القائمة الرئيسية


تقارير: «التحرّش».. حزم القاضي يكفي!

7 سبتمبر, 2017

  • شارك
مبارك العكاش
تطلُّ أحداث التحرش مرة أخرى على المجتمع بعد عدة أحداث تحرش شهدتها المملكة خلال الفترة القريبة الماضية وتخرج بعض الأصوات التي تنادي بسن تشريع أو قانون يجرم التحرش ويحد منه، ويختلف مع المطالبين بنظام خاص للتحرش، حيث يرون أن هناك فرقاً بين الحاجة إلى قانون يجرم التحرش المجرم شرعاً، وبين الحاجة لنظام يحدد صور التحرش التي تتطلب سن عقوبات مقدرة رادعة في الزمن الحالي، بحيث يحدد النظام عقوباتها بحد أعلى وأدنى، ويحيل تقدير العقوبة في باقي صور التحرش لتقدير القاضي.
وقد تصدى القضاء لهذه الجريمة من خلال عدد من الأحكام الشرعية التي أُصدرت، وأعادت الحقوق، وزجرت أصحاب الشهوات، وحمت المجتمع وأعراض المسلمين من التطاول والاعتداء، إلى جانب ردع كل من تسول له نفسه الإقدام على هذا الجرم الخطير، من خلال أحكام “الشريعة الإسلامية” التي في الأساس ما قامت عليه المملكة منذ تأسيسها على يد المؤسس الملك عبدالعزيز – رحمه الله – حتى عهد خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز – حفظه الله – حيث أرست المملكة دعائم الحق والعدل والإنسانية والإنصاف في جميع أركان الدولة، وعلى وجه الخصوص الركن القضائي الذي يستند على الشريعة الإسلامية والأنظمة المرعية في إجراءاته وأحكامه.
وتختلف الأحكام الشرعية الصادرة في قضايا التحرش بين قضية وأخرى لاختلاف الأدلة والقرائن في كل قضية، مع مراعاة المعايير الشرعية في تقدير التعزيرات، التي يراعى فيها حال الجاني والمجني عليه ومكانه والظروف المقترنة بكل جريمة على حدة.
ومن أبرز قضايا التحرش التي فصل فيها القضاء خلال الأعوام الماضية القضية المسماة إعلامياً “بنفق النهضة” حيث أصدرت المحكمة العامة في الرياض أحكاماً تراوح بين السجن لمدة 12 سنة و600 جلدة إلى أربعة أشهر ضد (11) شاباً تحرشوا بفتاتين في طريق النهضة بحي الملز بالرياض، حيث قاموا بتصوير الحادثة ونشرها عبر أجهزة البلوتوث.
قانون التحرش
في البداية قال عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء الشيخ الدكتور سعد مطر العتيبي أن جريمة التحرش من المنكرات التي لا يخلو منها مجتمع، وتكثر كلما كثر الاختلاط الحر بين الجنسين، ولها تبعاتها وآثارها في المجتمعات، ولا بد قبل الحديث عن نظام للتحرش الوقوف على إحصائيات ودراسات شرعية ونظامية واجتماعية وأمنية موثوقة محايدة، تكشف مدى الحاجة إلى ذلك.
وأضاف”ويمكن تلخيص الحديث عن مدى أهمية وشرعية نظام للتحرش أنه ليس لدينا في المملكة قوانين بالمفهوم الوضعي، فقانوننا هو الشريعة الإسلامية وما يرجع إليها من الفقه الإسلامي، ولدينا أنظمة يشترط لصحتها استمدادها من الشريعة الإسلامية حتى تكون أنظمة شرعية مرعية، لا وضعية، ومن ثم تكون جزءا من الفقه الإسلامي لأن مرجعيتها الشريعة، وفيما يخص إشكالية المفهوم، فالتحرش هل يراد به التحرش بالمفهوم الشرعي الإسلامي، أو التحرش بالمفهوم الوضعي العلماني الذي لا يلتزم بالمرجعية الإسلامية، إذا كان المراد به المفهوم الشرعي فلا إشكال، حيث هناك فرق بين الحاجة إلى قانون يجرم التحرش المجرم شرعاً، وبين الحاجة لنظام يحدد صور التحرش التي تتطلب سن عقوبات مقدرة رادعة في الزمن الحالي، بحيث يحدد النظام عقوباتها بحد أعلى وأدنى، ويحيل تقدير العقوبة في باقي صور التحرش لتقدير القاضي، بمعنى أنه لا مانع أن يُسن نظام يعدد ويبين أكثر صور التحرش المجرّمة شرعاً في الواقع سواء صدرت من ذكر أو أنثى أو من كليهما، ويحدد عقوبات لها ذات حد أعلى وأدنى.
وأضاف: وأما إذا أريد به المفهوم الوضعي – كما يروج بعض المطالبين بقانون تحرش – فهذا يناقض دستور بلادنا (الكتاب والسنة) ونظامها الأساسي للحكم، ومن ثم يعد مفهوما غير شرعي ومن ثم غير دستوري، فهو باطل قبل سنّه وبعد سنّه لو سُنّ في نظام، ويجب على القاضي ممارسة واجبه الشرعي والنظامي في الرقابة السلبية على أي نظام يخالف الشريعة، وذلك بتجاهله والامتناع عن تطبيقه، والحكم بما يراه شرعا، مع تسبيب الحكم بالدليل أو التعليل الشرعي”.
ويرى الدكتور العتيبي أنه لكي يتحقق المقصود الشرعي، ينبغي عرض أي مشروع نظام يتعلق بالتحرش على هيئة كبار العلماء أو للجنة الدائمة للإفتاء أو أي لجنة يرى سماحة المفتي تشكيلها لذلك، بحيث تشكل من دار الإفتاء بإشراف سماحة المفتي، وذلك لعدم وجود محكمة دستورية تغني عن ذلك، ولنص النظام الأساسي للحكم على مرجعية مؤسسة الإفتاء كما في المادة 45 منه.
وقال الدكتور العتيبي: “يتوجس كثير من الناس خيفة من بعض ممن يطالبون بقانون تحرش بينما يحاربون المؤسسة الأولى في محاربة التحرش وهي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يلام الناس في ذلك، فالسياسة الجنائية الشرعية لها ثلاثة محاور هي: الوقاية، وهنا تتجلى وظيفة الحسبة في مراقبة الحال، والتنظيم في مراعاة الواقع والمآل من خلال قاعدة الذرائع، بشرط الاعتدال في تفعيلها، والثاني التجريم، وهنا تتجلى وظيفة التوعية بالأحكام الشرعية، ووظيفة التنظيم بتحديد الجرائم الشرعية التي تتطلب عقوبات تعزيرية، والمحور الثالث هو العقوبة، وهنا تتجلى وظيفة الضبط في جهات الضبط وعلى رأسها رجال الأمن و رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم هيئة التحقيق والادعاء العام، ثم المحاكمة في المحاكم الشرعية، ثم تنفيذ الأحكام القضائية التي تصدر في ذلك وإسهام الإعلام في التوعية بذلك بكل أمانة.
مكان التحرش
من جهته ذكر أستاذ الفقه المشارك بالمعهد العالي للقضاء الشيخ الدكتور يوسف بن أحمد القاسم: “إن أغلب حالات التحرش تكون في مكان العمل، وليس الأماكن العامة، أقول “أغلب” وليس “كل”، لأن الأماكن العامة عادة تكون تحت نظر المارة، وترصدها عيون المتسوقين، بخلاف العمل الذي ينزوي فيه الرجل والمرأة في مكان ينعدم فيه العملاء والمراجعون، أو يقلون فيه في غير أوقات الذروة، والهيئات باتت تقبض على حالات جديدة بعد إغلاق المتاجر للصلاة في بعض مواقع العمل المختلطة، ولم نكن نسمع عن هذه الحالات من قبل، وما يصوَّر في اليوتيوب يدل أن ممارسات التحرش التي تقع في الأماكن العامة سرعان ما تنكشف، لتضع المتحرش في مأزق، ولاشك أن تصويرها ونشرها هو تجاوز لحدود الأدب وهتك للخصوصيات، كما لا يتفق أبداً مع أخلاق الإسلام وحدوده التي توجب الستر وتمنع الفضيحة”.
نظام لكل جريمة!
وأضاف: إن غالب ملاحقات الشباب للفتيات في بعض الشوارع تكون بتحرش من الطرفين للآخر، والتحرش بمعناه العرفي هو تحرش أحد الطرفين بالآخر من دون رضاه، إلا أن مفهوم الإسلام للتحرش هو بمعناه العام لا المشار إليه قبل قليل، أي حتى مع الرضا، والحديث هنا بطبيعة الحال عن التحرش العرفي، لذا لا تدخل معنا بعض الصور هنا، كالتحرش المتبادل”.
