القائمة الرئيسية


مقالات: مصطلحات نسوية: (تأنيث الفقر)

7 سبتمبر, 2017

  • شارك
بسام حسن المسلماني
تجاوزت الحركة النسوية فكرة أنها حركة حقوقية، تطالب بحرية المرأة ومساواتها مع الرجل، إلى مفهوم أعم وأوسع، يحاول إعادة صياغة كل شيء – المفاهيم، التاريخ واللغة والرموز والفن والفلسفة والأدب – استنادا إلى رؤية أنثوية، تتم في إطار الفكر النسوي، وتستفيد من فرضياته وتصوراته، وكانت أبرز ما قام به الفكر النسوي في هذا الإطار هي محاولة ترسيخ عدد من المفاهيم والمصطلحات الجديدة، في محاولة لإعادة تشكيل الرؤية والثقافة السائدة في مجتمعاتنا وسماتنا النفسية والاجتماعية وخصائصنا الأخلاقية.
لذلك كان من الضروري كشف هذه المصطلحات وبيان حقيقتها ودلالتها المعرفية، وتأثيراتها على مداركنا وخصوصيتنا الثقافية. وفي هذا الإطار يأتي مصطلح “تأنيث الفقر” وهو مصطلح يتم تداوله بشكل واسع ضمن تقارير ومقررات وبيانات وخطط العمل والسياسات والبرامج والمشاريع التي تتبناها أو تصدرها الأمم المتحدة الخاصة بالمرأة. فما هو المقصود بهذا المصطلح؟
مصطلح تأنيث الفقر:
يقصد بمصطلح “تأنيث الفقر Feminization of Poverty”، أن معدلات الفقر وحدَّته لدى النساء أعلى منها لدى الرجال، بسبب انشغال النساء في القيام بالأدوار غير مدفوعة الأجر (الأمومة ورعاية الأسرة)، وفي المقابل اشتغال الرجال بالأعمال مدفوعة الأجر، وهو ما أدى إلى تركز المال في أيدي الرجال، في مقابل فقر النساء!(1).
وقد عرَّفته دراسة لمنظمة العمل الدولية بأنه: «زيادة نسبة الفقر بين النساء عن مثيلتها بين الرجال، وأن حِدَّة فقر النساء أكبر مما هي بين الرجال». وجاء أيضاً تعريفه في تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة لعام 1997م بأنه: «فُرَص أقل.. وعدم تكافؤ في فرص التعليم والعمالة وملكية الأصول (للمرأة)، ويعني: إتاحة فُرَص أقل للمرأة، كما أن من شأن الفقر أن يعمق الفجوات بين الجنسين»(2).
وحقيقة “تأنيث الفقر” كما ورد في الاتفاقيات الدولية: إن المراد من قضية تأنيث الفقر هو: معالجة فقر المرأة باعتبارها فردا منفصلا عن تكوينها الأسري, من خلال إشراكها في كل (المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بلا أدنى تمييز بينها وبين الرجل, ودون مراعاة للظروف العائلية أو الاجتماعية أو الدينية المحيطة بها.
فيرى أصحاب القضية أن “استئصال شأفة الفقر وتحقيق التنمية المستدامة لن تحصل إلا بعد إتاحة الفرصة للمرأة والرجل للاشتراك بصورة تامة وعلى قدم المساواة في وضع سياسات وإستراتيجيات الاقتصاد الكلي والتنمية الاجتماعية.
وبرامج مكافحة الفقر وحدها لن تحل المشكلة! بل ستحلها المشاركة الديمقراطية وإحداث تغييرات في الهياكل الاقتصادية، بحيث تتاح لجميع النساء إمكانية الوصول إلى الموارد والفرص والخدمات العامة.
إذن فاختصاص الرجال بالأعمال مدفوعة الأجرة، والنساء بالأعمال غير مدفوعة الأجر، كالأمومة ورعاية الأسرة يؤدي إلى اختلال الميزان الاقتصادي في الأسرة لصالح الرجل؛ بينما تعتمد المرأة على كسبه!(3).
تشير تقارير دولية إلى وقوع الفقر على كواهل النساء، خاصة اللواتي يتحملن المسؤولية الكاملة للأسرة, وهي مسألة تعانيها معظم الدول خاصة الأقل نموا, حيث تشير بعض الدراسات والتقارير الصادرة عن المنظمات الدولية أن النساء يشكلن 70% من فقراء العالم، والبالغ عددهم 1,3 مليار نسمة, وينتجن نصف الكمية الغذائية العالمية، ويعملن ثلثي ساعات العمل، لكن ملكيتهن لا تتجاوز 1% فقط من الأملاك في العالم.
النسوية وظاهرة تأنيث الفقر:
ترى الحركة النسوية أن ظاهرة تأنيث الفقر تظهر بشكل واضح في نموذج الأسرة التي يتولى فيها الرجل كسب لقمة العيش، وتتولى فيها المرأة إدارة شؤون المنزل، وفي ذلك النموذج تحتاج المرأة أن تستأذن زوجها في الخروج للعمل، كما أنها لا تتحكم تماما في خصوبتها، وهو ما يسمى بـ “الأسرة الذكورية patriarchal family”. ومن ثم فإن معالجة فقر المرأة إنما تكون بإلزامها بالعمل والكد والشقاء تماما مثل الرجل, ولذا بات مصطلح “تأنيث الفقر” مصطلحا عالميا.
وبشكل عام يرى منظِّرو النسوية الذين تبنوا هذا المصطلح -تأنيث الفقر- أنّ للفقر عند النساء أسباباً، من أهمها:
1- التاريخ العريض من الاضطهاد والتهميش للمرأة بزعمهم، بسبب التمييز ضد المرأة.
2- تحكُّم الرجل بمقاليد الاقتصاد وتسيُّده علـى المرأة.
3- اقتصار دور المرأة على الجانب المنزلي والإنجابي واهتمامُها بشؤون الأسرة.
4- حرمان المرأة من التعليم.
5- حرمانها من تملُّك الأراضي والموارد المالية والعقارات.
6- حرمانها من حقها في الميراث.
7- اعتقادهم أن هناك علاقةً بين زيادة عدد أفراد الأسرة المعالَة من قِبَل المرأة وبين الفقر.
8- ادعاؤهم أن هناك علاقةً وثيقة بين الزواج المبكر وبين الفقر.
9- يربطون بين ظاهرة تأنيث الفقر بارتفاع معدلات الخصوبة.
جذور مفهوم تأنيث الفقر:
جذور ما يُسمى ظاهرة “تأنيث الفقر” (feminization of poverty) التي أصبحت ظاهرة اجتماعية معروفة في الولايات المتحدة؛ إذ يبدو أنه في إطار حرية المرأة وحرية الرجل، يتعايش رجل مع امرأة تنجب منه طفلاً أو طفلين عادة دون أن يرتبطا بعقد زواج. وبعد فترة قصيرة أو طويلة يتملك الرجل الملل؛ وتنشب المعارك بين الطرفين؛ فيقرر الرجل أن يحقق ذاته خارج إطار الأسرة، فيحمل متاعه ويذهب، تاركًا الأم المهجورة وحدها، ترعى الطفلين فتزيد أعباؤها النفسية والاجتماعية والاقتصادية (مهما دفع الرجل من نفقة) وازداد الرجال متعة وحركية استهلاكية، أي أنه تم تأنيث الفقر، ويمكن أن نضيف أنه تم كذلك تأنيث الجهد النفسي والإرهاق البدني، ولعل هذا من أهم الأسباب السوسيولوجية لزيادة معدلات السحاق في المجتمعات الغربية، فهو يحل في نظرها مشكلة ضرورة تفريغ الطاقة الجنسية للأنثى، دون أن يدخلها في دوامة العلاقة مع الرجل التي توردها موارد التهلكة والفقر والألم والهجران.
نقد مفهوم تأنيث الفقر:
تعتبر الحركات النسوية قوامة الرجل للأسرة عاملا رئيسا في فقر النساء، ومن ثم يستهدف الاستقواء (التمكين) الاقتصاديEconomic Empowerment إلغاء تلك القوامة عن طريق التساوي المطلق في السلطة داخل الأسرة، ودفع النساء للعمل خارج المنزل لكسب المال، للوصول إلى رؤوس الأموال وتملك مشاريعها الخاصة، حتى تستقل عن الرجل اقتصاديا فتصبح متحكمة تماما في قراراتها!!.
ففي الدول العربية يتم اختيار القرى الفقيرة، حيث تركز برامج الاستقواء الاقتصادي والسياسي على المرأة فقط، بعيدا عن أسرتها، وبدلا من النهوض بمستوى الأسرة فيها بشكل عام، عن طريق تشغيل الرجال لينفقوا عليها ويتحقق لها الاستقرار، يتم استهداف النساء فقط بقروض ومشروعات، بهدف تحقيق الاستقلال الاقتصادي لهن. وقد ورد في تقرير عن سورية أنه: “تمَّ استهداف 159 قرية خلال عامي 2007-2008م من القرى الأشد فقرًا في كافة المحافظات السورية من خلال تدريب النساء أثناء الحصول على القرض على كيفية تأسيس مشاريع خاصة بهنَّ، وقد تمَّ تدريب وإقراض 3114 مستفيدة حيث تمَّ تأسيس 3114 مشروعًا نسائيًّا”(4).
حتى في حال الكلام عن إدماج المرأة في سوق العمل، نلحظ الإصرار على إقحام النساء في كل مجالات العمل، حتى تلك التي تناسب الرجال بشكل أكبر بدعوى تقليل الفجوة النوعية Gender Gap بين الرجل والمرأة! ونحن نتساءل: ما الضير في أن تكون هناك مجالات من العمل أكثر ملاءمة للمرأة، فتدخل فيها، وأخرى أكثر ملاءمة للرجل فيتخصص فيها.
هذا المفهوم انعكس على ثقافة الشعوب الإسلامية التي يعد  فيها الرجل وحده مكلفا تكليفا شرعيا بالعمل وكسب العيش, فأصيبت تلك المجتمعات الأمراض نفسها التي أصابت المجتمعات الغربية من قبلها, فتخلى الرجل تدريجيا عن دوره, وصار عمل المرأة ومشاركتها في الإنفاق حقا مكتسبا له, وصارت المرأة تشقى لكسب العيش مثلها مثل الرجل, فتحملت من الأعباء ما لا تطيق, واهتز مفهوم القوامة, الذي يعد الإنفاق مكونا رئيسا من مكوناته, فاهتز استقرار الأسرة, وترجم ذلك إلى ارتفاع مخيف في نسب الطلاق في الدول الإسلامية, بعد أن كانت تلك النسب مقصورة على الغرب.
إن عمل المرأة الذي لا يُعد أمراً ملزماً في الإسلام إلا في حال الضرورة، أو في حال رغبتها بذلك، والمتكفل في إعالتها في هذه الحالة زوجها أو والدها إن كان قادراً، أو ينفق عليها المجتمع من مال الزكاة، تماماً كما يحدث في حال الشيخوخة والمرض أو الإصابات المقعدة عن العمل، أو صغر السن مثل اليتيم أو الصبي الضعيف عقلياً وذهنياً.
أما في العالم المعاصر، فقد أدى فقدان الروابط الاجتماعية، وازدياد المناداة بالمساواة بين المرأة والرجل، وانقلاب الأدوار بين المرأة والرجل، وازدياد السياسات الرأسمالية القائمة على التقليل من الإنفاق العام، ونقص الاستثمارات العامة في قطاع الخدمات الاجتماعية، وفرض رسوم على الخدمات التعليمية والصحية التي كانت من قبل مجانية، وتقليل أو إلغاء الدعم المالي الذي كان يقدم للسلع الأساسية غير الكمالية، وزيادة صعوبة الحصول على الوظائف في القطاع الرسمي، إلى إرغام النساء على العمل لضمان دخل نقدي كاف للمساعدة في تغطية الحاجات الأساسية لأسرهن(5).
 
المصدر:
http://cutt.us/Zffx

(1) ورقة عمل مفهوم مصطلح  تمكين المرأة (Women Empowerment) في منشأه، كاميليا حلمي محمد، اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل، ورقة مقدمة في ورشة عمل بعنوان دور المرأة في العمل الخيري والتطوعي).
(2) ظاهرة تأنيث الفقر ،تهاني فيوض،  مجلة البيان العدد: 276.
(3) ورقة عمل: “تأنيث الفقر في الاتفاقيات الدولية”،  أ.شذا الغيث في ملتقى (المرأة السعودية الثاني- المرأة العاملة..حقوق وواجبات، مركز باحثات).
(4) ورقة عمل مفهوم مصطلح تمكين المرأة، مرجع سابق.
(5) انظر: الأوضاع السيئة للمرأة في العالم ، د. نهى قاطرجي، موقع صيد الفوائد.