7 سبتمبر, 2017
نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش في وقت سابق من هذا الشهر، تقريرا عن المرأة السعودية بعنوان: “كمن يعيش في صندوق: المرأة ونظام ولاية الرجل في السعودية”، ادعت فيه أن “نظام ولاية الرجل في السعودية يبقى أكبر حاجز أمام تحقيق المرأة لحقوقها”. مشيرة إلى حاجة المرأة إلى تصريح من وليّ أمرها للسفر إلى الخارج والزواج، زاعمة أن المرأة السعودية في ضوء ولاية الرجل تظل “قاصرة قانونيا طيلة حياتها”.
في أعقاب نشر هذا التقرير تم تدشين هشتاج بعنوان: “#معا_لإنهاء_ولاية_الرجل_على_المرأة” وقد شارك عدد من متغربي قومنا في الهشتاج، داعمين ما تضمنه التقرير، وزاعمين أن ولاية الرجل الشرعية على المرأة هو انتقاص للمرأة وسبب لإهدار حقوقها.
والملاحظ على بعض التغريدات التي تضمنها الوسم: هو الخلط بين بعض الممارسات الخاطئة من الآباء والأزواج والأبناء وبين مفهوم الولاية الشرعية، إذ إن الولاية هي رعاية وصيانة للمرأة لا امتهان فيه، ولا إذلال، وأما إذا تعسف الرجل في ولايته فإن الأنظمة العدلية أعطت للقاضي حق رفع “ولاية الأمر” فيما يخص النكاح أو المال أو الحضانة أو جميعها.
أما ما تطالب به المنظمة الدولية من إلغاء ولاية الرجل على المرأة، فهي دعوة للفوضى المجتمعية، تتحرر فيه المرأة من كل قيد أو قيمة أو سلطان، لتعيش في هذا العالم الفوضوي دون رعاية أو حماية تتناهشها الذئاب، وأكبر دليل على هذا العالم الفوضوي ما تعانيه المجتمعات الغربية من نسب الاغتصاب والتحرش والعنف ضد المرأة، وكون المرأة هي الضحية الأكبر للعنف في المجتمعات.
وفيما يلي جملة من الأرقام حول الفوضى التي عمت المجتمعات التي ألغت نظام ولاية الرجل على المرأة تحت دعاوي ومزاعم حرية المرأة وحقوقها:
– يوجد في أوروبا بين 200 ألف إلى 500 ألف امرأة وفتاة للعمل في الدعارة، أغلبهن من دول البلطيق والبلقان وروسيا وأوكرانيا، وروسيا البيضاء وأرمينيا وبولندا وتشيكيا وسلوفاكيا ورومانيا وبلغاريا وكرواتيا ومقدونيا وصربيا والبوسنة وألبانيا. وتحوي ألمانيا أكبر عدد من بائعات الهوى في العالم (موقع ساسة بوست).
– “تواجه النساء في بلدان الاتحاد الأوروبي مخاطر الاعتداء البدني أو الجنسي، حيث إن واحدة من كل 3 نساء في الاتحاد تعرضت لهذه الاعتداءات، حيث كشفت وكالة الحقوق الأساسية التابعة للاتحاد الأوروبي ومقرها فيينا من خلال دراسة تعد الأكبر في العالم حول العنف ضد النساء، والتي حاورت خلالها 42 ألف امرأة في جميع دول الاتحاد الأوروبي، أن ما يقدر بـ13 مليون امرأة تعرضت لسوء المعاملة الجسدية. وأن 3.7 ملايين امرأة اغتصبن أو تعرضن للتحرش الجنسي.
وبحسب الدراسة أيضا فإن أعلى عدد من النساء اللائي قلن إنهن تعرضن للعنف مثل الضرب والحرق الاغتصاب وأشكال أخرى من الجنس القهري كانت في الدنمارك بنسبة 52 بالمئة، وفنلندا بنسبة 47 بالمئة، والسويد بنسبة 46 بالمئة. في حين سجلت كل من بولندا والنمسا وكرواتيا أقل نسبة بنحو 20 بالمئة في كل دولة منهم. كما سجلت دول جنوب أوروبا مثل إيطاليا واليونان 33 بالمئة لكل منهما. وبحسب مرصد جماعة الضغط النسائية الأوروبية، فإن ما يقارب 8 حالات اغتصاب يتم تسجيلها لدى الشرطة يوميا في بلجيكيا.
– في فرنسا: 95% من ضحايا العنف من النساء. ووفقا لمعلومات الداخلية الفرنسية، فإن امرأة واحدة تفقد حياتها كل 3 أيام نتيجة العنف المنزلي، أي ما يمثل 16 بالمئة من مجموع جرائم القتل في البلاد. وفي السياق ذاته وبحسب مرصد وطني مختص في العنف ضد المرأة في فرنسا، فقد صرحت 654 ألف امرأة فرنسية أنها كانت ضحية العنف في السنة الماضية.
كما تشير جمعيات فرنسية تقاوم العنف ضد المرأة، أن 175 ألف فرنسية تتعرض إلى الاغتصاب سنويا. كما يسجل الرقم الأخضر الخاص بحالات العنف سنويا مايقارب 80 ألف مكالمة.
في بريطانيا: ارتفعت معدلات حالات الاغتصاب المسجلة في بريطانيا في الآونة الأخيرة إلى حدود غير مسبوقة في أعقاب الكشف عن العديد من فضائح الاعتداء الجنسي داخل البلاد، وهذا ما يؤكده المعهد الإحصائي الوطني في لندن، حيث أفاد أن النصف الأول من العام 2014م شهد تسجيل أكثر من 22 ألف حالة اغتصاب، ما يعني ارتفاع النسبة بـ 29 بالمئة عن العام الماضي. وبحسب موقع صحيفة “الغارديان” البريطانية فإن امرأة واحدة من بين 10 نساء في بريطانيا تعرضت للتحرش الجنسي، في حين أن امرأة من بين 20 تعرضت للاغتصاب. ووفقا لبيانات شرطة ساسيكس التي أدرجتها شبكة “النساء ضد العنف في أوروبا” فإن امراتين تقتل أسبوعيا على يد رفقاء حاليين أو سابقين” [1].
وأما ولاية الرجل على المرأة في ظل الإسلام فلها حكمتها التي قصدها الشرع لكي تستقيم الحياة فيما يلي جملة من جوانب ولاية الرجل على المرأة:
الولاية في الزواج:
إن الإسلام – بأحكامه – أعطى المرأة حرية اختيار زوجها، حين أوقف نفاذ عقد الزواج على اجتماع إرادتين: إرادة الزوج، وإرادة الزوجة. وأكد النبي – صلى الله عليه وسلم – على تلك الحرية في أحاديث عدة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها»[2]. وحين جعل ولي المرأة شريكا في اختيار زوجها قصد – أول ما قصد – ألا تضع المرأة نفسها في غير كفء، ولم يقصد حجرا عليها، ولما كان معيار القبول أمرين هما: الدين والميل القلبي، وكان الثاني: وقفا على الزوجة، كان أحرى بالولي أن يتولى الأمر الأول، لا سيما والأمر يحتاج إلى من يزن الأمور بميزان بعيد عن العواطف, أضف إلى ذلك ما في وجود الولي من صون للمرأة عن مباشرة عقد النكاح بنفسها، وحفظ ماء وجهها، وتنزيهها عما قد يمس حياءها.
الولاية في السفر:
المرأة في السفر عرضة لحوادث الطرق المريعة وشباك قطاع الطرق، وما جنت المرأة من سفرها مفردة في أعظم دول العالم حضارة إلا الاغتصاب أو الأسر والاتجار بها في سوق الدعارة، لذلك لزم على ولي الأمر أن يتولى بنفسه أمر سفرها حتى يوفر لها الرعاية الكاملة، وليس في هذا انتقاصا لعقلها، بل حفظا لها وتماشيا مع طبيعة المرأة.
