ترجمات: إليزابيث ليفي: ضد نسويّة «السّخافات الخطيرة»

منصة: FIGAROVOX
ترجمة: زيد أولادزيان
تحرير: سعيد بن عبد العزيز الغامدي

بمناسبة صدور العدد الصيفي من مجلة Causeur )[1]) حول «إرهاب النسوية الجديدة»، تقدّم لنا مديرة تحرير المجلّة إليزابيث ليفي([2]) Élisabeth Lévy وجهة نظرها حول الوضع الراهن للنسويّة.

* لقد عَنوَنتُم مِلَفّكم بـ: «الإرهاب النِّسويّ». أليس هذا مُبالَغًا فيه قليلا؟ هل علينا فعلا أن نرى في الادّعاءات النّضاليّة للنسويّات الجديدات شكلًا من أشكال «الدكتاتورية»؟ هل فعلا كليمونتين أوتان([3]) Clémentine Autain، كارولين دو هاس([4]) Caroline de Haas والمنتميات للفِمِن([5]) Femen يشكّلن تهديدًا للمجتمع؟
ليفي: حسنا نعم، وأكثر مما تتصوّرُونه! أشكُركُم في البداية على ملاحظتكم أننا لا نُـهاجم الحركة النسوية ذاتها، بل ما نسميه «الحركة النسوية الجديدة»، والتي تتجسد في جماعات ذات صوت مسموع بقدر ما هي ضعيفة من الناحية العددية. إن هذه الاتّحادات الجديدة للفضيلة تمارِس كثيرا شكلًا من أشكال الإرهاب – إرهاب بالتأكيد مُبتَذل، سخيف، مضحك أحيانا لدرجة البكاء، وهذا الجانب الكوميدي الذي أردنا أن نؤكد عليه من خلال الصورة([6]) – ولكنه إرهاب على أيّة حال. لم يفُتني أنه لم يكن هناك أي من قادة الـ KGB [الاستخبارات السوفييتية] ولا القائد الأعلى، وأنني لم يُلقى القبض عليّ عند صدور هذا العدد. ولكن حُكمًا على ردود أفعالهم المضلّلة تماماً (سوف أعود إلى هذا)، فإن سيداتنا الخَيِّرات (اللاتي هنّ في كثير من الأحيان رجال) لم يَكُنّ مناهِضات… وفي الوقت نفسه، يعتزمْن فرض قصة تقيّةً يكون فيها النساء إلى الأبد ضحايا والرجال مشتبَه بهم – يُحتمل أن يكونوا عنيفين، مغتصبين، متحرِّشين، وغير ذلك كثير.

*ولكن هناك رجال عنيفون، مغتصبون…
ليفي: نعم، وأنا أذكّركم بأنّ القانون يحظر العنف، جنسيًّا كان أم لا. ينبغي بطبيعة الحال معاقبة الذين يقمعون أو يستغلون النساء بصرامة. لكن مع النسويات الجديدات، فالأمر مختلف تمامًا. تحت غطاء خوض المعارك الرابحة منذ وقت طويل، يُرِدْن في الحقيقة السيطرة على العقول والسلوكيات، وسَنِّ معايير فيما يتعلّق بالجنسانية sexualité والعلاقات couple والرّغبة. وكما بيّن ذلك أورويل، الإرهاب يعمل بدايةً على اللغة التي يعتزمن على «تطهيرها»، وتخليتها من كل أثر لماضٍ يتمّ الرجوع إليه تحت شعار الهيمنة الذكورية. حظر الكلمات من أجل إزالة الأشياء – وفي هذا الصّدد شيء(ة) … ومنه تعقُّبهم النَّهِم للـزلّة، لما بين السطور، للنكتة التي تكون بالخطأ… والآن لمُجاملة «جنساني sexiste[7].» يا للشّفقة! إذا لم يَكُنَّ يحببن هذا، فلا يحرِمن الآخرين منه!

*أنا أصرّ: أن يَكُنّ سخيفات لا يجعل منهنّ خَطِرات!

ليفي: لا، الخطير في الأمر، هو حينما لا يُرى السُّخف، وتُؤخذ على محمل الجدّيّة خَيالاتٌ لا معنى لها والتي

*حين تكون مواقع إلكترونية مختصة في الوشاية (الإدانة) مُشَجَّعة وتُقَدَّم كمثال، ألا ترون الخطر؟

ينبغي أن تجعلنا نضحك. عندما يجب على حاصل على جائزة نوبل للطّب الاستقالة من منصبه في الجامعة تحت الضغط الشّديد والغاضب لـ «الشبكات الاجتماعية»، لأجل أنّه لمّح إلى سِمة عقلية لدى النساء، ألا ترون الخطر؟ [في استجواب له حول حضور النساء في المختبرات، قال: «نحن نقع في حبّهنّ، هنّ يقَعن في حبّنا وعندما ننتقدهنّ يبكين»]([8]). حين تكون مواقع إلكترونية مختصّة في الوشاية (الإدانة) مُشَجَّعة وتُقَدَّم كمثال، ألا ترون الخطر؟ عندما يكون هناك رجال مهدّدون بخسارة عقود، ومواقع، ووظائف، لأجل أنّهم يُدافِعون عن وجهة نظرهم حول ممارسة البِغاء أو حول أيّ موضوع آخر مفضّل لدى «حارسات السّلام الأسريّ»، ألا ترون الخطر؟ عندما يكون عدد متزايِد من الرّجال خائفون من قول ما يعتقدون، فإنّ هذا هو الإرهاب قد بدأ. ألا ترون هذا العطش الذي لا يرتوي من المراقبة، من الإدانة، من العقوبة، سيل الوحل الرّقميّ الذي يمكن لمقاتِلاتِنا الرّشيقات أن يسكُبنه على التّعيس الذي يُعارِض نَزَواتِهنّ – «الرغبة في العقاب» هي التي، كما يقول موراي، استبدلت «الرغبة في القضيب»؟ وسوف ينتهي بنا الحال إلى تجريم العشيق غير الثابت أو غير المُبالي. سيّدي القاضي، إنّه لا يُجِيب على مُراسَلاتي! نعم إذن، يمكننا القول بأنّ هؤلاء النسويات الجديدات néo-féministes هنّ «السخيفات الخطِرات».

*لكن ألا يدُلّ هذا على العبوديّة الطّوعيّة أكثر ممّا يتعلّق بخطر حقيقيّ؟ كيف يمكن لجماعات صغيرة (فصائل) أن تكون خطَرا؟
ليفي: ألم تسمعوا بالطّليعة المتقدِّمة للثورة([9])؟ هذه المجموعات الصغيرة خطِرة لأنّ تأثيرها لا يُقاس أبدا بحجمها الحقيقي. إنّ لديها مائدة مفتوحة في وسائل الإعلام الكُبرى حيث خطابهم هو كلمة الإنجيل: لن يتجرّأ أبدا صحفيّ لـ France 2 أو BFM على الجدال في فوائد المساواة أو مُوافَقَة بيانٍ للنساء الصّحفيّات السّياسيات اللواتّي يشتكين من عيش الجحيم، المسكينات.

*مثال جيد جدا، هذا البيان ضدّ التحرّش anti-harcèlement المنشور في مطلع صحيفة Libé: في غُرَف الأخبار، كان الجميع يضحك، وعلى الشاشات، كان الجميع يؤيّد اللُّغم الخطير، أليس هذا هو التعريف الصحيح للإرهاب؟

مثال جيد جدًّا، هذا البيان ضدّ التحرّش anti-harcèlement المنشور في مطلع صحيفة Libé: في غُرَف الأخبار، كان الجميع يضحك، وعلى الشاشات، كان الجميع يؤيّد اللُّغم الخطير، أليس هذا هو التعريف الصحيح للإرهاب؟ لكن بالإضافة إلى إشاعة جوّ مخيفٍ من محاكِم التّفتيش، هذا اللوبيّ غير النّظامي يؤثّر على القرارات الحكوميّة([10]). إذن إذا كانت هناك عبوديّة طوعيّة، فلأنّ أقليّة إيديولوجية ضئيلة تفرض سلطتها من خلال الخوف والترهيب. وطُموحُها هو أن تصُدَّنا عن الضّحك – من اختراعاتها التي لا تُحصَى، وبشكل عامّ، من كلّ ما له صِلة بالرجال وبالنساء.

*ما الذي يغضبكم أكثر عند «النسويات الجديدات»؟

” «جسدي مِلك لي»، كان يصرخ فتيات MLF الفرحات. «جسدك ملك لي»، يرُدّ وريثاتهنّ المضحكات.

