القائمة الرئيسية


تقارير: النسوية في المغرب العربي: النشأة –الأثر – المآل 3/3

7 سبتمبر, 2017

  • شارك
إدريس أبو الحسن
مهما حققت النسوية من مكاسب وأهداف في المجتمعات المغاربية، فالترقب والحذر والتوجس والتبرم هي أهم سمات هذا الاتجاه. إذ كل المؤشرات الاجتماعية والسياسية والفكرية تشير على ساحة المدافعة إلى أنه يتعرض إلى انتكاسة حقيقية، ولعل أهم العوامل التي تقوض العمل النسوي “التغريبي” ما يلي:
أولا: طبيعة المجتمع المغاربي وعلاقته بالدين:
 فدول المغرب العربي هي دول مسلمة، يتجذر الإسلام في مجتمعاتها، متجليا في تدين الشعوب المغاربية وافتخارها بالدين الإسلامي، واعتمادها على موروثه الثقافي والحضاري، وتشكل العديد من تعاليم الإسلام أصول وتقاليد عريقة، لا يمكن السماح لأحد بالمساس بها. وهذا ما يفسر تنامي نجاح الأحزاب والتيارات الإسلامية من جهة، ومحاولة التيارات النسوية إصباغ مطالبها بصبغة الدين، وهذا المناخ يستعصي معه تمرير أي أجندة تتناقض مع ثوابت الإسلام. فحين تطالب النسوية مثلا بالمساواة المطلقة في الإرث بين الرجل والمرأة، أو بمناهضة التمييز على أساس النوع مطلقا، تهتز المجتمعات المغاربية، مستنكرة مطالب كهذه، ويصبح الصدع بهذه المطالب انتكاسة تعود بها النسوية إلى الوراء بمراحل عديدة. ومثال ذلك حينما قام أحد القادة الاشتراكيين في المغرب مؤخرا بالمطالبة بالمساواة في قضية الإرث؛ مما أحدث زوبعة سياسية عصفت به وبحزبه وبالنسوية ذاتها. إذ سفه رأيه العلماء الرسميون وغير الرسميين، وانبرى الإعلام للرد والاستنكار، ولم يجرأ أحد من دعاة النسوية على دعمه في آرائه المتناقضة مع قواعد الشريعة وأصولها، ومثل هذا الأمر يحدث في الدول المغاربية بين الفينة والأخرى، ويعتبر درسا تستفيد منه النسوية في إدراكها لما هي عليه من الانتكاسة في المجتمع المغاربي.
ثانيا: ارتباط مدونات الأسرة بالمرجعية الدينية عموما:
يمكن القول بأن الحالة المغاربية متفاوتة من حيث طرق تحقيق المطالب النسوية، فجل تلك البلدان يصر على اعتبار المرجعية الدينية في أي تغيير اجتماعي أو تشريع يخص قضايا المرأة والأسرة، وإن اختلف منهج الاجتهاد الفقهي باستثناء تونس التي تجاوزت المرجعية الدينية، ليقرر النظام البورقيبي الحاكم بعد الاستقلال سنة 1956م بكل جرأة إصدار مجلة الأحوال الشخصية متكاملة الأركان، بالمطالب النسوية في وقت مبكر جدا، فجاءت فصولها بمكتسبات النسوية حتى قبل أن تنشأ الحركات النسوية ذاتها.
والتنصيص على اعتبار المرجعية الدينية في التشريع قد تتجاوزه اللجان المشرعة بآراء فقهية شاذة ومخالفة للمذهب المعتمد. لكنها على الأقل لا تستطيع القفز على الثوابت المطلقة، وهو ما يجعل العديد من المطالب النسوية الماسخة تتلاشى بمجرد الإقرار بمرجعية الإسلام في التشريع.
ثالثا: العمل النسائي الإسلامي:
يلعب العمل الإسلامي النسائي في الدول المغاربية دورا مهما في التدافع مع المطالب النسوية المتناقضة مع الشريعة وقواعدها، وهذا الدور تقوم به الحركة الإسلامية بكل فروعها، ويختص العمل النسائي بالجزء الأكبر منه على المستوى الثقافي والإعلامي، بتوعية الجماهير في محافل عديدة بخطورة تلك المطالب، ومدى خطرها على الدين قبل المرأة، بل يتطور الأمر في كثير من الأحيان إلى حراك جماهيري على شكل مظاهرات، تمنع تفعيل أي إجراء نسوي يتناقض مع الشريعة، وهو ما يجعل النسوية تعيش حالة حرج كبير مع المجتمعات المغاربية، التي لا تقبل المساس بثوابتها الدينية.
 إن واحدا من أهم عوامل انكماش النسوية ومكتسباتها في المغرب العربي، هو تلك المطالب التي باتت مكشوفة التناقض لكثير من الأحكام الشرعية المقررة في المذهب المالكي السائد، فلا يتعلق الأمر هنا بتدافع الحركة الإسلامية أو العمل النسائي، بل بكل المكونات الشرعية من مجالس علمية وهيئات علمية رسمية ومجاميع للفتاوى والدراسات والأطر الجامعية، بغض النظر عن انخراطها في الحركات الإسلامية والأحزاب أو  لا.
ففي المغرب تعاني النسوية من عقدة، وهي كونها لا تستطيع البوح ببعدها العلماني في صياغة مطالبها، وإن كانت رموزها تستطيع البوح بذلك في المناخ العام، كالإعلام والندوات والمؤتمرات والحراك الفكري عموما في الداخل والخارج، وهذه الحالة عامة وسائدة في كل المغرب العربي.  والسبب في عقدتها هو كون المغرب بلدا متدينا في عمقه الاجتماعي أي أن الدين ركيزة من ركائز الحكم، وعليه فإن أيا من مطالب النسوية لا بد وأن يبقى مصبوغا بصبغة دينية مهما كان شكلها لتكون مقبولة للدراسة.
تفعيل المطالب النسوية على المستوى القانوني النظامي، يبقى هو السائد في البلدان المغاربية كلها، لاسيما بعد الثورات العربية، وهو ما يساهم في تقزيم تلك المطالب، وإن تحقق بعضها تحت ضغط المكونات العلمية والثقافية والسياسية والجمعوية المهتمة بهذا الشأن.
وما حققته النسوية من مكتسبات يعد هشا بالمنظور الحضاري، فهي لا تعكس توافقا اجتماعيا؛ لكونها ليست ناجمة عن قناعة نسائية أغلبية، أو عن نجاح النسوية شعبيا واجتماعيا، بل هي مفروضة فرضا لاعتبارات سياسية  لا غير ما يعني أنها مكتسبات هلامية، قابلة للسقوط بقرار سياسي آخر، يمكن أن تفرضه المتغيرات في أي لحظة، لاسيما وأن المحددات الدستورية لا تنص بدقة على تلك المكتسبات، بل في ديباجاتها ما ينص على رفضها، وأعني بذلك اعتبار الدين هو مصدر التشريع، كما أن ديباجات المدونات الأسرية التي تخص الأحوال الشخصية ناجمة عن اجتهادات فقهية قابلة للمناقشة والتغيير، وأما ما عدا ذلك فهو كالاختلاط في التعليم، وما يتعلق بحرية المرأة وحدودها الاجتماعية، وإن ظهر أنه مكتسبات نسوية إلا أنه في الحقيقة وضع ناجم عن عوامل عديدة، تتعلق بطبيعة الأنظمة في المغرب العربي وتأثير الاتجاهات العلمانية في المجتمع. لكن ومقارنة بتسارع المكتسبات على صعيد العمل النسائي الإسلامي، وما حققته الدول المغاربية من تقدم وتنامي كاسح للتيار الإسلامي، يمكن القول بأن النسوية ومكتسباتها تنحصر يوما بعد يوم وتتآكل في بيئة لا يمكن أن تكون تربة إلا لما هو إسلامي أصيل.
المصدر:
http://cutt.us/7kmN