إليها وما تتضمنه من علل ومقاصد.

٢- الاختلاف في اعتبار المقاصد الشرعية وتقدير المصالح والمفاسد، والاختلاف فيها يرجع إلى اختلاف أحوال وبيئات الفقهاء، وأحوال المجتمع وظروفه وأحداثه.

٣- تأثير العصر والظروف الاجتماعية التي يعيشها الفقيه، بالإضافة لأهل الزمان على الفقيه وأحكامه واجتهاداته.

٤- نتيجة لاختلاف المدارس الفقهية في تأصيل مصادر مذهب، ونتيجة للعصر الذي جاء فيه الفقيه.

من الأمثلة التي يظهر فيها هذا التفاوت: ١- مسألة خروج المرأة الشابة إلى المسجد لصلاة العيد.

 

المبحث الخامس: تفعيل الإرث الفقهي المتعلق بالمرأة في معالجة قضاياها المعاصرة:

الحديث في هذا المبحث عن كيفية تفعيل الإرث الفقهي والاستفادة منه في معالجة ومناقشة مسائل المرأة، ومن أهم الأصول والمعاني التي ينبغي للفقيه المعاصر مراعاتها ما يلي:

١-شمولية النص الشرعي: أي شمولية النظر للنص الشرعي، فيجب ألا يقطع عن سائر النصوص في موضوعه، ولابد أن يقوم بجمع جميع النصوص الواردة في المسألة، واستحضار جميع المعاني والعبر التي يدل عليها النص الشرعي، وإدراك أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

٢- مراعاة المقاصد الشرعية: ينبغي أن يكون العمل فيها منضبطاً بقواعد الشرع، فمصدر المقاصد الوحيد هو الأدلة الشرعية، ووظيفة العقل هي الاستقراء لها وتتبعا واستنباطها ثم العمل والاجتهاد على ضوئها، وليست مستقلة في تقرير الحكم الشرعي ولا لمعارضته.

ومن العمل بمقاصد الشريعة مراعاة الذرائع، فقاعدة سد الذرائع من القواعد المقاصدية التي روعي فيها المصلحة والعمل بمقاصد الشريعة في الحفاظ على كلياتها ومنع ما ينقضها.

٣- العرف والعادة: ينبغي للفقيه أن يستحضر عادات وأعراف مجتمعه في بيانه للحكم الشرعي، وأن يتفاعل مع أفراد مجتمعه ويتلمس حاجاتهم ويبحث في نوازلهم.

وتغير الفتاوى بسبب تغير الأزمنة والأمكنة والعادات خاضع لضوابط، أهمها:

١- أن تغير الفتاوى من زمن لآخر ليس بحسب الأهواء والشهوات وميول المفتي ورغبته، إنما هو لتغير مدرك الحكم، فيتغير الحكم نتيجة لأصول معتبرة في النظر الاجتهادي، وهذا التغير يكون مقصوراً على أهل الاختصاص في الفتوى وليس عاماً.

٢-أن لا يعارض العرف نص شرعي.

 

المبحث السادس: الاعتراضات المعاصرة على التراث الفقهي الخاص بالمرأة:

يتعرض التراث الفقهي إلى نقد وهجوم واتهام من قبل المستشرقين والحداثيين والنسويات وغيرهم، فيتهمونه بالتحيز ضد المرأة ويرون عدم صلاحية الفقه الإسلامي للعصر الحديث ومستجداته، وهؤلاء لديهم خلل في تصورهم لهذا التراث وبالتالي حكمهم عليه. وهذا الخلل كان نتيجة لمجموعة أسباب، من أهمها ما يلي:

١-الاختلاف في المرجعية والمفاهيم والتصورات: ففي الخطاب النسوي وخطاب الحداثة مرجعيتهم ومنهجهم في فهم آيات القرآن واستنباط الأحكام الشرعية يختلف عن منهجية الفقهاء، فبعضهم يتجاهل السنة النبوية تماماً وبعضهم ينكر حجية خبر الآحاد في الأحكام، وبعضهم يجعل عقله هو الحاكم على قبول الحديث أو رده، فلا يجعلون للسنة النبوية ولا لفهم السلف أي دور في فهم الآيات واستنباط الأحكام الشرعية، وكذلك جعل الواقع هو الحاكم على نصوص القرآن. ويختلف خطابهم في المفاهيم والتصورات، فتصوراتهم في معظمها تابعة للفكر الغربي.

٢- الجهل بالتراث وتأثر البعض بالمستشرقين: فنجد في بعض الكتب التي تناقش الأحكام المتعلقة بالمرأة جهلها بنصوص القرآن والسنة وبالتراث الفقهي.

٣- الانتقاء واقتطاع بعض آراء الفقهاء من السياق أو الحكم عليهم من خلال مسألة أو قول واحد.

٤- افتراض سوء الظن في الفقهاء وإغفال الجانب الرسالي والإيماني في عملهم: أن نقاشهم للتراث الفقهي الخاص بالمرأة مبني على افتراض سوء الظن بالعلماء والفقهاء فالأصل فيه كره النساء والتحيز ضدهن، وفي هذا التصور اتهام للفقهاء بانعدام التقوى والخوف من الله فيهم، وفيه اتهام بتحريفهم لشرع الله.

٥- البعد عن النظر الشمولي للأحكام الفقهية: فهم يناقشون أحكام المرأة الواردة في التراث الفقهي بمعزل عن النصوص الشرعية وبمعزل عن الأحكام الأخرى، فينظرون للأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة دون النظر إلى الأحكام المتعلقة بالرجل.

 

من النماذج التطبيقية للاعتراضات المعاصرة على الفقه: اتهام الفقه بالذكورية والتحيز ضد المرأة.

 

 

 

 

الخاتمة:

يتبين لنا أن التراث الفقهي بناء متكامل، والاجتهادات في المسألة الواحدة قد تتفاوت بين فقيه وآخر، أو بين مذهب وآخر، وللفقه كذلك خاصية التنقية، حيث لا يقبل قولاً ليس له مستمسك من حجة.

ووجود الآراء الضعيفة والشاذة حول المرأة في التراث الفقهي لا ينقص من قيمة الفقه ولا يقدح في نية الفقهاء ومقاصدهم، فهذه الآراء لم تترك بلا تعقيب واستدراك.

ويتبين أن مما يسيء للخطاب الفقهي، هو اجتزاء بعض النصوص والفتاوى الفقهية وتجريدها عن الظروف والحيثيات التي أحاطت بها، ثم تعميمها وتسويقها على أنها الفقه الإسلامي.

 

هذا وصلّ اللهمّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.