3 سبتمبر, 2017
بسام حسن المسلماني
امتد تأثير النسوية إلى ما وراء العالم الغربي، ليصل إلى مختلف بقاع العالم، التي تفاوتت في درجة استقبالها وتقبلها للأفكار النسوية، بحسب قيم ومعتقدات وثقافة وخصوصيات كل مجتمع. لكن تظل النسوية فكرة غربية نشأت في ظروف وملابسات خاصة، مرتبطة بالمجتمعات الغربية والأفكار السائدة في هذه المجتمعات، وواقع المرأة فيها، لذلك الاطلاع على تجارب وتاريخ هذه الحركات في بيئتها التي نشأت فيها، يساهم بشكل كبير في تفهم المضامين الفكرية التي تحملها، والقيم التي تحاول تصدريها إلى بقية بلدان العالم. سنحاول من خلال سلسلة من المقالات: رصد تاريخ الحركة النسوية، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها البلد الذي ظهرت فيه الموجة الأولى من الحركات النسائية، ومنها انطلقت إلى غيرها.
عرضنا خلال الحلقة السابقة من هذه السلسلة دور النساء العاملات في مصانع النسيج في إطلاق الشرارة الأولى في المسيرة المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة داخل الولايات المتحدة، من خلال مطالبهن بتحسين ظروف عملهن وزيادة أجورهن، وما أعقب ذلك من إقامة مؤتمر سنيكا فولز (1848م) والذي دعت إليه كل من إليزابيث كادي ستانتون، ولوكريشيا موت “لمناقشة الظروف والحقوق الاجتماعية، المدنية والدينية للمرأة”.
مسيرة الخبز والورود
نظمت العاملات في مصنع لوريل للقطن عام 1834م إضرابا للمطالبة بحقوقهن، وبعد نجاح هذا الإضراب وتأثيره الكبير، أصبحت الإضرابات أحد الأدوات الفعالة في يد المرأة العاملة الأمريكية لفرض مطالبها، وفي 1857م خرجت آلاف النساء للاحتجاج في شوارع مدينة نيويورك على الظروف اللاإنسانية التي كن يجبرن على العمل فيها، ورغم أن الشرطة تدخلت بطريقة عنيفة لتفريق المتظاهرات، إلا أن المسيرة نجحت في دفع المسؤولين السياسيين إلى التطرق لمشكلة المرأة العاملة.
كما تم تشكيل أول نقابة نسائية لعاملات النسيج في أميركا، بعد سنتين على تلك المسيرة الاحتجاجية، غير أن تلك النقابة وخلافا للحركة التي كانت سائدة في أوروبا آنذاك، لم تتبن المذهب الاشتراكي الذي كان منتشرا حينذاك بين النقابات العمالية حول العالم، بل تبنت مواقف الحركة النسوية، وجعلت من الدفاع عن حقوق المرأة أحد أهم أهدافها.
وفي الثامن من مارس من سنة 1908م عادت الآلاف من عاملات النسيج للتظاهر من جديد في شوارع مدينة نيويورك، لكنهن حملن هذه المرة قطعا من الخبز اليابس، وباقات من الورود في خطوة رمزية لها دلالتها، واخترن لحركتهن الاحتجاجية تلك شعار “خبز وورود”. طالبت المسيرة هذه المرة بتخفيض ساعات العمل، ووقف تشغيل الأطفال، ومنح النساء حق الاقتراع.
وبعد ذلك بسنة واحدة خاضت نحو 30 ألف عاملة نسيج إضرابا عاما عن العمل استمر لأكثر من 13 أسبوعا للمطالبة مرة أخرى بالمطالب نفسها، وكان ذلك أكبر إضراب من حجمه تشهده البلاد في تلك الفترة، كما أنه نجح في تحقيق بعض من مطالب النساء العاملات (1).
قصة الثامن من مارس وبداية الاحتفال بالمرأة
شكلت مُظاهرات “الخبز والورود” بداية تشكل حركة نسائية متحمسة داخل الولايات المتحدة خصوصا بعد انضمام نساء من الطبقة المتوسطة إلى موجة المطالبة بالمساواة والإنصاف، ورفعن شعارات تطالب بالحقوق السياسية، وعلى رأسها الحق في الانتخاب. وكان اسم تلك الحركة “سوفراجيستس” (suffragists) وتعود جذورها النضالية إلى فترات النضال ضد العبودية من أجل انتزاع حق الأميركيين السود في الحرية والعتق من العبودية. ومنذ 1909 والعاملات الأمريكيات يحيين ذكرى مسيرة الخبز والورود.
