7 سبتمبر, 2017
بعد الزواج قد تواجه الزوجة مشكلة فقدان الأنا، أو تشتت الذات، فتصبح مادة منصهرة في بوتقة الحياة الزوجية، زوجة وأم فقط، فتصبح الحياة الزوجية هي الوظيفة الجديدة لها، أما الأم فهي غريزتها التي فطرها الله عليها.
وبمرور الوقت قد تتذكر المرأة أنها في الأساس إنسانة تربت وتعلمت لكي يصبح لها كيان مستقل، ينفصل عن كونها زوجة وأم ولا يتعارض مع تلك الحقيقة الثابتة.
وفى سبيل تحقيق ذاتها قد تواجه الكثير من العقبات التي تتلخص كلها أحيانا في الزوج الذي قد يسعى لإفساد كل محاولاتها ظنا منه أنه يحافظ على أسرته، ولا يدري أن زوجته إذا وجدت ذاتها في نفسها ستجد ذاتها أيضا داخل أسرتها، فالمرأة عطاء بلا حدود دون مقابل يذكر، فهل من العدل أن تحرم من أن تستشعر العطاء حثيثا من ذاتها المفقودة؟
إن الرجل والمرأة هما القطبان الرئيسيان في الأسرة مع اختلاف الأدوار المناطة بهما لذا يجب أن يكونا في حالة تعاون دائم حتى تكون علاقتهما مثمرة، وبذلك يجب ألا يتعامل الرجل مع زوجته على أساس نزعة التسلط وإنما وفقا لتعاليم ديننا الحنيف الذي منح المرأة الكثير من الحقوق مثل حق التملك، وفقا لبعض الضوابط الشرعية، وأيضا حق التعليم والعمل، وهذا يؤكد تركيز الإسلام على بناء شخصية المرأة، إذ يتعلق الأمر بدورها الأساسي في بناء المجتمع فهي تشكل حجر الزاوية في البناء الأسري، ولقد سعى النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- عمليا إلى تأمين حقوق المرأة التي أقرها لها الإسلام كحق غير قابل للانتزاع فراح يأخد البيعة من النساء وفسح لهن المجال للدخول في قائمة أصحاب النبي ولعل قوله صلى الله عليه وسلم: أوصيكم بالنساء خيرا هو خير دليل على سماحة الإسلام في تعامله مع المرأة.
مشاهد وأرآء
وتروى لنا (نجوى) تجربتها قائلة: منذ أن استلمت عملي كمعلمة منذ 10 سنوات وزوجي يضعني دائما تحت المجهر ويراقب كل تصرفاتي وإذا أحس بالتقصير في أي شأن من شئون البيت استشاط غضبا وأصر على أن أترك العمل، فتحولت حياتنا إلى علاقة ندية مليئة بالصراع فهو لا يشجعني رغم أنني معلمة ناجحة بل يحاول إحباطي بكل الطرق، ولكني صامدة لأني أحب عملي.
أما (مي) فتشكر زوجها لأن له الفضل بعد الله في حصولها على درجة الماجستير، حيث كان يشجعها ويساعدها في المذاكرة وقد يشاركها أحيانا في الأعمال المنزلية، وبذلك فقد هيأ لها المناخ الملائم لكي تنجح, فالعلاقة الزوجية مودة ورحمة.
ويرى إبراهيم (طبيب) أن المرأة من حقها أن تسعى للحصول على العلم فطلب العلم عبادة أما العمل فهو يرى أنه إذا كان لا ضرورة له فالأفضل أن تظل المرأة في بيتها وتسعى إلى تثقيف نفسها من خلال القراءة وتصفح الانترنت، ولا بأس إذا التحقت ببعض الدورات التدريبية، مثل دورات اللغات والحاسب الآلي، فالعلم مفيد لها ولأولادها، حيث إن المرأة المتعلمة المثقفة قادرة على تربية جيل سليم عقليا وفكريا.
