8 سبتمبر, 2017
تناولنا على مدار سبع حلقات تطورات حركة تحرير المرأة الأمريكية منذ أن طالبت “أبيجيل أدامز” زوجة جون أدامز ـ الرئيس الثاني للولايات المتحدة ـ بتعزيز حقوق المرأة في خطابها الذي وجهته في مارس 1776م، وحتى بروز “الموجة النسوية الثالثة” في تسعينات القرن الماضي. فماذا كانت النتيجة التي جنتها المرأة الأمريكية؟
نعم تمكنت المرأة الأمريكية من تحقيق المساواة مع الرجل في معظم جوانب الحياة، فقد حصلت على: حق التصويت في الانتخابات، وأصبحت ترشح من يعبر عنها، كما تساوت هي والرجل في الأجور، ووصلت لأعلى المناصب في الولايات المتحدة، وصارت الدراسات النسوية أحد الدراسات الرئيسة في الجامعات، وسيطر الفكر النسوي على كثير من وسائل الإعلام، ونشأت أعداد من المجلات المتخصصة والصحف النسائية. كما تضخمت الأدبيات النسوية بسرعة هائلة، لكن كل هذا لم يحقق للمرأة الأمريكية السعادة التي كانت تبحث عنها، وبدأت هناك دعوات لضرورة عودة المرأة إلي بيتها، وكل يوم يزاد أنصار هذه الدعوة.
وفيما يلي شهادات عدد من النخب والأكاديميين الأمريكيين عن حصاد تجربة حركة تحرير المرأة الأمريكية:
معلومات مغلوطة:
توضح كاري إل. لوكاس ـ وهي عضو بالحزب الجمهوري الأميركي ومديرة السياسات ونائبة الرئيس لمنتدى المرأة المستقلة ـ في كتابها خطايا تحرير المرأة: “المقصد الأساس من كتابها ـ كما تقول كاري ـ تقديم المعلومات المحجوبة عن النساء في مرحلة العشرينيات والثلاثينيات، تجاه قضايا الزواج والعلاقات خارج الزواج والإنجاب والطلاق؛ وذلك لأن المؤلفة تعتقد أن هناك الكثير من المعلومات المزيفة والأوهام، يتم تمريرها لهذه الفئة من النساء من قبل الحركة النسوية في أميركا التي احتكرت ذلك لفترة طويلة عبر وسائل الإعلام، والتي تكون وعياً زائفاً لديهن ما انعكس على حياتهن بشكل سلبي.
وتؤكد كاري أنها راجعت المناهج الخاصة بفصول الدراسات النسوية التمهيدية في 30 كلية، ووجدت أنها تحتوي على الكثير من المعلومات المشكوك فيها، والتي تقدَّم للطلبة وكأنها حقائق مسلم بها، ومنها أن العفة مفهوم غير صحيح ولا يجب الالتزام به!
وتنبّه كاري على أن نتائج عدة استطلاعات ودراسات تؤكد ندم الفتيان والفتيات على ممارسة الجنس مبكرا ودون زواج، وهو واقع يخالف تنظيرات الفكر النسوي، لكنه ندَم متأخر بسبب كثافة الحشد للفكر النسوي في الإعلام والتعليم.
وتشير كاري إلى تغير مفهوم النسوية الحديثة اليوم وعن نشأتها حين كانت المساواة تعني شيئا مختلفا تماماً، بحيث أصبحت “ترتبط بأجندة تحقق منفعة مجموعة مصالح معينة”. وتستعرض كاري تطور مفهوم النسوية عبر مراحلها الثلاث فتقول: “وبينما ركزت الموجة الثانية على مخاطبة مصالح المرأة البيضاء حسنة الحال ذات الميول الجنسية الطبيعية، فالنسوية المعاصرة تركز بشكل كبير على السحاقيات ونساء الأقليات والنساء الفقيرات”. وتخلص كاري من هذا إلى أن حركة تحرير المرأة نجحت في تحقيق هدفها بمساواة النساء بالرجال، لكنها جنحت عن رسالتها الأصلية حين ارتبطت بسياسات ليبرالية راديكالية مع عداء شامل نحو الأسرة، وتنقل عن جلوريا ستاينم إحدى رموز النسويات قولها: “المرأة التي تم تحريرها هي المرأة التي تمارس الجنس قبل الزواج، وتعمل بعد الزواج”!.
وتنتقد كاري المعلومات المزيفة والأوهام المغلوطة التي تتبناها النسوية الحديثة، فتتناول موضوع الاختلاف بين الجنسين، وتقرر أنه أمر طبيعي وفطري، وهي الحقيقة التي ترفضها النسوية الحديثة، رغم أن الحقائق العلمية تؤكد أن الاختلافات بين الجنسين حقيقة علمية لا يمكن التشكيك فيها، فثبت علميا وجود اختلاف بالتكوين الدماغي بين الرجال والنساء، مما يستدعي تنوع وتباين أدوارهما في الحياة(1).
