القائمة الرئيسية


مقالات: الترابط الأسري (2/1)

7 سبتمبر, 2017

  • شارك

يتناول عماد الدين عمر في دراسته بعنوان ” الأحاديث الواردة في حماية الأسرة من التفكك” القضايا المرتبطة بالترابط الأسري والوسائل الشرعية الكفيلة بتحقيقه والعوامل المؤدية إلى تفكك الأسرة ومخاطر ذلك على الأسرة والمجتمع.
أسس بناء الأسرة:
تبدأ مرحلة تكوين الأسرة باختيار أحد الطرفين الطرف الآخر الذي هو شريكه، وهذه المرحلة يشترك فيها الاثنان معاً، وحتى تتكون الشركة بينهما لابد من حسن الاختيار لبعضهما البعض، فبمقدار دقة كل من الزوجين في حسن اختيار الطرف الآخر من بيئة صالحة ومنبت حسن، واجتهاده في أن يكون خالياً من العيوب الوراثية والمادية والخلقية، تتحقق في الذرية الآثار التربوية الصالحة للوارثة ويعصم من آثاره السيئة.
فقال البخاري: ” حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عبد الرحمن ومجمع ابني يزيد بن جارية، عن خنساء بنت خدم الأنصارية: أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت الرسول صلى الله عليه وسلم فرد نكاحه”.
كما حرص الإسلام على وجود الألفة وحسن العشرة في داخل الأسرة، وأمر الوالدين بالاهتمام بتربية الأولاد، إلا أن فارق السن سيقلل من الاهتمام بتربية الأولاد، بالإضافة إلى وجود هوة عميقة بينهم، مما يحول دون التفاهم والانسجام بينهم.
فقال النسائي: ” أخبرنا الحسين بن حريث قال: حدثنا الفضل بني موسى عن الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: خطب أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فاطمة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “إنها صغيرة، فخطبها عليّ فزوجها منه”، حديث صحيح.
وكذلك يؤكد الإسلام على تحقيق الاستقرار في نفس الزوج، والرضا في نفسية الزوجة، والطمأنينة في نفوس الأبناء، وهذا يقضي أن يكون الرجل مساوياً أو أفضل فيما يقع فيه التفاصيل بينهما من الصفات والمواصفات الاجتماعية التي يقوم بها الناس ويكرمون من أجلها.
وقال مسلم: ” حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير، فقال: والله!، ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة، فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عندي ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك فإذا حللت فآذنيني ـ قالت ـ فلما حللت ذكرت له، أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد فكرهته، ثم قال: أنحكي أسامة، فنحكته فجعل الله فيه خيراً واعتبطت”. حديث صحيح.
أسباب التفكك الأسري:
حث الإسلام على تكوين الأسرة عن طريق الزواج الشرعي، وهذا الوضع الفطري الذي ارتضاه الله تعالى لحياة الناس منذ فجر الخليقة، فلا تكاد ترى مجتمعاً من المجتمعات إلا وكانت الأسرة هي الركيزة الأولى في قيام هذا المجتمع، والأساس الذي يبنى عليه، فمقدار تماسكها وترابطها وقوتها يكون تماسك المجتمع، حيث تقوم برفد المجتمع بالرجال والنساء الصالحين الذين يكونون لبنات قوية للمجتمع وزاداً طيباً، ولكما كانت الأسرة ضعيفة الإيمان قليلة التماسك بين أفرادها، محرومة المودة والحنان، كان أبناؤها عالة على المجتمع ومعول هدم في أساس بنيانها.
ولذلك اهتم الإسلام بها اهتماماً عظيماً، يدل على ذلك ما تجده من أحكام الأسرة وتعاليمها من خلال آيات الذكر الحكيم، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث وضع القوانين والأنظمة التي تتعلق بالأسرة من نشأتها وتكوينها وصولاً بانتهائها بالطلاق أو الوفاة، وهذه الأحكام والقوانين والتشريعات تكفل للأسرة استقرارها وقيامها بمسؤولياتها وتحقيق غاياتها المرجوة منها.
ويتعرض المؤلف للأسباب المؤدية إلى التفكك الأسري، مشيراً إلى أنها موجودة في نفس المسلم اليوم، حيث استبدل تعاليم الإسلام وشرائعه بالتقاليد الاجتماعية، وكان التهاون في بناء الأسرة وفق أسس وأنظمة الإسلام وقواعده، والجهل في معرفة رسالتها، طريقاً لتحول الأسرة إلى مكان للخلافات والنزاعات، وهذه الأسباب كثيرة ومتداخلة، تختلف من بيئة لأخرى، ومن مكان لآخر، ليست ثابتة حسب الظروف والتطورات، ومن أهمها:
1. سوء الاختيار:
إن بناء الأسرة يبدأ باختيار الزوج من يرى أنها تصلح له، فهذه ركيزة أساسية لبقاء الأسرة مستقرة، يركن كل منهما إلى الآخر ويرتاح إليه، ويأنس فيه الشريكان لبعضهما البعض.
2. الإجبار على الزواج:
لابد للزواج من أن تتوافر فيه الإرادة الكاملة مع الرضا التام، فلا إكراه لأحد على الزواج، ولذلك أوجب الإسلام استئذان المرأة قبل تزويجها، لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن”، صحيح البخاري، وهذا يؤدي إلى بناء الأسرة على دعائم قوية من المحبة والألفة والتفاهم.
كما اشترط الإسلام قبول المرأة للزواج اقتناع وليها ورضاه، نظراً لأن الفتيات قد يقدمن على الزواج في سن لا تتوافر فيه التجربة الكافية للحياة والمعرفة الدقيقة بشؤون الرجال، فجعل الولي رقيباً على هذا الزواج، فإن أحسنت الفتاة الاختيار كان زواجها صحيحاً، وإلا كان للولي حق الفسخ، لأن آثار الزواج تتعدى الزوجين من الأسرة إلى الأسرة فالمجتمع.
3. القيم الزائلة:
يحض الإسلام عند اختيار المرأة للزواج النظر إلى القيم الثابتة من دين وخلق حسن، دون النظر للقيم الزائلة، لأنها تحمي الأسرة من الصراعات والخلافات الأسرية بل إنها كالحصن المنيع يقي الأسرة من المشكلات التي قد تحدث داخله، لقوله: “تُنْكحُ الْمَرْأَةُ لأرْبَعٍ: لمالها ولِحَسَبها ولِجَمَالها وَلدينها: فَاظْفَرْ بذاتِ الدِّينِ تَربَتْ يَدَاكَ”، متفق عليه، فالإسلام لا ينبذ المال والجمال والحسب، وإنما يعني أن يكون الدين والخلق الشرط الأساسي لقيام الحياة الزوجية، والمال والجمال والحسب مساعدة لهما.
4. انعدام الكفاءة:
لاشك في أن التقوى والصلاح هما أساس الكفاءة بين الزوجين، ولكن المقصود بالكفاءة هنا أن يكون هنالك قدر من التقارب في المستوى الاجتماعي مما يمنع قوى النزاع والشقاق بين الزوجين، ويكون أوقى لإيجاد المحبة والألفة بين الزوجين.
لذا فقد حث الإسلام أن تختار المرأة من هو كفؤاً لها، حتى لا يلحقها من جراء اختيارها نقد ولا استنكار، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “يَا عَلِيُّ ، ثَلاثٌ لا تُؤَخِّرْهَا: الصَّلاةُ إِذَا حَانَتْ, وَالْجَنَابَةُ إِذَا حَضَرَتْ, وَالأَيِّمُ وَإِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفُؤًا”، أخرجه الترمذي، وهكذا ترى أن عنصر الكفاءة إنما هو تنظيم أريد به حماية الأسرة من عدم الرضا بين أفرادها، كما أريد به مراعاة حقوق المرأة في زوج تطمئن إليه وتألفه، وحق الأبناء في مُرب يعتمد عليه، وموجه يثقوا به، وحق المجتمع في أسرة تمده بالحب عن رضا والتكافل عن قوة وتنظيم.
آثار التفكك الأسري:
التفكك حقيقة لابد منها، وله أسبابه ووسائل علاجه، ومع هذا فإن له آثار تنعكس على الفرد والأسرة والمجتمع، ومنها:
– سلب حالة الألفة والحنان فيما بين أفراد الأسرة الواحدة، وتتحول من مجتمع إنساني إلى ما يشبه تجمع البهائم على المأكل والمشرب والمسكن.
–  استخدام العنف من الزوج أو الزوجة، إما بالكلمة النابية أو الاستهانة بالطرف الآخر، أو بالضرب وإلحاق الأذى المادي.
–  وجود حالات الاكتئاب في داخل الأسرة، ترجع إلى انعدام الترابط الأسري.
–   شعور الإنسان إنه مبتور عن جذوره وأصوله العائلية، مما يدفعه للبحث عن أول ملجأ نفسي يركن إليه، ولو كان ذلك مخالفاً للعقل والشرع.
–  غياب الأب خارج الوطن للعمل يؤدي إلى قطيعة الرحم.
–  شيوع القلق وعدم الاحترام المتبادل بين الزوجين، وعدم صيانة الأسرار الزوجية.
– عدم معالجة بعض السلبيات لكيان الأسرة، كالالتجاء إلى ما يحرم النظر إليه، وذلك حينما يتخذ كل فرد في الأسرة سبيله في الحياة من دون وجود رقابة للآخرين عليه.
– كثرة حالات الطلاق لأوهى الأسباب.
– استخدام الأطفال كوسيلة للانتقام بين الزوجين.
– تخلف الأبناء الدراسي وتنشئتهم على مشاعر الحقد والكراهية والنفور.

 

المصدر:
http://www.wafa.com.sa/arabic/Subjects.aspx?ID=7832