7 سبتمبر, 2017
أسيل بنت علي اليحيى
من البديهي أن كل أب يسعى إلى أن تحيا ذريته الحياة الكريمة ويحلم بأن يزوج أبنائه وبناته زواجا ناجحا تظلله السعادة, لكن الواقع المر يخبرك أنه يوجد في بعض الأسر أب يحرم ابنته من الحياة السعيدة ويكون حجر عثرة في طريق المستقبل المشرق مع زوج ذي كفاءة ويضيّق عليها ويرد الكثير من الرجال الطيبين الخاطبين لها ، وهذا نسميه في شريعتنا (العضل) قال تعالى : (فلا تَعْضُلوهُنَّ أَن يَنْكِحْن أَزواجهن).
وهذه الآية نزلت في مَعْقِل بن يَسارٍ المُزَني وكان زَوَّج أُخْتَه رَجُلاً فطَلَّقها، فلما انقضت عِدَّتُها خَطَبها، فآلى أَن لا يُزَوِّجه إِياها، ورَغِبتْ فيه أُخته فنزلت الآية.
صور العضل:
دائماً نسمع بعبارة (كل فتاة بابيها معجبة)، وهي تُطلق على الأب العادل الرحيم الذي يبحث عن دروب الخير لتمضي بها واثقة الخطى …
لكن ماذا نقول عن الأب الظالم لها الذي سقطت عدالته في تزويجها وأصبح فاسقاً في ولايته لعدم أهليتة وعدله بسبب عضل ابنته من الزوج الصالح الخاطب لها حتى يُنشئا حياة كريمة رغدة تحوي بيتاً وطفلاً، فيحرمها بسبب أو بدون سبب ؟، فإما طمعاً بمالها لأسباب واهية كحاجته لها وفقره متذرعا بقوله صلى الله عليه وسلم (أنت ومالك لأبيك) وهو لايعرف معنى هذا الحديث ، الذي يقتصر عند الحاجة فلا يحق له منعها من الزوج الكفء وتعميم الحكم وفرض طاعتها له، ويصل الأمر إلى عضلها وعضل أخواتها الصغيرات فيتعاظم الذنب ويكبر الظلم وهنّ عاجزات عن الدفاع عن أنفسهن أو الذهاب للمحكمة لتقديم شكوى خوفاً من معصية والدهن ونظرة المجتمع …
والصورة الثانية للعضل هو مايُسمى بالتحجير وهو أن يحدد لها رجلاً زوجاً لها من أفراد قبيلته تعصباً وتعنتا فلا تتزوج إلا به أو برضاه ،وقد يتجبر فلا يتزوجها ولا يأذن لها بالزواج من غيره، وربما كان غير كفئٍ لها وفي هذا ظلم كبير ،أقله أن تتتزوج دون رضاها وفي هذا مخالفة لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن. قالوا: كيف إذنها؟ قال: أن تسكت).
أو يتقدم بها العمر بدون الزواج ثم تقع بين نارين، نار العنوسة ورد خطّابها، وبين الخوف من المستقبل المجهول مع المحجر في حال لو تزوجت به وهي تعلم عدم صلاحه!
ويقوم القرآن الكريم بنصح الأباء وتوجيههم إلى الأصلح لبناتهم والأنفع، قال سبحانه: (وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وأنتم لاتعلمون).
قال أبو جعفر: يعني – تعالى ذكره – بقوله:” ذلك” ما ذكر في هذه الآية من نهي أولياء المرأة عن عضلها عن النكاح ، يقول : فهذا الذي نهيتكم عنه من عضلهن عن النكاح عظة مني من كان منكم أيها الناس يؤمن بالله واليوم الآخر – يعني يصدق بالله ، فيوحده ، ويقر بربوبيته ” واليوم الآخر ” يقول : ومن يؤمن باليوم الآخر ، فيصدق بالبعث للجزاء والثواب والعقاب ؛ ليتقي الله في نفسه فلا يظلمها بضرار وليته ومنعها من نكاح من رضيته لنفسها ، ممن أذنت لها في نكاحه(1).
الإجراءات القانونية:
رصد تقرير صادر عن جمعية حقوق الانسان، أنها استقبلت 86 قضية عضل منذ إنشائها حتى نهاية عام 2010 ،وأنها تلقت أكثر من 50 شكوى من سعوديات رفض أولياء أمورهن تزويجهن خلال الخمسة أشهر الأخيرة فقط.
ومصادر قضائية تؤكد أنه تم الفصل قي 213 قضية عضل في عام 2007 فقط، والإجرائات القانونية تتم باستدعاء الأب والتحقيق معه في سبب رفضه لزواج ابنته أو أخته ، وغالباً لايخرج عن أمرين كما ذكرنا سابقاً ، هما الرغبة في راتبها بسبب حاجته ، أو لايريد أن تتزوج من خارج قبيلته، ثم يتم طلب حضور الزوج والتأكد من حسن سيرته وأخلاقه ودينه امتثالاً لقول الرسول علي الصلاة والسلام: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه)(2)، وينتهي الأمر بتزويج الفتاة في غالب الأحيان والحمد لله.
عضل الزوج:
ويوجد نوع من العضل يسمى عضل الزوج وهو أن يهين كرامتها ويسيىء معاملتها ويمنعها من الطلاق مع كرهه لها وكرهها له، حتى ترجع له صداقها وتفتدي نفسها بالخلع ، وهذا الفعل المشين من الزوج لايكون إلا ممن خان الأمانة ولم يرع حق الله فيها قال تعالى: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيرا).
فهذه الأية تناولت العضل من الزوج ، ونرى رقي خطاب القرآن الكريم من عند الله سبحانه حين قال (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيرا) ففيه استمالة لقلب الزوج بأن يُحسن تعامله مع زوجته ويعاشرها بالمعروف والإحسان وإلا يطلقها سراحاً جميلاً فلا يخنقها وينتقم منها ، والحمدلله على قضائه
وقد قام موقع (وفاء) بعرض النتائج السلبية على الفتاة من العضل أوجزها بما يلي:-
1) مشاكل نفسية وفسيولوجية واجتماعية تعاني منها المرأة التي تتعرض للعضل. ويمكن أن تتطور هذه المشاكل لتصل إلى حالات اضطرابات نفسية وعقلية مثل القلق والاكتئاب والفصام وغيرها.
2) مشاكل اجتماعية وأسرية تعاني منها الأسرة كنتيجة لسوء العلاقة بين الولي والمرأة وباقي أعضاء الأسرة.
3) مشاكل قانونية يمكن أن تظهر بين الولي وابنته قد تصل إلى أروقة محاكم الأحوال الشخصية مما يمكن أن ينعكس سلبياً على العلاقة بين جميع أفراد الأسرة.
4) مشاكل اجتماعية يتعرض لها المجتمع كنتيجة لزيادة نسبة العنوسة وانعكاسها على التنمية والتطور الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع.
5) يمكن أن تترك هذه المشكلة الكثير من الآثار السلبية على الشباب المقبلين على الزواج حيث يمكن أن يدفعهم ذلك إلى العزوف عن الزواج.
6) يمكن أن يؤدي العضل إلى انتشار الفتنة والفساد في المجتمع والتي حذر منها الرسول صلى الله عليه وسلم ” :” إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الدنيا وفساد عريض” (رواه الترمذي).
7) يؤدي إلى حقد الفتاة على أهلها وأبيها وهذا الذي تناوله الشيخ د. ناصر العمر فقال (وفي عضل النساء ما الله به عليم من حقد البنت على أهلها لظلمهم لها وتجاهلهم لمشاعرها، ورغبتها في تكوين عالمها الخاص بها،والعيش في ظلال الزوجية الوارفة، فكم من رجل دعت عليه ابنته بدل أن تدعو له،وكم من بنت تكن لأبيها بغضا وكرها بدل الحب والاحترام، وما ذاك إلا لظلمه لها وعضلها عن الزواج، والوقوف حائلا بينها وبين الحياة في ظل حياة أسرية لها فيها بعل وأبناء نص الله على أنهم زينة الحياة الدنيا، وتأمل المفارقة في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن، فبينما تجد الناس اليوم يؤخرون الزواج ويعضلون البنات بحجج واهية)
ولعل الوساطة من الأقارب ومن يثق فيهم الأب يمكن أن تساهم في حل المشكلة ، وسمعنا قصص أهالي تجاوزوا هذه المشكلة بعد حديث وتكرار من أحد الأقارب مع الأب كاخيه أو صديقه، حيث يوجد أباء يندمون على أفعالهم إذا تقدم بهم العمر زمناً طويلاً ، وعلى الفتاة أن لاتقف مكتوفةً اليدين فبعد اللجوء إلى الله بالدعاء عليها أن تسعى للخروج من الأزمة ما استطاعت فربما يلين قلب والدها ويهديه الله
ويصحو من غفلته ويفيق من جهله …
نسأل الله العظيم أن يهدي كل راع لأسرته إلى مافيه صلاح الأسرة والمجتمع ويكفينا الفتن والفساد
والحمدلله رب العالمين .
المصدر:
https://goo.gl/uiVa5E
(1) تفسير الطبري
(2) حديث حسن