القائمة الرئيسية


تقارير: سطوة الأعراف على حقوق المرأة

7 سبتمبر, 2017

  • شارك

هل لا تزال المرأة تراوح مكانها محاصَرة من جميع الجهات؛ تشدها للأسفل عادات جاهلية لا تزال تمتد كالجذور العميقة التي تضرب في التربة  تسلبها حقوقها، وتهمّشها، وتلقي بها في زاوية ضيقة ككمّ مهمَل لا يرقى لدرجة الإنسانية الكاملة فهي وسيلة للمتعة والترفيه ووعاء لحمل الصغار، واستمرار مسيرة البشرية وفقط؟!
وهي من  جهة أخرى يُغَرَّر بها تحت رايات برّاقة خادعة، وأوهام ساحرة بالمساواة الكاملة، والسيطرة على المصير، ولكنهم يكلّفونها بما لا تطيق، ولا تريد، ويُخرجونها عن فطرتها، أو يشوّهون هذه الفطرة، ويسلبونها حقوقها الأصيلة، ويمنحونها حقوقًا أخرى متخيلة، فتجد بعد اللهاث الطويل أنها تجني السراب!!
هذه هي المرأة العربية، وهذا حال الكثير من نسائنا محاصرين تحت ركام عادات، وأعراف جاهلية من بنية المجتمع، أو محاصرين بعادات وأعراف وافدة لا تفهم ألف باء نفسية النساء، وبين هذا وذاك لا تعيش هؤلاء النسوة، ولا تستمتعن بالظلال الوارفة التي منحتها إياها شريعة الإسلام؛ تلك الشريعة التي تتفهم فطرة المرأة ونفسيتها، ولِمَ لا وقد جاءت من الخالق الذي خلق وقدر سبحانه وتعالى .. تلك الشريعة التي تقوم على العدل المطلق الذي يقاس بمثقال الذرات؛ فأعادت للمرأة حقوقها التي انتُقصت منها قديمًا وهي وحدها القادرة على إعادة هذه الحقوق كلما اهتزت بفعل الظالمون أو بفعل المزيفون.

جهل وجاهلية
هل عادت الجاهلية تجرّ أذيالها  مرة أخرى تحت لافتة العادات، والتقاليد، والأعراف  التي أصبحت بمثابة شريعة المجتمع وقانونه وسيفه البتار .. أليس الأمر يدعو للدهشة حقًّا؛ فهؤلاء الذين يقدسون العادات والأعراف مسلمون معتزون بإسلامهم، وشريعتهم هذه هي اللافتة الكبرى، أما التفاصيل فتحوي المظالم القاسية التي لا يقرها الشرع، أو الدين، أو الفطرة السليمة .
فعندما تُمنع فتاة من الزواج، ويتعنت وليها في الرفض على الرغم من أن الذي يتقدم لفتاته ذو خلق ودين والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في سنن الترمذي وغيره : (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. قال يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ثلاث مرات)، ولكن الولي يرفضه لأنه ليس من نفس القبيلة، وأقل في المركز الاجتماعي، وولي آخر يرفض لا لشيء إلا لأن الفتاة تعمل براتب كبير يستولي عليه، فيرتكب بدلاً من الجُرم جُرمين؛ يعضل الفتاة، ويسلبها حقوقها المالية .. فأي أعراف ظالمة تلك الأعراف؟! .. وهل يشعر هؤلاء الظالمون ببشاعة الجرم الذي يرتكبونه ..في ساعات الليل القاسية التي تلتحف فيها تلك المسكينة دموعها ..في حيرتها ولوعتها ومشاعرها المضطربة ..من نظرتها الوالهة لطفل صغير يقول أمي ..يبدو أن  هذه القلوب الجاهلية القاسية قد تحولت لحجارة، أو حديد بلا نبض من المشاعر أو العواطف.
وهؤلاء الذين يمنعون المرأة حقها من الميراث، أو ينقصون منه ألا يظنون أنهم مبعوثون، ومحاسبون على تضييع حق نسائهم في الميراث (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) (النساء : 7) نصيب أي حق واجب وفرض لازم، فأي عادة جاهلية تُهدره؟!
لعل تجاهل كيان المرأة وقيمتها الإنسانية هو السبب الرئيس لهذا السلوك الجاهلي، وبتعبير بعض الصحابة: كنا لا نعد النساء شيئًا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل .. فهل عادت النساء لا تُعد شيئًا ؟!

