د. نزار نبيل أبو منشار
وفد إلى العالم العربي، وفلسطين، مصطلح جديد لا يمكن فهمه في العقل العربي ولا في الفقه الإسلامي، لكونه منافياً لطبيعة التكوين البشري والتكوين الشرعي، وفلسفة الزوجية في الحياة التي يقوم عليها كل شيء، حيث يقول تعالى: ﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [1]، ومع أنه مصطلح غربي من حيث المظهر والجوهر، إلا أن المنظمات النسوية في فلسطين تلقفته وبدأت بإشاعته وترديده بغير وعي أو بوعي منها على المجتمع النسائي الفلسطيني المحافظ.
يقصد به عند مستخدميه: المصطلح الذي يفيد استعماله وصف الخصائص التي يحملها الرجل والمرأة كصفات مركبة اجتماعية، لا علاقة لها بالاختلافات العضوية.
بمعنى أن التكوين البيولوجي سواء للذكر أو للأنثى ليس له علاقة باختيار النشاط الجنسي الذي يمارس، فالمرأة ليست امرأة إلا لأن المجتمع أعطاها ذلك الدور وكذلك الذكر، ويمكن حسب هذا التعريف أن يكون الرجل امرأة، وأن تكون المرأة زوجاً تتزوج امرأة من نفس جنسها وبهذا تكون قد غيرت صفاتها الاجتماعية وهذا الأمر ينطبق على الرجل أيضاً.
إن دعاة الجندر في عالمنا الإسلامي وأغلبهما يسمى بجمعيات تحرير المرأة يغفلون أو يتغافلون عن نتائجها السلبية والتي تؤدي إلى خراب المجتمعات وهدم الأسر وهلاك المرأة والرجل على حد سواء، ومن هنا؛ كان العمل على هدم الأسرة، فالأسرة هي مؤسسة برجوازية ظالمة تسجن المرأة حسب قولهم، وتقف أمام تطورها وتمكينها.
لذلك فهذه المنظمات تطالب بضرورة إعطاء الاعتبار للعلاقات المتساوية داخل الأسرة؛ فلا فرق بين رجل وامرأة، ولا أب وابن، وهي بذلك تنزع مسؤولية الآباء تجاه أبنائهم، وتحد من سلطتهم في توجيه الأبناء، كما و تدعو إلى عدم حصر الأدوار بين النساء والرجال داخل الأسرة في قوالب نمطية جامدة، وهي دعوة للتمرد على الأدوار الطبيعية لكل من الرجل والمرأة داخل الأسرة من ناحية، ودعوة للقضاء على العلاقات الأسرية المميزة من تراحم ومودة واحترام.
ومع ما يشكله هذا المصطلح من تصادم فعلي ومباشر مع الشريعة الإسلامية التي كرمت المرأة، ورفعت من شأن الأسرة وجعلتها محضناً تربوياً توجيهياً يشكل اساس المجتمع وقوامه، إلا أني أود أن أشير غلى بعض ما يترتب على اعتبار هذا المصطلح في العالم العربي وفلسطين تحديداً حتى يكون الجميع في صورته، وحتى يقف الجميع أمام مسؤولياته تجاهه.
1- أن الأسرة هي الإطار التقليدي الذي يجب الانفكاك منه، والعودة إلى الواقع الغربي المتفلت، والذي جر للغرب كل الويلات الموجودة، والتي لا يقوى على الفكاك منها.
2- من حق الإنسان أن يغيّر هويته الجنسيّة وأدواره المترتبة عليها، فمن حق المرأة أن تكون سحاقية، ومن حق الرجل أن يكون لوطياً.
3- من الظلم أن تُعتبر مُهمّة تربية الأولاد ورعايتهم مهمّة المرأة الأساسية، وأن اهتمام المرأة بشؤون المنزل نوع من أنواع التهميش لها.
هذا تجاوز لجميع الخطوط الحمراء، فهذه المنظمات بأفكارها المسمومة تعتدي على الدين والقيم والأخلاق والأعراف وتراث الحضارات وتضرب به عرض الحائط، وتضع تشريعاتها الخاصة المخالفة لكل قيمة إنسانية ودينية فاضلة.
إن هذا جزء من المكر الغربي ضد دين الله تعالى، قال تعالى: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [2]، ويرشدنا الله تعالى إلى عكس ما يطرحون فيقول: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [3].
ثم إن الإسلام قد بيّن علاقة هذه الأسرة بالمجتمع الكبير، وصلتها بالأسرة الكبيرة، أو يمكننا القول بأنها الأمة، كما قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾[4].
ومن الناحية البيولوجية: من المعروف أن الكروموسومات هي عبارة عن مادة بروتينية موجودة في نواة الخلية الحية وتحمل الصفات الوراثية المميزة. عدد الكروموسومات في الخلية الحية 46 كروموسوم، منها 44 تجتمع على شكل أزواج تكون مسؤولة عن تشكيل تفاصيل خلق الإنسان فيما بعد، بينما يكون الزوج الأخير من الكروموسومات مختلفا، إذ به يتحدد جنس الجنين ذكراً أم أنثى، فإذا كان الكروموسوم x صار أنثى، وإذا كان y صار ذكراً، وبذلك يكون اختلاف الجنسين ناشئاً من بداية الخلق.
ومع أنه لم تفرق أي رسالة من رسالات الأنبياء بين الذكر والأنثى، بل إن القرآن الكريم خص بالذكر الكثير من النساء العظيمات، فوردت فيهن قصص قرآنية تحمل الكثير من العبر والعظات، فهذه امرأة فرعون، وهذه أم موسى، وهذه مريم البتول، وغيرهن، فإن المساواة التامة بين الرجل والمرأة في القيمة الإنسانية والتكريم الرباني لكليهما متحقق، والتكامل والاشتراك في أداء الواجبات التي فرضها الشرع عليهما لم تجعل الشرع يهمل الفصل بين الاثنين فيما يتعلق بوظائفهما الفطرية والكونية، باعتبار ما ركب الله تعالى في كل منهما من فطرة تتضمن إمكانات واستعدادات بدنية وعقلية ونفسية تميز أحدهما عن الآخر، وتبين في قوله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾ [آل عمران: 36] [5] مقصود الشارع من المسألة.
يبين الصحفي الفلسطيني الأستاذ محمد هاشم في تحقيق صحفي له طبيعة الفكر ووسائل نشره وتعميمه على المرأة الفلسطينية فيقول: ((الهجمة الفكرية والثقافية الشرسة التي تدعمها أجهزة إعلامية ينفق عليها بلايين الدولارات، وتقف وراء برامجها عقول مفسدة، ومفكرون لا هم لهم إلا تقويض بنية مجتمعاتنا من أساسها، هذا الأساس الذي تمثل المرأة ركنه الركين)) [6].
ولا بد أن نشير هنا إلى ما أورده الدكتور عبدالله الطريقي عن حكم بث هذه الأمور بين المسلمين والمسلمات حيث يقول: ((باستقراء واقع الثقافة الأجنبية، يتبين أنها لا تخلوا من واحد من ثلاثة أمور: إما نافع، وإما ضارّ، وإما ما لا نفع فيه ولا ضرر… وأما الضار منها كالفكر الديني بصفة عامة، مما يتعلق بالعقائد والتصورات والعبادات ونحو ذلك، ومثل الفكر الإلحادي كله بنظرياته وفلسفاته، سواء كان ضرره على الدين أو النفس أو العقل أو المال أو العرض، فمثل هذا لا يجوز أخذه أو نشره في بلاد المسلمين، مهما كانت الدوافع، وأيّا كانت الوسائل أو الأساليب))[7]، وفي الكلام بيان وتأصيل.
المصدر: