القائمة الرئيسية


تقارير: حُسن الاسم حق للمرأة

7 سبتمبر, 2017

  • شارك

المعروف لدى النساء أنها قد تهتم بأمور لا يهتم بها الرجال ولا تشغل حيزًا من تفكيرهم، وربما شغلها شاغل بل وَأَهَمَّهَا وهو لا يشغل في تفكير الرجال إلا جزءًا بسيطا؛ حيث إن كل جنس له طبيعته التي تميزه عن الجنس الآخر، والمرأة حين تقوم بأي عمل مهما كان صغيرًا فإن مساحة كبيرة من عقلها تتأثر به وتنتبه له، ومن هنا فإن اهتمام المرأة بالتفاصيل يكون أكثر من اهتمام الرجل، ويفسر هذا أن عقل المرأة أكثر انشغالا بأمور قد لا يلقي الرجل لها بالا، والعكس بالعكس.
ولعلك أدركت معي الآن أيها القارئ العزيز، لماذا جعلتُ عنوان مقالتي محددًا (للبنات)، وليس (للأبناء).
وذلك لأنني أردت من العنوان أن يكون ملفتًا للنظر، ومثيرًا للانتباه؛ فلا يخفى على أحد أن الفتاة تتأثر سلبا وإيجابا باسمها أكثر من تأثر الولد؛ فهي أكثر حياء من الولد على مقتضى فطرة الله تبارك وتعالى التي فطر الناس عليها.
وفي هذا مدح لها؛ لأن المرأة لا يضيرها أن توصف بأن الحياء خلقها، والأدب تاجها، والعفاف عزها، بل إن هذا يحسنها ويحفظ كرامتها.
والحياء -كما ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه على صحيح مسلم- خلق حميد يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق.
واسم المرأة من الأمور المحببة إلى قلبها، والعزيزة إلى نفسها، وإذا أصبح هذا الشيء الذي تنظر إليه البنت أو الفتاة على أنه من أكثر الأشياء التي تتباهى به هنا وهناك وبالا عليها، شعرت بخيبة أمل كبيرة في أبيها؛ لأن أباها لم يحسن تسميتها، وهو يعلم يقينا أن ابنته لن يصبح لها مجال آخر للاختيار بعد تسميتها بهذا الاسم.
وربما وصل الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك من أمور قد تصل إلى حد السخط على الوالدين وعلى كل من تسبب في إلصاق هذا الاسم غير المرغوب فيه بالفتاة التي تنظر إليه على أنه أصبح عبئا ثقيلا عليها، لا تستطيع دفعه أو الفرار منه بحال من الأحوال، وبخاصة إذا أرادت أن تغير اسمها إلى اسم حسن، فلم تتمكن من ذلك؛ لوجود إجراءات قانوينة وأخرى روتينية معقدة تحول بينها وبين تغيير اسمها، وإذا تحدثنا من الناحية الشرعية، فإنه لا يجب على صاحبة الاسم تغيير اسمها، لكن يستحب لها ذلك إن استطاعت إلى ذلك سبيلا.
وقد يؤدي الأمر في بعض الحالات إلى الغيرة؛ أعني غيرة الفتاة ذات الاسم القبيح من غيرها من الفتيات ذوات الأسماء الحسنة والجميلة، ولا يخفى على أحد الآثار المدمرة المترتبة على الغيرة، وأكتفي بذكر أحد هذه الآثار، لعله يشير إلى بقية الآثار التي لا تقل خطورة عنه، ألا وهو الحسد، ولا أقصد بالحسد النوع المحمود منه، وإنما أقصد وبكل أسى الحسد المذموم الذي يدعو إلى الحقد على الآخرين وزوال النعمة منهم؛ لأن الفتاة حينئذ تبرر لنفسها شعورها هذا بأنها ضحية مجتمع جعلها مثار استهزاء من الآخرين، ولم يراعِ نفسيتها، ولم يحافظ على كرامتها؛ فلماذا لا تنتقم من هذا المجتمع المتمثل فيمن حولها، وإن لم يكن من حولها هو من تسبب حقيقة في تسميتها بهذا الاسم، لكن ذنبهم الوحيد أنهم من الذين يتعاملون معها في مجتمعها الذي تعيش فيه وهي ناقمة عليه!
ويترتب على اختلاف طبيعة كل من الولد والبنت أن الولد قد يتحمل من سخرية أصدقائه واستهزاء غيرهم من المحيطين به ما لا تتحمله البنت، إذا كان الاسم مدعاة للسخرية والتهكم، وربما يستوعب الأخ ما لا تستطيع أخته استيعابه عند تعرضهما لنظرات الشفقة هنا وهناك حال ذكر اسم أي منهما أمام الناس.
ولا أكون مبالغا إذا قلت بأن هذا الأمر ربما يُشعر الفتاة بالنقص بين قريناتها وزميلاتها، وربما دفعها إلى المبالغة في الجوانب الأخرى من الإظهار المفرط لزينتها وجمالها والخضوع في حديثها؛ لتعويض هذا النقص، وإخفاء قبح اسمها الملازم لها والذي لا ينفك عنها ولا تنفك عنه.
وبهذا ندرك أن خطورة الأمر تكمن في أن الاسم يلازم صاحبه ذكرا كان أو أنثى في سني حياته من المهد إلى اللحد؛ ابتداءً بمرحلة الطفولة، وهي مرحلة التكوين الحقيقية للشخصية في جميع جوانبها الدينية والنفسية والاجتماعية والثقافية والعلمية وغيرها من الجوانب، ومرورا بمرحلة المراهقة، وهي من أخطر المراحل في حياة الشخص، كما أنها من أكثر المراحل التي يتأثر فيها الشخص إيجابا وسلبا باسمه حسنا كان أو قبيحا، ثم مرحلة الشباب، ولأهمية هذه المرحلة في حياة المرء فإن الله تعالى يسأل العبد عن شبابه فيما أبلاه، بعد أن يسأله عن عمره فيما أفناه، ثم مرحلة الرجولة، وهي مرحلة النضوج الفكري والنفسي، والمرحلة الحقيقية لتكامل الشخصية، وانتهاءً بمرحلة الشيخوخة، وهي المرحلة الأخيرة في حياة الإنسان، يصل إليها من أراد الله تبارك وتعالى له أن يصل إلى هذه المرحلة من العمر.
تخيل أن اسمك سوف يلازمك طيلة حياتك، بل وأكثر من ذلك؛ حيث ينادى كل واحد ذكرا وأنثى، باسمه في الآخرة علانية على رءوس الأشهاد، ويؤكد هذا مما ورد في السنة النبوية ما رواه أبو داود والدارمي وابن حبان وأحمد: “إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماءآبائكم، فحسنوا أسماءكم”.
لذلك ألوم على الآباء الذين لا يدركون خطورة هذا الأمر على نفسية البنت، بل إن الأمر يعدو كلامنا بكثير؛ فهي أمانة ألقاها الله تبارك وتعالى على عاتق الآباء، ويجب عليهم أن يكونوا أهلا لهذه المسئولية، وهذا من حق كل ولد على والده.
وقد ذكر العلماء والفقهاء أن الأصل في مسألة التسمية الإباحة، ما لم يتعارض الاسم مع شريعتنا الغراء، وأزيد بأن الاسم إذا كان يحمل من المعاني القبيحة التي ينفر منها الآخرون ما يحمل، فهو اسم يتعارض مع ديننا وشريعتنا.
ولقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم عظمة هذا الأمر في نفوس الأبناء، وترتب على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قد غير أسماء بعض الصحابة التي فيها من المحاذير الشرعية ما فيها، ومن ذلك ما رواه الحاكم من أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان اسمه عبد عمرو أو عبد الكعبة -على اختلاف في الروايات- فلما أسلم سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن.
والملاحظ أن بعض الآباء يهتمون بحسن تسمية الأولاد (الذكور دون الإناث)؛ لورود الآثار والأخبار التي تحث على ذلك، ومن ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن”، وعند أبي داود “وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة”.
وهذه الأدلة على كثرتها وإن وردت في حق الأبناء، إلا أنها تشمل الذكور والإناث سواء بسواء، والدليل على ذلك ورود ما يؤيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا وجد مخالفة شرعية في تسمية البنات قام بتغيير الاسم، كما في صحيح مسلم عن زينب بنت أبي سلمة أنها سُميت بَرَّة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البر منكم”، فقالوا: بم نسميها؟ قال: “سموها زينب”.
وتكرر الأمر ذاته مع بعض زوجاته صلى الله عليه وسلم من أمثال زينب بنت جحش وجويرية بنت الحارث رضي الله عنهما.
ويفهم من هذه الأدلة وغيرها كراهةالتسمي بالأسماء التي تحمل معاني فيها تزكية للنفس؛ لأن الله أعلم بأهل التزكية، وفي غيرها من الأدلة ورد ما يؤكد كراهة التسمي بالأسماء التي تحمل معاني قبيحة أو تدعو إلى الاشمئزاز من صاحبها، أو الاستهزاء والتهكم والسخرية عليه؛ مما يجعله ينفر من اسمه الذي تسمى به عاجلا أو آجلا، ومن ذلك ما ذكره أبو نعيم في معرفة الصحابة من أن مطيع بن الأسود الصحابي الجليل كان اسمه العاص فسماه النبي صلى الله عليه وسلم مطيعا، وذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان اسمه العاص فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله، وقد تكرر هذا مع غير واحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم أجمعين رضوان الله تعالى.
ولعل من أهم العوامل التي تؤدي إلى وقوع الآباء في مثل هذا المنزلق الخطير أن بعضهم يحرص على تسمية الأبناء بأسماء الآباء والأجداد دون تفريق لما هو حسن وما هو قبيح من الأسماء؛ لأنهم يرون في هذا اعترافا بفضل آبائهم وأجدادهم، وتقديرا لجهودهم في تربيتهم، وعرفانا بالجميل في حقهم، وظنوا أن هذا من باب تخليد ذكرى الآباء والأجداد، والحق أن ذكرى الإنسان بعمله وسيرته بين الناس؛ لأن الناس شهداء الله في الأرض، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر؛ فكم من إنسان علا وارتفع بعد وفاته وهو عقيم لم يرزق في حياته بنسل، وهناك من رزقه الله تبارك وتعالى في حياته بالكثير من الذرية، ولم يبق لذكره أثر بعد وفاته.
ومعلوم أن التسمي بأسماء الآباء والأجداد ليس حسنا على إطلاقه وليس سيئا على إطلاقه؛ لأنه وإن كان فيه ما فيه من معاني البر والإحسان إليهم، لكن في الوقت نفسه هناك من الأسماء التي تصلح في جيل دون غيره؛ لأن الاسم قد يتغير مدلوله من عصر إلى آخر.
وبذلك نكون قد أدركنا أنه عند اختيار اسم الولد بصورة عامة والبنت بصورة خاصة، لا بد أن يراعى فيه كونه اسما حسنا جميلا ذا معنى طيب، وهنا ينبغي على كل أب حكيم أن يعلم جيدًا أن مسألة تسمية الأبناء يعود عليه قبل أن يعود على ولده؛ لأن الأبناء إنما ينسبون إلى آبائهم؛ ولهذا فإن الأب الأريب إذا وجد نفسه في حيرة من أمره عند تسمية أحد أبنائه،استخار واستشار من يثق في رجاحة عقله؛ فلا خاب من استخار ولا ندم من استشار.

 

المصدر:
https://goo.gl/xegjz8