القائمة الرئيسية


قراءات: قراءة للمراحل التي مرت بها النسوية الغربية

7 سبتمبر, 2017

  • شارك

من الصعوبة بمكان أن نرصد بدقة بداية ظهور الحراك النسوي في الغرب، لكن من الممكن التعرف على أي حركة من الحركات بالإشارة إلى أهم اللحظات التاريخية التي عاشتها والموجات التي مرت بها، وأهم القضايا التي ارتكزت عليها في كل مرحلة من مراحلها، ويمكننا تطبيق هذه القاعدة على الحركات النسوية في المجتمعات الغربية.

الموجة الأولى: مواجهة الاضطهاد
الشعور بالاضطهاد هي القضية التي تأسست عليها الحركات النسوية في بدايات القرن التاسع عشر في الغرب؛ بسبب تردي أوضاع المرأة، وقد بدأت الحركة بالسعي إلى وقف حالة الاضطهاد التي تعاني منها المرأة، والمطالبة بحقوقها وتحسين أوضاعها.
حيث بدأت في أمريكا الدعوة لحقوق النساء في مؤتمر كبير في سينكا فولز عام 1848م شارك فيه أكثر من 300 شخصية منهم 40 رجلا، كان من أهم مطالبه وقف التمييز ضد النساء. وقد اهتمت الأمريكيات بحق التعليم، والعدالة وتحرير العبيد، وحق التصويت.
أما في إنكلترا فتظاهرت المطالب النسوية في الخمسينات من القرن التاسع عشر بالمطالبة بحق التعليم والعمل وتعديل قوانين الزواج (حقوق المتزوجات بالملكية والحضانة)، فقادت الناشطات النسويات حملة حضانة الأطفال 1838م، ووثيقة المطالبة بحق الملكية للمرأة المتزوجة 1857م، وقد اتهمت الحركة النسوية البريطانية بأنها تقصر اهتمامها على مشكلات بنات الطبقة الوسطى.

الموجة الثانية: الصراع الذكوري الأنثوي
استمرت على هذه الحالة حتى انتقلت إلى طور جديد في ستينات القرن الماضي متأثرة بصعود حركة اليسار، وتزايد الحراك الطلابي والعمالي في أوروبا والولايات المتحدة. إذ تجاوزت كونها حركة حقوقية تدعو إلى المساواة بين الرجل والمرأة، والمطالبة بحقوق المرأة، إلى محاولة تأسيس فلسفة أنثوية تقوم على فكرة الصراع الذكوري الأنثوي، تحاول إعادة صياغة كل شيء – التاريخ، واللغة، والفلسفة، والرموز، والفن، والأدب – استنادا إلى فكرة الصراع هذه وضرورة التمركز حول الأنثى.
وتمثل هذه الموجة الجديدة أوج ازدهار الحركة النسوية بكل فروعها وتوجهاتها المتنوعة والمتضاربة. وفي هذه الفترة, تطورت وتقدمت وتعددت المطالب (النسوية)، وتشككت في مضمون الذكورة والأنوثة؛ فأكدت أنها مفاهيم نسبية راجعة للبيئة والتنشئة لا لحقيقة قدرات الطرفين، وركزت على الصراع بين الجنسين، ورفعت شعارات مثل: (الحرب بين الجنسين) و (الرجال طبقة معادية) و (القتال من أجل عالم بلا رجال)، ونادت بتفكك الأسرة، وانتقدت العلاقات داخلها، وحصر دور المرأة في الأمومة والإنجاب بأنه مجال بيولوجي وهو مجال خاص؛ في حين يعمل الرجل في المجال العام، واعتبرت أن قيم العفة والأمومة إنما هي لتزييف وعي المرأة لتقنع بالمجال الخاص، ونادت باستقلال المرأة مالياً لتتحرر من سيطرة الرجل، ودعت للشذوذ والتلقيح الصناعي كبديل لإقامة علاقة مع الرجل، ثم انتقلت بعد ذلك إلى أفضلية المرأة وطرحت الأمومة بدلاً عن الأبوة، ومن أبرز رموز المرحلة الثانية سيمون دي بيفوار. حيث يعتبر كتابها “الجنس الآخر” (Simone de Beauvoir, The Second Sex) 1949، مؤسسا للفكر النسوي في تلك المرحلة،  فقد وضعت سيمون دي بوفوار في كتابها أسس مفهوم الجندر، الجنوسة، النوع الاجتماعي بعبارتها (لا تولد المرأة امرأة، ولكن المجتمع هو الذي يعلمها أن تكون امرأة)، كما توازي سيمون دي بوفوار بين مصير الذات الخاضعة للاستعمار وبين مصير النساء، وهي مقارنة تسلط الضوء على حالة الصراع التي تبنتها الحركة النسوية في ذلك الوقت.

الموجة الثالثة: تراجع النسوية
نتيجة لهذا التطرف في الطرح المناقض للفطرة البشرية، قامت حركات واتجاهات ترفض الطرح النسوي و تناوئ تلك المطالب، وترى فيها ليس فقط خروجًا على التقاليد والأوضاع والقيم المتوارثة, بل تجد فيها أيضًا تهديدًا لكيان المجتمع نفسه, ولحياة المرأة نفسها، ومن هنا ظهرت مرحلة جديدة من العمل النسوي كرد فعل رافض للتطرف النسوي، تمثل هذه المواقف المضادة والمناوئة الموجة الثالثة من تاريخ الحركة النسوية, وهي الموجة التي تتزايد قوتها في الوقت الراهن, والتي تعتبر في رأي الكثيرين بمنزلة تهديد مباشر للحركة بوجه عام.
الحركة النسوية – الفيمينزم – تتعرض, وبخاصة في أمريكا, لكثير من النقد والهجوم وحركات الرفض التي تحد في المستقبل من اندفاعها نحو تحقيق كل أهدافها – أو على الأقل التي يرى المعارضون أنها تميل إلى المبالغة والتطرف والخروج على كل الأوضاع والقيم السائدة في المجتمع. ولم تسلم من هذا الهجوم بعض الجهود العلمية والأكاديمية ذاتها التي تساند دعاوى الحركات النسوية بشكل من الأشكال. ففي مقال بعنوان: (مستقبل الدراسات النسائية والأخطار التي تهدد النسوية الأكاديمية) نشرتها مجلةSurfaces الأمريكية عام 1997م, تقول المؤلفة سوزان ستانفورد – وهي أستاذة بجامعة ويسكونسن ماديسون لتدريس مادة (دراسات نسائية) :إن الدراسات النسائية تواجه بكثير من التحديات من جانب أعداء الحركة النسوية, وأن كثيرًا من النقد والرفض يأتي من بعض الكاتبات الأمريكيات البارزات من أمثال كريستينا هوف هومرز، التي ترفض نزعة المبالغة والتطرف التي تميل إليها بعض تلك الحركات, وأن الدراسات النسائية ذاتها التي تقدمها بعض الجامعات دراسات عديمة الجدوى لافتقارها إلى الطابع الأكاديمي الجاد. وبالمثل تذهب الكاتبة الشاعرة الأمريكية إيف ميريام إلى القول بأن كثيرًا جدًا من الكتابات التي تنادي بتحرير المرأة هي أعمال دعائية سطحية وخاوية, وتقوم على استثارة العواطف, وأن القليل جدًا منها هو الذي يعتمد على البحث والدراسة والفهم.
المعارضون للنسوية يرون أن ثمة تشابهًا كبيرًا بين دعاوى الحركة النسوية، ودعاوى الفوضوية لأن الحركتين تتفقان في التمرد على (السلطة) أيًا كان نوعها. وبعض الكتابات في أمريكا يستخدم بالفعل تعبير (النسوية الفوضوية) الذي يشيع حتى في أعمال بعض الكاتبات من النساء (النسويات) من أمثال بيجي كونيجرز عن (الفوضوية وعلاقتها بالنسوية).
تزايد المعارضة في الغرب للحركات النسوية يأتي نتيجة طبيعية للتجربة المريرة التي عاشتها المجتمعات الغربية خلال العقود الثلاثة الماضية والتي أسفرت عن خيبة أمل ومحاولة تحقيق المستحيل، وفقدان مشاعر الأمومة، وتفكك الأسرة وتفشي الطلاق والفساد والعنف والانحلال الخلقي والجريمة والانتحار.
وبدأت المطالبة بضرورة عودة المرأة إلى البيت والأسرة لا قهراً ولا إذلالاً، ولا تسليماً بتدني المرأة عقلياً وخلقياً، ولا إنكاراً لإنسانيتها ودورها في الحياة، ولا رفضاً لحقها في الاختيار وفقد خصوصيتها وظروفها، بل عن قناعة رسختها التجربة. وخرجت أفلام سينمائية تلفزيونية أبرزها (زوجة الأب) و (الشيء الحقيقي الوحيد) وكلها تمجد دور المرأة كأم وربة أسرة.
