4 مايو, 2026
د.هدى عبد الرحمن النمر
“متخصصة في علم الاجتماع والدراسات النسوية”
غدا تصور إعمار الأرض والاستخلاف فيها مُرادفًا في الأذهان للتوسّع الحضاري والامتداد الجغرافي والمنجزات المعمارية؛ فارتبط تحقيقه “بالخروج” من البيت ضرورةً ولزومًا. وفي خضم هذا العصر المنفتح على ثقافات المشارق والمغارب، أصبح مفهوم الوقر في البيت مُستَثقلًا في النفوس، ومُستنكرًا لدى كثير من النساء خاصة، رغم وضوح الخطاب القرآني لهنّ: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33]. وزاد من هذا الاستثقال تدخل بعض القراءات النسوية التأويلية التي أعادت تفسير الآية بوصفها خطابًا مقيَّدًا بسياق زماني وتاريخي لم يعد منسجمًا – في زعمهم – مع متطلبات العصر. وبين طرفي الرفض والتأويل، جاء أهل العلم لبيان جواز خروج المرأة من بيتها بضوابط شرعية تراعي المقصد وتحفظ الأصل.
ومع ذلك كله تبقى تساؤلات كثيرة تطنّ في الخلفية:
لماذا التصق بالمرأة تصور الوقر في البيت حتى سُمّين “رَبّات الخُدور”؟
وهل كان ذلك التصوّر شرًّا كلّه كما يفهمه البعض من سرديات ظلم المرأة؟
وهل البيتوتية مقبرة حقًّا، أم يمكن أن تكون “القعدة” في البيت بابًا لعمران الأرض ووجهًا من وجوه التعبّد لله؟
من معاني الخِدر كما جاء في “لسان العرب”:
وهي كلها معاني تدور حول الإقامة والمكث في مكان مصون مستور، وتستعمل في مختلف السياقات حتى المتعلقة بالرجال، لكن غلب استعمال لفظة الخِدْر مع النساء فقيل “ربّات الخدور” لأنهن أكثر لزومًا للخِدر، ويكفيهنّ الرجال المؤنة خارجه.
وأما النُّشُورُ فهو الانتشار في الأرض طلبًا للرِّزق وغيره من المصالح المشروعة والأعمال المحمودة، كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10].
وكل من النشور في الأرض والخدور أو الوقر في الدار له أصل وطارئ في حق الرجال والنساء. فالأصل للرجل النشور في الأرض، إذ فرض الله تعالى عليه ما يدعوه للخروج من بيته والانتشار في الأرض والضرب فيها. وحتى لو كانت مسؤولياته أو تكسُّبه يُدارُون من المنزل، يبقى عليه شهود صلاة الجماعة يوميًّا، وواجبات أخرى عينية أو كفائية في حينها كشهود جنازة أو صلة رحم. ولذلك فالأصل في الرجل أن جبهة اشتغاله خارج البيت، وخلقه الله تعالى مهيّأً لمعاركة شؤون المعاش وغيره من الشؤون التي اختُص بتكليف فيها كرفع الأذان والإمامة والحكم والقضاء والجهاد … إلخ.
أما المرأة فالأصل لها الوقر والخروج هو الطارئ. فليس في الشرع ما يتطلب من المرأة الخروج إلا في حالات معدودة، كالحج والعمرة إذا تحققت لها الشروط. وكذلك ليس فيه ما يمنعها من الخروج من بيتها لحاجة أو رغبة أو منفعة مشروعة بالضوابط الشرعية المتقررة. خلاف هذين، فالأصل أن يكفيها أهلها من الرجال مؤنة حاجاتها ما أمكن، وأن يغلب عليها الاستتار في البيت ما لم يدع داع للبروز. وتثاب المرأة على وقرها في البيت ما احتسبته طاعة لله تعالى.
ومما يدعو للتأمل في هذا المقام أنه حتى في أعظم المواطن وأحقها لله تعالى على العباد وهي الصلاة، وفي أشرف المساجد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبحضوره وإمامته عليه الصلاة والسلام، مع كل تلك الفضائل كانت صلاة المرأة في بيتها أفضل! فقد ذهبت الصحابية أمّ حميد بنفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم تخبره برغبتها في شهود الصلاة معه، وهذا من أقوى دواعي الخروج وأشرفها، فلما أخبرها – عليه الصلاة والسلام – أن صلاتها في بيتها خير لها، امتثلت واستجابت “فَأَمَرَتْ فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى شَيْءٍ مِنْ بَيْتِهَا وَأَظْلَمِهِ، فَكَانَتْ تُصَلِّي فِيهِ حَتَّى لَقِيَتْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ”[1].
ومما يدعو للتأمل كذلك أن الانتشار المقصود في الآية السابق ذكرها من سورة الجمعة “لَيْسَ لِطَلَبِ دُنْيَا، وَلَكِنْ عِيَادَةُ مَرِيضٍ، وَحُضُورُ جَنَازَةٍ، وَزِيَارَةُ أخٍ فِي اللهِ، والالتماس من فضل الله الذي بيده مفاتيح خزائنه لدنياكم وآخرتكم”، كما ذكر غير واحد من المفسرين كالطبري والقرطبي وابن كثير، وكما تقرر في الآداب الشرعية، وكما يدل على ذلك ختام الآية الكريمة.
وبذلك يتضح أن الانتشار في الأرض أو الخروج من الدّار لحاجة أو رغبة مشروعة، أو عمل نافع، أو واجب لازم، قاعدة تسري على النساء والرجال معًا في التصور المسلم، لا أن الرجال أعطوا رخصة مفتوحة للهيام على وجوههم بغير حاجة ولا هدف ولا مصلحة، لمجرد كونهم ذكورًا! ولم يكن ذلك هدي المصطفى عليه الصلاة والسلام، ولا ديدن أهل خير القرون من بعده.
هذه اللفتات تبيّن وجهًا من وجوه الافتراق بين العرف السائد والشرع الجليل في مؤاخذة الرجال والنساء على مسالكهم داخل وخارج المنزل.
على النقيض تمامًا من التصور الغربي الحديث للقفص الذهبي والتدجين وسائر الاصطلاحات سيئة الدلالة في تاريخ النسوية الغربية، تجد تصور المكث في الدار تصورُا عزيزًا شريفًا عند العرب. حتى يقال “بيضة الدار” بمعنى “الْمَوْضِعُ الَّذِي يُحْمَى ويُدَافَعُ عَنْهُ”. فالبيت لأهله صيانة وقاية وكرامة، ولولا ذلك لارتضى الناس منذ الأزل البيات في العراء!
وبمراجعة المعاني اللغوية السابق ذكرها لألفاظ الوقر والخدر والدار، تجدها معبرة عن ذلك المراد الكريم الذي وافقته الفطر السوية للعرب قبل الإسلام، ثم جاء الإسلام فأقرّه وهذّبه. وبالتالي فالوقر في الدار إعزاز وصون عن البذل خارجه، كما جاء في “لسان العرب”: “قِيلَ هُوَ مِنَ الْوَقَارِ، وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْجُلُوسِ والسُّكون… وَالْوَقَارُ: السَّكِينَةُ وَالْوَدَاعَةُ، والتوقير التبجيل والتَّعْظِيمُ وَالتَّرْزِينُ والتَّهْذِيبُ…”. وأما البذل فمن معانيه: “الِابْتِذَالُ : ضِدُّ الصِّيَانَةِ … والتَّبَذُّلُ: تَرْكُ التَّصَاوُنِ … وَالْمُتَبَذِّلُ وَالْمُبْتَذِلُ مِنَ الرِّجَال: الَّذِي يَلِي الْعَمَلَ بِنَفْسِهِ … والتبذّل تُرْكُ التَّزَيُّنُ وَالتَّهَيُّؤُ بِالْهَيْئَةِ الْحَسَنَةِ الْجَمِيلَةِ …”.