المساواة الرخيصة
وعلى الطرف الثاني يقف دعاة المساواة المطلقة والتماثل الحرفي يزينون أنفسهم، ويدّعون أنهم هم حماة حقوق المرأة، ومن يحمل لها كل التقدير والاحترام؛ لذلك فهم يطالبون لها بهذه المساواة الكاملة، وهم من يطالبون برفع كل صور العنف، والتمييز ضدها، وغير ذلك من تلك الدعاية التي يبدو في ظاهرها الرحمة، أما باطنها فهو عين العذاب.
فإذا كان بعض الأولياء يعضلون الفتاة لأسباب مالية، أو أسباب تتعلق بالحسب، والنسب؛ فإن دعاة حقوق النساء من العلمانيين العرب، والذي يسيرون في ركب العلمانية العالمية يعضلون الفتاة أيضًا؛ فهم يعتبرون الفتاة مجرد طفلة حتى وصولها لسن الثمانية عشر عاما كمرحلة أولى ثم حتى تصل لسن واحد وعشرين عامًا .. فخلال هذه السنوات يكون زواجها لون من ألوان الاتجار بالبشر ولا معنى لقبولها، ورضاها عن الزواج إذ يتم التعامل معها كناقصة للأهلية، ويطالبون بسن قوانين تقضي بالحبس إذا زوّجها والدها وهي في هذه السن؛ فكأنه يبيعها، ويتاجر بالبشر ويقبض ثمن ألا وهو المهر الذي يريدون حرمان الفتاة منه أيضًا باعتباره ثمنًا لسلعة، وفاتهم أن الزواج في هذا السن هو رغبة الفتاة نفسها وبعضهن يتحرقن شوقًا لذلك، ويمنعهن الحياء من التصريح بذلك، كما أن المهر هو هدية رمزية جميلة ذات معانٍ غاية في الرقي وهي إشارة إلى أن الزوج سوف يبذل كل جهده كي يحقق لزوجته حياة كريمة هانئة .
ولكن لأن هؤلاء الذين يخططون لهذه المؤامرة على البشرية ليسوا أغبياء ولا جهلاء، وإنما ينطبق عليهم قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) ( النور : 19).
فهم يعرفون جيدا طبيعة الهرمونات الجنسية في مرحلة البلوغ، وكيف أنها أقوى من أي مرحلة لاحقة، وأن الزواج المبكر للفتاة البالغة حق لها، ولكنهم لا يريدون لهذا الحق أن يتحقق بوسائل نظيفة تشيع العفاف في المجتمع؛  فطالبوا بتدريس مناهج التربية الجنسية للطلاب في المدارس، متضمنة التعريف ببرامج الصحة الإنجابية، وما تتضمنه من تدريس الجنس الآمن الذي لا ينقل الأمراض، ولا يتبعه حمل  (وبنص الفقرة 115 من تقرير “خبراء الأمم المتحدة” الذي ينص على “حق الطفلة (أقل من 18 سنة) في تحديد متى وكيف تصبح “ناشطة جنسيًّا sexually active” حسب تعبير التقرير، بخلاف التوصية في الفقرات 27، 82، 130 على توفير “معلومات الصحة الجنسية sexual health” للطفلة، وتوفير “احتياجات الصحة الإنجابية للمراهقين reproductive health” لتعليمهم ما أسماه التقرير في الفقرة 124 “ممارسة الجنس الآمن to promote safe sex“، مما يصبّ في صالح تشجيع الممارسات الجنسية خارج الإطار الشرعي “الزواج”.(1)

رحمة الشريعة:
تقف الشريعة الإسلامية من المرأة موقفًا يشعّ بالرحمة، والعدالة، فالمسلم والمسلمة لا فضل لأحدهما على الآخر إلا بالتقوى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) ( الأحزاب : 35 ).
كانت النساء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في قمة التحرر الحقيقي شديدات التفاعل على مستوى الفكر، وعلى مستوى الممارسة؛ يفكرن فيما يُتلى عليهن، ويسألن ويبحثن، ومن المسائل التي شغلتهن هل الخطاب في النص القرآني الذي يستخدم صيغة المذكر يشمل الجنسين أم لا، ومن المعلوم في اللغة أن الخطاب يستخدم صيغة التذكير للحديث عن الجنسين إلا في حال وجود قرينة للتخصيص، ولكنهن لم يكتفين بذلك، وذهبن يسألن النبي صلى الله عليه وسلم عن حقيقة وضعهن، فلقد روى الترمذي عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال ، وما أرى النساء يُذكرن بشيء ! فنزلت هذه الآية : (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ…).
الشريعة تقرر بكل وضوح المساواة الإنسانية، وما يستتبعها من المساواة في تحمل الأمانة، والمسئولية، والجزاء، ولكنها ليست مساواة جوفاء لا تراعي الفروق الطبيعية والفطرية؛ إنها مساواة تكامل الجنسين، وليس تماثلهما إذا كانت المرأة تحمل، وتُرضع فلا بد أن تكون مكفولة النفقة غير مكلَّفة بالعمل والإنفاق على نفسها، وهذا منتهى الرحمة، ومنتهى العدالة.
إن الشريعة تتبرأ من هؤلاء القساة غلاظ القلوب الذين يهينون المرأة، ويهمّشونها، ويُسقطون حقوقها باسم الأعراف والتقاليد، حتى وإن كانوا مسلمين فلا خير فيهم؛ ففي الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”.
أما هؤلاء الذين يريدون عولمة الانحلال من خلال مؤسسات العلمانية العالمية، وأذرعها الأممية، وأتباعها المحليين، فهؤلاء هم من يريدون إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، مستغلين الأوضاع المتردية التي تعيشها المرأة في كثير من البلدان نتيجة الأعراف المجتمعية الفاسدة، وهؤلاء يجب فضحهم، وكشف مخططاتهم الخبيثة، وقطع الطريق عليهم عن طريق إصلاح منظومة العادات المجتمعية الخاطئة.

المصدر:
http://cutt.us/mIpN