7 سبتمبر, 2017
تتكرر في أكثر من مكان، صورة بشعة لنوع جديد من أنواع الوأد التي حرمها الإسلام، ولئن كان الجاهليون قديما وأدوا الأنثى بدفنها وهي حية حتى تلفظ أنفاسها الأخيرة ظلما وعدوانا بلا ذنب جنته سوى كونها أنثى، فإن بعض الآباء وبعض الأولياء الظلمة يمارسون لونا جديدا وعنيفا من ألوان الوأد المحرم شرعا ألا وهو العضل.
العضل وأد للآمال والطموحات، وقتل للحقوق والتطلعات، إنه حرمان لحق من الحقوق الشرعية التي كفلها هذا الدين العظيم لتلك المرأة الضعيفة التي استرعى الله عز وجل الأولياء على حقوقها؛ ليقوموا بصيانتها والحفاظ عليها وتأديتها على الوجه الذي يرضيه عز وجل، فذهب بعضهم إلى التلاعب بها وتضييعها دون مراعاة لكرامة هذه الإنسانة، ودون استشعار لآدميتها وأحاسيسها ومشاعرها، فهي بشر كسائر البشر، لها آمال وآلام، ولها طموحات وأمنيات، تحلم كغيرها بالزوج الرحيم وبالمسكن الكريم تسكن إليه، وأطفال تحن عليهم صغارا ليحنوا عليها كبيرة، ولكن يأتي هذا الأب أو هذا الولي فيدوس على أحلامها ويحطم مشاعرها بكل عنجهية وغلظة، عاضلا لها عن حقها ليسقيها كأس الحسرات، فتتجرعه وهي تتجرع معه ألوان الزفرات والحشرجات التي تبين عن فؤاد مكلوم وقلب واله مفجوع، لا يستطيع أن يبوح بما يختلج داخله بسبب مانع الحياء والخوف، فيالها من مسكينة، وما أعظم جناية مثل هؤلاء الأولياء على مولياتهم؟.
لقد حرم الله العضل فقال: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) ومناسبة نزول هذه الآية كانت في قصة الصحابي الجليل معقل بن يسار – رضي الله عنه – حيث إنه زوج أخته لرجل فطلقها زوجها طلقة رجعية، وتركها حتى انقضت عدتها، وأراد زوجها إرجاعها فحلف معقل ألا يزوجها فنزلت هذه الآية، والحديث رواه البخاري رحمه الله، وعند أبي داوود هذه الزيادة عن معقل قال: «فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه».
وهذا نص صريح في أنه ليس من حق الولي أن يمنع موليته في نكاح من توافرت فيه الشروط الشرعية، وأن المانع من النكاح يجب ألا يكون مرتبطا بحاجة شخصية أو علة نفسية، بل يجب أن يكون المانع شرعيا فإن لم يكن هناك مانع شرعي معتبر فلا حق للولي أن يمنع موليته من نكاح من ترغب، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه، ولا يعضلها عن نكاح من ترضاه إذا كان كفوا لها، باتفاق الأئمة وإنما يجبرها ويعضلها أهل الجاهلية والظلمة، الذين يزوجون نساءهم لمن يختارونه لغرض، لا لمصلحة المرأة، ويكرهونها على ذلك يخجلونها حتى تفعل، ويعضلونها عن نكاح من يكون كفوا لها، لعداوة أو غرض، وهذا كله من عمل الجاهلية والظلم والعدوان، وهو مما حرمه الله ورسوله، واتفق المسلمون على تحريمه».
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» فيالله العجب، كم من الفتنة والفساد الكبير الذي تسبب به العاضلون لبناتهم في أرض الله عزوجل، ألم يستشعر مثل هؤلاء الأولياء أنهم بمثل هذه الجناية يقتلون من تحت أيديهم في اليوم الواحد مئات المرات، ألم يفكر الولي وهو ينعم بحياة هادئة في بيت كريم وزوجة صالحة وأولاد بررة، ألم يفكر في أن موليته هذه لها نفس الحقوق التي يتمتع بها هو، هي أيضا تتمنى بيتا هادئا وزوجا صالحا وأولادا بررة، هي كيان وإنسان، هي مخلوق فطر الله فيه من الغرائز وركبها كما ركبها في غيرها، فهل يجوز عقلا وعرفا وشرعا وقانونا أن تصادر حقوقها؛ لأنها تستحي أن تتكلم أو لأنها تخجل من البوح بما في نفسها؟. العاضل لمن تحت يديه ظالم ومهدد بإسقاط حق الولاية عنه، لأنه لم يقم بأداء الأمانة التي استرعاه الله عليها على الوجه الصحيح؛ فلقد ذكر أهل العلم أن الولي إذا امتنع من تزويج موليته بكفء رضيته سقطت ولايته، وانتقلت لمن بعده الأحق فالأحق، أو انتقلت للسلطان لعموم حديث: «فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» والحديث أخرجه الترمذي عن عائشة – رضي الله عنها – وقال الترمذي: حديث حسن، ويقول أهل العلم أيضا: «إذا تكرر من الولي رد الخطاب من غير سبب صحيح صار فاسقا، ودخل عليه النقص في دينه وإيمانه» بناتكم ومن تحت أيديكم أمانة؛ وظلمهن اليوم نتائجه موقف عسير في اﻵخرة.