من مقارنة التصورين يتضح لماذا كانت المرأة ألصق بالدار فطريًّا، إذ هي الأليق بالصَّون والستر والعناية بالزينة، وهي مناط العِرْض وجوهرة الحِمى. وليس في أي من تلك الدلالات ما يعيب عند ذوي النفوس السويّة غير المحمّلة بالعقد، بل هي محفوفة بالخصوصية والتكريم.
ثم لا تجد في تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده مقابلة وَقْر النساء المنزلي باستهزاء أو ازدراء. بل كانت كرامة الرجل وعزة العشيرة تقاس بمدى صيانة نسائها وتنعمهن وكفايتهن مؤنة التدبير الخارجي؛ وتقاس كذلك بمدى براعة نسائها في التدبير الداخلي وإتقان الحرف والأشغال اليدوية، التي كانت في تلك الأزمان من موارد الكسب المعتبرة للقبيلة بكاملها.
وعلى كل هذا، لم يكن تصور الوقر يومًا مانعًا للمرأة من التفوق والتميز في مختلف المجالات العلمية والعملية، بل يشهد بذلك ما سبق إيراده من سير النساء وتاريخ الإسلام العامر بأعلام المسلمات في مختلف المجالات، في العصور التي كانت المرأة ألصق فيها بالدور والخدور. ومن عجب أن يقع العكس تمامًا في عصر اليوم الذي المرأة فيه أميل للانفتاح والانطلاق! فمجرد التأمل في فارق المحصّلتين على المستوى العلمي والمهاري وبنية الشخصية يشهد بأن الإشكال لم يكن يومًا في البيت والاستتار، وإنما كان ويظل في حُسن التربية وعُمران الفرد أولًا، ثم طبيعة المجتمع وأعرافه من حيث الاهتمام بالمعالي أو الانكباب على السفاسف.
الخلاصة: لا يمنع الشرع الحنيف المرأة من الخروج لنفع أو حاجة أو رغبة مشروعة، على أن تلزم الضوابط الشرعية وتراعي آداب الصِّيانة وعدم الابتذال ما استطاعت، ويكون خروجها وقتها عبادة تُثاب عليها ما احتسبتها، كما تُثاب على الوقر في بيتها ما احتسبته.
الصراع بين الجبهة الداخلية والجبهة الخارجية، أو الوقر في البيت والخروج منه، أو البيتوتية والمجتمعية،… أو غير ذلك من مسميات، هو من الصراعات المستوردة الدخيلة على ثقافة العرب وتصور الإسلام. بل أبعد من ذلك، إذا تأملنا النظام الحياتي بشكل عام لمختلف الأمم والثقافات رجوعًا لعهد “الإنسان الأول”، سنجد تلك الثنائية حاضرة باضطراد: ففي داخل البيت حوائج ومصالح تقضى كما في خارجه، ومهام الجبهتين مقسّمة بتلقائية فطرية بين الرجل والمرأة، والمرأة أقرب للرعاية المنزلية بينما الرجل أدنى للسعي خارجه.
ولم ينشأ اضطراب بشأن هذا النمط في الغرب خاصة إلا مع فورة الثورة الصناعية بالتوازي مع تيار النسوية، وتبلور ما عُرف بمعضلة تحقيق المرأة لذاتها. ونشأ ذلك الاضطراب لسبيين أساسيين:
وبالتالي لم يعد المجتمع يولي اعتبارًا أو تقديرًا لعمل المرأة في الجبهة الداخلية – أي التدبير المنزلي ورعاية الأسرة والأبناء – بل وتفاقم إلى الاستهانة به واستصغاره وصاحبته، لأنها أشغال بلا أجر مادي، ولا بريق لها على الساحة المجتمعية، ولا تصنيف رسمي يرفعها إلى مصافّ الاختصاصات والوظائف التي يمكن أن تدرج في الكارير أو السيرة المهنية! وتمكّنت هذه الدلالات التحقيرية من نفسية وعقلية كثير من النساءآنذاك – وحتى الآن – إلى أن صارت ربة البيت إن سُئلت عن عملها، تجيب على استحياء أنها “لا تعمل” بل “تجلس في البيت”؛ فتأمل التعبير وما يدل عليه من اعتقاد بانعدام قيمة التدبير المنزلي في نظر صاحبته حتى إنها لا تعدّه عملًا
فإذا انتقلنا إلى الثقافة العربية، وتأملنا طرَفًا مما جاء في تعريف لفظة “ربّ” في معجم “لسان العرب” وجدنا: “رَبَّ الولدَ رَبًّا: أَحْسَنَ الْقِيَامَ عَلَيْهِ، وَوَلِيَهُ حَتَّى يُفَارِقَ الطُّفُولِيَّةَ وتعهّده بما يغذّيه وينمّيه ويؤدّبه… والرَّبُّ يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْمَالِكِ، وَالسَّيِّدِ، وَالْمُدَبِّرِ، وَالْمُرَبِّي، وَالْقَيِّمِ، وَالْمُنْعِمِ…”. فرِبابة البيت تعني إدارته بتدبير شؤونه وسياسة أموره، والقيام على رعيّته بالتربية والعناية النفسية والبدنية.
التأمل في هذا التعريف فحسب بإمعان كفيل بدحض كثير من الشوائب العالقة بتصّور ربابة المرأة لبيتها، سواء تلك التي تهوّن من خطر دورها وتقولبه في الطبخ والتنظيف والخدمة المنزلية (وهذه من المطالب المعيشية اللازمة للحياة السَّوِيَّة لكل إنسان فلا يُستهان بها)، أو تلك التي تهوّله ليصير مرادفًا للتمحور حول شؤون البيت وأهله، والاحتراق الذاتي في سبيل إضاءة شموعهم. فالحق أنّ ربابة البيت تتطلب ربّة تحسن التدبير والولاية، وتجمع بين الحزم والرفق في الإدارة، ولا يتحقق هذا فيمن لا تكون كفؤًا في نفسها بداية. فهو دور ذو خَطَر لا تنهض به إلا ذاتُ قَدْر!
ذلك أن رِبابة أي ميدان فرع عن ربابة المرء لنفسه، أي إدارة حركته في الحياة بيقظة، لا السير كيفما اتفق فوضويًّا عابثًا. تأمل الفارق بين هذا التصور ودلالة الاصطلاح الإنجليزي Housewife الذي يعني حرفيًّا “زوجة البيت”؛ فكأنما المرأة من لصوقها في البيت وجلوسها فيه تزوجت البيت نفسه! بينما الاصطلاح العربي “ربّة البيت” فيه من معاني السياسة والرعاية والتدبير الاقتصادي وغيرها من المهام؛ فهو يوحي بخطر الدور وكمّ مسؤولياته المانعة في غالب الأوقات من “الجلوس”! فضلًا عن أن صاحبته في التصور الشرعي “تؤجر” عليه لا بمعنى المثوبة الأخروية فحسب بل والأجر المادي في الدنيا على ما تقرر في أحكام النفقة والرضاعة، فهي حقيقة مهنة بالتوصيف المهني.
وهكذا انهمرت الأدبيات من مقالات وخطابات وروايات ومسرحيات ومرئيات … تثابر بدأب في إعادة تشكيل التصور الذهني لدى النساء عن معنى قيمة الذات و”الشعور بالحياة”، لينقلب البيت وما يلحقه من مكث وتدبير منزلي من شارة اجتماعية تفيد علو طبقة السيدة المصونة في دارها، إلى وصمة اجتماعية تفيد الانغلاق والسطحية وضيق أفق صاحبته عما يجري “في العالم” خارج جدران بيتها! كأن التي خرجت للعمل الوظيفي في مكتب حكومي بدوام ست أو سبع ساعات متواصلة أمام جهاز أو ماكينة قد أحاطت بذلك “العالم”.
والنتيجة المشهود أثرها على أرض الواقع بعد كل هذه السجالات هو تشتت الطاقات وتداخل الجبهات، وانعدام أطر واضحة للحقوق والواجبات. فلا الداخل متفرغ لداخله ولا الخارج مُتقِن لما خرج له.
عادة ما يستحضر تعبير “المُكث” في البيت دلالات مذمومة في الوعي العام، مثل: الكسل، الخمول، الفراغ، وحالة اللاجدوى. فيبدو البيت – وفق هذا التصوّر – مكانًا يبتلع الوقت ويُطفئ الحركة ويُعطّل الإنجاز. ولذلك كثيرًا ما يكون الهروب من هذه الحالة بمجرد مغادرة البيت إلى مقهى أو مجمع تجاري أو أي مكان آخر. المفارقة أن الأماكن تتعدد وجوهر المشكلة واحد: ركود بلا هدف، وحركة بلا معنى، وفراغ داخلي في الحالين.
لكن تأمّلًا أعمق يكشف أن المشكلة لا تكمن في المُكث بحد ذاتها، ولا البيت بحد ذاته، بل في طبيعة اشتغال الماكث. فالسكون الواعي والانقطاع عن الملهيات ليسا أعراض بِطالة، بل مقدمات ضرورية لشحذ الطاقات الخلّاقة. ولهذا كان البيت – بأمانه وخصوصيته – أكثر الأمكنة صلاحًا لهذا “الانكفاء” البنّاء. لا عجب – إذن – أن تاريخ المعرفة والعمران يزخر بأمثلة تؤكّد هذا المعنى، فأعظم المنجزات الإنسانية لم تولد من صخب الخارج، بل من سكون الداخل. من “القعدة” ذاتها، حين تتحوّل من حالة خمول إلى حالة تركيز. لقد جعلت قلة الحركة الخارجية الفكر أكثر تدفّقًا، وفتحت القيود الظاهرة آفاقًا واسعة للحرية الداخلية، لا تحدّها الجدران ولا تضيق بها الأمكنة.
وأول مشهد في قصة الوحي نفسه يكشف هذه الحقيقة: بدء الوحي كان في خلوة كهف، في “قعدة” صافية للتعبّد والتأمل، بعيدًا عن السوق والضجيج والحركة. وكأن الرسالة الأولى تقول لنا: ليس البيت ولا السكون هما اللذان يطفئان جذوة الإنسان، بل إنهما في كثير من الأحيان يشعلانها. فالعمران الحق يبدأ من الداخل، والبيت – مهما بدا ضيقًا – يتّسع لكل فكرة عظيمة إذا سكنت فيه النفس عن اللهو والعبث، وانشغل فيه العقل بما ينفع.
والخلاصة: ليست البيتوتية هي المقبرة، ولا الانطلاق هو الجنة، وإنما جِنانُنا ومقابرنا في دواخلنا نحن وأفهامنا وتصوراتنا. فإما أن نتبّع ما وجدنا عليه الناس من آثار وأفهام بغير تعقل ولا موازنة، أو ننشئ آثارنا الخاصة ونضبط موازيننا ومنهاج حيواتنا وفق ما نرتضي أن نحيا به ونُبعث ونُحاسب عليه.
فلنبدأ بعمران أرضنا الداخلية أولًا، أي بنفوسنا وبيوتنا، ثم تنبثق شجرة الإعمار باسطةً ظلّها وثمارها حيث يشاء الله تعالى ويفتح.
[1] مسند أحمد: مسند النساء – حديث أم حميد – حديث رقم: 27090.