ديننا الحنيف
وقد منح الدين الإسلامي المرأة الحق في التعليم وساوى بينها وبين الرجل في هذا الشأن، وفى هذا الإطار يرى د/عصام الشعار(ماجستير الفقه المقارن) إن الإسلام ساوى بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات مع مراعاة الاختلافات البيولوجية بينهما فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “النساء شقائق الرجال” أي إنهما على قدم المساواة، والمرأة قادرة على القيام بكثير من الأعمال التي يقوم بها الرجال ولكن قد تحول الظروف الاجتماعية دون ذلك، ففي عهد النبوة جاءت (أسماء بنت يزيد) إلى الرسول قائلة: يا رسول الله إني وافدة النساء إليك، إن الرجال فضلوا علينا بالجهاد، وبالجمعة والجماعة، واتباع الجنائز، ونحن نبقى في البيوت نحفظ الأموال والأولاد فماذا لنا نحن يا رسول الله؟ قال: اذهبي وأعلمي من وراءك أن حسن تبعل إحداكن لزوجها يعدل ذلك كله، أي إن رعاية الزوجة لبيتها وأسرتها يعادل أمر الجهاد، وأشار الرسول إلى أصحابه قائلا: انظروا إلى مدى حكمة هذه المرأة وعقلها.
ويستأنف د/ عصام: إن خروج المرأة إلى العمل يجب أن يتم وفقا للضوابط الشرعية، مثل عدم التبرج، وعدم البقاء لفترات متأخرة خارج المنزل، وأيضا أن يتم ذلك في إطار عملية تنظيمية، فيجب عليها ألا تقصر في شئون بيتها وحقوق زوجها وأولادها، وينبغي على الرجل أن ينظر إلى زوجته المثقفة نظرة تقدير واحترام لأنه سيكون بينهما توافق فكرى وانسجام معنوي مما يجعل الأسرة تعيش في إطار مجتمعي سليم.
وأكد على أنه لا يجوز للرجل منع زوجته من الخروج لطلب العلم، أو الصلاة في المسجد مستشهدا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا تمنعوا إماء الله مساجد الله” أي لا تمنعوهن من الخروج إلى الصلاة في المساجد والتقرب إلى الله وحضور جلسات العلم.
استقلالية المرأة
وتتفق معه د/آمنة نصير(أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الأزهر) حيث تستنكر نظرة بعض الأزواج إلى زوجاتهن على أنهن ملكية خاصة، تلك النظرة التي تجعل بعض الرجال يقدم على بعض السلوكيات التي تتنافى مع كينونة المرأة وتتصادم مع حريتها فهي مخلوق كامل الأهلية لها نفس الحقوق التي للرجل.
وهذا ما أكده قوله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف)، ولكن هذه الحقوق قد ينتابها أحيانا بعض الغموض لدى بعض الرجال مما يؤدى إلى عدم الاستقرار ويهدد كيان بعض الأسر.
فلو نظر الرجل إلى زوجته على أنها شريكة حياته, ولها الحق في التعليم والمشاركة في الأنشطة المجتمعية والسياسية، بل ولها الحق في العمل أيضا وكل ما يمنحها أهليتها الإنسانية ولكن دون انفلات فسوف تستقيم الأمور، وتتحقق المساواة داخل الأسرة.
وفى عهد النبوة مارست المرأة كل ألوان الاستقلالية والشخصية الناضجة القوية حيث شاركت في الغزوات، كـ (هند بنت عتبة) فقد قامت بالتمريض في ميادين الحرب وعملت كداعية إسلامية، كـ (السيدة عائشة) وأيضا مارست التجارة، كـ (السيدة خديجة) ومن أبرز الأمثلة على الشخصية القيادية للمرأة كانت السيدة (أم هانئ أخت علىبن أبي طالب) التي منحت حق الحماية لرجلين، وعندما غضب على ذهبت إلى الرسول قائلة: يا رسول الله لقد أجرت فلانا وفلانا وابن أمي يرفض ذلك فقال رسول الله: لقد أجرنا من أجرت يا أم هانئ أي وافق الرسول على منح الحماية والحق السياسي لهذين الرجلين، هذه هي المرأة كما أراد لها الإسلام بأن حررها من ثقافة الموروثات والأعراف الظالمة.