ليفي: أتردّد بين فقدانهم التام للفكاهة، وشراسة الضحيّة عندهم، ورغبتهم في المُراقبة. لا، أظنّ أنّه هذا الذي لا يُطاق، هذا الظّمأ الذي لا يرتوي من «المراقبة والعقاب». «جسدي مِلك لي»، كان يصرخ فتيات MLF([11]) الفرِحات. «جسدك ملك لي»، يرُدّ وريثاتهنّ المضحكات، صيدليات للرّغبة أكثر من كونهنّ الاقتسام الشائع للأعمال المنزلية. عن نفسي، كتيبة آلات تنفيض الغبار، مكتب التنانير المُهَفهَفة frous-frous (بدون شكّ جنسانيّين، لا؟)!

ردّ فعل الدوائر النسويّة على غلافِنا (لأنّه لا تظنّوا أنّ هؤلاء الضمائر الكبيرة تعطي نفسها الفرصة للقراءة، لا، إنّهنّ فهمن كل شيء مُسبَقا) هو في حدّ ذاته إثبات. إنّهن قرأن سطرَين في نصّ تقديم العدد على causeur.fr، حيث قام باسكال بوري Pascal Bories بتلميحٍ مازح إلى أظافري الملمّعة (الحرص على الحقيقة التاريخية يفرض عليّ البَوح بأنّها فقط أظافر رجليّ). أجدادي، أيّ اندفاع! من هذه الكلمات الأربع («مديرتُنا ذات الأظافر الملمّعة»)([12])، استنتجت مفكّراتنا أنّنا نظنّهن عاجزات عن تلميع أظافرهنّ وتوهّمن أننا نصفهنّ بـ «بَدينات مُشعّرات»([13]). عموما، للصراخ والتلفيق على هذه المسألة، أقنَعن أنفسهنّ بأنّنا نُسيء إليهنّ. ما سمح لهنّ باستعادة العرش الذي يعشقنه: إنّه دور الضحيّة! بعبارة أخرى، في الردّ على إهانات متخَيَّلة، لقد قدّمن لنا سيلا من الشتائم الحقيقيّة جدا، هذا رائع، أليس كذلك؟ فيما يتعلّق بالتساؤل حول أساليبهنّ ونضالاتهنّ، فإنّ هذا لم يتجاوز بهنّ الفكرةَ.

تتحدّثين عن نضالات رابحة. «لقد حقّقنا المساواة» تكتبين… ألا تذهبين بسرعة كبيرة إلى العمل؟ يظهر أنه لا يزال *هناك فروق صارخة بين الجنسين (الفجوة في الأجور، التّمثيل السّياسي، إلخ…)…
ليفي: ستعترفون بأنّ ديمقراطيّتنا تعرف عيوبًا عديدة، ورغم ذلك هل تقولون بأنّنا لا نعيش ديمقراطية؟ هذا ينطبق تماما على المساواة وهذا جيد جدًّا: تحقُّق ديمقراطيّة بشكلٍ مثالي سيكون غير قابلٍ للعيش مثل مساواة شاملة. وفي نفس الوقت، فالمهمّ، هو أنّ المساواة في الحقوق هي اليوم مضمونة بالقانون ومَحميّة بالذّوق العامّ المشترك. طبعا، هناك كل أشكال الإحصائيات التي تُخبرنا عن كلّ ما يسير على نحو خاطئ: أجور، أشكال العنف، قواعد اللغة… التمييز الجنسي (الجنسانية) في كل مكان! لكنّ هذه الرؤية الانتقائية تتعارض مع الاستيعاب التاريخي: هل ينبغي استحضار التطوّرات الهائلة التي تم إحرازها خلال خمسين سنة؟ هل يمكن الحكم على حالة دون التساؤل أبدًا من أين انطلقنا؟ أضيف بأنه، من خلال التّلويح بطريقة مهووسة بالفروقات التي ما تزال قائمة، فإنّ نسويّاتنا الديمقراطيّات يمنَعْنَنَا من التساؤُل حول سلطتهنّ، خصوصا حول سلطتهن الإيديولوجيّة. خلال حملة الانتخابات الرئاسية 2012، نجَحن في إطلاق نفس السّخافات بإلغاء كلمة آنستي «مدموزيل» «Mademoiselle» بالنسبة لهولوند وساركوزي معًا. لقد كانت مسرحيّةً مُرعِبة أن يكون اثنان من المسؤولين البارزين امتثلا راضيَيْن لأسلوب اللُّغة الجديد الذي فرضته حكيماتنا اللّواتي قرّرن أنّ هذا المصطلح السّاحر للُّغة الفرنسية يجب أن يختفي. حسنا، أنا لا أعرف امرأةً واحدةً قد وافقت على هذا الإجراء. وأنا مقتنِعة بأنّ المتَرشِّحَيْن في تلك الأيّام قد وجَدُوه سخيفًا – الجُبن مع ذلك هو الأفضل أمام الحماقة…([14])

