7 سبتمبر, 2017
طارق السيد
في عام 1939م، أصدرَ الشاة رضا خان بلهوي قانونًا ينصّ على حظر ارتداء الحجاب، وجعلَ من ذلك التاريخ يومًا أسماه (يوم حرية المرأة)، وكان بهلوي يزعم أن الحجاب “سبب لتخلف الإيرانيات” الأمر الذي جعل المرأة الإيرانية تعيش في معاناة، ولكن بعد أعوام في عهد حكومة ابنه الشاه محمد رضا بهلوي كان الحجاب في إيران طوعيًّا، وبعد ثورة الخميني أصبح الحجاب إجباريًّا، وخلعه يُعتبر جريمة يستوجب الجلد، إلّا أنه تم بعد ذلك خفض العقوبة إلى الحبس والغرامة المالية، لكن معاناة المرأة الإيرانية لم تنته، لكنها معاناة في صور أخرى. فبعد أكثر من ثلاثين عاما على ثورة الخميني هناك داخل الأوساط النسائية الإيرانية حالة من التمرد تزداد عاما بعد عام على حكم الملالي، نتيجة لهذه المعاناة التي تعيشها المرأة.
لكن للأسف الشديد حالة التمرد هذه تخلط بين أوامر الدين بالحجاب والستر، وبين الممارسات الشاذة والغريبة لرجال الدين الشيعة في إيران، وبدلا من رفض بدع وممارسات المرجعيات الدينية، فإن كثيرا من النساء الإيرانيات يتمرد على تعاليم الإسلام ذاته، ويحملوا الإسلام أخطاء حكم الملالي.
من نماذج الخلط بين الدين ونظام الملالي قصة فتاة إيرانية تدعى “مسيح علي نجاد” وهي تعمل في مجال الصحافة، وأيضاً المشرفة على مجموعة الفيس بوك التي يتابعها أكثر من 800 ألف شخص وفي هذه المجموعة، تنشر نجاد، ونساء إيرانيات أخريات، صوراً لأنفسهن وهن في الأماكن العامة بدون حجاب. وقد أصبحت هذه الصفحة اليوم وجهةً للنساء اللواتي يردن التعبير عن غضبهن إزاء النظام الإيراني. وبعد انتشار الصفحة بطريقة فيروسية، حاولت الحكومة الإيرانية تشويه سمعة نجاد. ولفقت إذاعة الدولة تقريراً أذاعت فيه أنها تعاطت المخدرات في لندن، وخلعت ملابسها، وتعرضت للاغتصاب أمام ابنها المراهق.
بل وصل الأمر أن أصبح حجاب المرأة الساتر، وصمة عار في جبين من ترتديه حيث تنسب لنظام الملالي، تقول فائزة نجاتي: إنها اعتادت نظرات الشباب المحتقرة لها؛ لأنها ترتدي الـ “شادور” الذي يعتبره قطاع واسع من الشعب الإيراني دليلاً على أن من ترتديه تؤيد النظام بالضرورة، أو ربما حتى تنتمي إليه. وتتحدث مريم زاهدى ـ وهي امرأة تلتزم بالحجاب الأسود المغطي لجسدها كله، المعروف بالـ “شادور”- عما تتعرض له من مضايقات كثيرة واتهامات تضع على عاتقها كل أخطاء حكم الملالي، بينما هي نفسها ليست من مؤيدي النظام.
حالة التمرد دفعت بعض الساسة والمحللين في إيران للتساؤل: لماذا ترفض النساء في إيران الالتزام بالحجاب! على الرغم من جهود المرجعيات الدينية، ويرجعون ذلك للممارسات السيئة لمنسوبي نظام الملالي، بالإضافة لعدم بذل جهد في سبيل التثقيف والتوعية بأهمية وقيمة الحجاب. ويبين مجيد محمدي أستاذ علم الاجتماع الإيراني هذا الواقع قائلاً: “في عهد وصل فيه “الإسلاميون” في إيران إلى الحضيض تمامًا، يريد بعض الروحانيين ألا نتعب أنفسنا بالفعاليات الثقافية التي تدعو إلى الحجاب، بل أن نعتمد فقط على قوة الدولة”، متسائلاً عن حجم إنكارهم للواقع، وعدم فهمهم له لدرجة تجعلهم يبدون معزولين تمامًا عن كل ما يجري!
وتجسد قضية الفتاة الإيرانية الشهيرة “ريحانة جباري” نموذجا لمعاناة المرأة الإيرانية في ظل حكم الملالي، بدأت القصة منذ ما يقارب ثماني سنوات، كانت ريحانة جباري الفتاة الإيرانية لم تتجاوز عامها التاسع عشر آنذاك، وقد اعتقلت بتهمة قتل مرتضى سربندي موظف المخابرات الإيراني السابق. قالت الفتاة: إنه استدعاها لشقته لتأخذ القياسات اللازمة لعملها كمصممة ديكور، لكنه حاول الاعتداء عليها جنسيا، بينما كانت معه في الشقة. رفضت المحكمة اعتبار الحالة بملابساتها دفاعا مشروعا عن النفس، لتحكم عليها ، بعد سبع سنوات من الجدال القضائي والتشريعي والإنساني من أجل إنقاذ ريحانة من حبل المشنقة، انتهت أخيرًا بشنقها فجر الرابع والعشرين من أكتوبر 2014م، رحلت ريحانة تاركة “ميراثا من الورق والكلمات” كما وصفته لوالدتها في رسالتها الأخيرة لها، كتاباتها الكثيرة التي تشرح فيها بالتفصيل ما حدث لها، مشاعرها في السجن، ما تعرضت له من ضرب وإهانات أثناء التحقيقات، هذا الميراث أشعل داخل المجتمع الإيراني حالة من الغضب، خاصة في أوساط النساء وانتقادات كثيرة، ومطالبات بمراجعات سياسات البلاد والأنظمة القائمة فيها.
قصة ريحانة تكررت في شهر مايو الماضي، لكن بطلتها هذه المرة هي فتاة كردية تدعى “فرناز خسرواني” تبلغ من العمر ستة وعشرين عاما، حيث أقدمت خسرواني على القفز من غرفة فندق في الطابق الرابع، عندما حاول أحد رجال الأمن اغتصابها فسقطت ميتة، هزت هذه القصة أرجاء إيران، وأثارت تعاطف العالم، حيث شهدت مدينة مهاباد شمال إيران “محافظة أذربيجان الغربية”، ذات الغالبية الكردية بعد مقتل الفتاة، احتجاجات غاضبة من أهالي المدينة وبعض النشطاء الإيرانيين، أدت إلى حرق الفندق، واعتقال الشرطة للكثيرين.
العنف ضد المرأة سمة ظاهرة في المجتمع الإيراني، على الرغم من غياب الإحصاءات الرسمية. لكن قبل نحو عشر سنوات، أظهرت دراسة أعدتها جامعة طهران، وأجريت على 12 ألف امرأة، أن 66.3 في المئة منهن تعرضن للعنف، فيما عانت 10 في المئة بسبب العنف الشديد، و28.5 في المئة تعرضن لعنف جسدي. ويشير عدد من المتخصصين إلى أن العنف اللفظي بحق الإيرانيات يفوق العنف الجسدي.
المصدر:
http://cutt.us/ZsOW7