القائمة الرئيسية


تقارير: ولاية الرجل على المرأة وقوامته عليها بين الحقائق الشرعية.. والمفاهيم الجاهلية

7 سبتمبر, 2017

  • شارك

جاءت شريعة الله تبارك وتعالى بتكريم المرأة، واحترام كيانها، والعناية بأمورها، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشد الناس حرصًا على المرأة، فكان صلى الله عليه وسلم يُكرمها، ويرفع من شأنها، ويشاورها، ويأخذ برأيها، وحذّر من ظلمها وممارسة أي نوع من أنواع التسلط والقهر عليها، والذي يطالع النصوص الشرعية يجد هذه المسألة واضحة جلية، فالمرأة مخلوق مُكرَّم مثلها مثل الرجل، لها حقوق وعليها واجبات؛ مثل الرجل تمامًا، إلا أننا صرنا في زمان انتشر فيه التطفيف وعدم العدل، والكيل بعدة مكاييل في الموقف الواحد والقضية الواحدة، فصارت العادات والتقاليد غير الشرعية والنعرات البالية تبيح للرجل ما لا تراه للمرأة، وتعطيه من الحريات والحقوق ما لا تمنحه للمرأة، وصارت بعض النساء في بلادنا كالرهينة، تتعرض لما لا يتعرض له الرجل، وتقاسى كثيرًا مما لا يقاسيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
تكريم الشريعة للمرأة:
لقد جاء الإسلام ومعه الكرامة والعزة والشرف والتقدير للمرأة، جاء بما يكفل حقوقها ويحميها من كيد الآخرين وعدوانِهم؛ لما في طبيعتِها من اللين والرقة؛ فهي الأم الحنون، وهي الأُخت الكريمة، وهي الزوجة الحبيبة، وهي البِنت الرقيقة؛ فالمرأة نبع الحنان، ومصدر الأمان، ونهر الحب والعطاء والعرفان.
فقد كرّم التشريع الإسلامي المرأة أيما تكريم، وهذا التكريم تضمنته نصوص الشريعة الإسلامية المتمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان؛ فخصَّ الله تبارك وتعالى النساء بسورة كاملة من كبار سور القرآن، سماها باسم النساء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع قدر المرأة، ويعلي شأنها، ويجعلها في مكانتها التي تليق بها، فجعلها صنو الرجل، فقال عليه الصلاة والسلام: (إنما النساء شقائق الرجال) رواه أبو داود.
بل ولم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بتكريم المرأة في هذا السن، بل كرمها بنتًا صغيرةً، وكرمها زوجةً، فقال: (اتقوا الله في النساء) رواه مسلم، وقال: (استوصوا بالنساء خيرًا) رواه البخاري ومسلم، وقال: (خيركم، خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) .
ولاية الرجل وقوامته على المرأة:
جعلت الشريعة الولاية للرجل على المرأة، ومنحته حق القوامة عليها؛ وهو في ذلك متسق مع فطرة الله تعالى في الخلق بأن جعل الرجل راعيًا للمرأة قائمًا على شؤونها، ولذا وهب الله الرجل من خصائص القوامة والولاية ما لا يوجد عند المرأة، قال تعالى: (الرجالُ قوامُون على النساءِ بِما فضل اللهُ بعضهُم على بعض وبِما أنفقُوا مِن أموالِهِم فالصالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلغيبِ بِما حفِظ اللهُ) (النساء:34).
والقوامة في الشريعة الإسلامية عبارة عن آلية تنظيمية تفرضها ضرورة ضبط بوصلة الأسرة المسلمة القائمة بين الرجل والمرأة، وما ينتج عنهما من نسل طيب. فالرجل أُعطي القوامة لهذين السببين المذكورين في الآية:
وأحد السببين هو هبةٌ من الله تعالى، وهو تفضيل الله الرجال على النساء، فالرجل بناء على طبيعته التي خلقها الله تعالى عليها يتمتع بقدرات جسمية، وعقلية أكبر بكثير [على وجه العموم وإلا فبعض النساء قد تكون أذكى من الرجل وأعقل منه] من المرأة التي تكون عادة أقل حجمًا وقوة، ويتحكم الرجل بانفعالاته وأفعاله وعواطفه الإيجابية والسلبية ربما في أحيان كثيرة أكثر من المرأة، إذ يغلب عليها العاطفة وهي فضيلة تناسب وظيفتها الأساسية في الحنو على الأسرة كلها وتربية الأبناء واحتواء الصغار.
والسبب الآخر يناله الرجل بكسبه، وهو إنفاقه المال على زوجته؛ حيث جعل سبحانه وتعالى إنفاق الرجال على النساء سببًا لقوامتهم عليهن؛ إذ إن الرجل اكتسب خاصية القوامة لكونه القائم على الزوجة من جهة الإنفاق والتدبير والحفظ والصيانة والإنفاق على أسرته بالمعروف، وليس من العدالة والإنصاف في شيء أن يُكَلّف الإنسان بالإنفاق على أسرته دون أن يكون له حق القوامة، والإشراف والتربية.
ضوابط القوامة والولاية وحدودهما:
إن الولاية على البنات والبنين، والقوامة على الزوجة: غُرْمٌ لا غُنْمٌ، ومسئولية عن الزوجة ورعايتها، ومهمة في إعداد الأبناء للحياة، فهم أمانة عند الإنسان، سيحاسب عليهن ويسأل عنهن بين يدي الله سبحانه، فالإسلام إذ جعل القوامة للرجل على المرأة، لم يشرع استبداد الرجل بالمرأة ولا بإرادة الأسرة، ولم يرد أن تكون تلك القوامة سيفاً مسلطاً على المرأة، وإنما شرع القوامة القائمة على الشورى، والتعاون والتفاهم، والتعاطف المستمر بين الزوج وزوجته، قال تعالى: (وعاشروهن بالمعروف)[سورة النساء من الآية 19]،
وبعض هذا – مع الأسف– هو الواقع من كثير من الرجال، ممن جهلوا الحكم الشرعي لتلك الوظيفة الرائدة، فعملوا فيها بالجهل الذي هو سبب لكل شر، أو علموا الحكم الشرعي إلا أنهم تجاهلوا أو حمّلوا تلك الوظيفة ما لم تحتمل، فجعلوها نافذة يلجون من خلالها إلى حقوق المرأة ومكانتها، فيعملون فيها بالهدم والتشويه، وهذه الفئة من الرجال كانوا ولا يزالون سببًا رئيسًا لامتعاض المرأة من هذه الكلمة (القوامة) بل حدا الأمر بكثير من النساء إلى التمرد على تعاليم الدين الحنيف بسببها.
ولعل هذا يصحح المفهوم الخاطئ لدى كثير من النساء من أن القوامة تسلط وتعنت وقهر للمرأة وإلغاء لشخصيتها، وهذا ما يحاول الأعداء تأكيده، وجعله نافذة يلِجُون من خلالها إلى أحكام الشريعة الإسلامية فيعملون فيها بالتشويه.
إن القوامة في الشريعة الإسلامية لها مدًى تقف عنده، وتنتهي إليه، فهي لا تمتد إلى حرية الدين، والمعتقد، فليس للزوج أن يُكرِه زوجته على تغيير دينها إذا كانت كتابية، ولا أن يجبرها على اتباع مذهب معين، أو اجتهاد محدد من الاجتهادات الفقهية إذا كانت من أهل القبلة مادام هذا الرأي ليس بدعة ولا يخالف الحق وأهله، وكذلك لا يؤثر على تضييع حقوق الزوج كبعض نوافل العبادات, أما إن كان في أمر مباح لها وهو يراه حراما فله أن يلزمها بقوله لاسيما إن كان فيه إساءة له أو تعريض بالتنقص كتغطية وجهها وما شابه, كما لا تمتد القوامة إلى حرية المرأة في أموالها الخاصة، ولا في المساواة بينها والرجل في الحقوق التي أراد الله فيها المساواة، وليس لها طاعته إذا ارتكب معصية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا طاعة لأحد في معصية الله تبارك وتعالى” رواه أحمد.
مفاهيم خاطئة في الولاية والقوامة:
كل من ينظر في واقعه وفيمن حوله يجد أن كثيرًا من الرجال قد أساء استخدام قوامته وولايته على امرأته وابنته، وبدأ يسومهم سوء العذاب، متعللاً في ذلك بالنصوص الشرعية التي كثيرًا ما يبالي بأحكامها في غير هذه المسائل!!
وهل منع كثير من الآباء بناته -اللاتي هنّ مأسورات تحت ولايته- من الزواج؛ ليستولي على راتبها، والاستفادة من دخلها المادي إلا تحت سيف القوامة والولاية؟!! ولو فُتح المجال للشكوى لامتلأت دوواين المظالم بنساء وبنات يشتكين العائل ورب الأسرة .. ولي أمر الفتاة والقيّم على الزوجة.. فالمجتمع يعجّ بالمظالم والقهر المسلم على فئات كثيرة من البنات والفتيات والزوجات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وهل ضيّق  كثير من الرجال وضارَّ زوجته حتى يأكل مهرها ويغنم راتبها الشهري إلا تحت راية القوامة؟!!
إن بعض الناس يسيء فهم آية {الرجالُ قوامُون على النساء} [سورة النساء من الآية 34]فهذا الرجل تجده يشتم ويلطم ويضرب زوجته المسكينة، ثم إذا اعترضت عليه يقول: قال تعالى: {الرجالُ قوامُون على النساء} [سورة النساء من الآية 34]، وقد يكون لا يحفظ من القرآن إلا القليل، وهذه الآية؛ لأنها -على زعمه- آية واضحة في أن الرجل قوّام على زوجته، فليفعل بها ما شاء.. وهذا فهم سقيم ومعوج، وتأويل فاسد؛ فإن معنى الآية ليس هكذا.
فإن الشارع الحكيم لما جعل القوامة بيد الرجُل بِحكمته -سبحانه وتعالى- لم يجعل ذلك مطلقًا يستغله الرجال في إذلال النساء والتحكم بهن، وفق أهوائِهم وما تشتهيه أنفسهم؛ بل قيّد تلك الوظيفة بضوابط وقيود شرعية، من شأنِها أن تكون سببًا في فهم الرجال للقوامة التي أرادها الشارع الحكيم، وتنبّه النساء إلى ذلك، وتردع كل من يستغل تلك الوظيفة الشرعية لإهانة المرأة والحط من قدرها، وسلبها حقوقها.
ليس الأمر كما يرون ويفهمون من القوامة، فليس قوامة الرجل في الإسلام قوامة السطوة والاستبداد والقوة والاستعباد، ولكنها قوامة التبعات، والالتزامات والمسؤوليات، قوامة مبينة على الشورى والتفاهم على أمور البيت والأسرة، قوامة ليس منشؤها تفضيل عنصر الرجل على عنصر المرأة، وإنما منشؤها ما ركّب الله في الرجل من ميزات فطرية، تؤهله لدور القوامة لا توجد في المرأة، بينما ركب في المرأة ميزات فطرية أخرى، تؤهلها للقيام بما خلقت من أجله، وهو الأمومة ورعاية البيت وشؤونه الداخلية.
ونتيجة للفهم الخاطئ لمعنى القوامة من أنها دليل تفضيل الرجل على المرأة صوّر أعداء الإسلام أنه دين ظالم للمرأة ومتجنٍ عليها، وذلك لتميز الرجل بالقوامة لأنه أفضل منها، بالرغم من أن إعطاء هذه الدرجة للرجل مع تكليفه بأعباء مالية وتكاليف مختلفة مقابل ذلك لا يعني انعدام المساواة بينه وبين المرأة، فالعلاقة بين الاثنين تخضع لأحكام متكاملة.
إن بعض النساء قد تحصل لهن ردة فعل أمام هذه التأويلات الخاطئة، فلا يثبتن للرجل القوامة، بل قد نجد نساء بدورهن يؤولن هذه الآية تأويلاً مضحكًا وغريبًا، كأن يرين أن هذه الآية مناسبة للعصر الذي كان يعيشه الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده، أما الآن (في عصر العولمة) فإن النساء يستطعن أن يستظللن ببيوتهن وآرائهن!!!
إن قوامة الرجل في بيته لا تعني منحه حق الاستبداد والقهر، فعقد الزوجية ليس عقد استرقاق، ولا عقد انتفاع بجسد المرأة، إنه أزكى من ذلك وأجلّ، وكلٌ من الزوجين بشر تام، له عقل يتفكر به، وقلب يحب به ويكره، فوجب الحق للمرأة حتى مع قوامة الرجل {ولهُن مِثلُ الذِي عليهِن بِالمعرُوفِ} [البقرة:228]، كما أن قوامة الرجل لا تعني استغنائه عن زوجه، فالله عز وجل يقول: {هُن لِباسٌ لكُم وأنتُم لِباسٌ لهُن} [البقرة:187].
ينبغي أن يكون واضحًا أن القوامة لا تعني إلغاء حقوق المرأة وتهميش شخصيتها، ولا تعني أيضًا الإذن للرجل بإيذاء المرأة والنيل منها. يقول سيد قطب رحمه الله: “ينبغي أن نقول: إن هذه القوامة ليس من شأنها إلغاء شخصية المرأة في البيت ولا في المجتمع الإنساني، ولا إلغاء وضعها المدني، وإنما هي وظيفة داخل كيان الأسرة لإدارة هذه المؤسسة الخطيرة، وصيانتها وحمايتها، ووجود القيم في مؤسسة ما لا يلغي وجود شخصية أخرى أو إلغاء حقوق الشركاء فيها، فقد حدّد الإسلام في مواضع أخرى صفة قوامة الرجل وما يصاحبها من عطف ورعاية وصيانة وحماية وتكاليف في نفسه وماله، وآداب في سلوكه مع زوجته وعياله”.

 

المصدر:
http://www.wafa.com.sa/arabic/Subjects.aspx?ID=7896