*هل تحاججون، إذا لم يكُن على عدمِ مُساواةٍ، فعلى الأقل على عدم التّناظر بين الجنسين؟
ليفي: لكن قطعًا لا، أين ذهبتُم للحُصُول على هذه الفكرة؟ إنّها ليست قضيّة مساوَمَةٍ في المساواة. لكن القضيّة هي: تحت غطاء محاربة عدم المُساواة، إنّه لأجل الاختلاف بين الجنسين، لذلك عندنا «نِعاج القطيع» «matonnes de Panurge» (بتعبير فيليب موراي Philippe Muray)

* كل نظريات الجندر (النوع) لن تُلغي حقيقة بسيطة: الرجال والنساء، ليسا سيّان. ومن وجهة نظري، إنّ هذا الاختلاف هو ما يجعل العالم صالحًا للعيش بشكل مُبهِج.

إنّهنّ لن يكُنّ راضيات إلّا عندما يكون الرجال نساءً مثل الأخريات وعندما يستأصلن فكرة الذكورة نفسها. أنا فهمت ما ترمين إليه، هي ليست مسألة فرض للنماذج. إننا لا نُجبِـر الأطفال الصغار على لعب لعبة الفرسان، جيّد جدًّا. هل ينبغي أن نشجعهم على أن يكونوا أميرات ونشجع الفتيات على لعِب “الرّجبي”؟ نحن ربحنا القدرة على اللعب مع أنماط بحيث، في الغرفة كما في المدينة، السُّلطة يمكنها تغيير المعسكر. ولكن تحت غطاء القضاء على هذه الأنماط، يُراد فرض نمطٍ وحيد منها. ومع ذلك، كل نظريات الجندر (النوع) لن تُلغي حقيقة بسيطة: الرجال والنساء، ليسا سيّان([15]). ومن وجهة نظري، إنّ هذا الاختلاف هو ما يجعل العالم صالحا للعيش بشكل مُبهِج([16]).

* هل تُنكرِين أيّ أهميّة للنّضال النسوي أو هل هناك بالنسبة لكم اليوم دوافع نزيهة للنسويّة؟ هل هو كفاح عادِل ضلّ طريقَه أم أنّها معركة مُتَجاوَزة عفّى عليها الزّمن؟

ليفي: بطبيعة الحال، هناك معَاركُ ما تَزال قائمةً، وهي سهلة التّحديد: هي تلك التي لا تشُنّها نسويّاتنا الجديدات المزعِجات. كمثال، معركة كلّ النساء المسلمات اللّواتي يُرِدن الإفلات من سيطرة المجموعة، الأب، الزوج أو الأخ واللّواتي نتخلّى عنهنّ باسم أفكارنا العظيمة حول التنوُّع – إنه عجيب هذا التسامح، من طرف جماعات غير متسامحة بشكل مُتزمّت مع كلّ أشكال الخلاف([17]). لكنني سأقول إنّ المعركة النسويّة القادمة، هي تلك التي يجب شنُّها على هذه النسويّة الزائفة، التي تريد أنّ تحدّد معيارًا واحدًا للنساء، تحت غطاء الدّفاع عنهنّ. لأنّه في نهاية المطاف، هي في حرب ضدّ الرّجال والذُّكورة، وفي نفس الوقت، في حرب ضدّ فكرة الأنوثة نفسها. هل أبالغ؟ لقد حصلت ماريسول تورين Marisol Toraine على هذه الجملة الصّاعقة في نهاية محاكمة ليل Lille: «الآن، الرجال سيكون عليهم أخذ الحذر مما يفعلون». هل هذا لا يُخيفكم؟ حسنًا أنتم على خطأ…