وفي العام 1910م أقر المؤتمر الثاني للنساء الديمقراطيات الاشتراكيات المنعقد في كوبنهاجن تبنى الحاضرون للمؤتمر اقتراح الوفد الأميركي بتخصيص يوم واحد في السنة للاحتفال بالمرأة على الصعيد العالمي، بعد نجاح التجربة داخل الولايات المتحدة.
وتطبيقا لتوصيات مؤتمر كوبنهاجن، تم الاحتفال لأول مرة باليوم الدولي للمرأة في شهر مارس عام 1911م، في كل من ألمانيا والدانمارك وسويسرا والنمسا، حيث شارك ما يزيد عن مليون امرأة في الاحتفالات. وبالإضافة إلى المطالبة بالحق في التصويت، والعمل في المناصب العامة، طالبت النساء بالحق في العمل، والحصول على التدريب المهني، وحق التصويت ووقف كافة أشكال التمييز في مؤسسات العمل أيا كانت(2).
غير أن تخصيص يوم الثامن من مارس كعيد عالمي للمرأة لم يتم إلا بعد ذلك بسنوات طويلة؛ لأن منظمة الأمم المتحدة لم توافق على تبني تلك المناسبة سوى سنة 1977م عندما أصدرت المنظمة الدولية قرارا يدعو دول العالم إلى اعتماد يوم من السنة للاحتفال بالمرأة، فقررت غالبية الدول اختيار الثامن من مارس.
وتحول بالتالي ذلك اليوم إلى رمز لحركة تحرير المرأة، تخرج فيه النسويات عبر العالم في مظاهرات للمطالبة بتحقيق مطالبهن.
الاحتفال بيوم 8 مارس:
هذه الإطلالة التاريخية تمكننا من فهم السياق الاجتماعي والتاريخي لولادة اليوم العالمي للمرأة. فاليوم العالمي للمرأة يعبر عن النظرة المادية الغربية للحياة، كما يعبر عن حالة التحيز الغربي لتاريخهم وثقافتهم ومحاولة فرض هذه الثقافة على بقية شعوب العالم.
“إن قضية “عمل المرأة” تختزن كل تحولات الخارطة الاجتماعية الغربية التي استتبعت كل قضايا وحقوق المرأة السياسية وغيرها، لتصل إلى “حق ملك الجسد، وحرية التصرف فيه” التي نادت بها مؤتمرات الأمم المتحدة. ويعكس هذا الحق الأخير -بعمق- رؤيةَ النموذج الغربي المادي لمفهومي “حقوق” و”حرية” المرأة بما يخرج عن كل المسلّمات الدينية (الإسلامية والمسيحية واليهودية على السواء)، ويتحدى معتقد الجماهير التي تنادي بحقوقها وحرياتها!!
كما أن هذه الرؤية تعتبر أن الإنسان الذي يستحق الاحترام، هو ذلك الاقتصادي الذي ينتج ويستهلك؛ بمعنى أنه جزء من عالم السوق/المصنع وهي نظرة تعكس مادية المجتمعات الغربية”(3).
إن فكرة “عالمية” حقوق المرأة التي تستدعيها عالمية يوم المرأة، وفق الأجندة المطروحة للأمم المتحدة، تتصل بهذا التحيز، في محاولة لفرض النموذج الغربي المادي من خلال مؤتمرات الأمم المتحدة، وتسخير سلطتها لإعطاء الشرعية للنموذج قانونيًا وسياسيًّا، من خلال اتفاقيات تتعهد الدول الأعضاء بالإذعان لها، وتنفيذها عبر لجان ومؤسسات تراقب عملية التنفيذ، على الرغم من كل هذه الخلفيات التي يحملها اليوم العالمي للمرأة، فإن النسويات في مجتمعاتنا تحتفي به بشكل مبالغ فيه، يفوق في كثير من الأحيان الاحتفاء الغربي بهذا اليوم.
المصدر:
(1) نضال ممتد من معامل النسيج إلى عتبة البيت الأبيض، على الرابط التالي:
http://www.alhurra.com/content/women-right-us-feminism-history/219679.html
(2) اليوم العالمي للمرأة ، على الرابط التالي:
http://byotna.kenanaonline.com/posts/394569
(3)بمناسبة يوم المرأة: “العالمية”.. موضع مساءلة، معتز الخطيب، على الرابط التالي:
http://articles.islamweb.net/media/index.php?page=article&lang=A&id=36562