كما منع الإسلام المرأة من السفر بدون محرم، فهذا من مزايا الشريعة الغراء، ومحاسن الدين الكامل، والإسلام قد كرم المرأة بهذا وغيره وجعلها كالملكة المحروسة والأميرة المحمية بالجنود والعسكر.
إن وجود محرم مع المرأة في السفر أمر واضح حكمته، بين مقاصده؛ فهذا المحرم وجد معها ليحرسها ويحميها من أن ينالها أحد بسوء، أو يعتدى عليها ذئب من ذئاب الطريق الضالة التي تبحث عن الفرائس والضحايا وما أكثرهم اليوم! ولا يستطيع أحد أن يقول: إن التقدم الحضاري قد قلل من أمثال هذه الكلاب المسعورة، بل الحقيقة أنهم في زيادة مطردة، كلما تقدمت الإنسانية أو ادعت الحضارة والمدنية؛ لذلك فهم أكثر عددا وأقوى تنظيما وأشد شراسة في الدول التي تدعي أنها وصلت إلى قمة الحضارة والمدنية.
وما جنت المرأة من سفرها مفردة في أعظم دول العالم إلا الاغتصاب، أو الأسر في شباك الثعابين الملساء، حين يلتقون بالضحية أو الفريسة مفردة، ويظل يناغمها باسم الحب والغرام تارة، والمدنية والانفتاح تارة أخرى، حتى تستسلم له وتقع في شباكه، ثم بعدما ينال منها مأربه، ويقضي نهمه يتركها للضياع كسيرة مذلولة؛ لتكمل مسيرة حياتها مجروحة عارية عن معنى الإنسان والآدمية، مستسلمة لأيدي كل عابث بها. لقد فقدت شرفها وكرامتها وإنسانيتها، فلم يبق لها شيء تخاف عليه أو تمتنع لأجله. وهذا لون من ألوان الدعارة، وإن تباينت أشكالها.
ولعل هذه أحسن حالا من غيرها التي وقعت بالفعل في شباك تجار الجنس وأسواق الدعارة؛ فتباع بلا ثمن وتتلقفها محال الدعارة لتغنم من بضعها وتربح من جسدها، وتصير مطية لكل ماجن يدفع لسيدها ثمنا بخسا دراهم معدودة، فلا هي حافظت على شرفها وكرامتها، ولا هي استفادت من ورائه حتى بالمال الحرام والثمن البخس. بئسما أراد أعداء المرأة لها. تلك هي المخاطر الفظيعة والحوادث المريعة التي تنتظر المرأة المسافرة وحدها. فمن الذي يريد صونها والحفاظ عليها نقية عفيفة طاهرة لا تنال إلا بحقها وكرامتها وشرفها؟!
وحتى بعض الفقهاء الذين أجازوا سفر المرأة من غير محرم، اشترطوا وجود رفقة آمنة ومن يمكنه أن يتأكد من أمان الرفقة وسلامة الطريق إلا ولي الأمر”[3].
إن الإسلام حين سن هذه التشريعات، صان المرأة وكرمها وحفظها من أيدي الماجنين العابثين الذين أرادوها ألعوبة في أيديهم، وأداة للاتجار بها، ووسيلة سهلة ميسورة للمتاع، ثم إلقاءها في سلة المهملات، فهذه لا تنطلي عليها دعواتهم البراقة، ولتتعظ المرأة بمن سقطن في شباكهم.
الولاية على المرأة والخروج للعمل:
لم يمانع الإسلام في خروج المرأة للعمل والاكتساب إذا التزمت بالضوابط الشرعية، وراعت سلم الأولويات في مهامها الحياتية، فلم يؤثر عملها على وظائفها التربوية والزوجية داخل البيت.
وهكذا لم ينزع الإسلام من المرأة حقها في الاستقلال الاقتصادي الحقيقي، فأجاز لها حرية التملك، ومنحها حرية التصرف والإنفاق وتنمية الثروة.
إن الإسلام قد اعتنى بالمرأة المسلمة فأمن حاضرها عن طريق المهر، وأمن مستقبلها عن طريق الإرث، وعن طريق الحق في اختيار الزوج جعل بداية الحياة الزوجية بيدها، وعن طريق منحها في طلب التطليق أو الخلع جعل إنهاء الحياة الزوجية برغبتها أسوة بالرجل.
لقد اقتضت حكمة الله ألا تكلف المرأة بالإنفاق على الأسرة؛ وذلك لأنها بطبيعتها لا تستسيغ الكد وتحمل المشاق سعيا وراء المال؛ فدوام جمال المرأة ونشاطها وكبريائها يتطلب رفاهية أكثر، وجهدا أقل، وراحة نفسية أكبر، فلو اضطرت المرأة لأن تكون مثل الرجل في الكد والسعي والركض وراء المال فسيجرح كبرياؤها، وتعلو وجهها الأخاديد والتجاعيد التي تعلو وجه الرجل في العادة.
وراحة المرأة وسلامتها ونشاطها وصفاء ذهنها، له قيمة كبرى في اعتدال مزاج وراحة الأسرة، وإضفاء جو السعادة في البيئة المحيطة بها، ولعل هذا هو السر الذي يكمن وراء استعداد الرجل للعمل المضني، ثم تقديم الأجر طواعية واختيارا بكلتا يديه إلى زوجته لتنفق عن سعة هنا وهناك”[4].
الولاية على المرأة وأهلية التصرف:
أكد الإسلام احترام شخصية المرأة المعنوية، وسواها بالرجل في أهلية الوجوب والأداء، و”أثبت لها حقها في التصرف، ومباشرة جميع العقود: كحق البيع، وحق الشراء، وحق الدائن، وحق المدين، وحق الراهن، وحق المرتهن، وحقوق الوكالة والإجارة والاتجار في مالها الخاص، وما إلى ذلك من الحقوق المدنية واجبة النفاذ. ولقد أطلق الإسلام للمرأة حرية التصرف في هذه الأمور بالشكل الذي تريده، دون أية قيود تقيد حريتها في التصرف، فللمرأة كامل الحرية في التملك والإنفاق”[5].
من يريد هدم مبدأ ولاية الرجل على المرأة لبعض الممارسات الخاطئة من بعض الرجال، مثله كمثل من يريد أن يجعل المجتمعات دون حاكم أو سلطان لممارسات بعض الحكام الخاطئة، فبدلا من نصحهم وتوجيههم يريد أن يلغي منصب الحاكم، فيصبح المجتمع دون حاكم فتسود الفوضى في كل مكان حتى ينهار المجتمع في النهاية.
إن الولاية في ديننا مسؤولية وأمانة، وشريعة وديانة، فمن قام بحقها، وعدل وأنصف، فقد أدى ما أؤتمن عليه، وحفظ الأمانة، ومن ضيعها فهو محاسب ومسؤول، ومفرط وغاش لرعيته، قال صلى الله عليه وسلم: “ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة”[6]، فالأولى بنا أن نستحث من تولى ولاية أن يؤديها على الوجه الأكمل وأن يعطي لمن هم تحته حقوقهم، لا أن نهدم مبدأ الولاية فتصير فوضى تتسبب في ضياع الجميع.
المصدر:
[1] وكالة أخبار المرأة، ظاهرة العنف ضد المرأة المستشرية في العالم، على الرابط:http://wonews.net/ar/index.php?act=post&id=12375
[2] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها (4843)، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت (3541)، واللفظ له.
[3] انظر موسوعة بـيان الإســلام. الرد على الافتراءات والشبهات، على الرابط التالي : http://bayanelislam.net/Suspicion.aspx?id=01-08-0012&value=&type=
[4] موسوعة بيان الإسلام، مرجع سابق.
[5] مرجع سابق.
[6] حديث “ما من عبد يسترعيه الله رعية..” متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.