[1]  صحيفة فرنسيّة شهريّة إلكترونيّة، تأسّست في 15 نونبر 2007، من طرف الصحفيّة إليزابيث ليفي Élisabeth Lévy والمؤرّخ جيل ميايلي Gil Mihaely والناشر فرانسوا ميكلو François Miclo. وبدأت تُصدر نسخة شهريا ورقيّا منذ يونيو 2008. وبدأت توزّع لدى بائعي المجلات منذ 4 أبريل 2013. موقع المجلّة: Causeur.fr. (المترجم)

[2]  إليزابيث ليفي Élisabeth Lévy: صحفيّة وكاتبة فرنسية، ولدت سنة 1964، درست العلوم السياسية، وكتبت في عدّة صحف فرنسية مثل Le Figaro وLe Point. وأنشأت صحيفة Causeur، وشغلت رئيسة التحرير، ثم مديرة التحرير لها. (المترجم)

[3] كليمونتين أوتان Clémentine Autain: سياسيّة من اليسار الراديكالي وصحفيّة فرنسيّة، ولدت عام 1973، تعرّضت للاغتصاب في سنّ الثالثة والعشرين، وهذه كانت بداية انخراطها النسويّ. وقد أسّست سنة 1997 حركة نسويّة جديدة تُدعى Mix-Cité. (المترجم)

[4]  كارولين دو هاس Caroline de Haas: سياسيّة وناشطة نسويّة فرنسية، ولدت سنة 1980. شاركت في تأسيس حركة نسوية تدعى (Osez le féminisme !) سنة 2009، وظلّت متحدّثة باسم الحركة إلى غاية 2011، وكانت إحدى الموقّعات في أبريل 2011 على بيان “المساواة الآن” « L’égalité maintenant ! ». (المترجم)

[5] فيمن FEMEN: هي مجموعة نسويّة دوليّة متطرّفة لها فروع بالعديد من الدول، تأسّست في أوكرانيا سنة 2008، ومقرُّها الآن بالعاصمة الفرنسيّة باريس. وتعتبر من أكثر المنظّمات إثارة للجدل. تتحدّد أهداف الحركة في الدفاع عن حقوق المرأة ومحاربة التمييز بين الجنسين ورُهاب المثليّة والدين والديكتاتوريّة. والحركة تعرف قضايا جنائية كثيرة ضدّها بتُهم الشغب. وتنتهج الحركة طريقة مستفزّة في الاحتجاج لإثارة الإعلام عن طريق تظاهرات ناشطاتها وهنّ عاريات. (المترجم)

[6]  تقصد صورة غلاف العدد من مجلّة Causeur الذي هو موضوع هذه المقابلة. (المترجم)

[7] أظنّ أنها تقصد من جنسانيّ هنا كل فصل بين الجنسين، وكل شيء قائم على أساس الجنس، لذا اعتبرت ذلك مجاملة تحرم النسويات الناس منها. (المترجم)

[8]  تقصد إليزابيث ليفي هنا عالم الكيمياء الحيويّة تيم هانت (ريتشارد تيموثي هانت) Tim Hunt، الحاصل على جائزة نوبل في الطّبّ والفيزيولوجيا سنة 2001 التي تقاسمها مع اثنين آخَرَين حول اكتشافهم لجزيئات البروتين التي تتحكّم في انقسام الخلايا. حيث صرّح تيم هانت، في المؤتمر العالمي للصحفيين العلميين الذّي دُعِيَ إليه في سيول، كوريا الجنوبية يوم الاثنين 8 يونيو 2015، أنه يجب على الرجال والنساء العمل في مختبرات منفصلة لتجنب كون الأخيرات “يقعن في حب زملائهنّ ويبكين عندما يتمّ انتقادهنّ”. حيث أثارت مجرّد هذه الجملة منه موجة عارمة من الانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعيّ، وعلى إثر ذلك وفي نفس الشهر يونيو 2015 استقال تيم هانت من منصبه كأستاذ فخريّ، بعد الجدل الواسع الذي فجّره تصريحه، الذي وُصِف بأنّه تصريح متحيّز جنسيّا. وقد اعتذر تيم هانت قائلا: “أنا حقاً حقاً آسف إذا صَدَمتُ، إنه أمر بغيض، كنت أريد فقط أن أكون صادقاً”.

وهذه القضيّة تعبّر عن مدى تأثير اللوبي النسويّ وممارسته للإرهاب بنفس القدر الذي يمارسه اللوبي الداروينيّ على الأبحاث العلميّة، فبينما يُلاحِق الداروينيّون كلّ إشارة إلى الإرادة والقصد والحكمة والتصميم، يُلاحِق النسويُّون كلّ تلميح للتفريق وعدم المساواة بين الجنسَين. وهذا التأثير ينبغي أن يجعلنا نفهم جيّدا السياق مابعد-الحداثي الذي نعيشه، حيث لم يعُد للسُّلَط التقليديّة (السلطة القضائيّة، السلطة التنفيذيّة، السلطة الدينيّة، سلطة الطّبقة…) دورها الحقيقي والأوحد في القرار، بل إنّ السلطة الفردانيّة والمُتَعيّة أصبحت تشكّل قوّة هائلة في صنع القرارات وإجبار السّلَط التقليديّة. (المترجم)

[9] الطّليعيّة (بالفرنسية l’avant garde) لفظ عسكريّ، مُستمدّ من تيّارات ظهرت في القرن التاسع عشر، وأصبح يُستعمل للتّعبير عن بعض تيّارات ما بعد الحداثة التي ظهرت منذ بدايات القرن العشرين، التي دعَت إلى التغيير والخروج عن المعايير الحداثيّة، في كافّة المجالات، من الفن والأدب والفلسفة والثقافة والسياسة. ويميّز الطلائعيّة الدعوة إلى نبذ كلّ النماذج والانقلاب على كلّ المعايير والتعبير بحريّة وجُرأة والدّفاع عن الحريات الفرديّة، مع التبايُنات الموجودة بين تيّاراتها. وترجع تسميتُها بالطّلائعيّة إلى سان سيمون الذي دعا الفنّانين للعمل كطلائع للجيش وشدّد على ضرورة استعمال الفنّ كقوّة في التّغيير والإصلاح. (المترجم)

[10] هذا ما أكّدت عليه سابقا من كون التّيّارات الليبراليّة مؤثّرة وتشكّل سلطة أكثر قوّة من السلطات النّظاميّة الرسمية والتقليديّة في فرض القوانين رسميّا أو عُرفيّا. (المترجم)

[11]  MLF اختصار لـ Mouvement de libération des femmes أي: حركة تحرير النساء، وهي حركة نسويّة فرنسيّة مستقلّة وغير مختلطة، ظهرت بُعَيد أحداث ماي 1968 بفرنسا، للدّفاع عن حريّة التصرُّف في جسد المرأة ومُناهضة ما يسمّونه بالباطرياركية والدفاع عن المساواة في كل الحقوق عبر المظاهرات. (المترجم)

[12]  لمّح باسكال بوري بشكل عفويّ إلى أظافر ليفي مديرة تحرير الصّحيفة، في تقديم العدد الصّيفي من الصّحيفة الذي يوجد على على هذا الرابط، وقد التقطت النّسويّات هذا التلميح واعتبرته إشارة إلى إهانتهنّ. (المترجم)

[13]  تقصد ليفي هنا الصّحيفة الفرنسيّة النسويّة Causette، حيث نشرت الصّحيفة منشورا على صفحة الفيسبوك بعد شهر من صُدور عدد صحيفة Causeur الصّيفيّ 8 يوليوز 2015، يؤوّل تلميح باسكال بوري في تقديمه إلى أظافر ليفي المُلَمّعة إلى كونه إهانة ووصفا للنّسويّات بأنّهن لا يعتنين بمظهرهنّ وذكرت الصّحيفة في المنشور هذا الوصف «بَدينات مُشعّرات» ventripotentes et poilues. وهذا رابط المنشور.

وقد اشتهر هذا السّجال بين الصّحيفتين، وتحدّث موقع L’EXPRESS عنه بعنوان “الشُحنة المُناهِضة للنّسويّة لـ Causeur والردّ المُلَمَّع لـ Causette” La charge anti-féministe de Causeur, la réponse vernis de Causette في نفس اليوم 8 يوليوز 2015، كما نشرت عن ذلك مواقع أخرى مثل francetvinfo.fr. (المترجم)