وبرزت كاتبات شهيرات منهن (كارولين جراقليا) و (دانييل كريتندال) يهاجمن الحركة الأنثوية، ويؤكدن أن استرجال المرأة لم يؤد بها إلا إلى التعاسة واليأس، وأنهن لن يحققن طبيعتهن وتطلعاتهن إلا من خلال رعاية أطفالهن وربط أسرهن؛ والعودة إلى البيت لا تقلل من شأنهن، ولا تحرمهن حقاً دستورياً أو قانونياً من دون الرجل.
تقول الكاتبة (دانييل كريتندن) في كتابها «الأشياء التي لم تطلعنا أمهاتنا عليها» (ص 35): “لقد كانت لجداتنا حياةٌ جنسية نظيفة ومستورة عن طريق الزواج، وفي الوقت ذاته قمن بمنع الاختلاط الجنسي من الحدوث. فقد قمن بوضع قواعد للممارسة الجنسية، وذلك بممارسته في إطار الزوجية فقط، وكل من تسوِّل له نفسه خرق هذه القواعد من الرجال أو النساء فإنه يتعرض لدفع ثمن غال مقابل ذلك، بفرض عقوبة عليهم سواء بإجبارهم على الزواج أو نبذهم وحرمانهم من الصحبة الجديرة بالاحترام. تؤدي القواعد الجنسية إلى خلق تضامن جنسي بين النساء. ولهذا إذا وجد الرجال الفرصة مهيأة لهم للانتقال من امرأة إلى أخرى فإنهم سيفعلون ذلك لا محالة، وسوف يتمتعون بنا ما دُمنا متاحات وميسرات لهم، ويستغلوننا استغلالاً فاحشاً لتحقيق مصالحهم. ولكن إذا تضامنت النساء وبدأن يطالبن بالالتزام الحقيقي المتمثل في الزواج بدلاً من ممارسة الجنس مع كل من هب ودب، عندئذ فقط ستتغير الأمور لصالح النساء”.
ويشكك عدد من كبار علماء الاجتماع في أمريكا من أمثال ديفيد ريسمان في (صدق رغبة) النساء (النسويات) أنفسهن في تحقيق كل أهداف الحركة، فيما يتعلق بالاستغناء التام عن الرجل، وتغيير المجتمع والثقافة إلى الشكل الذي تنادي به الحركة النسوية، وأن المرأة الحديثة المتحررة لاتزال – رغم كل مزاعم هذه الحركة – في حاجة إلى الرجل والعيش في كنفه بالطريقة نفسها التي كانت (جدتها) تنظر بها إلى تلك العلاقة, وأن الكثير من النساء (النسويات) يتعرضن للضغوط السيكولوجية نفسها التي تتعرض لها المرأة (التقليدية) إذا ظلت من دون زواج وعاشت بمفردها دون تكوين أسرة, وأنه لو أبدى الرجال قدرًا أكبر من التساهل والتسامح إزاء المرأة، فإن ذلك سوف يؤدي إلى القضاء تمامًا على الحركة النسوية التي بدأت في التراجع والنكوص بالفعل.
وتقول تقول (روز ميري تشادويك): «لقد نجحت رائدات الحركة الأنثوية في إقناع المرأة والرجل على حد سواء بأن تكريس الجهد للبيت والأطفال تضحية عظيمة بحياة الحرية، وسعي عديم الجدوى لا يعطي أية فرصة لاستعمال الطاقات والذكاء حتى عند المرأة العادية، وأقنعت المرأة بأن الزواج اتفاق قاسٍ وظالم بالنسبة للفتاة التي تتزوج في سن المراهقة أو في بداية العشرينيات من عمرها، ودائماُ ما يذكّرونها وباستمرار بالفرص التي ستفوتها إذا ما أقدمت على الزواج؛ ونتيجة لهذا فقد أصبحت كثيرات من النساء أنانيات ومنهمكات في شؤونهن الذاتية إلى حد يعزين أسباب كافة مشكلاتهن إلى الرجال أو المجتمع أو الزواج. لقد فطنت النساء في الغرب إلى زيف هذه الأقوال والادعاءات، وأُلفت كتب كثيرة، كما ظهرت مقالات كثيرة في هذا المجال لكشف حقيقة هذه الشبه.

 

المصدر:
http://cutt.us/OAkcy