المساواة أمر نسبى
وعلى الرغم من ذلك نرى أن المرأة عانت تمييزا قويا ضدها في الحقل العلمي، بأثر من عقلية ذكورية، وضعتها دائما موضع الأدنى مما أدى إلى تهميشها تاريخيا كما أن ذلك التمييز والعقلية المرتبطة به مازال قويا وحاضرا، بتفاوت نسبى شرقا وغربا، وأن عمليات كثيرة في الحداثة مثل التوسع في تعليم النساء ودخولهن إلى مجالات العمل والبحوث العلمية وحضورهن في الأوساط الأكاديمية لم تفلح في إيصال المرأة إلى وضع يرفع عنها الظلم الذكوري في العلم.
وقد اختلف علماء الاجتماع في هذا الشأن حيث ذكر (الكسيس كارل) 1935م، أنه لا يجب أن نعطى للفتيات نفس الثقافة التي تمنح للصبيان، وعلى المربين مراعاة جملة الاختلافات العضوية والنفسية بين الجنسين، بينما يختلف معه (هكسلي وهادن) حيث أكدا بأن الفروق الظاهرة بين الجنسين إنما تنشأ وبالدرجة الأولى عن التربية والثقافة وأن الفروق البيولوجية بينهما لا تعنى شيئا إلا عندما يتم تفسيرها وفقا للقيم والمعايير الثقافية المجتمعية.
الجو النفسى داخل الأسرة
وفى هذا الشأن ترى د/ نهى خطاب (أخصائية الأمراض النفسية) أن مسألة رفض بعض الأزواج خروج زوجاتهم للعمل أو طلب العلم أو الاندماج في المحيط الاجتماعي بشكل عام قد ترجع إلى عاملين :الأول تربوي ويرتبط بالموروثات الثقافية، والعادات التربوية التي نشأ عليها الرجل، والآخر نفسي، وهو مرتبط بطبيعة شخصيته التي قد تتمثل أحيانا في رغبته بأن تكون زوجته دائما تابع له، وإذا ما تقدمت علميا وثقافيا، فهذا يعنى بالنسبة له أنها تتخطاه بل وتتمرد عليه, مما قد يؤدى أحيانا إلى أن يسلك مسلك سلبي نابع من شعوره بالنقص بل والغيرة أحيانا، فقد يعتاد على السخرية منها، والتحقير من شأن ما تقدم عليه زوجته, وقد يصل الأمر أحيانا إلى استخدام العنف، وهذا يندرج تحت نظرية (التنافر الإدراكي) التي تفسر نفسية الشخص الذي يعمد دائما إلى تشويه صورة الآخرين، وما يقومون به من أعمال مستخدما أسلوب (الدفاع) الذي يحافظ به على (الأنا) لأنه يرى أنه أفضل الناس، لذا يجب عليه أن يحافظ على صورته أمام نفسه وإبرازها دائما في المقدمة من خلال تشويه صورة الآخرين، وإذا حدث هذا الصراع النفسي داخل الأسرة فقد تسلك المرأة حينئذ أربع طرق:
إما الاستسلام لتفكير زوجها السلبي، والاقتناع تماما أنها غير ناجحة، أو المقاومة لفترة ثم الخضوع، أو المقاومة الصارمة التي قد تصل أحيانا ألي الانفصال، وأخيرا قد تسعى المرأة إلى تحقيق ما تريد متجاهلة زوجها تماما لأنها على درجة كبيرة من الثقة بالنفس وقادرة على أن تحقق ما تريد دون أن تشعره بذلك.
وينعكس ذلك على الأطفال حيث يتشوه النموذج السوي للأم والأب لدى الأطفال ويتقلد بعضهم إما الشخصية الهجومية، أو الشخصية الانهزامية، فعندما ترى مثلا الفتاة أمها الضعيفة التي تعانى من الاكتئاب والضغوط النفسية، نتيجة الحجر على عقلها وفكرها، فقد يؤثر ذلك على شخصيتها، إما أن تصبح سلبية وتعيش حياة اللامبالاة، وإما أن تصبح شخصية متسلطة رافضة لكل القيود الذكورية، أو قد ينظر الصبي إلى والده على أنه القائد الحازم أو المعتدي الظالم وهنا تتشوه المعايير الاجتماعية داخل الأسرة مما يخلق جيل مشوش فكريا وسلوكيا، ولذا قد يستدعى الأمر أحيانا إلى وقفة زوجية.
المصدر:
http://cutt.us/DB7ke