25 أغسطس, 2016
خلال الأسابيع الأخيرة تصاعدت حدة الجدل والنقاش على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي في أعقاب التقرير الذي نشرته منظمة هيومان رايتس واتش حول نظام الولاية على المرأة السعودية. زاعمة أن نظام الولاية يمنع المرأة حقوقها، كحقها في السفر وحقها في الخروج للعمل، وحقها في الزواج دون اشتراط موافقة الولي، وقد سارع عدد من المتغربين والمخدوعين من أبناء جلدتنا بدعم مطالب المنظمة الأمريكية، من خلال هشتاج#معا_لإنهاء_ولاية_الرجل_على_المرأة.
ولن نخوض في خلفيات هذا التقرير والأبعاد الفكرية التي حملت القوم على هذه المطالب، ولكننا سنحاول خلال هذا المقال سرد تجربة إحدى الدول العربية، التي قطعت شوطا طويلا في هذا المضمار لنرصد ما جنته المرأة في هذه الدولة من جراء ذلك، في محاولة لبيان عواقب مثل هذه الدعوات، وهل فعلا كما يزعم متغربو قومنا أنها ستحقق السعادة للمرأة.
لماذا مصر؟
الدولة التي نسرد تجربتها هي (مصر) والسبب في اختيار مصر أنها سبقت غيرها من الدول العربية والإسلامية في مسألة الدعوة لما يسمى بـ”المساواة بين الرجل والمرأة”، بل تعتبر التجربة المصرية بالنسبة لكثير من دعاة المساواة النموذج الملهم في الشرق الأوسط لتمكين المرأة. حيث يؤكد آخر دستور تم الاستفتاء عليه عام 2014م على ضرورة المساواة التامة بين الرجل والمرأة، وقد خصصت المادة رقم 11 لتحقيق هذا الأمر، حيث نصت على: “تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في كلّ الحقوق المدنيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة”(1).
خاض دعاة النسوية في مصر على مدار سنوات معارك ضارية على صفحات الصحف، وعبر شاشات التلفاز وفي قاعات المحاكم للمطالبة بالسماح للمرأة السفر دون إذن زوجها، ولكي تخرج المرأة للعمل حتى في حال عدم موافقة الزواج، ولتتمكن من تزويج وتطليق نفسها. وبذلت النخب المتغربة في هذا السبيل جهوداَ جبارة من مؤتمرات وندوات وتظاهرات، وأنفقت الأموال الطائلة للدعاية لهذه المطالب، ومورست العديد من الضغوط الداخلية والخارجية، وتم إنتاج الأفلام والمسلسلات التي تروج لتلك المطالب.
إنهاء ولاية الرجل!
كان من نتاج ذلك أن أصدرت المحكمة الدستورية العليا في عام 2000م قرارًا يقضي بأن للمرأة الحق في السفر إلى الخارج بدون إذن زوجها، وذلك في الطعن رقم243 بجلسة 4-11-2000م حيث قضت بـ ”عدم دستورية المادتين رقم 8 و رقم 11 من القرار بقانون رقم(97) لسنة 1959م، فيما تضمنه من تخويل وزير الداخلية بموافقة وزير الخارجية سلطة تحديد شروط منح جواز السفر، وبسقوط المادة رقم 3 من قرار وزير الداخلية سنة 1996م، والتي تشترط وجوب موافقة الزوج على منح الزوجة جواز سفر وتجديده بعد تقديم موافقته على سفرها للخارج. واعتبر هذا الحكم بمثابة انتصار للحركة النسوية(2).
كما ينص القانون المصري على حق الزوجة أن تخرج للعمل المشروع دون إذن زوجها، ولو لم تكن قد اشترطت عليه ذلك في عقد الزواج، وبحسب بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء في مارس 2015م، فقد بلغت نسبة مساهمة المرأة في قوة العمل بلغت 22.9% من إجمالي قوة العمل من سن 15 – 64 سنة، وهي تمثل ما يقرب من ثلث مساهمة الرجال التي تبلـغ 73.4%.
أما عدم الولاية في الزواج: فينص القانون المصري على حق المرأة البالغة العاقلة، سواء أكانت بكرًا أم ثيبًا أن تباشر بنفسها عقد زواجها استقلالاً عن وليها، مع جواز أن توكل غير وليها في زواجها، بل وأن تباشر عقد زواج غيرها، مثال ذلك ما قضت به محكمة النقض في حكم لها -بتأصيل ذلك الحق- في الطعن رقم 194 جلسة 19-10-1998م(3).
كما صدر في عام 2001م قانون الخلع، وهو القانون الذي يمكن المرأة من التطليق مقابل ردها لمقدم الصداق(المهر) وتنازلها عن (مؤخر الصداق، ونفقة العدة والمتعة) حتى بدون رضى الزوج، ينص القانون المصري على: ” لزوجين أن يتراضيا فيما بينهما على الخلع, فان لم يتراضيا عليه، وأقامت الزوجة دعواها بطلبه وافتدت نفسها وخالعت زوجها بالتنازل عن جميع حقوقها المالية الشرعية، وردت عليه الصداق الذي أعطاه لها, حكمت المحكمة بتطليقها عليه”(4).
وتشير الإحصائيات -كما تقول د.نادية حليم بمركز البحوث الاجتماعية والجنائية- إلى أن عدد حالات الخلع سنة 2004م وصل إلى11 ألف حالة، وفي سنة 2005م وصلت الحالات إلى12015 حالة، وحتى نهاية ديسمبر 2009م وصل عدد قضايا الخُلع في محاكم الأسرة إلى نحو55 ألف قضية، وفق إحصائيات وزارة العدل، من بينها 15 ألف قضية متداولة، في حين قضت المحكمة بشطب الدعوى في27 ألف قضية بعد الصلح، أو وقوع الطلاق العادي. ورغم ذلك، فهناك قرابة13 ألف رجل “مخلوع” بموجب حكم قضائي نهائي، أي أن المجتمع المصري يشهد حالة خلع كل 7 ساعات تقريبًا.
وقد اعترض كثيرون على نص المادة الخاصة بالخلع لأسباب فقهية، فجمهور الفقهاء سواء الإمام أحمد وأبو حنيفة والشافعي وأهل الظاهر، كلهم يؤكدون على أهمية أخذ رأي وموافقة الزوج، الأصل أن تتم المخالعة بين الزوجين بالتراضي إلا أن نص المادة أجاز للزوجة أن تقيم الدعوى بطلب مخالعة الزوج المدعى عليه والتطليق عليه بطلقة بائنة ولو لم يتراضيا عليه، و النص الوارد يجعل القاضي هو الذي يقوم بإيقاعه وليس الزوج. ما نود أن نشير إليه أن قضية تطليق المرأة لنفسها أصبح من الأمور السهلة والميسرة من خلال قانون الخلع.
الخلاصة: أن المرأة المصرية حصلت على ما يطالب به المتغربون في المملكة، من إسقاط الولاية في الزواج والطلاق، وسفر المرأة بغير إذن زوجها، وحرية المرأة في الخروج للعمل، حتى ولو لم يوافق الزوج.
فماذا جنت المرأة المصرية بعد أكثر من عقد من الزمان من حصولها على هذه المطالب؟
الحصاد المر:
لم تحل المشكلات التي تعاني منها المرأة بعد إسقاط حق ولاية الزوج في (السفر، الخروج للعمل، الزواج، الطلاق)، بل على العكس ازدادت معانتها، وتدهورت أوضاعها، ولم تجد السعادة التي كان يبشر بها دعاة المساواة.
في تقريره الصادر الأربعاء 25 نوفمبر 2015م، قال الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر: إن واحدةً من بين 4 نساء متزوجات يتعرضن للعنف الجسدي من الزوج. مشيراً إلى أن أكثر من 30% من النساء اللاتي سبق لهن الزواج، تعرضن لشكلٍ معينٍ من أشكال العنف الجسدي أو الجنسي أو النفسي على يد أزواجهن، وذلك وفقا لبيانات المسح السكاني الصحي في العام 2014م.
وأضاف التقرير أن نسبة النساء اللاتي سبق لهن الزواج، واللاتي يتعرضن للعنف الجسدي من الزوج يبلغ 25.2%(5).
كشف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بمصر: أن عدد إشهادات الطلاق بلغ نحو 180 ألف إشهاد عام 2014م، مقابل 162 ألف إشهاد عام 2013م، بزيادة قدرها 17 ألف إشهاد بنسبة 10.9% ، أي ما يقارب 508 حالة طلاق يوميا.
كشفت نتائج دراسة أجرتها مؤسسة “تومسون رويترز”، واستعانت فيها بخبراء متخصصين في مجال قضايا المرأة، أن مصر هي أسوأ مكان تعيش فيه المرأة مقارنة بالدول العربية الأخرى(6).
تصدَّرت مصر قائمة الدول العربية الأكثر ممارسة للعنف ضد المرأة في العالم العربي خلال عام 2015م، طبقًا لأحدث الدراسات الاجتماعية الصادرة عن مؤسسة “تومسون رويترز”.
وأشارت الدراسة، وهي الرابعة التي تجريها المؤسسة البريطانية عن وضع المرأة منذ يناير 2011م في مصر، إلى انتشار العنف ضد المرأة بصوره المختلفة، ونتيجة لتفاقم هذه الظاهرة ، أطلقت الحكومة المصرية وحدة لمتابعة جرائم العنف ضد المرأة، وذلك في مايو 2013م وأيضاً إنشاء إدارات لمناهضة العنف ضد النساء بمديريات الأمن، ثم إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمناهضة العنف ضد النساء التي أعدها المجلس القومي للمرأة، ونُشرت في يوم 7 مايو 2015م. وتغطي الاستراتيجية الوطنية فترة خمس سنوات (2015 – 2020م)، و تهدف إلى التنسيق بين جهات عديدة، بما في ذلك عدد من الوزارات والمجالس القومية والهيئات ذات الطبيعة الخاصة، للعمل سوياً على نشر الوعي بجرائم العنف ضد المرأة وتوفير الدعم اللازم للناجيات منها.
وأوضح تقرير الفجوة بين الجنسين الصادر عن المنتدى الأقتصادي العالمي عن عام 2015م أن مصر تأتي ضمن أسوء 10 دول في العالم. إذا استمر معدل التغيير الحالي، فإن الفجوة بين الرجال والنساء لن تسد قبل عام 2133م.
ونشرت هيئة الأمم المتحدة للمرأه (UN Women) نتائج بحث قامت بها على الفتيات والنساء فى بعض محافظات مصر، أكدت فيه زيادة نسبة التحرش بمصر بصورة غير مسبوقة، حيث أجابت 99.3% من النساء والفتيات اللواتى شملهن البحث، بأنهن تعرضن لنوع من أنواع التحرش.
وأشارت الدراسة، إلى أن أشهر أنواع التحرش كان لمس جسد الأنثى، حيث عانى 59.9 % من النساء إلى هذا النوع، بينما جاء فى المرتبة الثانية التصفير والمعاكسات الكلامية، حيث عانى منها 54.5% من النساء والفتيات.
وأصدر مكتب شكاوى المرأة بالمجلس القومي للمرأة تقريره الربع سنوي، والذي يتضمن أهم الشكاوى التي تلقاها المكتب على مستوي جميع المحافظات.
وجاء بالتقرير أن المكتب رصد نحو 1500 شكوى بجميع المحافظات، وتصدرت الشكاوى المتعلقة بالأحوال الشخصية كدعوي الخلع والنفقة والطلاق المرتبة الأولي، حيث بلغت 35.1% من إجمالي الشكاوى، وجاءت في المرتبة الثانية الشكاوى المتعلقة بالمعوقات التي تواجه المرأة خلال العمل، كسوء المعاملة، وممارسة التميز العنصري ضدها، وعدم حصولها علي إجازة رعاية طفل، أو التظلم من عدم النجاح بمسابقة التعين أو التعاقد حيث بلغت 10.8%.
فيما يتعلق بشكاوى العنف التي تتعرض له النساء، سواء العنف الأسري أو الجسدي جاءت في المرتبة الثالثة بنسبة 7.6 % من إجمالي الشكاوي.
وجاءت محافظة القاهرة الأولي من حيث عدد الشكاوى التي وردت خلال فترة التقرير بنسبة 14.1%، وتلتها محافظة السويس بنسبة 12.8% ومحافظة الجيزة بنسبة 10.1%. (7)
نسوق هذه التجربة وهذه الأرقام للمطالبين برفع ولاية الرجل عن المرأة، حتى نوفر عليهم مرارة التجربة التي خاضها دعاة المساواة في مصر. فهل يتعظ دعاة التغريب في بلاد الخليج بمثل هذه التجارب، ويكفوا عن التهليل والتطبيل كلما خرجت امرأة عن تعاليم وقيم دينها ومجتمعها. ويوفروا جهودهم للدعوة لنهضة حقيقية بمجتمعاتهم، تشارك فيها المرأة بما وهبها الله من طبيعة تميزها عن الرجل، دون أن تخرج على تعاليم دينها وقيم مجتمعاتها، ويبدأوا من حيث انتهى الآخرون، ليختصروا الزمن ولا يعرضوا مجتمعاتهم للأزمات نفسها التي تعرض لها غيرهم، ويحمدوا الله على ما منّ به على بلادهم من الالتزام بتعاليم الدين والنجاة من الفتن والشرور، فهل يعون الدرس؟ وقديما قالت العرب “السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه”.
(1) أوضاع المرأة المصريّة في عهد السيسي لم تتحسّن بالقدر الكافي على الرابط التالي : http://cutt.us/roEoc
(2) أبرز التعديلات التي طرأت على قوانين الأحوال الشخصية المصرية المعنية بالمرأة خلال العقود الثلاثة الأخيرة 1979-2009م، سيدة محمود، http://www.iicwc.org/lagna_I0I/iicwc/iicwc.php?id=990
(3) أبرز التعديلات، مرجع سابق.
(4) انظر: مقال: قانون الخلع في مصر، على الرابط التالي: http://cutt.us/FIGkG
(5) انظر: مصر: 1 من بين 4 نساء متزوجات يتعرضن للعنف الجسدي، على الرابط: http://cutt.us/NiAGL
(6) انظر: دراسة: مصر أسوأ دولة عربية بالنسبة للمرأة في 2015م، http://www.elwatannews.com/news/details/878512
(7) حصاد المرأة لعام 2015: مصر تتصدر قائمة الدول الممارسة للعنف.. 99%يتعرضن للتحرش، على الرابط التالي: