“فيما يلي ترجمة للمدخل الذي قدمته البروفيسورة مكافي عن الفلسفة النسوية في [موسوعة ستانفورد للفلسفة]، وقد اعتمدت الترجمة على النسخة المؤرشفة على الرابط المرفق[1]، والتي قد تختلف عن النسخة الحالية. نود أن نشكر محرري موسوعة ستانفورد، وخصوصا د. إدوارد زالتا على إذنهم بترجمة هذه المقالة ونشرها على موقع باحثات“.
(تأليف د. نويل مكافي: بروفيسورة الفلسفة بجامعة إيموري، وبروفيسورة الطب النفسي والعلوم السلوكية. والباحثة في النظرية النقدية والتحليل النفسي والفلسفة النسوية والديمقراطية).
ترجمة: زينب صلاح
يقدم هذا المدخل نظرة عامة على جميع المداخل في قسم الفلسفة النسوية في موسوعة ستانفورد للفلسفة (SEP). بعد سرد موجز لتاريخ الفلسفة النسوية والقضايا المختلفة المتعلقة بتعريف النسوية، فيناقش المدخل الأقسام الرئيسية الثلاثة حول (1) مقاربات الفلسفة النسوية، (2) التدخلات النسوية في الفلسفة، (3) والموضوعات الفلسفية النسوية.
تستخدم النسويات العاملات في جميع الاتجاهات التقليدية الغربية الرئيسة في الفلسفة المعاصرة تقاليدهن الخاصة لمقاربة عملهن، بما في ذلك الاتجاهات التقليدية للفلسفة التحليلية، والقارِّية، والبراغماتية، إلى جانب التوجهات والتقاطعات المختلفة الأخرى. وفي أثناء ذلك، يتدخلن في كيفية فهم المشكلات الفلسفية الأساسية طويلة المدى. ومع قيام الفلاسفة النسويين بعملهم في المجالات الفلسفية التقليدية، من الأخلاق إلى نظرية المعرفة، أدخلوا مفاهيم ووجهات نظر جديدة غيَّرت الفلسفة نفسها. كما أنهم يقدمون موضوعات فلسفية لم تُطرَح سابقًا مثل الجسد، والطبقة، والعمالة، والإعاقة، والأسرة، والإنجاب، والذات، والعمل الجنسي، والاتجار بالبشر، والجنسانية. ويسلطون عدسة نسوية على قضايا العلم، والعولمة، وحقوق الإنسان، والثقافة الشعبية، والعِرق، والعنصرية.
2.1 المعتقدات النسوية والحركات النسوية.
2.2 المكونات المعيارية والوصفية.
2.3 النسوية وتنوع النساء.
2.4 النسوية كَمناهضة للتمييز الجنسي.
قائمة المراجع.
الأدوات الأكاديمية.
مصادر الإنترنت الأخرى.
مداخل ذات صلة.
بحسب وصف هذا المدخل، فإن الفلسفة النسوية تعتبر التزامًا فكريًّا وحركة سياسية تسعى إلى تحقيق العدالة للنساء والقضاء على التمييز الجنسي بكافة أشكاله. وبدافع من المطالبة بالعدالة الاجتماعية، يقدم البحث النسوي مدىً واسعا من وجهات النظر حول الظواهر الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية والسياسية. ولكن على الرغم من الكثير من الالتزامات الرئيسة المشتركة، هناك الكثير من الاختلافات بين الفلاسفة النسويين فيما يتعلق بالتوجه الفلسفي (أهو تحليلي أم قارِّي مثلا)، وكذا الالتزامات الأنطولوجية (مثل فئة المرأة)، ونوعية الإصلاحات السياسية والأخلاقية التي ينبغي البحث عنها.
برزت المعرفة الفلسفية النسوية المعاصرة في سبعينيات القرن العشرين، حيث بدأ مزيد من النساء العملَ في التعليم العالي بما في ذلك الفلسفة. وفي أثناء ذلك، ابتدأن أيضا تناول المسائل من خبرتهن الخاصة بالبحث الفلسفي. وقد تأثرت هؤلاء الباحثات بكل من الحركات النسوية في وسَطهن وتدريبهن الفلسفي، والذي لم يكن سوى تدريب نسوي. حتى وقت قريب لم يكن بإمكان أحد أن يلتحق بالدراسات العليا لدراسة “الفلسفة النسوية”. وحيث إن الطلاب والباحثين كان بإمكانهم الرجوع إلى كتابات سيمون دي بوفوار أو النظر تاريخيًّا إلى كتابات نسويات “الموجة الأولى” مثل ماري ولستونكرافت، فإن معظم الفلاسفة الذين كانوا يكتبون في العقود الأولى قد استحضروا تدريبهم ومهارتهم الخاصة لتحليل القضايا التي أثارتها حركة تحرير المرأة في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، مثل الإجهاض، والعمل الإيجابي، وتكافؤ الفرص، ومؤسسات الزواج، والنشاط الجنسي، والحب. وبالإضافة إلى ذلك، يركز البحث النسوي الفلسفي بشكل متزايد على نفس نوعية القضايا التي كان الفلاسفة يعالجونها. ويبدأ البحث الفلسفي النسوي بالاهتمام بالمرأة وأدوارها ومواقعها. ماذا تفعل النساء؟ ما هي المواقع الاجتماعية/السياسية التي يعتبرن جزءًا منها أو مستبعدات عنها؟ كيف تقارَن أنشطتهن بأنشطة الرجال؟ هل فعاليات أو إقصاءات بعض جماعات النساء تختلف عن جماعات أخرى ولماذا؟ بماذا تسمح أو تمنع الأدوار والمواقع المختلفة للمرأة؟ كيف تُقدَّر أدوارهن أو يُحَطُّ من قدرها؟ كيف تؤثر تعقيدات وضع المرأة، بما في ذلك فئتها وطبقتها وقدراتها وحياتها الجنسية على مواقعها؟ نضيف إلى ذلك الانتباه إلى خبرات واهتمامات النساء. هل تم تجاهل أي من خبرات النساء أو مشكلاتهن أو الحطُّ من قدرها؟ وكيف يمكن للانتباه إلى ذلك أن يغير أساليبنا أو قيمنا الحالية؟ ومن هنا ننتقل إلى عالَم رمزي. كيف يُمثَّل أو يُبنى المؤنث في نصوص الفلسفة؟ ما الدور الذي يلعبه المؤنث في تكوين المفاهيم الفلسفية، سواء من خلال غيابه أو حضوره؟ وما إلى ذلك.
أحضر الفلاسفة النسويون أدواتهم الفلسفية للتعامل مع هذه التساؤلات. وبما أن هؤلاء الفلاسفة النسويين استخدموا الأدوات الفلسفية التي عرفوها أتم المعرفة ووجدوا أنها واعدة أكثر من غيرها، فقد بدأت الفلسفة النسوية تظهر من جميع تقاليد الفلسفة الغربية السائدة في نهاية القرن العشرين بما في ذلك الفلسفة الأمريكية التحليلية والقارِّية والكلاسيكية. ليس من المستغرب إذن أن التركيز الرئيس لعملهم كان يتأثر في كثير من الأحيان بالموضوعات والأسئلة التي تبرزها هذه التقاليد. وبالتالي، فقد يتناول سؤال معين ويعالَج -نتيجة لذلك- بعرض وجهات نظر لها إجابات متناقضة في بعض الأحيان، كما هو موضح أدناه.
ومن ثم فإن البحث الفلسفي النسوي ليس متجانسًا سواء في الأساليب أو في الاستنتاجات. ففي الواقع، كان هناك خلاف معتبر داخل الأوساط الفلسفية النسوية بشأن فعالية أساليب معينة في الفلسفة من أجل أهداف نسوية. فمثلا، وجد بعضهم أساليب في الفلسفة التحليلية لتوضيح كل من التكوين والاحتجاج والتي لا توجد في بعض مدارس الفلسفة القارية، بينما جادل آخرون بأن مثل هذا التوضيح المزعوم يأتي على حساب الأساليب البيانية والمقاربات المنهجية التي تقدم رؤى لمكونات مؤثرة أو نفسية أو تجسيدية للخبرة الإنسانية. يتحرى نسويون آخرون مقاربات في البراغماتية الأمريكية لتوضيح التكوين والاحتجاج الذي يُفقَد أحيانا في المقاربات القارية والاتصال بشؤون العالم الواقعي الذي يُفقَد أحيانا في المقاربات التحليلية.
تأسست هيباتيا Hypatia عام 1982م كمقرّ للبحث النسوي الفلسفي، وهي: مجلة للفلسفة النسوية تبنَّت مجموعة متنوعة من المقاربات المنهجية في الفلسفة النسوية، فنشرت أعمالا لكل من الاتجاهات الثلاثة. إن البحث النسوي في كل من هذه الاتجاهات متقدم أيضا ومدعوم رغم التبادل العلمي في مختلف الجمعيات المهنية، بما في ذلك جمعية النساء في الفلسفة Society for Women in Philosophy التي تأسست في الولايات المتحدة عام 1972م. بالإضافة إلى ذلك، تشجع جمعية النسوية التحليلية Society for Analytical Feminism، التي تأسست عام 1991م على دراسة قضايا في الحركة النسوية بطرق تفسَّر على نطاق واسع بأنها تحليلية، وذلك لدراسة استخدام الأساليب التحليلية مطبقة على القضايا النسوية، ولتوفير وسيلة يستطيع بها المهتمون بالنسوية التحليلية أن يلتقوا ويتبادلوا الأفكار. تأسست فيلوصوفيا philoSOPHIA عام 2005م؛ لتعزيز التنمية البحثية القارية والتربوية النسوية. كما تأسست جمعية دراسات الفلاسفة النساء Study of Women Philosophers عام 1987م؛ لتعزيز دراسة مساهمات المرأة في تاريخ الفلسفة. وتواصل المنظمات والمجلات المشابهة في قارات عديدة تحسين البحث في الفلسفة النسوية.
سنناقش أدناه كثيرا من الطرق التي لا تكون الفلسفة النسوية متجانسة فيها. ومع ذلك، تجدر الإشارة هنا في البداية إلى أنه على الرغم من أن الفلاسفة النسويين قد قصدوا أن يكون عملهم قابلا للتطبيق على جميع النساء ويعكس تجارب النساء المتنوعة -على عكس الفلسفة التقليدية التي ينتقدونها- إلا أن هذا في واقع الأمر لم يكن هو الحال دائما. فأحد أوجه القصور المهمة التي يحاول الفلاسفة النسويون التغلب عليها هو نقص اهتمامهم بكثير من الطرق المتفاعلة التي يتعرض بها البشر للاضطهاد على أساس العِرق، والجنس، والقدرة، والطبقة، والدين والجنسية مثلا. تسعى الفلسفة النسوية إلى الشمولية والتعددية، حتى إذا كانت لا تؤتي ثمارها.
2.1 المعتقدات النسوية والحركات النسوية
لمصطلح النسوية كثيرٌ من الاستخدامات المختلفة، وفي كثير من الأحيان تكون معانيه محلًّا للنزاع. فمثلا يستخدم بعض الكُتَّاب مصطلح “النسوية” للإشارة إلى حركة سياسية محددة تاريخيًّا في الولايات المتحدة وأوروبا؛ فيما يستخدمه كُتَّابٌ آخرون للإشارة إلى اعتقاد وجود ظلم ضد المرأة، رغم أنه لا يوجد إجماع على بيان محدد لهذا الظلم. ورغم أن مصطلح النسوية له تاريخ في اللغة الإنجليزية يرتبط بنشاط المرأة من أواخر القرن التاسع عشر إلى الوقت الحاضر، إلا أنه من المفيد أن نميِّز بين الأفكار أو المعتقدات النسوية وبين الحركات السياسية النسوية، فحتى في الفترات التي لم يكن فيها نشاط سياسي معتبَر حول تبعية النساء، كان الأفراد يهتمون بالعدالة للنساء وينظِّرون لها. لذلك مثلا من المنطقي أن نتساءل عما إذا كان أفلاطون نسويًّا؛ نظرًا لوجهة نظره بأنه ينبغي تدريب النساء على الحكم (Republic, Book V)، رغم أنه كان استثناءً في سياقه التاريخي (see, e.g., Tuana 1994).
ليس هدفنا هنا دراسة النسوية -كمجموعة من الأفكار أو كسلسلة من الحركات السياسية- بل وضعُ مخطط لبعض الاستخدامات المركزية للمصطلح، والأكثر صلة بالمهتمين بالفلسفة النسوية المعاصرة. وليست المراجع التي سنقدمها أدناه سوى عيِّنة صغيرة من الأعمال المتاحة حول الموضوعات محل البحث؛ وتتوفر مراجع أكثر اكتمالا في المداخل الموضوعية المحددة وكذلك في نهاية هذا المدخل.
في منتصف القرن التاسع عشر استُخدِم مصطلح “النسوية” للإشارة إلى “خصائص الإناث”، ولم يستخدم في الإنجليزية للتعبير عن الإيمان بالحقوق المتساوية للنساء وتأييدها اعتمادًا على فكرة المساواة بين الجنسين إلى ما بعد مؤتمر المرأة الدولي في باريس عام 1892م، متبعًا في ذلك المصطلح الفرنسي féministe. وعلى الرغم من أن مصطلح النسوية في اللغة الإنجليزية متجذر في التعبئة من أجل حق المرأة في الاقتراع في أوروبا والولايات المتحدة خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، إلا أن الجهود المبذولة لتحقيق العدالة للمرأة لم تبدأ أو تنتهِ مع تلك الفترة من النشاط بالطبع. لذلك وجد البعض أنه من المفيد، إذا كان الأمر مثيرًا للجدل، أن نفكِّر في الحركة النسائية كما لو كانت تدور في “موجات”. ووفقا لنموذج الموجة، يعتبر الكفاح من أجل تحقيق الحقوق السياسية الأساسية خلال الفترة من منتصف القرن التاسع عشر وحتى مرور التعديل التاسع عشر[2] في عام 1920م بمثابة “الموجة الأولى”. تضاءلت الحركة النسوية بين الحربين العالميتين، “لتنتعش” في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات بمثابة نسوية “الموجة الثانية”. في هذه الموجة الثانية، تجاوز النسويون المطالبة بالحقوق السياسية المبكرة ليقاتلوا من أجل تحقيق قدر أكبر من المساواة في جميع المجالات، على سبيل المثال، في التعليم، وأماكن العمل، وفي المنزل. وقد أدَّت أحدث التحولات في الحركة النسوية إلى “الموجة الثالثة”. ينتقد أنصار الموجة النسوية الثالثة في كثير من الأحيان الموجةَ النسوية الثانية لأنها لم تهتم بالفروق بين النساء في العرق أو الإثنية أو الطبقة أو الجنسية أو الدين (انظر قسم 2.3 أدناه، وأيضا: Breines 2002; Spring 2002)، والتأكيد على “الهوية” باعتبارها موضع الصراع على النوع (لمزيد من المعلومات حول نموذج “الموجة” وكل من “الموجات” انظر مصادر الإنترنت الأخرى).
ومع ذلك، يعترض بعض الباحثين النسويين على تعريف النسوية بهذه اللحظات المعينة من النشاط السياسي، على أساس أن ذلك يخفي حقيقة أن ثمة مقاومة لهيمنة الذكور ينبغي اعتبارها “نسوية” على مدار التاريخ وعبر الثقافات: أي أن النسوية لا تقتصر على عدد قليل من النساء (البيضاوات) في الغرب خلال القرن الماضي أو ما شابه. علاوة على ذلك، حتى بالنظر إلى الجهود الحديثة نسبيا لمقاومة هيمنة الذكور في أوروبا والولايات المتحدة، فإن التركيز على نسوية الموجة “الأولى” و “الثانية” يتجاهل المقاومة المستمرة لهيمنة الذكور بين عشرينيات وستينيات القرن الماضي وكذا المقاومة خارج السياسة السائدة، خاصة من قِبَل النساء الملونات ونساء الطبقة العاملة (Cott 1987).
تتمثل إحدى الطرق لحل هذه المشكلات في تعريف النسوية من حيث كونها مجموعة من الأفكار أو المعتقدات بدلا من المشاركة في أي حركة سياسية معينة. وكما رأينا أعلاه، يزودنا ذلك أيضا بميزة السماح لنا بتحديد مواقع النساء المنعزلات اللاتي لم يُفهَم عملهن أو يُقدَّر خلال زمنهن. ولكن كيف يجب أن نتجه إلى تحديد مجموعة مركزية من المعتقدات النسوية؟ قد يقترح البعض أنه علينا أن نركز على الأفكار السياسية التي صيغ المصطلح للتمكن منها، أي الالتزام بالحقوق المتساوية للمرأة. وفي هذا إقرار بأن الالتزام بحقوق المرأة والدفاع عنها لم يقتصر على حركة تحرير المرأة في الغرب. لكن هذا يثير الجدل أيضا؛ لأنه يضع النسوية في إطار مقاربة ليبرالية بصورة عامة في الحياة السياسية والاقتصادية. على الرغم من أن معظم النسويات قد يتفقن على بعض الحقوق التي يعتبر تحقيق المساواة في حق النساء فيها شرطًا ضروريا لنجاح النسوية، إلا أن معظمهن يجادلن بأن هذا لن يكون كافيا؛ ذلك لأن اضطهاد المرأة تحت هيمنة الذكور لا يتمثل في حرمان المرأة من الحقوق السياسية والقانونية فحسب، وإنما يمتد أيضا إلى بنية مجتمعنا ومحتوى ثقافتنا، وعمل اللغات وكيفية تشكيلها للإدراك وتغلغلها في وعينا (e.g., Bartky 1988, Postl 2017). هل هناك أي هدف إذن لسؤال ما هي النسوية؟ نظرًا للخلافات حول المصطلح وسياسة رسم حدود الحركة الاجتماعية؛ من المغري أحيانا أن نعتقد بأن أفضل ما يمكننا فعله هو الحديث بوضوح عن مجموعة من الاختلافات التي تضم مجموعة من الاعتقادات النسائية. لكن في الوقت نفسه قد يكون من المهم فكريًّا وسياسيًّا أن يكون لدينا إطارٌ تخطيطي يتيح لنا تحديد بعض نقاط اتفاقنا واختلافنا على الأقل. سنبدأ هنا بدراسة بعض العناصر الأساسية للحركة النسوية كموقف سياسي أو مجموعة من المعتقدات.
2.2 المكونات المعيارية والوصفية
يبدو أن النسوية في العديد من صورها تضم مجموعتين على الأقل من الادعاءات، إحداهما معيارية والأخرى وصفية. تتعلق الادعاءات المعيارية بالكيفية التي يجب بها النظر إلى النساء (والتي لا يجب النظر لهن بها) وكذا كيفية معاملتهن ويعتمدن على خلفية مفهومية للعدالة أو الموقف الأخلاقي الرحب؛ أما الادعاءات الوصفية فتتعلق بالطريقة التي يُنظر بها إلى النساء ويُتعامل بها معهن في الواقع، بدعوى أنهن لا يُعامَلن وفقا لمعايير العدالة أو الأخلاق المنشودة في الدعاوى المعيارية. تقدم الدعاوى المعيارية والوصفية معًا أسبابًا للعمل على تغيير مسار الأمور؛ وبالتالي فالنسوية ليست مجرد حركة فكرية ولكنها أيضا حركة سياسية.
لذلك مثلًا، قد تعرِّف المقاربة الليبرالية من النوع الذي سبق ذكره الحركةَ النسوية (بطريقة مبسطة هنا) من حيث ادعائين:
1_ (معياري) يشمل المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والاحترام.
2_ (وصفي) المرأة محرومة في الوقت الحالي من الحقوق والاحترام مقارنة بالرجل [… في كذا وكذا من الجوانب وبسبب كذا وكذا من الظروف…]
وعلى هذا الأساس، الادعاء المعياري هو أن يكون للرجل والمرأة قدر متساوٍ من الحقوق والاحترام؛ والادعاء الوصفي هنا هو أن المرأة محرومة من الحقوق المتساوية والوظائف المحترمة. وباعتراف الجميع، ليس الادعاء بأن المرأة محرومة فيما يتعلق بالحقوق المتساوية والاحترام ادعاءً “وصفيًّا بحتًا”، لأنه ينطوي على عنصر تقييمي، لكن هدفنا هنا هو ببساطة أن الادعاءات من هذا النوع تتعلق بما هو كائن وليس بما يجب أن يكون.
علاوة على ذلك، كما هو موضح بين المعقوفتين أعلاه، لن يكون العنصر الوصفي للرؤية النسوية واضحا في ادعاء واحد، وإنما سيتضمن تفسيرا للآليات الاجتماعية المعيَّنة التي تحرم المرأة من الحقوق والاحترام. على سبيل المثال، هل المصدر الرئيسي لإخضاع المرأة هو دورها في الأسرة؟ (Engels 1845; Okin 1989). أم أنه دورها في سوق العمل؟ (Bergmann 2002). هل المشكلة هي ميول الذكور إلى العنف الجنسي (وما هو مصدر هذه الميول)؟ (Brownmiller 1975; MacKinnon 1987). أم أنها ببساطة دور المرأة البيولوجي في الإنجاب؟ (Firestone 1970).
يمكن أن توجد خلافات داخل النسوية فيما يتعلق بالادعاءات الوصفية أو المعيارية، إذ تختلف النسويات مثلا حول ما يمكن اعتباره عدالة أو ظلمًا بالنسبة للمرأة (ما يعتبر “مساواة”، أو “اضطهادًا”، أو “حرمانًا”، وما الحقوق التي يجب أن تُمنَح للجميع؟) وما هي أنواع الظلم التي تعانيها النساء في الواقع (ما الجوانب الضارة أو غير العادلة في وضع المرأة الحالي؟). قد تكمن الخلافات أيضًا في تفسيرات الظلم: فقد تتفق اثنتان من النسويات على أن النساء محرومات من حقوقهن الملائمة واحترامهن ظلمًا، ومع ذلك تختلفان اختلافا جوهريا في تفسيرهما لكيفية وسبب وقوع الظلم وما هو مطلوبٌ لإنهائه (Jaggar 1994).
كما يمكن أن تقع الخلافات بين النسويات وغير النسويات فيما يتعلق بكل من الادعاءات المعيارية والوصفية أيضا، فمثلا قد يتفق بعض غير النسويات مع النسويات حول الطرق التي يجب أن يُنظَر بها إلى النساء ويُتعامل بها معهن، لكن لا يرين أية مشكلة مع ما تجري عليه الأمور في الوقت الحالي. ويختلف آخرون حول خلفية الرؤية الأخلاقية أو السياسية.
وفي محاولة لاقتراح تفسير تخطيطي للحركة النسوية، تصف سوزان جيمس Susan James النسوية على النحو التالي:
تقوم النسوية على الاعتقاد بأن النساء يتعرضن للاضطهاد والحرمان مقارنة بالرجال، وأن اضطهادهن غير شرعي ولا مسوِّغ له بوجه من الوجوه. ولكن تحت مظلة هذا التوصيف العام، هناك العديد من التفسيرات للنساء واضطهادهن، بحيث يكون من الخطأ الاعتقاد بأن النسوية عبارة عن عقيدة فلسفية واحدة، أو أنها تتضمن برنامجًا سياسيًّا متفقًا عليه. (James 1998: 576)
يبدو أن جيمس هنا تستخدم “الاضطهاد” و “الحرمان” كبديل لمزيد من التفسيرات الجوهرية (المعيارية والوصفية) للظلم، والتي تختلف النسويات بشأنها.
قد يفضّل البعض تعريف النسوية من حيث الادعاء المعياري وحده: فيكون النسويون هم الذين يعتقدون أن للمرأة الحق في المساواة في الحقوق، أو المساواة في الاحترام، أو.. (املأ الفراغ بالتفسير المفضَّل للظلم)، ولا يكون مطلوبا من المرء هكذا أن يعتقد بأن النساء يُعامَلن حاليا بطريقة غير عادلة. لكن إذا تبنينا هذا التعريف الاصطلاحي، فسيكون من الصعب تحديد بعض مصادر الاختلاف المثيرة للاهتمام مع الحركة النسوية وبداخلها على حد سواء، وسيفقد مصطلح “النسوية” كثيرا من إمكانية توحيد أولئك الذين تمتد اهتماماتهم والتزاماتهم وراء معتقداتهم الأخلاقية إلى تفسيراتهم الاجتماعية وانتماءاتهم السياسية. فالنسويون ليسوا ببساطة أولئك الذين يلتزمون من حيث المبدأ بالعدالة بالنسبة للنساء؛ النسويون يَعتبرون أن لديهم أسبابًا لإحداث تغيير اجتماعي وفقا لمصلحة النساء.
إن اعتبار “النسوية” تنطوي على كل من الالتزامات المعيارية والتجريبية يساعد أيضًا في فهم بعض استخدامات مصطلح “النسوية” في الخطاب الشعبي الحالي. ففي الحوار اليومي، ليس غريبا أن نجد كلًّا من الرجال والنساء يصدرون تعليقا حول النساء مع تحذير، “أنا لستُ نسويًّا، ولكن…”. قد يستخدم هذا الوصف (وهو كذلك فعلا) لأغراض متعددة، ولكن يبدو أن إحدى طرق الاستخدام المستمرة هي اتْباع هذا الوصف ببعض الادعاءات التي يصعب التفريق بينها وبين الادعاءات المعتادة لدى النسويين. على سبيل المثال، أنا لستُ نسويًّا ولكني أعتقد أن المرأة ينبغي أن تحصل على أجر متساوٍ مقابل العمل المتساوي؛ أو أنا لستُ نسويًّا ولكني مسرور لأن لاعبات كرة السلة حصلن أخيرًا على بعض التقدير في بطولة العالم النسائية لكرة السلة WNBA. إذا كنا نرى أن التعريف بكلمة “نسوي” هو التزام ضمني للموقف المعياري حول ما ينبغي أن تكون عليه الأمور وتفسير الظروف الحالية على حد سواء، فمن السهل أن نتخيل شخصا في موقف يريد فيه إلغاء تأييده أو تأييدها لأي من الادعاء المعياري والوصفي. لذلك قد يود الشخص مثلا أن يعترف بوجود حالات تعاني فيها النساء من الحرمان دون رغبة منه في أن يبتاع أي نظرية أخلاقية واسعة تتخذ موقفًا من مثل هذه الأمور (خاصة إذا لم تكن معالم هذه النظرية العريضة واضحة). أو ربما يعترف المرء بطريقة عامة جدا بأن المساواة في حق النساء أمر جيد، دون الالتزام بتفسير مواقف الحياة اليومية بوصفها غير عادلة (خاصة إذا لم يكن المدى الذي قد تمتد إليه هذه التفسيرات واضحًا). بيد أن النسويين، وفقًا للخطاب الشعبي على الأقل، على استعداد لتبنِّي تفسير واسع النطاق لما يتطلبه تحقيق العدالة للمرأة، ولتأويل المواقف اليومية بوصفها غير عادلة وفقا لمعايير هذا التفسير. أولئك الذين يلغون التزامهم بالحركة النسوية قد يسعدون بتأييد جزء من الرؤية لكنهم لا يرغبون في تأييد ما يرونه حزمة إشكالية.
كما ذُكِر أعلاه، هناك جدل كبير داخل الحركة النسوية فيما يتعلق بالسؤال المعياري: ما الذي يمكن اعتباره عدالة (كاملة) للمرأة؟ ما طبيعة الخطأ التي تسعى النسوية لمعالجته؟ على سبيل المثال، هل من الخطأ حرمان المرأة من الحقوق المتساوية؟ هل حُرمَت النساء من الاحترام المتساوي بسبب فروقهن؟ هل تُتَجاهل خبرات النساء ويُقلَّل من قدرها؟ هل الأمر هو ما سبق وأكثر؟ وما الإطار الذي ينبغي أن نستخدمه لتحديد القضايا ومعالجتها؟ (see, e.g., Jaggar 1983; Young 1985; Tuana & Tong 1995). لقد تساءل الفلاسفة النسويون على وجه الخصوص: هل تقدم لنا التفسيرات الفلسفية المعيارية للعدالة والأخلاق مصادر كافية لتنظير هيمنة الذكور، أم أننا بحاجة إلى تفسيرات نسوية متميزة؟ (e.g., Okin 1979; Hoagland 1989; Okin 1989; Ruddick 1989; Benhabib 1992; Hampton 1993; Held 1993; Tong 1993; Baier 1994; Moody-Adams 1997; M. Walker 1998; Kittay 1999; Robinson 1999; Young 2011; O’Connor 2008).
لكن لاحظ أنه من خلال صياغة المهمة كمهمة تحديد الأخطاء التي تعاني (وعانَت) منها النساء، هناك إيحاء ضمني بأن النساء كمجموعة يمكن مقارنتهن بالرجال كمجموعة فيما يتعلق بمكانتهم وموقعهم في المجتمع؛ ويبدو أن هذا يوحي بأن النساء كمجموعة يعامَلن بنفس الطريقة، أو أنهن كلهن يعانين من الظلم نفسه، وأن الرجال كمجموعة يحصدون نفس الامتيازات. ولكن هذا ليس هو الحال بالطبع، أو على الأقل ليس هو الحال بشكل مباشر. فكما وضحت بيل هوكس bell hooks، في عام 1963م حينما حثت بيتي فريدان Betty Friedan النساء على إعادة النظر في دور ربة المنزل وطالبَت بفرص أفضل للنساء لدخول سوق العمل (Friedan 1963)، لم تكن فريدان تتحدث عن نساء الطبقة العاملة أو معظم النساء الملونات (hooks 1984: 1–4). وكذلك لم تكن تتحدث عن المثليات[3]. تعاني النساء كمجموعة من أشكال مختلفة من الظلم، ويتفاعل التحيز الجنسي الذي يواجهنه بطرق معقدة مع أنظمة أخرى من الاضطهاد. من الناحية المعاصرة، يُعرَف هذا بمشكلة التقاطع intersectionality (Crenshaw 1991, Botts 2017). وقد دفع هذا بعض المنظِّرين إلى مقاومة الطابع “النسوي” وتبني اسم مختلف لرؤيتهم. ففيما مضى، بين عام 1960 و 1980م، كان مصطلح “النسائية womanism” يُستخدم أحيانا بسبب مثل هذه الالتزامات الفكرية والسياسية؛ ففي عام 1990م، اقترحت أليس والكر Alice Walker أن مصطلح “النسائية womanism” يقدم بديلا لـ “النسوية feminism” والذي يلبي احتياجات النساء السوداوات والنساء الملونات بصورة أفضل على نحو أعم. لكن نظرًا للمزيد من الأعمال الحديثة حول القضايا العابرة، فإن مصطلح النوع الاجتماعي المحدد gender-specific يثير اليوم من المشكلات أكثر مما يحل.
2.3 النسوية وتنوع النساء
لدراسة بعض الطرق المختلفة للاستجابة لظاهرة التقاطع، دعونا نعود إلى الادعاءات التخطيطية بأن النساء مضطهدات وأن الاضطهاد خطأ أو غير عادل. ومن ثم يمكن للمرء على نطاق واسع جدا أن يصف هدف النسوية بأنه القضاء على اضطهاد المرأة. ولكن إذا اعترفنا كذلك بأن النساء لسن مضطهدات بسبب التمييز الجنسي فحسب، وإنما بطرق عديدة مثل الطبقية، وكراهية المثلية، والعنصرية، والقدرة وما إلى ذلك، فقد يبدو أن هدف النسوية هو القضاء على كل أشكال الاضطهاد الذي يؤثر على النساء، وقد تبنَّت بعض النسويات هذا التفسير (e.g., Ware 1970, quoted in Crow 2000: 1).
ولكن لاحظ أنه لا يتفق الجميع مع هذا التعريف الواسع للحركة النسوية. قد يتفق المرء على أن النسويات يجب أن يعملن على إنهاء كافة أشكال الاضطهاد -فالاضطهاد ظلم، والنساء كأي شخص آخر لديهن واجب أخلاقي يتمثل في محاربة الظلم- دون الإبقاء على أن مهمة النسوية هي القضاء على كافة أشكال الاضطهاد. قد يعتقد المرء أنه من أجل تحقيق أهداف النسوية، من الضروري مكافحة العنصرية والاستغلال الاقتصادي، ولكنه يعتقد أيضا أن هناك مجموعة أضيق من الأهداف النسوية على وجه التحديد. بعبارة أخرى، قد تكون لمقاومة الاضطهاد بصوره المتعددة مساهمة في النسوية، بل إنها وسيلة ضرورية لها، لكنها ليست جوهرية بالنسبة لها، فمثلا، تجادل بيل هوكس:
النسوية، ككفاح من أجل التحرير، يجب أن توجد إلى جانب الصراع الأوسع لاستئصال الهيمنة بشتى صورها وكجزء منه. يجب أن نفهم أن الهيمنة الأبوية تشترك في أساس أيديولوجي مع العنصرية وصور أخرى من اضطهاد المجموعات، وأنه ليس هناك أمل في استئصالها بينما تظل هذه النظُم سليمة. ينبغي أن تعرِّف هذه المعرفة بصورة متسقة باتجاه النظرية والممارسة النسوية (hooks 1989: 22).
ووفقا لتفسير هوكس فإن السمة المحدِّدة التي تميز النسوية عن صراعات التحرير الأخرى هي اهتمامها بالتمييز الجنسي:
بخلاف العديد من الرفاق النسويين، أعتقد أنه يجب على النساء والرجال أن يتشاركوا فهمًا مشتركا -معرفة أساسية عن ماهية النسوية- حول ما إذا كان من شأنها أن تكون حركة سياسية قوية قائمة على أساس جماهيري. في كتاب النظرية النسوية: من الهامش إلى المركز، أقترح أن تعريف النسوية على نطاق واسع بأنها “حركة للقضاء على التمييز الجنسي والاضطهاد الجنسي” سيمكننا من تحقيق هدف سياسي مشترك… والتشارك في هدف مشترك لا يعني أن الرجال والنساء لن يكون لديهم وجهات نظر مختلفة جذريًّا حول كيفية الوصول إلى هذا الهدف. (hooks 1989: 23)
تعتمد مقاربة هوكس على دعوى أن التمييز الجنسي صورة خاصة من صور الاضطهاد يمكن تمييزها عن الصور الأخرى مثل العنصرية وكراهية المثليين، رغم أنها متداخلة حاليا (ودائما تقريبًا) مع صور الاضطهاد الأخرى. وهدف النسوية هو القضاء على التمييز على أساس الجنس، رغم أن هذا سيتطلب جهودًا للقضاء على أشكال القمع الأخرى أيضا، وذلك بسبب علاقته بها. على سبيل المثال، لن تتمكن النسويات اللاتي ما زلن عنصريات من تقدير التأثير الكبير للتمييز على حياة النساء الملونات، ولا الترابط بين العنصرية والتمييز على أساس الجنس. علاوة على ذلك، نظرًا لأن المؤسسات المتحيزة جنسيًّا أيضا عنصرية، وطبقيَّة، وكارهة للمثليين؛ فإن تفكيك المؤسسات المتحيزة جنسيًّا يتطلب تفكيك أشكال الهيمنة الأخرى المتشابكة معها (Heldke & O’Connor 2004). وتبعًا لهوكس، قد نصف النسوية بشكل تخطيطي بأنها الرؤية القائلة بأن النساء يتعرضن للاضطهاد الجنسي وأن هذا خطأ (مما يسمح بملء المخطط بطرق مختلفة وبتفسيرات مختلفة). تنقل هذه الخطوة الفكرة الرئيسة لبحثنا من توصيف ماهية النسوية إلى توصيف ماهية التمييز أو الاضطهاد على أساس الجنس.
كما ذُكر أعلاه، هناك تفسيرات متنوعة -نسوية أو غير نسوية- لما يتمثل فيه الاضطهاد، ولكن الفكرة الرئيسة هي أن الاضطهاد يتمثل في “بنية مغلقة من القوى والحواجز التي تميل إلى تجميد مجموعة أو فئة من الناس واختزالهم” (Frye 1983: 10–11). ليست أي “بنية مغلقة” تكون قمعية، ولكن من المعقول أن أي عملية للتنشئة الاجتماعية سوف تخلق بنية تُقيّد وتُمكّن كل الأفراد الذين يعيشون فيها. لكن “البنية المغلقة” في حالة الاضطهاد جزء من نظام أوسع يحرم إحدى المجموعات بشكل غير متكافيء وغير عادل ويفيد مجموعة أخرى. لذلك مثلا، رغم أن التحيز الجنسي يقوض الفرص المتاحة لكل من الرجل والمرأة -ويضرُّ بها بلا شك- (والنظر في بعض المقارنات الزوجية قد يكون له تأثير سلبي على الرجل أكثر من المرأة) إلا أن النساء كمجموعة يعانين من ضرر أكبر بصورة غير عادلة أولا وأخيرا. ومع ذلك، فمن السمات المميزة للتفسيرات المعاصرة أنه لا يمكن للمرء افتراض أن أعضاء المجموعة المميزة صمموا النظام أو حافظوا عليه لمصلحتهم عمدًا. قد تكون البنية القمعية ناتجة عن عملية تاريخية رحل مُنشؤوها منذ زمن طويل، أو قد تكون هي النتيجة غير المقصودة لاستراتيجيات تعاونية معقدة تمَّت بصورة خاطئة.
إذا نحَّينا مزيدًا من التفاصيل بشأن تفسير الاضطهاد جانبًا (في الوقت الراهن على الأقل)، فسيبقى السؤال: ما الذي يجعل شكلا من أشكال الاضطهاد جنسيًّا؟ إذا قلنا أن شكلا من أشكال الاضطهاد يُعتبر اضطهادًا جنسيا إذا كان يلحق الضرر بالنساء، أو حتى يلحق بهن الضرر في المقام الأول، فإن هذا لا يكفي لتمييزه عن أشكال الاضطهاد الأخرى. فجميع صور الاضطهاد تقريبا تُلحق الضرر بالنساء، ويمكن القول بأن بعض صور الاضطهاد مع الاضطهاد الجنسي تلحق بهن الضرر في المقام الأول (وإن لم يكن ذلك على وجه الحصر)، مثل الاضطهاد بناء على حجم الجسد، والاضطهاد على أساس العُمر. علاوة على ذلك، وكما لاحظنا من قبلُ، فإن التمييز على أساس الجنس لا يضر النساء فحسب، بل يضرنا جميعًا.
لا يبدو أن ما يجعل شكلا من أشكال الاضطهاد جنسيًّا هو إلحاق الضرر بالنساء فحسب، بل أن يكون الشخص خاضعًا لهذا الشكل من الاضطهاد على وجه الخصوص لأنه امرأة (أو لأنه يبدو كذلك على الأقل). الاضطهاد العنصري يضر بالنساء، لكنه (بحد ذاته) لا يضر بهن لأنهن نساء، بل لأنه (يبدو) أنهن عناصر في عِرق معيَّن. توفر لنا الإشارة إلى أن الاضطهاد الجنسي يتمثل في اضطهاد يخضع له المرء لكونه امرأة أو أنه يبدو كذلك -على الأقل- بواكير أداة تحليلية لتمييز البُنى الثانوية التي تؤثر على بعض النساء أو حتى عليهن جميعا، عن تلك التي تقوم على أساس التمييز الجنسي بشكل أكثر تحديدا (Haslanger 2004). لكن الإشكالات وعدم الوضوح ما زالت قائمة.
أولا، نحتاج مزيدًا من التوضيح لما يعنيه أن تكوني مضطهدَة “لأنك امرأة”. على سبيل المثال، هل الفكرة هي أن هناك شكلا معيَّنًا من أشكال الاضطهاد تختص به النساء؟ هل اضطهادُكِ “كامرأة” هو اضطهادُكِ بصورة معينة؟ أم يمكننا أن نكون تعدديين حول ما يتمثل فيه الاضطهاد على أساس الجنس دون تفكيك للفكرة إلى ما وراء فائدتها؟
لقد أثبتت استراتيجيتان لتفسير الاضطهاد الجنسي وجودَ إشكال، الأولى هي الإبقاء على أن هناك صورة من صور الاضطهاد مشتركة بين جميع النساء. فمثلا، يمكن للمرء أن يفسر عمل كاثرين ماكينون Catharine MacKinnon بأنه يدعي أن كون المرأة مضطهَدة يعني كونها يُنظَر إليها ويُتعامَل معها من الناحية الجنسية كتابع، بينما يستند هذا الادعاء على الحقيقة العمومية (المزعومة) والمتمثلة في إثارة هيمنة الذكور وخضوع الإناث (MacKinnon 1987, 1989). ورغم أن ماكينون تجيز أن تحدث التبعية الجنسية بعدة طرق، إلا أن تفسيرها أحادي في محاولته توحيد الصور المختلفة للاضطهاد الجنسي في تفسير جوهري يجعل من التشييء الجنسي بؤرة تركيزه. ورغم أن عمل ماكينون يوفر مصدرًا قويًّا لتحليل تبعية المرأة، فقد جادل كثيرون بأنه محدود للغاية، فمثلا في بعض السياقات (وخاصة في الدول النامية) يبدو أن الاضطهاد على أساس الجنس يتعلق بدرجة أكبر بالتقسيم المحلي للعمل والاستغلال الاقتصادي. ورغم أن التبعية الجنسية بالتأكيد عامل من عوامل الاضطهاد الجنسي، إلا أنها تتطلب منا ابتداع تفسيرات غير معقولة للحياة الاجتماعية، لنفترض أن كل تقسيمات العمل التي تستغل النساء (لكونهن نساءً) تنبع من “إثارة الهيمنة والخضوع”. علاوة على ذلك، لا يبدو أنه لكي نفهم الاضطهاد الجنسي علينا أن نبحث عن صورة واحدة من صور الاضطهاد تشترك فيها كل النساء.
وأما الاستراتيجية المشكِلة الثانية فهي اعتبار النماذج تتمثل في أولئك المضطهدات لأنهن نساء فحسب، مع الاعتقاد بأن الحالات التي تُحدِث أشكالا إضافية من الاضطهاد ستحجب ما يميز الاضطهاد الجنسي. ستجعلنا هذه الاستراتيجية نركز على النساء البيضاوات، الثريَّات، الشابَّات، الجميلات، القادرات بدنيًّا، والمحبَّات للجنس الآخر في الولايات المتحدة لنحدد ما هو الاضطهاد الذي يعانين منه -إذا كان ثَمَّ أي اضطهاد- على أمل العثور على التمييز الجنسي في صورته “الأنقى”، دون اختلاطه بالعنصرية أو كراهية المثلية وما إلى ذلك (see Spelman 1988: 52–54). ليست هذه المقاربة معيبة لإقصائها الجميع ما عدا أكثر النساء نخبوية في نموذجها فحسب، بل إنها تفترض أن الامتياز في مجالات أخرى لا يؤثر على الظاهرة محل الدراسة. كما توضح إليزابيث سبيلمان Elizabeth Spelman:
.. لا تخضع أي امرأة لأيٍّ من أشكال الاضطهاد لمجرد أنها امرأة؛ فأشكال الاضطهاد التي تتعرض لها تتوقف على أي “نوع” من النساء هي. وفي عالم تتعرض فيه المرأة للعنصرية، والطبقية، وكراهية المثلية، ومعاداة السامية، إذا لم تكن خاضعة، فذلك بسبب عرقها، أو طبقتها، أو دينها، أو ميولها الجنسية. لذلك لا يمكن أبدًا أن تتعلق معاملة المرأة بنوع جنسها فحسب ولا تتعلق بطبقتها أو عِرقها. (Spelman 1988: 52–3)
صُمِّمَت تفسيرات أخرى للاضطهاد تجيز أن يكون للاضطهاد صور متعددة، وترفض أن تحدد إحدى صوره كصورة أساسية أو مركزية أكثر من البقية. على سبيل المثال، تصف إريس يونغ Iris Young خمسة “أوجه” للاضطهاد: الاستغلال، والتهميش، والعجز، والإمبريالية الثقافية، والعنف المنهجي (Young 1980 [1990a: ch. 2]). وربما ينبغي أن تضاف أوجه أخرى للقائمة. فالاضطهاد الجنسي أو العِرقي سيتجلَّى بطرق مختلفة وفي سياقات مختلفة مثل العنف المنهجي في بعض السياقات، وفي سياقات أخرى من خلال الاستغلال الاقتصادي. لا يصل الإقرار بذلك إلى الحد المطلوب، بيد أن المنظِّرين الأحاديين مثل ماكينون يمكنهم الموافقة على ذلك. يجب أن تسمح التفسيرات التعددية للاضطهاد الجنسي أيضا بعدم وجود تفسير شامل للاضطهاد الجنسي ينطبق على كافة صوره: ففي بعض الحالات قد يكون اضطهاد النساء كنساء راجع إلى إثارة هيمنة الذكور، ولكن في حالات أخرى يمكن تفسيره بصورة أفضل من خلال القيمة الإنجابية للنساء في إنشاء صلات القرابة (Rubin 1975)، أو من خلال تغيير متطلبات العولمة داخل مكان العمل الذي تُبنى طبقاته على أساس العِرق. بعبارة أخرى، يقاوم التعدديون الافتتان بـ “نظرية اجتماعية كبرى”، أو “تعريفات شاملة”، أو “تفسيرات أحادية”، ليجيزوا أن يعتمد تفسير التمييز الجنسي في سياق تاريخي معين على عوامل اقتصادية وسياسية وقانونية وثقافية خاصة بهذا السياق الذي قد يمنع تعميم التفسير على جميع نماذج التمييز الجنسي (Fraser & Nicholson 1990). ما زال ملائما للأساليب التعددية أن تبحث عن نماذج في المواقف الاجتماعية للمرأة وتفسيرات هيكلية داخل السياقات الاجتماعية وعبرها، ولكن عند القيام بذلك يجب أن نكون حساسين للتنوع التاريخي والثقافي.
2.4 النسوية كَمناهضة للتمييز الجنسي
لكن إذا اتبعنا استراتيجية تعددية في فهم الاضطهاد الجنسي، فما الذي يوحِّد كل النماذج كنماذج للاضطهاد الجنسي؟ بعد كل شيء، لا يمكننا أن نفترض أن الاضطهاد الذي نقصده يأخذ الشكل نفسه في السياقات المختلفة، ولا يمكننا أن نفترض وجود تفسير ضمني للطرق المختلفة التي يُظهِر بها نفسه. ومن ثَم هل يمكننا حتى أن نتحدث عن مجموعة موحدة من الحالات -عن شيء يمكن أن نسمِّيه “الاضطهاد الجنسي”- على الإطلاق؟
تحثُّنا بعض النسويات على الاعتراف بأنه لا توجد طريقة منهجية لتوحيد النماذج المختلفة للتمييز الجنسي، وفي المقابل لا توجد وحدة منهجية فيما يمكن اعتباره نسوية: وبدلا من ذلك، علينا أن نرى الوحدة النسوية في بناء الائتلاف (Reagon 1983). تعمل مجموعات مختلفة لمكافحة أشكال مختلفة من الاضطهاد؛ وتتخذ بعض المجموعات الاضطهاد ضد المرأة (كامرأة) محلًّا رئيسًا لاهتمامها. وإذا كان هناك أساسٌ للتعاون بين بعض المجموعة الفرعية من هذه المجموعات في سياق معين، فإن العثور على هذا الأساس يُعَدُّ إنجازًا، ولكن لا ينبغي اعتباره أمرًا مسلَّمًا به.
ومع ذلك، سيكون البديل هو التسليم بأنه لا يمكن التسليم بالوحدة بين النسويات في الممارسة العملية، سوى البدء بأساس نظري مشترك بين الرؤى النسوية لا يفترض أن التمييز الجنسي يظهر في نفس الشكل أو لنفس الأسباب في كل السياقات. رأينا أعلاه أن إحدى الاستراتيجيات الواعدة للتفريق بين التمييز الجنسي وبين العنصرية والطبقية والصور الأخرى من الظلم هي التركيز على الفكرة القائلة بأنه إذا كانت إحداهن تعاني من التمييز الجنسي، فإن جزءًا مهمًّا من تفسير سبب خضوعها للظلم هو أنها امرأة أو تبدو كذلك. ويشمل ذلك الحالات التي تكون فيها النساء كمجموعةٍ مستهدفات بصورة صريحة من قِبَل سياسة أو ممارسة، ولكنه يشمل أيضا الحالات التي تؤثر فيها السياسة أو الممارسة على النساء بسبب تاريخ التمييز الجنسي، حتى إذا لم يكُنَّ مستهدفاتٍ بصراحة. على سبيل المثال، في السياق الذي تكون فيه المرأة هي المقدم الأساسي للرعاية بالنسبة للأطفال ولا يمكنها السفر للعمل بنفس السهولة كالرجال، فإنه يمكن اعتبار مهن التوظيف التي تكافيء من يستطيعون السفر متحيزة جنسيًّا؛ لأن التفاضل سببه الممارسات الجنسية. فالقواسم المشتركة بين الحالات من شأنها أن توجد في دور النوع الاجتماعي [الجندر] في تفسير الظلم وليس الصورة المحددة التي يتخدها الظلم. وبناء على ذلك يمكننا توحيد مجموعة عريضة من الرؤى النسوية بالنظر إليها باعتبارها ملتزمة بالادعاءات (التجريدية جدا) المتمثلة في:
1_ (الادعاء الوصفي) تتعرض النساء ومن يبدو أنهن نساء للازدراء و/أو الظلم لأنهن -جزئيًّا على الأقل- نساء أو يبدو أنهن كذلك.
2_ (الادعاء المعياري) يجب ألا يحدث الازدراء والظلم المذكوران في (1) ويجب إيقافهما متى وأينما وقعا.
لقد استخدمنا مصطلح “الاضطهاد” بشكل فضفاض حتى الآن؛ لتغطية أي صورة من صور الضرر أو الظلم محل النقاش. واستمرارا مع هذا الانفتاح المتعمد في الطبيعة الدقيقة للضرر، يبقى السؤال عن ما الذي يعنيه القول بأن النساء يتعرضن للاضطهاد لأنهن نساء. ولمعالجة هذا السؤال، قد يساعدنا التأمل في الغموض المألوف في مفهوم “لأن”: هل نُعنى هنا بتفسيرات أو تسويغات سببية؟ من ناحية، القول بأن إحداهن تتعرض للاضطهاد لأنها امرأة يوحي بأن أفضل تفسير (سببي) للخضوع محل البحث سيرجع إلى جنسها: مثلا، تخضع باولا للاضطهاد الجنسي في الوظيفة لأن أفضل تفسير لربحها 10 دولارات في الساعة أقل من بول مقابل قيامها بعمل مماثل له يرجع إلى جنسها (ربما إلى جانب عِرقها أو تصنيفات اجتماعية أخرى). ومن ناحية أخرى، القول بأن إحداهن تتعرض للاضطهاد لأنها امرأة يوحي بأن سبب أو أساس البُنَى الاضطهادية يتطلب أن يكون المرء حسَّاسًا لجنس الشخص لكي يحدد الكيفية التي ينبغي أن يُنظَر إليه ويُتعامل معه بها، أي أن تسويغ كون الشخص خاضعًا للبُنَى المذكورة يعتمد على تمثيله بوصفه ذكرًا أو أنثى. مثلا، تخضع باولا للاضطهاد الجنسي في الوظيفة؛ لأن مقياس الأجور لتصنيف وظيفتها له ما يسوِّغه داخل إطار يميز عمل المرأة ويقلل من قيمته مقارنة بعمل الرجل.
ولكن لاحظ أنه في كلتا الحالتين لا يلزم أن تكون حقيقة أن إحداهن امرأة أو تبدو كذلك هي العامل الوحيد ذو الصلة لتفسير الظلم. فمثلا قد يبرز أحدهم في مجموعة بسبب عرقه، أو طبقته، أو جنسه، ولأنه بارز يصبح هدفًا للظلم. ولكن إذا أخذ الظلم شكلًا يُعتَبر حَريًّا بالمرأة على وجه الخصوص مثلا، فإن الظلم ينبغي أن يُفهَم بشكل متقاطع أي كاستجابة لفئة متعددة الجوانب. على سبيل المثال، كانت ممارسة اغتصاب النساء البوسنيات ظلمًا متقاطعًا: فقد استهدفهن لأنهن بوسنيَّات ولأنهن نساء على حد سواء.
بالطبع، هذان الفهمان لكون إحداهن مضطهَدة لأنها امرأة لا يتعارضان؛ بل أحدهما يدعم الآخر بصورة مثالية. لأن الأفعال البشرية غالبا ما تُفسَّر بصورة أفضل من خلال الإطار المستخدم لتسويغها، فقد يلعب جنس الشخص دورًا كبيرا في تحديد كيفية التعامل معه؛ لأن خلفية فهم ما هو التعامل المناسب معه ترسم تفريقات غير عادلة بين الجنسين. وبعبارة أخرى، فإن الآلية السببية للتمييز الجنسي غالبًا ما تمر عبر تمثيلات إشكالية للنساء والأدوار الجندرية.
في كل حالات تعرض المرأة للاضطهاد بوصفها امرأة كالمذكورة أعلاه، تعاني باولا من الظلم، لكن العامل الحاسم في تفسير الظلم هو أن باولا عضو في مجموعة معينة وهي النساء. وهذا فيما نعتقد أمر حاسم في أن صور التمييز الجنسي (والعنصري، وصور التمييز الأخرى) تُفهَم في أغلب الأحيان بوصفها أنواعًا من الاضطهاد. فالاضطهاد هو الظلم الذي يتعلق أولا وقبل كل شيء بالمجموعات؛ فالأفراد يُضطهَدون فقط في حالة إخضاعهم للظلم بسبب عضويتهم في مجموعتهم. ووفقا لهذه الرؤية، فإن القول بأن النساء كنساء يعانين من الظلم، هو القول بأن النساء مضطهدات.