رفض النسوية
ترصد الكاتبة والصحفية النسوية “سوزان فالودي” رفض الحركة النسوية الحديثة من قبل الكتاب والمفكرين الأمريكيين في كتابها “انتكاسة: الحرب غير المعلنة ضد النساء الأمريكيات” حيث تستعرض الهجوم على الحركة النسائية من قبل شخصيات مثل ألان بلوم (A.Bloom) وخاصة في كتابه (انغلاق العقل الأميركي) حيث يقول بلوم: “إن التحول النسائي للمجتمع قد ملأ النساء بالمطالب والرغبات، وأفرغ الرجال من الطاقة والعزم”, و الكاتب كريستوفر لاش (C. Lasch) الذي يعتبر أن الحركة النسائية تمثل تحديا للزواج التقليدي، وتنادي بالإجهاض غير المحدود. والكاتب روجر كينبل (R. Kimball) والذي يحذر من انتشار الدراسات النسائية في الجامعات الأمريكية، التي سوف تؤدي إلى الضرر بالمستوى الفكري للحياة الأميركية. ويزخر الكتاب بالوقائع من الصحف والمجلات وبرامج الإذاعات والتلفزيونات وصناعة الأفلام وتصريحات رجال السياسة وآراء أصحاب الفكر التي تناهض حركة تحرر المرأة الأمريكية.
وتشير فالودي إن أن المقاومة لحركات تحرير المرأة قد وجدت استجابة في المجتمع الأمريكي، وعرقلت جهود هذه الحركات، وأثرت على رؤى وأفكار النساء الأمريكيات، وإن كانت لم تتمكن من إخمادها، وتصف هذه النجاحات لرافضين النسوية، بظاهرة الانتكاسة للحركة النسوية بالمجتمع الأمريكي الحديث(2).
وبحسب فالودي فالرافضين للمطالبة بتحرير المرأة، يؤكدون أن هذه المطالب لم تجلب للمرأة خلال عقود من الزمان إلا: التعاسة، والشقاء، والأمراض النفسية، والفقر وفقدان الخصوبة وانتشار الشذوذ، وأن عودة المرأة للمنزل والتعامل في ضوء طبيعتها هو الكفيل بإنهاء هذه المشكلات.
وفي مقال لها بعنوان: “الحركات النسائيّة” تروي فالودي كيف تراجعت الحركة النسوية في الولايات المتحدة قائلة: تحدّثتُ ذات مرّة إلى بوئثيوس(3) في العام 1995م عندما كنّا نجلس إلى طاولة مطبخها التي ذاع صيتها وقلتُ لها: “تتملّكني رغبة في أنْ تكتسب الحركة النسائيّة الأمريكيّة البراعة والإبداع والفاعليّة”. كانت كلماتي صادمة لبوئثيوس وكان لها وقع في نفسها فأصابتها بالحزن والأسى، وعلّقت قائلة: “في ستينيّات القرن التاسع عشر وسبعينيّاته، كانت نساء العالم تتابعن عن كَثَب الحركة النسائيّة الأمريكيّة لتكون لهنّ مصدر إلهام”. ولكن هيهات أنْ يستمرّ ذلك، إذ تبدّلت الأمور وانعكس الواقع، فبات الكثيرون الآن يرون أنّ الحركة النسائيّة الأمريكيّة عقيمةً عاجزة عن التحرّك والتفاعل. كما أضافت بوئثيوس والأسى يتغشّاها وتُميتُ بهجة قلبها الأحزان: “تبدّلت مقاليد الأمور الآن، وأصبح لزاماً على الحركة النسائيّة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة أن تنسج على منوال باقي نساء العالم”(4).
نساء ضد النسوية
برزت مؤخرا في الولايات المتحدة حركة تسمى “نساء ضد النسوية” حيث تقوم الفتيات بتصوير أنفسهن “سيلفي” وهن يحملن لافتات مكتوبة بخط اليد، يعبرن عن معارضتهن للنسوية، وينشرن صورهن على الإنترنت، وقد انضم لهذه الحركة مئات الفتيات. الأمر الذي دفع الكاتبة الأمريكية كاثي يونغ للتساؤل: هل ما تزال المرأة الأمريكية بحاجة إلى النسوية؟
مشيرة إلى أن هذه الحركة الجديدة، التي تبدو في هيئة يسيرة ـ تثير العديد من الأسئلة حول حاضر النسوية ومستقبلها ـ وتتناول الفتيات اللاتي انضممن لهذه الحركة بالنقد والتفنيد للمزاعم التي تروجها النسوية حول المرأة والعنف الذي يمارس ضدها. مؤكدين أن هذا العنف هو نتيجة للمسلسلات والأفلام الذي تغذي العنف داخل المجتمع الأمريكي، بالإضافة إلى الإفراط في تناول الكحول.
ليس معنى هذا أن ندعي أن النسوية ماتت أو انتهت في الولايات المتحدة، بل على العكس فهي تسيطر على معظم المؤسسات الإعلامية والتعليمية، كما يؤمن بها عدد كبير من الساسة وصناع القرار.
ما نود أن نلفت الانتباه إليه هنا: أن المرأة الأمريكية ما زالت تعيش الكثير من الأزمات ولم تتحقق لها السعادة التي كانت تحلم بها عند خرجت في مظاهرات عاملات النسيج؛ للمطالبة بالمساواة في الأجور أوائل القرن الماضي، الأمر الذي دفع الكثيرات للمطالبة بالعودة إلى المنزل من جديد.
المصدر:
(1) “خطايا تحرير المرأة” وجهة نظر غربية!، أسامة شحادة، صحيفة الغد الأردنية، إبريل،2012م.
(2) نقلا عن مجلة العربي العدد 425، إبريل 1994م.
(3) ماريا-بيا بوئثيوس (قائدة جماعة كَلْسات الدعم) وهي حركة نسوية صغيرة نشأت سرية، ومع مرور الوقت تحولت إلى جماعة كبيرة انبثق عنها أكثر من 120 جماعة نسائيّة.
(4) يمكن قراءة المقال كاملا مترجما على الرابط التالي: http://www.qf.org.qa/content-ar/think-ar/issue-6-ar/state-of-the-sisters-ar