القائمة الرئيسية


مقالات: قراءة تاريخية لحركة تحرير المرأة الأمريكية (5)

5 سبتمبر, 2017

  • شارك

بسام المسلماني

 

امتد تأثير النسوية إلى ما وراء العالم الغربي، ليصل إلى مختلف بقاع العالم، التي تفاوتت في درجة استقبالها وتقبلها للأفكار النسوية، بحسب قيم ومعتقدات وثقافة وخصوصيات كل مجتمع. لكن تظل النسوية فكرة غربية نشأت في ظروف وملابسات خاصة، مرتبطة بالمجتمعات الغربية والأفكار السائدة في هذه المجتمعات، وواقع المرأة فيها، لذلك الاطلاع على تجارب وتاريخ هذه الحركات في بيئتها التي نشأت فيها، يساهم بشكل كبير في تفهم المضامين الفكرية التي تحملها، والقيم التي تحاول تصدريها إلى بقية بلدان العالم. سنحاول من خلال سلسلة  من المقالات: رصد تاريخ الحركة النسوية، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها البلد الذي ظهرت فيه الموجة الأولى من الحركات النسائية، ومنها انطلقت إلى غيرها.
عرضنا خلال الحلقات السابقة من هذه السلسلة دور النساء العاملات في مصانع النسيج في إطلاق الشرارة الأولى في المسيرة المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة داخل الولايات المتحدة، من خلال مطالبهن بتحسين ظروف عملهن، وزيادة أجورهن، وما أعقب ذلك من إقامة مؤتمر سنيكا فولز (1848م) والذي دعت إليه كل من إليزابيث كادي ستانتون، ولوكريشيا موت “لمناقشة الظروف والحقوق الاجتماعية، المدنية والدينية للمرأة”، والدعوة للإضرابات والنجاح الذي حققته الحركة النسائية، من خلال هذه الدعوات والمسيرات المناهضة لزيادة أجور الرجال على النساء، وأشهرها مسيرة الخبز والورود في الثامن من مارس عام 1908م، وهو التاريخ الذي تم الاحتفال به سنويا بعد ذلك كيوم عالمي للمرأة، ثم تناولنا تأثير الحرب العالمية الأولى والثانية والتطورات الاقتصادية في تحقيق المرأة الأمريكية للعديد من المطالب التي نادت بها، نحو مساواتها بالرجل في التصويت في الانتخابات، وتعينها كحاكمة لولاية، وتعينها كوزيرة.
الموجة النسوية الثانية
تعد البداية الحقيقية للحركة النسوية مع بداية عقد الستينات، حيث تحولت الحركة من مجرد حركة نسائية لها عدد من المطالب الحقوقية، إلى حركة نسوية ترفض ما يسمى بالهيمنة الذكورية على المجتمع، وتدعو للتحرر والتمرد على النظام البطريركي الأبوي المسيطر على النساء، وهي الفترة التي تعارف عليه باسم الموجة الثانية من الحركة النسوية.
تشير الموجة النسوية الثانية، من حركة المرأة، أو ما يسمى بـ”حركة تحرير المرأة” في الولايات المتحدة الأمريكية إلى فترة نشاط كبير للنسوية، وقد بدأت مع بدايات عقد الستينات من القرن العشرين واستمرت حتى نهاية السبعينات من القرن ذاته. شأنها شأن الموجة النسوية الأولى التي كافحت من أجل حصول المرأة على حق التصويت، ارتكزت الموجة الثانية.
يرتبط أوج (ظهور) فترة الموجة الثانية بشكل عام، بصدور كتاب كيت ميليت عن السياسات الجنسية السياسة الجنسية عام 1969م، إلا أن العديد من الأفكار التي أثرت على هذه الموجة الثانية، يمكن تتبع أصولها في كتاب الغموض الأنثوي عام 1963 لبيتي فريدان.
وخلال هذه المرحلة انتقلت المفاهيم النسوية من الولايات المتحدة، إلى بقية العالم، وبدأت الحركة النسوية تأخذ طابعها العالمي. وفيها تجاوزت مطلب المساواة وظهرت فيها تيارات ومذاهب عديدة، اعتمدت لغة التمرد على الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والجنسية القائمة.
وعلى الرغم من أن أوج (ظهور) فترة الموجة الثانية من النسوية، يرتبط عامة بصدور كتاب كيت ميليت عن السياسات الجنسية (Kate Millett, Sexual Politics 1970) إلا أن كتاب بيتي فريدان “الغموض الأنثوي” (Betty Friedan, The Feminine Mystique)، والذي صدر عام 1963، يعد من أمهات الكتب النسوية، والذي طرحت فيه أن تحرر النساء يبنى على تحريرهن في المجال الخاص (الأدوار الإنجابية والخدمية)، وانتقالهن إلى المجال العام، كما طرحت بيتي فردان مفهوم العمل المرن، والتمييز الإيجابي. وعقدت مقارنة بين موقف النساء الممنوعات من التصويت والانتخاب وبين الأمريكيين من أصول أفريقية. مؤكدة على أنه من خلال مشاركة النساء في منظمات مناهضة العبودية، أدركن أنهن أيضا يعانين من نوع من العبودية، وأنهن أيضا يحتجن إلى التحرر.
انقسمت الحركة النسوية في هذه الموجة إلى تيارات ومناهج عدة، تشير أغلب الأبحاث إلى أربعة رئيسية منها هي:
– النسوية الماركسية  MARXIST FEMINISM
– النسوية الليبرالية  LIBERAL FEMINISM
– النسوية الاشتراكية  SOCIALIST FEMINISM
– النسوية الراديكالية  RADICAL FEMINISM
في حين تضيف أبحاث أخرى إلى تلك تيارات أخرى هي :
– النسوية البيئية ENVIRONMENTAL FEMINISM
– النسوية السوداء BLACK FEMINISM
– النسوية الثقافية CULTURAL FEMINISM
– النسوية الوجودية  EXISTENTIAL FEMINISM
تأسيس الدراسات النسائية:
كما شهدت هذه الفترة في الولايات المتحدث التحول الأكاديمي في الفكر النسوي، حيث تم تأسيس أول برنامج للدراسات النسائية في الولايات المتحدة عام 1970م في جامعة سان دياغو، ثم انتشرت برامج الدراسات النسائية عبر الولايات، أما البرنامج الثاني فتم تأسيسه في جامعة كورنيل في عام ١٩٧٠، ثم ازدادت تلك البرامج ليصل عددها إلى ١٥٠ برنامجا في عام ١٩٧٥، ثم إلى ما يزيد على ٦٠٠ برنامج بحلول التسعينات من القرن العشرين.
حركة النسويات السوداوات
وتؤكد النساء المنخرطات في الحركة النسوية لفترة السبعينات، عنصرية الخطاب النسوي خلال هذه الفترة حيث إن الخطاب الرسمي للنسوية المؤسسية كثيرا ما يتم التعبير عنه من منظور النساء البيض من الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة. ومن الموضوعات التي أثارت الجدل فيما بين النسويات المعاصرات هي وجود فجوة بين النسويات الأكاديميات وغالبيتهن من البيض، وبين الأقليات العرقية من الناشطات النسويات. وبالتالي فإن النقاش الدائر يرى أن النسويات اللاتي يتمتعن بالسلطة المؤسسية في تشكيل الخطابات النسوية، يحاولن توحيد تجارب كل النساء في كيان واحد.
وكرد فعل لعنصرية الخطاب النسوي الرسمي نشأة حركة النسويات السوداوات، وهذه الحركة محسوبة على المدرسة النسوية الراديكالية. ومعظم أفراد هذه الحركة كانوا من الناشطات السود، مما أضاف البعد العنصري إلى معادلة الجنسي والطبقي، ووضع التشابهات بين آليات التمييز العنصري وآليات ما يسمى بـ”التمييز الجنسي”.

 

المصدر:

http://cutt.us/HWry