7 سبتمبر, 2017
عبدالله العامر
من المفارقات اللافتة للنظر أن أعداء دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب ركزوا كثيراً على مسائل الشرك وعبادة القبور والأشجار ونحو ذلك، وحاولوا أن يهاجموا الدعوة النجدية من جهتين: جهة التكفير، وجهة القتال، بيد أن المفارقة هي أنهم لم يجرؤوا على مواجهتها في قضايا المرأة، مع أن المعروف أن التيارات العلمانية والليبرالية تهاجم التيارات المحافظة في جوانب عدة، من أبرزها أحكام الأسرة والمقارنة بين حقوق الرجال والنساء في الإسلام.
أما خصوم الدعوة الأوائل إبان الدولة السعودية الأولى والثانية، فلم يحاربوا الدعوة في قضايا المرأة، وذلك لأن أغلب الأحكام التي دعت الدعوة النجدية إليها كانت متوافقة مع الفقه الإسلامي، وذلك قبل أن يأتي الاستعمار والتغريب ويقتحم العالم الإسلامي بهذه الصورة التي تفشت في هذا القرن والذي قبله.
وأما خصوم الدعوة المعاصرون، فالذي يظهر أنهم لم يجدوا ما يحملهم على مناكفة الدعوة النجدية في قضايا المرأة، سواء في التكفير والقتال، أم في الأحكام والأقضية، لسببين: الأول منهما شبيه بما مضى ذكره، وهو أنهم لن يجدوا في الدعوة النجدية شيئاً تختص به في أحكام الأسرة وأحوالها عن سائر أهل القبلة.
لكن السبب الأهم الذي من أجله لم يخض أعداء الدعوة النجدية المعاصرون الحرب معها في قضايا المرأة هو أن هذه الدعوة المباركة حملت لواء الدفاع عن المرأة وحقوقها في زمن الجاهلية العمياء التي عمت الجزيرة العربية قبل الدولة السعودية الأولى، إذ كان أعداء الدعوة النجدية من الجاهليين آنذاك ينالون أشد التقريع من علمائها بسبب إنكارهم حقوق المرأة المسلمة المعلومة من الدين بالضرورة، ومن بينها تلك الحقوق التي قد يترتب حكم التكفير على من ينكرها، خصوصاً بعد قيام الحجة عليه.
فكانت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب ومَن بعده، تنكر أشدّ النكير على من يجحدون حق المرأة في الميراث والنفقة والعدّة والمهر وغير ذلك، إلى درجة تصل إلى تكفير من يقول بذلك، ومع ذلك فلم نجد من خصوم الدعوة قديماً ولا حالياً من ينكر عليها هذا الأمر، لا لشيء إلا أنه ليس في صالحهم أن يثيروا هذه القضية، لأن إثارتها تتضمن اعترافاً صارخاً بأن الدعوة النجدية خاضت معركة في صالح المرأة المسلمة، واستعادت لها حقوقها التي فرضتها لها الشريعة الإسلامية، وأنقذتها بذلك من وحشية الجاهلية العمياء التي كانت تنتشر في أرجاء الجزيرة العربية.
ليس الحديث هنا جائياً من باب الحصر، فلعل نموذجاً واحداً من هذا تكفي الإشارة إليه لبيان المقصود المشار إليه، وليكن الاقتباس الذي نأتي به ونطلع عليه قارئ من كتاب “الدرر السنية في الأجوبة النجدية”، ومن إحدى رسائل الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله.
قال رحمه الله (1/123) :
“الرسول صلى الله عليه وسلم فرض الإيمان بما جاء به كله، لا تفريق فيه؛ فمن آمن ببعض، وكفر ببعض، فهو كافر حقاً، بل لا بد من الإيمان بالكتاب كله. فإذا عرفت أن من الناس من يصلي ويصوم، ويترك كثيراً من المحرمات، لكن لا يورّثون المرأة، ويزعمون أن ذلك هو الذي ينبغي اتباعه، بل لو يورثها أحد عندهم ويخلف عادتهم أنكرت قلوبهم ذلك، أو ينكر عدة المرأة في بيت زوجها، مع علمه بقول الله تعالى: (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)، ويزعم أن تركها في بيت زوجها لا يصلح، وأن إخراجها عنه هو الذي ينبغي فعله، وأنكر التحية بالسلام، مع معرفة أن الله شرعه، حباً لتحية الجاهلية لمّا ألفها، فهذا يكفر، لأنه آمن ببعض وكفر ببعض، بخلاف من عمل المعصية، أو ترك الفرض، مثل فعل الزنى، وترك بر الوالدين، مع اعترافه أنه مخطئ، وأن أمر الله هو الصواب”.
المصدر:
https://goo.gl/aomYhE