هدى عبد الرحمن النمر[1]
“متخصصة في علم الاجتماع والدراسات النسوية”
بدأ مصطلح “الصحة الجنسية والإنجابية” بوصفه ميدانًا بحثيًّا لإنتاج الدراسات في المسائل المتعلقة بهذين النوعين من الصحة [2]، ثم وضعت له منظمة الصحة العالمية WHO تعريفًا عموميًّا في 2006 جاء فيه: “الصحة الجنسية والإنجابيةSRH هي حالة من السلامة البدنية والعقلية والاجتماعية الكاملة، وليس مجرد الخلو من المرض أو العجز، في جميع الأمور المتعلقة بالجهاز التناسلي ووظائفه وعملياته. وتعني الصحة الإنجابية أن الناس قادرون على التمتع بحياة جنسية مُرضية وآمنة، وأن لديهم القدرة على الإنجاب والحرية في تقرير ما إذا كانوا سيفعلون ذلك ومتى وكم مرة”[3]. وجاء في تعريف آخر: “تتطلب الصحة الجنسية اتباع نهج إيجابي ومحترم تجاه الحياة الجنسية والعلاقات الجنسية، فضلًا عن إمكانية الحصول على تجارب جنسية ممتعة وآمنة، خالية من الإكراه والتمييز والعنف” [4].
وفي شرح تفاصيل تطبيق هذا التصور [5]، ورد التأكيد على تساوي أحقية الجنسين (وما بينهما من أطياف جنسية أخرى) في الحرية الفردية التامة فيما يتعلق بالقرارات المتعلقة ببدنه/ــها، ومن ذلك رفض أو قبول طلب المعاشرة من الشريك القانوني (في إطار الزوجية أو ما شاكلها من صلة ملزِمة لأطرافها بعقد قانوني) أو غيره من أنواع الشركاء (أي في إطار ما يُصنّف في التصور الشرعي ضمن الزنا كالمخادنة والبغاء). وكذلك يتضمن المفهوم حرية المرأة التامة فيما يتعلق بقرار الإنجابية والإجهاض، كونها بطبيعة الحال حامل الجنين، ومن ثم “فتوفير خيار الوصول إلى الإجهاض الآمن يعزز الاستقلالية الإنجابية خلال سنوات الإنجاب للمرأة” [6].
للوهلة الأولى، قد تُرى هذه المفاهيم والضوابط بوصفها امتدادًا للعناية العالمية بالإنسان وضمان حقه في ممارسة إنسانيته كاملة، وأنه لا بأس بها إلى حد كبير في الميزان الشرعي بعد بعض الرتوش والتنقيحات؛ فمدار الكلام على حرية المرء في بدنه، وحقّه في اتخاذ قرارات نفسه بنفسه سواء شاء أن يشاور غيره أو ينفرد برأيه، وأن المرأة بالذات تنتفع من ضمان الحكم المطلق لها في بدنها (الأوتوقراطية Autocracy) كونها الحلقة الأضعف في الصلة الجنسية، والمتحمل الأكبر لمآلاتها.
والحق أن المسألة أعمق غورًا وأشد خطرًا مما يُخيّل للنظر السطحي. فآثارها العملية مدمرة على بنية الزوجية وكيان الأسرة ومقاصد الاجتماع الإنساني، ثم إنها تستعصي على وضعها في الميزان الشرعي لأنها تعاكسه في المنطلق والمنتهى وبالتالي لا فسحة للقاء وسطي بينهما، ناهيك عن توهّم التقاطع والتماثل ولو جزئيًّا!
فكان هدف هذه المقالة عرض أصول التصور الإنساني الذي تفرّعت عنه إملاءات المواثيق الإنسانية وفرضياتها الحقوقية للناس، ثم معارضته بأصول التصور التوحيدي، ثم التدليل على عدم صحة ولا صحيّة فرضيات تصور الصحة الجنسية في سَوَاء الصلة الزوجية تحديدًا، وعرقلتها لتحقق مقاصدها من الإعفاف والإحصان والسكنيَّة.
الأصل المُعلَن الذي ترتكز عليه المواثيق الإنسانية والحقوقية الدولية هو “حب الإنسانية أو إرادة الخير الإنساني Humanitarianism”. ومن ثم، قبل أن تفنيد أي مفهوم أو مبدأ ابتدعته تلك المواثيق تفنيدًا جزئيًّا، مثل مفهوم الصحة الجنسية هذا، يلزم البدء من جذور نشأة ذلك المذهب الإنساني، وطبيعة الأجندات غير المعلنة التي يحملها في ركابه.
تُستَعمل لفظة “الإنسانية” في كثير من سياقات الحياة اليومية، والمعنى المرتسم لها في الأذهان هو الدلالة البريئة التي تفيد الانتماء لصنف البشر عوضًا عن أصناف المخلوقات الأخرى، وتفيد كذلك مجموعة القيم المُتعارف عليها فِطريًّا بين الناس على اختلاف الأعراق والعقائد. وهذه دلالات صحيحة لغة وشرعًا، فالله تعالى رب الناس وفاطر الناس وبين الناس مشترك إنساني من هذا الوجه. لكن الإشكال يبدأ من بساطة الاقتصار على هذه الدلالات البريئة، والخلط في الفهم والاستعمال بين الإنسانية Humanity والإنسانوية Humanism، والغفلة عن تاريخ نشأة الألفاظ وتطور دلالة استعمالها وما ألحق بها من أجندات عند من أطلقوها وعمّموها فيما يعرف بالمواثيق الدولية والحقوق الإنسانية.
والخلاصة الموجزة في هذا المقام أن كلمة “الإنسانية Humanity” اشتُقت من الكلمة اللاتينية Humanitas، التي استخدمها مفكّرو روما القديمة لوصف القيم المتعلقة بالتعليم الليبرالي، أي المدني الحر وفق معايير عصر التنوير لديهم [7]. ثم تدرج تطور الاستعمال الدلالي حتى وصلت إلى الدلالة على تبني نهج غير ديني Non-religious للحياة [8] في مقابل نهج الإيمان بإله Theism” [9].
وقد سردت صفحة الجمعية الأمريكية للإنسانويين American Humanist Association عدة تعريفات للإنسانوية، منها هذا التعريف الشمولي:
“تعتقد الإنسانوية أن غرض الحياة هو تحقيق رفاهية البشرية، لا خدمة إله أو آلهة مفترضة. وتؤكد الإنسانية على عدم توافر أي دليل على وجود قوى خارقة طالبت الناس بشيء تجاهها، أو تواصلت معهم، أو تدخلت في قوانين الطبيعة لمساعدة أو إيذاء أي شخص. ومن ثم يَنصَبّ تركيز الإنسانية على توجيه الجهود البشرية لتلبية احتياجات الإنسان ورغباته في هذا العالم. ويُظهِر التاريخ أن هذه الجهود تكون أكثر فعالية عندما تشتمل على التعاطف والمنهج العلمي الذي يتضمن الاعتماد على العقل، والأدلة، والاستقصاء الحر. وترى الإنسانية أن إيجاد هدف في الحياة يعين على تحقيق أقصى قدر من السعادة على المدى الطويل من خلال تطوير مواهب الشخص لخدمة الإنسانية. ويعتقد الإنسانويون أن هذا النهج في الحياة أكثر إنتاجية ويؤدي إلى رضا أعمق وأطول أمدًا من السعي وراء المتعة المادية أو الملذات الحسية التي سرعان ما تتلاشى. وعلى مركزية مبدأ خدمة الآخرين في مذهب الإنسانوية، إلا أن الترفيه والاسترخاء أيضًا ضروريان للصحة والسعادة على المدى الطويل. والمفتاح هو الاعتدال في كل شيء. وتعتبر الإنسانوية أن الكون هو نتيجة تطور طويل ومعقد للغاية في ظل قوانين الطبيعة الثابتة … ولأن العلم لا يستطيع الآن وربما لن يتمكن أبدًا من تفسير الأصل الأول أو المصير النهائي للكون، يمكن أن يندمج في الإنسانوية غير الملحدين واللادينيين. إن الافتقار إلى إجابات محددة للأسئلة الوجودية يفسح المجال للأشخاص العقلاء لافتراض فرضيات حول أصل الكون، وحتى الرجاء في وجود شكل ما من أشكال ما بعد الحياة. في الواقع، حافظ اثنان من أعظم نجوم الحركة الإنسانية، توماس باين وروبرت إنجرسول، على الأمل في الحياة الآخرة. … يمكن لذوي المعتقدات أن يكونوا إنسانويين إذا اتفقوا مع اعتقاد أن الإنسانية تقوم بمفردها في هذا العالم، ووافقوا على عدم وجود أي دليل على حياة أخرى، بما يعني أن هذه الحياة يجب أن نعيشها كما لو أنها الحياة الوحيدة التي لدينا”[10] .
فتأمل تأليه الإنسان سيّدًا مطلقًا في حياته وعليها! ثم تأمل كيف أن المصطلح ليس إلا كسوة أخرى للعَلمنة وإن بزركشة أكثر. فمذهب الإنسانوية في أصل تصوّره للوجود وليد نفس الرَّحِم التي أنجبت كل أصناف الفلسفات والعقائد المنطوية على خصومة لمبدأ الألوهية عامة، وإن اتخذ من “المشترك الإنساني” جسرًا أو أظهر التسمّح مع “ذوي الأديان”. ومن ثم، فالتصور الوجودي للكون وناسه على شاكلة ذلك المذهب ليس تصورًا “ودودًا” يقتصر على الترويج للإنسانية باعتبارها وصفًا بريئًا مُشتَرَكًا بين مجموع الناس، بل له صلة وثيقة بالأجندة العلمانية خاصة – وبالتبع الخصومة الدينية عامة – وبالتوازي أجندة الرأسمالية العالمية. فلا بد من وضع هذه الأبعاد في الحسبان في وعي المسلم ليصحّ إدراكه لحقائق الأمور وتقدير مآلاتها فيحسن صياغة موقفه مما ومن حوله.
تقوم كل الحقوق المسرودة في مختلف المواثيق على مبدأ الاستحقاق والعدالة. فالمواثيق الوضعية تبدأ بصيغة الإثبات، مُفترضة مسبقًا مجموعة من الحقوق تحق للإنسان ذاتيًّا: فلكل إنسان من حيث هو إنسان الحق في الحرية والمساواة والحياة الكريمة وغيرها. إذا تركنا جانبًا مسألة أن ذلك الإحقاق المزعوم لم يتحقق على النحو الشمولي والمطلق منذ وضعت تلك المواثيق لامتناع إمكانه أصلًا، نجد أن مسألة الحقوق الإنسانية من أظهر الأمثلة على البون بين منطلق التصور الشرعي للوجود، المُنزّل من السماء رأسًا، وغيره من التصورات الناشبة من الأرض وضعًا، إنسانوية كانت أو غيرها.
دين التوحيد مبدؤه ومبناه على النفي: “لا إله الله إلا الله”. ومن مقتضيات نفي الألوهية عن كل ما خلا الله تعالى أنه لا يحق لغير الحق تعالى أن يُحِقّ حقًّا أو يفترض حقًّا ابتداء، فالأمر كله للخالق تعالى، يعطي ويمنع كيف يشاء ولا يُساءَل. ومن ثم لا حق لمخلوق إلا ما أحقّه الله تعالى، وكل حق جعله الله تعالى لمخلوق في سياق فهو مِنّة الله تعالى عليه ابتداء، وليس كسبًا منه ولا استحقاقًا انتهاء؛ فالأصل أنه ليس لمخلوق من الأمر شيء، ناهيك عن أن يكون له على الخالق مُسلَّمَات مفروضة مسبقًا! [11]
وفي مناظرة بين القاضي عبد الجبار – أحد كبار المعتزلة- ، والإمام الإسفرايني – أحد أئمة السنّة-، قال له فيها القاضي:” أرأيتَ إن منعني اللهُ الهدى، وقضى علي بالرَّدَى (أي الموت)، هل أحسن إليّ أم أساء؟”، فأجاب الإسفرايني: “إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فهو يختص برحمته من يشاء!” [12].
وبهذا يتضح سبب تخبط كثير من المسلمين حين يتأثرون بالتصور الإنسانوي الذي يفترض من عند نفسه مجموعة من الحقوق فينصّبها أصلًا مُستحقًّا لكل إنسان من حيث هو سيّد أولًا، ويرجعون باللائمة على التصور الشرعي القائم على معاملة الإنسان من حيث هو عبد مخلوق أولًا، فيستاؤون مما استقر في الشرع بل وفي فطرة الوجود من سنن التفاضل وتفاوت درجات ومراتب وأنواع الحقوق والواجبات والمثوبات، سواء بين الرجال والنساء أو غيرهما من أنواع المقارنات بين الخلائق، ويجأرون متأثرين بالفلسفات الكافرة: أين العدالة الإلهية إذ تعطي هذا وتمنع ذاك، أو تجعل لهذا حقًّا غير ذاك؟! مثل هذه التساؤلات منبعها قناعة السائل المُسبَقة باستحقاق حق ما، فإذا لم يعط هذا الحق أو لم يوافق الواقع ما ينبغي أن يكون عليه وفقًا لما يرى أنه الحق، شعر صاحبنا بالظلم والمحرومية، فانبرى يسأل عن وجه العدالة والإنصاف! وإنما الظلم الحقيقي في المسألة كلها هو ذاك الذي يقع فيه المؤمن إذ يتصور الحق والعدل على شاكلة المذاهب الإنسانوية الكافرة كما تم بيانه، ثم يحاكم إليها ربه تبارك وتعالى!
إذا اتضح تعاكس المنطلق والمنتهى بين التصور الشرعي وغيره، في مسألة إحقاق الحقوق خاصة، اتضح أن المبدأ الذي تقوم عليه دعوى الصحة الإنجابية يأخذ نفس حكم المنطلق الذي انطلقت منه، فهي دعوى باطلة ويراد بها باطل معًا، لا وجاهة لها في شرعة الإسلام على الخصوص، ولا سبيل لتحققها على الوجه المثالي المُعلن في أية مِلّة أو شرعة على العموم.
كيف ذلك؟
لا يُذكر مفهوم الحرية في سياق إلا ويَلزَم استحضار حقيقة أنه لا مخلوق حر حرية كاملة على الحقيقة، وأن كل إنسان مقيّد لا ريب بإملاءات المرجعية التي ينتسب لها ولو كانت قانون دولة أو عرف مجتمع. وكذلك لا تتم لإنسان حرية تامة أو مطلقة في بدنه أو عليه؛ فهو لا يتحكم مثلًا في العمليات الحيوية كالتنفس والإخراج، وقد يستعصي عليه النوم رغم طلب كل أسبابه، ويمرض رغم التحصينات أو يشفى رغم ميئوسيّة حالته في التقدير الطبي. وينطبق على المرأة كل هذا، ويُضاف له أنها قد تحمل وإن اتخذت موانع حمل، أو تصاب بمرض جنسي وإن اتخذت مضادات له، وهكذا.
فإذا جئنا لإقرار مفهوم الصحة الجنسية لكافة أشكال البذل الجنسي ما دام برضا الطرفين سواء في حدود الزوجية أو خارجها، وجدناه مضمّنًا في بند حرية المرء (والمرأة) في اتخاذ قرار اتصال بدنه بمن شاء متى شاء كيف شاء. وتحتفي النسويات خصيصًا بالصلات الجنسية الحرة التي “تعزّز” هذا الحق عند المرأة، في مقابل صلة الزوجية التي تقيّدها بل وتفتئت على حريتها وطلاقة مشيئتها في بدنها في حالة الأحكام الشرعية للزواج الإسلامي (وسيلي تفصيل الكلام فيها).
والسؤال المطروح ابتداء: إلى أي مدى ينطبق مبدأ طلاقة الحرية واستقلالية القرار بهذه النموذجية في الصلات الجنسية غير الشرعية (أو غير المقننّة بالتعبير الآخر)، في حق النساء خاصة؟ كم من امرأة وشابة وفتاة تبذل عِرضها طواعية نعم، لكن بسبيل الخديعة والضغط النفسي والتلاعب العاطفي، فترضخ لنيل القرب من شخص تحبه وهو يُظهر لها رغبته فيها فتحسبه مبادلة لحبها، ثم إذا قضى منها وطرًا تركها للحسرة والأوجاع البدنية والنفسية والمالية، فلا عِرضها صَيِّن ولا وُدّها مخطوب ولا خاطرها مجبور ولا مؤنة مبذولة لها، فما وجه الكرامة في مثل هذه الحرية، إن صح أن تسمى حرية؟! ثم من المتحرر حقيقة بتصور الحرية الجنسية هذا؟ إن الرجل يمكنه في ظل هذا المبدأ وحده أن يتمتع بآلاف النساء دون أن يحمل أي همّ أو مسؤولية بعد مغادرته الفراش، فلماذا سيفكر في الزواج إذن؟! وجواب هذا السؤال بالضبط هو الذي أضاف على المرأة عبء أن تكون هي الباذلة الكبرى في علاقة إذا شاءت أن “تحتفظ” بِرَجُلِهَا، بالإنفاق المالي والمعنوي والبدني في شتى أنواع التجمل، ومقاسمته مصاريف البيت أو الاستمرار في تحمل نفاقتها هي بنفسها أو الاستمرار في سكن مستقل حتى لا تصير “عالة” عليه! [13] ومع ذلك لا ضمانة إذ لا ميثاق بينهما، فيمكنه أن ينهي العلاقة متى سئم، ويمكنها هي كذلك بالتأكيد لكنها الغارم الأكبر في الحالتين[14].
وفي مقالة نشرتها مجلة Today Psychology عن الفرق بين جهد النساء والرجال في المداومة على العناية بمظهرهم قبل وبعد الزواج أو الانتظام في علاقة مع شريك، أظهرت إحصائية أن متوسط إنفاق الإناث على الملابس يبلغ 400 دولار سنويًا في سن العشرين، ويرتفع بشكل مطرد حتى أوائل الأربعينيات عندما يصل إلى ذروته عند أكثر من 700 دولار قبل أن يتراجع مع تقدم السن. في المقابل، ينفق الرجال غير المتزوجين حوالي 400 دولار سنويًّا على الملابس، بينما يبلغ متوسط الرجال المتزوجين 280 دولارًا فقط[15] . فهذا مزيد تدليل على أن النساء يستمررن في العناية بجذب الانتباه حتى بعد الزواج، مقارنة بالرجال.
فإذا جئنا للزواج في التصور الشرعي، اتُّهم من منظور المخالِف بأن إلزام الزوجة فيه بتلبية زوجها يحجر على حرية المرأة في بدنها، وحقها التام في رفض الوصال. وأول الرد على هذه الدعوى أن مسألة تقييد حرية التصرف الشخصي في البدن وخلافه، يستوي فيها أطراف أية صلة تقوم على تبادل منافع ومصالح وحظوظ نفس، وتتضمن عقدًا اجتماعيًّا صريحًا أو ضمنيًّا، سواء كانت صلة أسرية أو مهنية أو حتى صداقة بين اثنين. وكذلك الأحكام والحقوق والمسؤوليات الشرعية متقررة ظاهرة، ليست سرًّا ولا مفاجأة، فكلا الطرفين يأتيان عقد النكاح عن علم مسبق بما سيُسْتَحق لهما أو منهما. ولا صلة بين اثنين تصبغ واحدًا دون الثاني، أو تقيّد طرفًا دون طرف، فكل زوجة لها زوج، وكل ابنة لها أب، وكل أم لها ابن، وكل أخت لها أخ … وهكذا يصاغ دور الرجل وفق طبائع صلاته بأهله من حوله كما تصاغ المرأة.
من أشهر المصطلحات التي طاش استعمالها في سياق الكلام على الزوجية والجماع بين الزوجين، مصطلح “الاغتصاب الزوجي” الذي تعرّفه اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الاسكوا)، التابعة للأمم المتحدة، على أنه: “ولوج المهبلي أو الشرجي أو الفموي بطابع جنسي غير التوافقي لجسم شخص آخر بواسطة أي جزء جسدي أو باستخدام أداة، وكذلك أي أعمال أخرى غير توافقية بطبيعة جنسية، من قبل الزوج الحالي أو الزوج السابق، أو شريك سابق أو حالي، تعيش معه بوصفها ضحية اغتصاب، أو تعيش في شراكة يعترف بها القانون الوطني” [16].
وفرّعت النسويات العربيات عن هذا المفهوم تفريعات غاضبة على ما وصمته بشرعنة الاغتصاب الزوجي بمباركة الفقهاء، نظرًا لما ورد في الشرع من أحكام تفيد إلزام الزوجة بتلبية زوجها متى دعاها، ما لم يمنعها مانع شرعي، وتوعّد من لا تلبي بالعذاب الشديد!
والحق أن الشرع جاء ببيان حق كلا الزوجين في المتعة الزوجية وضوابطها وآدابها، بما يكفل تحقيق الإعفاف والإحصان بالقدر الموافق لفطرة كل من الرجل والمرأة؛ إلا أنّ ما ورد في خطاب الشرع بخصوص حق الزوج أكثر مما ورد في حق المرأة، لعدة أسباب، منها:
وأما حديث “إذَا دعَا الرَّجُلُ امْرأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فلَمْ تَأْتِهِ فَبَات غَضْبانَ عَلَيْهَا؛ لَعَنتهَا الملائكَةُ حَتَّى تُصْبحَ”[17]، فلا يمكن بناء إدراك صحيح وتصور متكامل عليه بمفرده دون العلم بباقي نصوص الوحيين، والتي توازن كفتي الزوجين ويتكامل التصور الشرعي بفهمها جميعًا. فالخطاب في هذا الحديث خاصة مخصوص بالنساء بالأساس لتَحْذَرنَ من الاستهانة بهذا الحق للزوج وأهمية إجابته قياسًا على أنفسهنّ. ثم عليها أن تجيبه ما لم يمنعها مانع شرعي، بما تطيق ولا حرج عليها، خاصّة وأنّ الدعوة المقصودة في الحديث أعمُّ من الجماع وليست مقصورة عليه. والوعيد المذكور في الحديث فهو مقتصر على من يغضب منها زوجها لامتناعها، فإذا لم يغضب لأنه عَذَرَها أو سامح في حقه فلا تُعتبر عاصية ولا يقع عليها الوعيد.
كل هذه الموازين الدقيقة التي فصّلها أهل العلم ويغفلها أهل التناقل بغير علم، هي التي تضيّق على العباد ما وسّع الله تعالى من فسحة بين الزوجين: فيمكن للزوجة أن تصرف زوجها بالملاينة والمراضاة عند تعذّر إجابته عليها فورًا، وتظل بذلك محمودة عنده وعند الله تعالى، بخلاف الناشز التي تُكثِر التمنّع بتبجّح واستعلاء وعدم مبالاة بأمر الله تعالى أولًا قبل أن يكون حق زوجها، فتستحق وقتها تلك الغضبة وذلك الوعيد.
ثم إنه عند موازنة كفوف المكاسب المفروضة، نجد أنه تترتب للزوجة منافع عديدة (كالمهر والسُّكنى والنفقة) في مقابل منفعة واحدة أساسية منها للزوج (الإمتاع)، وحتى هذه لها فيها نصيب! إذ مما يندر الالتفات له في مسألة المتعة أن المرأة تستمتع بزوجها كما يستمتع بها – مع اختلاف طبيعة الاستمتاع وقدره –. وتُؤجَر على ذلك معنويًّا على المعاشرة مثلما يؤجر هو، ما احتسباها: “وفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، أَيَأتي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكونُ له فِيهَا أَجْرٌ؟ قالَ: أَرَأَيْتُمْ لو وَضَعَهَا في حَرَامٍ، أَكانَ عليه فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذلكَ إذَا وَضَعَهَا في الحَلَالِ كانَ له أَجْرٌ” [18]؛ ثم تؤجر هي فوق هذا وذاك بصفة مخصوصة من حيث طاعتها لزوجها واستجابتها له. ثم تمتاز عليه بأنها تؤجر وتعوّض ماليًّا كذلك، بالنفقة عليها طوال مدة الزواج (إلا حيث فعلت ما يسقط حق نفقتها) ولو كانت غنية ولها ذمة مالية مستقلة، وبمقدار مالي مخصوص هي حرة التصرف فيه (المهر).
كل هذه الامتيازات يتم هضمها بل التعتيم عليها لصالح التركيز على استحقاقات الرجل من المرأة بعقد الزواج، مع أنه لا يستحق منها على الحقيقة إلا المتعة، إذ حتى الخدمة المنزلية لا تجب عليها وإن حَسُنت منها! فمن المنتفع الأكبر في هذه الصلة بهذا التصور وهذه الضوابط؟ وأي منطق ذاك الذي يرى أن من الامتهان للمرأة أن يُخصّص لها عِوَض على الاستمتاع بها مع حصول الاستمتاع لها، في ظل منظومة تصونها منذ بدء الصلة بطلب خطبتها حتى آخر الصلة سواء بالوفاة أو الطلاق، وما بينهما من خدمة ورعاية وإنجاب؛ وذلك في مقابل تحميلها تبعات ذلك الاستمتاع وحدها وفق منظور التحرر النسوي أو الكرامة الإنسانوية أو غير ذلك من تلبكّات فكرية وتطبيقية؟!
مهما يكن في مفهوم الصحة الجنسية ومتعلقاته من ثغرات، فهو وغيره من مفاهيم صاغتها التصورات الإنسانوية متسقة مع تلبك بيئة منشئها ومسالك أهلها، وعاكسة لتخبطهم في محاولة جمع محاسن كل الأهواء مع تلافي أكبر قدر من العواقب والمسوؤليات. وإنما تنشأ المشكلة الحقيقية عند محاولة الترقيع والتوليف بين التصور الإنسانوي والشرعي، فلا يستقيم الجمع بينهما ولا يُريح طرحٌ من أحدهما! وكذلك كل اقتلاع لنبات وغرسه في غير أرضه، فإما أن ينشب الدخيل في الأرض الجديدة فيُفسدها، أو تأباه الأرض الأصيلة وتلفِظُه.
وإن التصور الشرعي لصلة الزوجية هو الوحيد الذي يستعلي على ما عداه، ويعلو بكرامة أطرافه كلهم دون استثناء. فهو وإن اعتمد مبدئي الاستمتاع ورضا الأطراف (المعتمدين في أشكال الصلات الأخرى) إلا أنه ينفرد بجدّية المقاصد والمآلات، ويؤصّل لمنظومة متكاملة بيّنة الحدود والحقوق لتصون الأطراف قبل الزواج وأثناءه وبعده، وفي حال وجود الأولاد أو عدمه، وعند التعدد أو الإفراد.
ولا تجد دستورًا ولا تشريعًا حفَّ الصلة بين الرجل والمرأة – أجنبيين كانا أو محارم، زوجين كانا أو غير ذلك – من كل وجه، وأحاط بكل مسائلهم وعواقبها من أطرافها، كما تشريع الله تبارك وتعالى؛ ولا عجب فهو من مشكاة الذي خلق وفطر ابتداء، ويحاسب ويجازي انتهاء.
[1] مؤلفة ومتحدثة وباحثة، في الأدب والفكر الإسلامي وعمران الذات المسلمة. صدر لها حتى الآن 10 كتب، آخرها “الأسئلة الأربعة لضبط بوصلتك في الحياة”، و”هدهديّات” و”قَلبٌ مَصُون”.
حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز مع مرتبة الشرف، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها؛ وحاليًا، تعد رسالة الماجستير في نقض التأويل النسوي للقرآن من منظور علم الاجتماع (السوسيولوجي).
[2] Sladden, T., et al. (2021). Sexual Health and Wellbeing through the Life Course: Ensuring Sexual Health, Rights and Pleasure for All. International Journal of Sexual Health, 33(4), 565–571. https://doi.org/10.1080/19317611.2021.1991071
[3] https://www.who.int/southeastasia/health-topics/reproductive-health
[4] https://www.who.int/teams/sexual-and-reproductive-health-and-research-(srh)/areas-of-work/sexual-health
[5] https://iris.who.int/bitstream/handle/10665/366518/9789240070646-eng.pdf?sequence=1
[6] نفس المرجع السابق.
[7] Mann, Nicholas (1996). “The Origins of Humanism”. In Jill Kraye (ed.). The Cambridge Companion to Renaissance Humanism. Cambridge University Press. ISBN 978-0-521-43624-3.
[8] وهذا يختلف عن الإلحاد Atheism الذي هو نفي الاعتقاد في الألوهية بالذات.
[9] Fowler, J. D. (1999). “Humanism: Beliefs and Practice.” Sussex Academic Press.
[10] https://americanhumanist.org/what-is-humanism/definition-of-humanism/.
[11] لمزيد من التفصيل في مسألة الحقوق وإحقاقها، يُراجع “اسم الله الحق” في كتاب “الأسئلة الأربعة لضبط بوصلتك في الحياة”، للمؤلفة.
[12] اللالكائي: “شرح أصول اعتقاد أهل السنة” – فصل: مذهب القدرية والمعتزلة في القدر والرد عليهم – مناظرة بين عبد الجبار المعتزلي وأبي إسحاق الإسفراييني في القدر.
[13] https://emmalindsay.medium.com/why-do-men-put-so-little-effort-into-serious-dating-9a9e1cbf0e20
https://www.yourtango.com/2017306283/why-guys-need-be-needed-why-will-make-him-want-you-more
[14] راجع هذه الحلقات على قناة د. أوريون تارابان Orion Taraban، المدرب والاستشاري الأمريكي في العلاقات الزوجية:
النساء يحتجن إلى الحيلة والتدبير: كيف يمكن للمرأة تحصيل الالتزام (من شريكها)؟
Women Need Game Too: Understanding How Women Get Commitment
كيف تحصلين على أي رجل تريدينه؟
How To Get Any Man You Want
[15] https://www.psychologytoday.com/intl/blog/the-human-beast/201612/why-women-spend-so-much-effort-their-appearance
[16] من موقع اسكوا الأمم المتحدة:
[17] صحيح مسلم: كتاب النكاح – باب تحريم امتناعها من فراش زوجها – حديث رقم: 3541.
[18] صحيح مسلم: كتاب الزكاة – باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف – حديث رقم: 1672.