وبين أستاذ الفقه المقارن بالمعهد العالي للقضاء أن إصدار أنظمة ضد كل جريمة يفتح باب “موسوعة جينيس” لأعلى نسبة في إصدار الأنظمة، لأن الجرائم لا تتناهى صورها، فهي في تجدد وتطور مستمر، وهيئة الخبراء أصدرت حتى الآن سبع مجلدات فيها نحو 215 نظاما، والتوسع في إصدار الأنظمة مع وجود أنظمة ذات صلة وثيقة بالتحرش يصب في خانة ازدواجية الأنظمة، وللأسف فإن بعضهم يتهم المعارضين لإصدار نظام مكافحة التحرش بأنهم متشددون، وهذا ليس أسلوبا رشيداً في الحوار، بل هو أسلوب إقصائي ضد المخالف، فتوزيع التهم ضد كل من تختلف معه بأنه متطرف أو متخلف، أو أن المعارضين له لديهم معارضة أصلا ضد تقنين الأحكام القضائية أو أن الاعتراض جاء من منطلق الشك والتشكيك في أخلاق المرأة، هذا كله لا يتفق مع أدبيات الحوار، وهي تهم يحسنها ويجيد تسويقها كل أحد، وهكذا محاولة إرهاب المخالف بتسطيح فكرته التي يتبناها بأنه ممن يعارض سفر المرأة وخروجها من بيتها.. الخ، فالهدف من هذا كله إسكاته، وخلط الأوراق ليس إلا، ويستطيع الطرف المقابل أن يشطح في الاتهام بمثل ما شطح به هذا، بأن يستجر أوصافاً لا علاقة لها بالموضوع”.
صلاحية القاضي
وأضاف: “أما القول بأنه ما زالت حوادث العنف والتحرش بالمرأة في ازدياد، فالسؤال لماذا؟ هل القضاة لا يملكون الصلاحية الولائية لإصدار حكم التعزير؟ أو أنهم لا يصدرون أحكاما تعزيرية كافية ضد المتحرشين؟ طبعا.. كل هذا غير صحيح.. فالقاضي لديه صلاحية النظر في قضايا التحرش، كما أن له القدرة على الحكم بالتعزير على المخالف بما يناسب جرمه، وقد صدرت عدة أحكام قضائية ضد بعض ممارسات التحرش، وكانت الأحكام حازمة، وهي معروفة وتكلم عنها الإعلام، فلماذا إذن المطالبة بسن نظام للتحرش”.
وأكمل الدكتور القاسم: “قد يقول قائل: توجد أنظمة تعزيرية يحكم القاضي وفق نصوصها التي لا تخالف الشريعة الإسلامية، فلماذا لا يوجد نظام لمكافحة التحرش أيضا؟ فأقول: الأنظمة التعزيرية الصادرة كنظام مكافحة الجرائم المعلوماتية أو نظام مكافحة غسيل الأموال أو نظام مكافحة المخدرات.. أو غيرها.. هي جرائم لصور حديثة في الإجرام، بالغة التعقيد، متنوعة في أشكالها وظروفها، فاستدعى هذا تدخلا نظاميا أما التحرش الجنسي فهو جريمة تقليدية ممكن أن تتسع بتوسيع بيئة الاختلاط فلا تسيطر عليها حتى القوانين الصارمة، وممكن أن تضيق بتضييق بيئة الاختلاط، وبناء عليه فليس من المنطق أن نجمع بين الجنسين ثم نضع عقوبات لنفرق بينهما..!”.
وأكد أن الشريعة وضعت أساليب وقائية لحماية المرأة من التحرش، ومنها الأمر بالحجاب، والنهي عن التبرج والسفور، والنهي عن الخلوة بها، أو الخلطة بها خلطة دائمة، لئلا يتدرج بها النظر والخلوة والخلطة الدائمة في مقر العمل إلى المراودة أو الابتزاز أو الاغتصاب، وقد فشلت كل محاولات الشرق والغرب في الحد من التحرش رغم وجود قوانين صارمة، وكاميرات مراقبة في كل مكان، وعقوبات لا تستثني أحدا، لأنهم جمعوا بين الجنسين، وقربوا النار للهشيم، فتحول التحرش عندهم إلى ظاهرة كما تدل عليه إحصاءات التحرش لديهم المنشورة في وسائل الإعلام، فضلاً أن كثيراً من حوادث التحرش التي تكون بالإشارة ونحوها يصعب إثباتها، واستغلت نساء قوانين التحرش في إلصاق تهم كاذبة لعدة مبررات، ولم تكن أوروبا وأمريكا قبل مائة عام، كهي اليوم في اتساع حوادث التحرش، مما يدل أن الاتجاه السلبي للاختلاط الكامل بين الجنسين عمل عمله في المجتمعات الغربية، وأعتقد أننا يجب أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون لا من حيث بدأوا.
مراتب العقوبة
بدوره قال أستاذ الدراسات الإسلامية المعاصرة بجامعة المجمعة والأمين العام لجمعية قضاء الشيخ الدكتور يوسف بن محمد المهوس أن الشريعة الإسلامية جاءت كاملة مكملة لأحكامها، وهذه الشريعة بأحكامها صالحة لكل زمان ومكان، وقد قرر ذلك أهل العلم رحمهم الله مستدلين بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وبين أن الشريعة جاءت بحفظ الضروريات الخمس، ألا وهي حفظ الدين والعرض والعقل والمال والنفس، وجعلت هناك حدوداً وواجبات واحترازات للحفاظ على هذه الضرورات الخمس، ومنها ضرورة حفظ العرض.
وقال: “إذاً جاءت الشريعة للمنع أيضاً وجعلت لهذا المنع زواجر وروادع، فزجرت من أرتكبها وردعت غيره حتى لا يتجراً ويقع فيها، فمثلاً في الزنا واللواط جعل الله لها عقوبات وحدوداً، والأشياء الأخرى التي هي أقل من ذلك، جاء الشرع بتعزيرها، فالأحكام في الشريعة الإسلامية تنقسم إلى ثلاثة أقسام، منها التعزير، وباب التعزير في الشريعة باب واسع، وأكثر الأحكام القضائية بحكم إطلاعي عليها وبحكم عملي السابق مدعياً عاماً في محاكم المملكة لأكثر من 17 سنة، أكثر أحكام القضاء في باب التعزير، والتعزير هو عقوبة تقديرية يقدرها القاضي بموجب الأدلة والقرائن التي يطلع عليها ومن خلال معطيات كل قضية وجريمة، ومن ذلك ما يتعلق بالتحرش، والتحرش إذاً نصنف عقوبته كعقوبة تعزيرية يقررها القاضي أو ولي الأمر، والأحكام الشريعة لدينا في بلادنا حفظها الله مبنية على الشريعة الإسلامية، فدستورنا كما هو في أنظمة الدولة سواء الأنظمة السياسية أوالقضائية كلها تنص على أن المرجع في ذلك كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم”.
وختم قائلاً: “فإذا أتينا إلى من ينادي بقانون لمنع التحرش، هذا القانون من الجانب الشرعي لا أشكال فيه، فهناك قوانين موجودة الآن تدخل في باب تقنين الأحكام القضائية، بمعنى هل من الممكن أن يجعل لها عقوبات أعلى وعقوبات أدنى، ويعلن عنها نقول لا أشكال في ذلك، لكن أصل التحرش هو موجود في الشريعة بمنعه، وأول من تحرش في عصر النبوة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هم يهود بني قينُقاع، عندما كشف أحد اليهود عورة امرأة من المسلمين في سوقهم، عندها أقام النبي عليه الصلاة والسلام أقام عليهم حرباً لأجل تحرشهم بهذه المرأة، فالتحرش مجرم في الشريعة وهم من حفظ ضرورة العرض ودواعي عدم التعدي على هذه الضرورة، وأنا أقول لا إشكال في سن تشريع يجرم التحرش، أسوةً بعدة أنظمة متبعة في المملكة، فلا مانع أن يكون هنالك نظام، ويعلن عنه وقد يكون أشد ردعاً عندما تبين فيه العقوبات بحدها الأعلى وحدها الأدنى، وتحديد صور التحرش فيه وهي مسألة مهمة جداً، أن يحدد صور التحرش ومراتب عقوبة التحرش، ولكننا سنقع في إثبات التحرش ودرجاته المختلفة والمتجددة وهنا قد يصعب التكييف الجنائي لها في وقتها.
المصدر:
http://www.alriyadh.com/1070248