إلى أين سيقودنا هذا؟ “النسوية” مصطلح جامع لمجموعة من الرؤى حول أنواع الظلم ضد المرأة. هناك خلافات بين النسويات حول طبيعة العدالة بشكل عام وطبيعة التمييز الجنسي، وخصوصًا الأنواع المحددة من الظلم أو الازدراء التي تعاني منها النساء؛ وحول المجموعة التي ينبغي أن تكون في بؤرة التركيز الأساسي للجهود النسوية. ومع ذلك، فإن النسويات يتعهدن بإحداث تغيير اجتماعي للقضاء على الظلم ضد المرأة، ولا سيما الظلم ضد النساء بوصفهن نساءً.
تقدم النسوية كثيرًا من الأشياء إلى الفلسفة، ليس مجموعة متعددة من الدعاوى الأخلاقية والسياسية الخاصة فحسب، بل وطرق لطرح الأسئلة والإجابة عنها، والحوار البنَّاء والنقدي مع الرؤى والأساليب الفلسفية السائدة، وموضوعات جديدة من البحث. يعمل الفلاسفة النسويون في كل التقاليد الرئيسة في البحث الفلسفي، بما في ذلك الفلسفة التحليلية والفلسفة البراغماتية الأمريكية والفلسفة القارِّية. تناقش المقالات التي تظهر في هذه الموسوعة تحت عنوان “النسوية، المقاربات” تأثيرَ هذه التقاليد على البحث النسوي وتختبر احتمالية الرغبة في العمل التي تربط بين التقليدين. تُغطَّى المساهمات النسوية في المناقشات الفلسفية السائدة في مقالات في هذه الموسوعة تحت عنوان “النسوية، التدخلات”. وأما المقالات التي تُغطَّى تحت عنوان “النسوية، الموضوعات” فتتعلق بقضايا فلسفية تنشأ عندما تعبر النسويات عن تفسيرات للتمييز الجنسي، وتنتقد الممارسات الاجتماعية والثقافية المتعلقة بالتمييز الجنسي، وتطور رؤى بديلة لعالَم عادل. إنها باختصار موضوعات فلسفية تنشأ داخل النسوية.
إن تنوع مقاربات الفلسفة النسوية كتنوع المقاربات الفلسفية نفسها تقريبا، مما يعكس مجموعة متنوعة من المعتقدات حول ماهية أنواع الفلسفة المثمرة والهادفة في آن واحد. ولتوضيح هذه الاختلافات، يقدم هذا القسم من موسوعة ستانفورد للفلسفة نظرة عامة على مقاربات الفلسفة النسوية السائدة التالية (على الأقل في المجتمعات الأكثر تطورًا). وفيما يلي روابط لمقالات في هذا القسم:
تشترك جميع هذه المقاربات في مجموعة من الالتزامات النسوية، وفي نقد شامل للمؤسسات والافتراضات والممارسات التي تفضِّل الرجال على النساء تاريخيًّا. كما أنها تشترك في نقد عام لدعاوى العمومية والموضوعية التي تتجاهل خصوصية نظريات هيمنة الذكور ونوعيتها. ستكون الفلسفات النسوية لمعظم التوجهات الفلسفية أكثر منظورية، وتاريخية، وسياقية، وستركز على التجربة الحية أكثر من نظيراتها غير النسوية. وبخلاف الفلاسفة السائدين الذين قد يدرسون الألغاز الفلسفية للأدمغة في وعاء بصورة جادة، يبدأ الفلاسفة النسويون دوما برؤية الناس بوصفهم متجسدين. جادل النسويون أيضا لإعادة تشكيل الهياكل المقبولة وإشكاليات الفلسفة. فعلى سبيل المثال، لم يرفض النسويون امتياز الاهتمامات الإبستمولوجية على الاهتمامات الأخلاقية والسياسية الشائع في كثير من مجالات الفلسفة فحسب، بل جادلوا بأن هذين المجالين من الاهتمامات متشابكان بحيث لا يمكن الفصل بينهما. يوضح الجزء الثاني من مقالة النسوية التحليليةanalytic feminism مجالات مشتركة أخرى عبر هذه المقاربات المتعددة. فمن ناحية، يتفق الفلاسفة النسويون عموما على أن الفلسفة أداة قوية لفهم أنفسنا وعلاقة بعضنا ببعض، وبمجتمعاتنا، وبالدولة؛ وذلك لتقدير مدى اعتبارنا عارفين وأعضاء أخلاقيين، وللكشف عن افتراضات وأساليب مختلَف هيئات المعرفة. ومن ناحية أخرى، فإنهم يتناغمون تماما مع التحيزات الذكورية في العمل حول تاريخ الفلسفة، مثل تلك المتعلقة “بطبيعة المرأة” وحيادية القيمة المفترَضة، والتي عند الفحص لا تكاد تكون حيادية على الإطلاق. لقد وجد النسويون أن ادعاءات العمومية، تأتي عادة من وجهات نظر محددة وخاصة، على عكس ادعاءاتهم الواضحة. ومن التوجهات الأخرى التي يشترك فيها النسويون عموما، الالتزام بالمعيارية والتغيير الاجتماعي؛ فهم لا يكتفون بتحليل الأشياء كما هي بل يبحثون عن طرق للتغلب على الممارسات والمؤسسات الجنسية.
مثل هذا البحث المتعلق بإشكالية المقاربات السائدة غالبا ما يؤدي إلى استخدام النسويات أساليبَ ومقارباتٍ من أكثر من اتجاه فلسفي واحد. وكما لاحظَت آن غاري Ann Garry في الجزء الثالث من مقالة النسوية التحليلية (2017)، ليس من المستغرب أن نجد النسويات التحليليات يعتمدن على رموز غير تحليلية مثل بوفوار، أو فوكو، أو بتلر، وبسبب حافزهم للتواصل مع النسويات الأخريات؛ فإنهم أكثر دافعية من الفلاسفة الآخرين لـ “البحث عن التلاقح المنهجي المتبادل”.
وحتى مع توجهاتهم المشتركة والمتداخلة، فإن الاختلافات تجاه المقاربات الفلسفية النسوية المختلفة بالغة الأهمية، خصوصًا فيما يتعلق بأساليب الكتابة، والتأثيرات، والتوقعات العامة حول ما يمكن أن تحققه الفلسفة وما ينبغي أن تحققه. تميل الفلسفة النسوية التحليلية إلى إعلاء قيمة التحليل والحجج، بينما ترفع النظرية النسوية القارية من قدر التأويل والتفكيك، وترفع النسوية البراغماتية من قدر التجربة الحيَّة والاستكشاف. ويشكك كلٌّ من الفلاسفة القاريين والبراغماتيين في أن “الحقيقة” -أيًّا كانت- تظهر وتتطور تاريخيًّا، منطلقين بذلك من الاتجاه ما بعد الهيجلي. ويميلون إلى الاشتراك مع نيتشه في الرؤية القائلة بأن ادعاءات الحقيقة غالبا ما تخفي وجه تمثيلات السلطة. ولكن في حين أن القارِّيين والبراغماتيين حذرون بشكل عام من مفاهيم الحقيقة، تميل النسويات التحليليات إلى القول بأن الطريق لمواجهة التمييز الجنسي والمركزية الذكورية يتمثل في تشكيل تصور واضح للحقيقة ومتابعتها، وللاتساق المنطقي، والموضوعية، والعقلانية، والعدالة والخير. (Cudd 1996: 20).
تلعب هذه الاختلافات والتقاطعات دورًا في الطرق التي تنخرط بها مختلَف النسويات في موضوعات الاهتمام المشترك. أحد مجالات التقاطع الأساسية التي أشارت إليها جورجيا وارنك Georgia Warnke هو الاستحواذ على نظرية التحليل النفسي، حيث تتبنى النسويات الأنجلو-أمريكيات عموما نظريات العلاقة بالموضوع[4] object-relations theories، وأما النسويات القاريات فيعتمدن أكثر على لاكان ونظرية التحليل النفسي الفرنسية المعاصرة، رغم أن هذا قد بدأ يتغير فعلا (انظر مقالة التقاطعات بين النسوية التحليلية والقارية). كما أكدت شانون سوليفان Shannon Sullivan أيضا على أهمية مقاربات التحليل النفسي في مقالتها عن التقاطعات بين النسوية البراغماتية والقارية. وانطلاقا من أهمية نظرية التحليل النفسي للاتجاهات الثلاثة، ضُمِّن مقال منفصل عن هذه المقاربة من التنظير النسوي في هذا القسم.
ليس ثَمَّ موضوع أهم للفلسفة النسوية من الجنس والنوع الاجتماعي (الجندر)، لكن حتى هنا تزدهر العديد من الاختلافات حول الفكرة الرئيسية. فبينما تتمسك النسوية التحليلية، مع نقدها للجوهرية، بالتفريق بين الجنس/النوع الاجتماعي عمليًّا كمقالة إيمانية (see the entry on feminist perspectives on sex and gender and Chanter 2009)، تميل النسويات القاريات إلى الشك في كل من (1) أنه من المفترض حتى أن تتشكل الفئة البيولوجية البحتة للجنس نفسها اجتماعيًّا (Butler 1990 and 1993) أو (2) أن الاختلاف الجنسي نفسه يجب أن يُقدَّر ويُنظَّر له (see especially Cixous 1976 and Irigaray 1974).
على الرغم من اختلاف المقاربات، والأساليب، والمجتمعات، والتوجهات، فإن القواسم المشتركة للفلاسفة النسويين أكبر من اختلافاتهم. يستعير كثيرون بحرية من بعضهم البعض ويجدون أن توجهات أخرى تسهم في عملهم. فحتى الاختلافات حول الجنس والجندر تضاف إلى حوار أكبر حول أثر الثقافة والمجتمع على الجسد، والخبرة، وطرق التغيير.
بدأ الفلاسفة النسويون، في عملهم حول المجالات التقليدية للدراسة، في تغيير تلك المجالات المحددة. تتضمن الموسوعة مجموعة من المقالات حول كيفية تدخل الفلسفات النسوية في المجالات التقليدية في البحث الفلسفي، وهي المجالات التي يميل فيها الفلاسفة في كثير من الأحيان إلى القول بأنهم يتعاملون من وجهة نظر عمومية محايدة (تتمثل الاستثناءات البارزة في البراغماتية، وما بعد البنيوية، وبعض الظاهراتية). من الناحية التاريخية، تدعي الفلسفة أن القاعدة عمومية، وأن المؤنث شاذ، حيث إن العمومية ليست قائمة على الجنس، ولكن كل الأشياء المؤنثة ليست عمومية. ليس من المستغرب أن تشير النسويات إلى أن هذه المشروعات التي يفترض أنها محايدة تقوم في واقع الأمر على التمييز بين الجنسين، بمعنى تمييز الذكور. على سبيل المثال، كشفت النسويات اللائي يعملن حول الفلسفة البيئية كيف تؤثر الممارسات بصورة غير ملائمة على النساء، والأطفال، والملوَّنين. وقد أوضحت النسوية الليبرالية كيف أن حقائق الليبرالية العمومية المفترضة -في الواقع- منحازة وخاصة. وقد دعا الإبستمولوجيون النسويون إلى “إبستمولوجيات الجهل” التي تعمل حول عدم المعرفة. ويكشف الفلاسفة النسويون على نطاق واسع في الواقع عن تحيزات الذكور، ويشيرون إلى قيمة الخصوصية أيضا، ويرفضون عموما العمومية كقاعدة أو هدف.
تتضمن المداخل الموجودة تحت عنوان التدخلات النسوية ما يلي:
كشف الاهتمام النقدي النسوي للممارسات الفلسفية عن عدم كفاية الأوساط الفلسفية المهيمنة. فمثلا، كان للنسويات اللائي يعملن من منظور حياة النساء تأثيرهن في لفت الانتباه الفلسفي إلى ظاهرة الرعاية وتقديم الرعاية (Ruddick 1989; Held 1995, 2007; Hamington 2006)، والاعتمادية (Kittay 1999)، والإعاقة (Wilkerson 2002; Carlson 2009)، وعمل المرأة (Waring 1999; Delphy 1984; Harley 2007)، والتحيز العلمي والموضوعية (Longino 1990)، كما كشف عن نقاط الضعف في النظريات الأخلاقية، والسياسية، والإبستمولوجية الحالية. وبشكل أعم، طالبت النسويات بالبحث فيما يعتبر عادةً ممارسات “خاصة” واهتمامات شخصية، مثل الأسرة والجنسانية والجسد، لموازنة ما يبدو أنه امتلاك ذكوري سابق لأمور “عامة” وغير شخصية. تفترض الفلسفة مسبقا أدوات تفسيرية لفهم حياتنا اليومية. والعمل النسوي فيما يتعلق بالتعبير عن جوانب إضافية من الخبرة وأوجه ممارساتنا لا يقدر بثمن في إظهار التحيز في الأدوات الحالية، وفي البحث عن أدوات أفضل.
تثير التفسيرات النسوية للتمييز الجنسي وتفسيرات الممارسات القائمة على التمييز بين الجنسين قضايا تندرج تحت مجال البحث الفلسفي التقليدي. على سبيل المثال، عند النظر في الرعاية، تطرح النسويات أسئلة حول طبيعة الذات، وعند النظر في الجندر، تتساءل النسويات عن العلاقة بين الطبيعي والاجتماعي، وعند النظر في التمييز الجنسي في العلوم، تتساءل النسويات حول ما ينبغي اعتباره معرفة. في بعض هذه القضايا، تقدم التفسيرات الفلسفية السائدة أدوات مفيدة؛ وفي حالات أخرى، تبدو المقترحات البديلة واعدة بصورة أكبر.
في المقالات الفرعية المدرجة تحت عنوان “النسوية (الموضوعات)” في جدول محتويات هذه الموسوعة، يدرس المؤلفون بعض الأعمال النسوية الحديثة المتعلقة بأحد الموضوعات، ويسلطون الضوء على القضايا التي لها صلة خاصة بالفلسفة. هذه المداخل هي:
انظر أيضا المداخل الموجودة في قسم مداخل ذات صلة أدناه. Related Entries section
قائمة المراجع:
الأدوات الأكاديمية:
| How to cite this entry. | |
| Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society. | |
| Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO). | |
| Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database. |
مصادر الإنترنت الأخرى:
اختيرت الموارد المدرجة أدناه فقط لتوفير نقطة انطلاق للكم الهائل من المواد النسوية المتاحة على شبكة الإنترنت. ينصب التركيز هنا على المصادر العامة المفيدة للبحث في الفلسفة النسوية أو النظرية النسوية متعددة التخصصات، على سبيل المثال، الارتباطات المتعلقة بمراجع ومواقع التعريف، والمصادر المتعلقة بالشمول والإقصاء والتنوع النسوي. القائمة ليست كاملة وسيتم تنقيحها وتوسيعها بانتظام. تتوفر مصادر إضافية حول موضوعات في النسوية مثل الثقافة الشعبية والحقوق الإنجابية والعمل الجنسي في كل مدخل فرعي حول هذا الموضوع.
عامة:
ذات صلة:
“موجات” النسوية:
النسوية والطبقة:
Marxist, Socialist, and Materialist Feminisms
الاقتصاديات النسوية:
Women and Labor
النسوية والإعاقة:
Feminism, Human Rights, Global Feminism, and Human Trafficking
النسوية والعرق:
General Resources
African-American/Black Feminisms and Womanism
Asian-American and Asian Feminisms
Chicana/Latina Feminisms
American Indian, Native, Indigenous Feminisms
Feminism, Sex, Sexuality, Transgender, and Intersex
مداخل ذات صلة:
affirmative action | communitarianism | contractarianism | discrimination | egalitarianism | equality |equality: of opportunity | exploitation | feminist philosophy, interventions: epistemology and philosophy of science | feminist philosophy, interventions: ethics | feminist philosophy, interventions: history of philosophy | globalization | homosexuality | identity politics | justice: as a virtue | justice: distributive | legal rights | liberalism | Mill, Harriet Taylor | Mill, John Stuart |multiculturalism | parenthood and procreation | race
شكر وتقدير
نشكر إليزابيث هارمان، وإليزابيث هاكيت، وإيشاني مايترا، وأستا سفيندسوتير، وليزلي ماهوني، وآن غاري على العديد من التنقيحات.
المصدر:
Feminist Philosophy- Stanford Encyclopedia of Philosophy Archive
[1] https://plato.stanford.edu/archives/fall2018/entries/feminist-philosophy/ .
[2] تعديل في دستور الولايات المتحدة يحظر حرمان المواطنين من التصويت على أساس الجنس. (المترجمة).
[3] تعتبر كثير من النسويات وغير النسويات في الغرب أن المثليين مضطهدون؛ بسبب رفض المجتمع لهم إما لاعتقادهم أن الشذوذ مرض لا يلام عليه صاحبه، أو اعتقادهم بأنه حرية شخصية، ويضاف للجانب النسوي الرؤية الشائهة للعلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة، فيجدن في الشذوذ ملاذا من الاضطهاد الجنسي، ونحن هنا لا نسلِّم بأي من الأمور الثلاثة، فرؤيتنا للشذوذ تتمثل في كونه جريمة يجب دفعها انطلاقا من الشرع القويم، كما لا يخفى على عامة المسلمين، وهي خلاف الاشتراك الإنساني كما لا يخفى على عموم الناس. وسيتكرر ذكر المثلية في هذه المقالة بما يوحي باضطهاد المثليين، فلعل هذا التعليق يغنينا عن إعادته مع كل موضع منعا للتكرار. (المترجمة).
[4] إحدى النظريات المتعلقة بالتحليل النفسي، ويعتقد روادها أن السنوات الأولى من العمر هي التي يوضع فيها حجر أساس الشخصية الإنسانية من خلال علاقاته في هذه المرحلة، حيث يكون داخل الطفل صور مختزنة للشخصيات أو الموضوعات الهامة في حياته، وهي التي يستقبل بها نفسه والعالم والآخرين. (المترجمة).