[14]  هذا في نَظَري هو أصعب تحَدٍّ يوجد مع النسويّة والتيّارات الليبراليّة، كون هذه التّيّارات سخيفة لدرجة أنّ العاقل يمتنع عن الرّدّ عليها، وهذا يجعلها تستشري أكثـر، ثمّ إنّ كونها تعتمد على سخافات تافهة يجعل الرّدّ عليها بعُمق ومناقشة جادّة غير ذا أهميّة، فهذه التّيارات تعتمد على السّخافة والتّفاهة الموجودة، كما أنّ الليبراليّة تعبّر عن رغبات ومُتَع أكثر من تعبيرها على تيّار فكريّ يجادل بالحُجج، وقد سبق أن كتبت في مقال عَنونتُه بـ “تحوُّل الثقافة منذ ما قبل الحداثة إلى ما بعد الحداثة” على موقع مركز إرشاد: “ويبقى الإشكال الأعظم في ثقافة ما بعد الحداثة أنّها في مُخرجاتها الحاليّة ليست فِكرا يستند إلى أدلّة يمكن تِعدادُها والرّدُّ عليها -وإن كانت قائمة على أصول ومُضمَراتٍ فلسفيّة طبعا-، بل هو حالةٌ من الاندفاع الشّهوانيّ المُتَعيّ الذي يحتاج إلى قهر، بالتّهذيب الإيمانيّ، أو الحُكم السُّلطانيّ”. (المترجم)

[15]  تستنجِد ليفي هنا بفطرتها، فإنّه لا يُمكن لأيّ شخص سويّ أن يُنكر حقيقة الفرق بين الجنسين، وأنّ هناك جنسَيْن فقط لا ثالث لهما، وأنّ اعتقاد أنّ الجنس يأتي من التّنشئة وليس طبيعيّا فطريّا واختلاق نظريّات لأجل هذا من أتفه الحماقات. (المترجم)

[16]  بهذا نفهم تباهي الله جلّ جلاله بنظام الزّوجيّة الذي فطر عليه جميع الكائنات، ومن ذلك قوله تعالى: (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) [الرعد: 3]، وقوله: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الذاريات: 49]، وجعل ذلك من آياته سبحانه، ورتّب على هذه الزّوجيّة السّكينة والسُّكون في الزّواج فقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا [الروم: 21]. فمن سلِمت فطرته عرف قيمة الزّوجيّة وآية الله في ذلك فآمن به سبحانه وعظّمه وفرّ إليه كما قال تعالى: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) [الذاريات: 49-50]. (المترجم)

[17] حتّى تكون لنا رؤيَة مُنضبِطة نأخُذ فيها ما يُمليه علينا الدّرس العَقَديّ الإسلاميّ الذي يُفَرّق بين إرادة الله الكونيّة وإرادته الشّرعيّة، ونسلِّم بِكِلا الإرادَتين، ونلتزم بالشّرعيّة منهما حبّا وتعظيما وتسليما عمليّا وقلبيّا، وبالثانية وعيا وفهما ومُحاكَمة على أساس الأولى، فإنّني أُجمِل الرّدّ على ليفي حول ما تذهَبُ إليه هنا بخَصوص الإسلام فيما يلي:

– لا يُمكن لي أن أنفي وجود نساء مسلمات يُرِدن الإفلات من أحكام الإسلام والتفلُّت من الضّوابط الشّرعيّة الخاصّة بهنّ في الإسلام؛

– تعميم إرادة الانفلات هذه على جميع المُسلِمات بيّن الخطأ، وقول ليفي للإنصاف يحتمل هنا معنَيَيْن هذا أحدُهما، فقولها “معركة جميع المسلمات اللواتي يُرِدْن الإفلات” يحتمل معنيَيْن؛ أحدُهما أنّ جميع المسلمات هُنّ كذلك، وهذا الذي ننفيه، والمعنى الثاني هو أنّ النسويّات عليهنّ خوض معركة النّضال عن كلّ من يتّصِفن بذاك الوصف، فيكون قولها “اللواتي يُردن الإفلات…” تخصيصا لعامٍّ، وهذا لا إشكال فيه بالنسبة لما تعتقده.

– سواء كان هناك نساء مسلمات يجِدن حرجا من شرع الله أو أنّ ليفي ترى أنّ الإسلام فيه ظلم للمرأة، فإنّ هذا ليس حجّة على كون الإسلام ليس دين الحقّ أو أنّ المرأة في الإسلام لا تتمتّع بالحقوق الموافقة لفطرتها، فالحقّ أحقُّ أن يُتَّبَع.

– ينبغي التأكيد على مسألة واضحة هي كون الإسلام جاء موافقا لما فطر الله عليه الجنسين معا، وكلّ انقلاب أو تغيّر في الفطرة يعقُب انقلابا على الشرع واتّهاما له، والإسلام يعتبر المرأة من الفئات الضّعيفة في المجتمع –كما خلقها الله ضعيفة- فأوصى بها من جعل له قِوامة عليها بالحُسنى، وجاءت باقي الضّوابط الشّرعية بما يتواءم مع ما خلق الله المرأة لأجله من الإشراف على بيت زوجها وتربية النّشء وحفظ النّسل، وغير ذلك، والأدلّة على هذا لا حصر لها في الشّرع.

– كما اعتبرت ليفي مُحِقّة في ذلك النسويّة دينا يريد تشكيل تصوُّرات تخُصّ الجنسين والعلاقات… فإنّ الخلاف هنا في أصول التصوّرات، فالّذي يتبنّى الرّأسماليّة النّفعيّة ويرى في المرأة قوّة في اليد العاملة بأجور هزيلة، أو قوّة هائلة =للتسوُّق سهلة الخِداع، فإنّه سيُنادي بعمل المرأة وإخراجها من البيت، وكذلك من يرى مركزيّة المساواة (ما بعد-الحداثيّة) وضرورة نفي الفُروق، كما هي ليفي نفسها غير أنّ فطرَتها لا تُطاوِعُها لقَبول لَوازم هذه المُساواة -والتي تلتزم بها النسويّات الجديدات-؛ فإنّه سيدعو للمساواة. كما سيدعو إلى التزام شرع الله من يرى مركزيّة عبادة الله، ومركزيّة الآخرة.

– القِوامة التي ذكرتها ليفي مستنكرة إياها، هي مرتبطة بنفس الفطرة التي كانت تُدافع عنها قبل قليل، كما ذكر ذلك عدد من المفسّرين، فإنّ القوامة تتواءم تماما مع قدرات الجنسين الطّبيعيّة الفطريّة.

– الإسلام فصّل الأحكام تفصيلا، لذلك لا يمكن خداع الناس بجعل القِوامة في الإسلام تستلزم إقرارا من الشّرع بالاضطهاد والظُّلم، فإنّ سلطة الأب أو الزّوج على المرأة لا تخوّل له حقّ ظلمها والتعامل معها إلا وفق ضوابط الشّرع المفصّلة، وإذا حدث منهم ظلم أو إعضال تتدخّل السلطة التي فوقها كالقاضي لحلّ النزاع، ومركزيّة الآخرة التي ذكرنا باعثة لنا على كلّ اطمئنان بعد ذلك حتّى لو حدث ظلم في الدُّنيا، فليست هذه دار بقاء، وليس من ظلم إلا له قاضٍ حكيم عليم يحاسِب عليه بالذّرّة –نسأله الرّحمة والعفو-.

– إنّ نفس الهَوَس في المراقبة والإدانة الذي تنتقده ليفي عند الأنثويّات يُنتَدُ عليها هنا، فإنّها إن كانت ترى تطبيق شرع الله تزمُّتا وظلما وعدم تسامح مع المرأة، فإنّها هنا تحاول تفسير شرعة ربّانيّة لم تكلّف نفسها النّظر في تفاصيلها بنظرة نسويّة ترى في كلّ شيء كُرها للمرأة وعدم تسامُح معها وتمييزا ضدّها لكونها امرأة لا غير. ونحن أرحَم بالمرأة إذا نحن ألزمنا المرأة بما ألزمه بها الرّحمن الرّحيم سبحانه الذي تتوافق به مع فطرتها في الدّنيا وتسلَم معه في الآخرة.

– لا ننكر كذلك أنّ من النّاس من يظنّ القوامة ضوءًا أخضر لممارسة الظلم واستعباد المرأة، وهذا لا يمكن أن يتوافق مع الإسلام بحالٍ.

– والحاصل أننا ننطلق من أمرين مؤثّرَين في تصوّراتنا هما الفطرة السّويّة والوحي، والوحي له التأثير الأكبر، والذي نعرف من أدلّة ربّانيّته ضرورة التّسليم له. وهذا أصل الاختلاف في التصوّر، فهو خلاف في الأصول الكبرى لا التّفاصيل، مع اتّفاقنا مع ليفي في أغلب ما ذكرت. والاستدلال على ما ذكرنا على وجه التّفصيل سيجعل هذا التّعليق يطول جدّا (المترجم).

المصدر

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز