امتد تأثير النسوية إلى ما وراء العالم الغربي، ليصل إلى مختلف بقاع العالم، التي تفاوتت في درجة استقبالها وتقبلها للأفكار النسوية، بحسب قيم ومعتقدات وثقافة وخصوصيات كل مجتمع. لكن تظل النسوية فكرة غربية نشأت في ظروف وملابسات خاصة، مرتبطة بالمجتمعات الغربية والأفكار السائدة في هذه المجتمعات، وواقع المرأة فيها، لذلك الاطلاع على تجارب وتاريخ هذه الحركات في بيئتها التي نشأت فيها، يساهم بشكل كبير في تفهم المضامين الفكرية التي تحملها، والقيم التي تحاول تصدريها إلى بقية بلدان العالم. سنحاول من خلال سلسلة من المقالات: رصد تاريخ الحركة النسوية، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها البلد الذي ظهرت فيه الموجة الأولى من الحركات النسائية، ومنها انطلقت إلى غيرها.
عرضنا خلال الحلقات السابقة من هذه السلسلة: دور النساء العاملات في مصانع النسيج في إطلاق الشرارة الأولى في المسيرة المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة داخل الولايات المتحدة، من خلال مطالبهن بتحسين ظروف عملهن وزيادة أجورهن، وما أعقب ذلك من إقامة مؤتمر سنيكا فولز (1848م) والذي دعت إليه كل من إليزابيث كادي ستانتون، ولوكريشيا موت “لمناقشة الظروف والحقوق الاجتماعية، المدنية والدينية للمرأة”، والدعوة للإضرابات والنجاح الذي حققته الحركة النسائية، من خلال هذه الدعوات والمسيرات المناهضة لزيادة أجور الرجال على النساء، وأشهرها مسيرة الخبز والورود في الثامن من مارس عام 1908م وهو التاريخ الذي تم الاحتفال به سنويا بعد ذلك كيوم عالمي للمرأة.
سوزان أنتوني:
عقب المكتسبات التي حققتها عاملات النسيج، بمساعدة باقي الأميركيات في بداية القرن العشرين، شهدت مسيرة النضال لإقرار حقوق المرأة فترة من الخمول في نشاط الجمعيات النسائية التي بدأت موضة انتشارها منذ عشرينات القرن الماضي حتى وصل عددها إلى عشرات المئات.
لكن ظلت بعض الشخصيات النسائية تقوم بدور فاعل ونشاط كبير للمطالبة بمساواة المرأة بالرجل من أشهر هذه الشخصيات الناشطة سوزان انتوني، والتي كانت قد أنشأت في العام 1888م المجلس النسائي الدولي، وفي العام 1904م شكلت “التحالف الدولي لحقوق النساء في الانتخاب”، فصعدت من نشاطها إلى الصعيد الدولي، وعقدت لقاءات في لندن وبرلين.
وتوفيت سوزان انتوني في العام 1906م، إلا أن عملها مهد الطريق أمام إبرام التعديل التاسع عشر على الدستور الأميركي الذي، سمح للمرأة الأمريكية بالتصويت في العام 1920م.
بعد ذلك حققت المرأة بعض المكاسب السياسية، ففي عام 1925م أصبحت “نيلي تايلو روس” أول امرأة تحكم ولاية (وايومنغ). وفي عام 1933م أدت “فرانسيس بيركنز” القسم لتولي منصب وزيرة العمل. عينها في ذلك المنصب الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت كأول امرأة على الإطلاق تخدم في مجلس الوزراء في الولايات المتحدة.
وفي العام نفسه 1933م تمكنت “إليانور روزفلت” من تحقيق تحول في دور زوجة رئيس البلاد، وذلك خلال فترة رئاسة زوجها فرانكلين ديلانو روزفلت، حيث كانت أول زوجة رئيس للولايات المتحدة تعقد مؤتمرات صحفية منتظمة، وتشارك في سلسلة من المحاضرات. وقد أعطى نشاطها الاجتماعي دفعة لمطلب مساواة المرأة بالرجل.
الاقتصاد كان له التأثير الأكبر:
على الرغم من نجاح الحركة النسائية في مساواتها بالرجل في التصويت في الانتخابات وتعينها كحاكمة لولاية، وتعينها كوزيرة إلا أن الاعتبارات الاقتصادية عوضا عن السياسية هي التي بدلت أدوار النساء في المجتمع الأميركي، وكانت الدافع وراء زخم أقوى لصالح مطالب الحركة النسائية.
في ذلك الوقت، ومع انتقال العديد من الأسر من المزارع والريف إلى المدن، تناقص الدور الاقتصادي للنساء. إلا أن فترة الكساد الكبير التي بدأت مع انهيار سوق الأسهم في أكتوبر 1929م، أجبرت عددا متزايدا من النساء على البحث عن عمل بأجر خارج بيوتهن لغرض مساعدة أسرهن.
ودفعت الحرب العالمية الثانية بنسبة بلغت 38 في المئة من الأميركيات إلى قوة العمل، لسد نقص خلّفه التحاق الرجال الأميركيين بالقوات المسلحة، الأمر الذي ساعد على زيادة نفوذ المرأة داخل المجتمع.
إلا أن التغييرات السياسية التي كان يشهدها العالم آنذاك في ظل الحرب العالمية الثانية، وفترة تغير النظام العالمي بعد فترة من اندلاع الحرب الباردة، بالإضافة إلى الامتيازات التي حصل عليها المرأة، كل هذا أدى إلى إسكات الصوت النسائي داخل الولايات المتحدة، ولم تسترجع تلك الحركات قوتها إلا في نهاية الخمسينات.(يتبع).
المصدر: