القائمة الرئيسية


مقالات: ما بعد النسوية.. التمظهر العلماني

7 سبتمبر, 2017

  • شارك

ما زالت محاولات النيل من ثوابت الدين وقيمه تتجلى في أشكال مختلفة، وقد كان مدخل المرأة مشرعا بقدر كبير لدى من يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وكان الغرب بإنتاجه الغث من أفكار متخبطة معين لا ينضب لهؤلاء، فتنتقل الأفكار بغثائها إلى مجتمعاتنا عبر أشباه مفكرين منتحلين، كل غايتهم ضرب شعوب أمتهم في مقتل بإشغالهم بترهات تلك الأفكار.
وكان آخر تجليات تلك الظواهر الفكرية الغربية ما عرف باسم (ما بعد النسوية) ولعلنا ونحن نحاول تجلية مضمون هذا المصطلح نورد السرديات المتتالية التي تتجلى بها الحركة النسوية منذ نشأتها في الغرب، فإننا يمكننا إجمالها في ثلاث موجات:

الموجة الأولى:
ظهرت في بداية الأمر كحركة سياسية في الأساس، تهدف إلى النضال من أجل تحقيق مطالب اجتماعية وسياسية محددة: الحق في التصويت والمشاركة السياسية، والحق في العمل والأجر المتساوي، وغيرها.

الموجة الثانية
بدأت في الستينات والسبعينات من القرن العشرين، وفيها انتقلت الحركات النسائية من الكفاح الميداني إلى الاهتمام ببناء النظرية النسوية التي تركز على تفكيك الثقافة البطريركية ونقدها، وهنا تحضر سيمون دوبوفوار كرمز لهذه المرحلة بكتابها «الجنس الآخر» الذي اعتبر عمدة المؤلفات الخاصة بالحركات النسائية في هذه الفترة.
انقسمت الحركة النسوية في هذه الموجة إلى تيارات ومناهج عدة، تشير أغلب الأبحاث إلى أربعة رئيسة منها هي:

•النسوية الماركسية  MARXIST FEMINISM
•النسوية الليبرالية  LIBERAL FEMINISM
•النسوية الاشتراكية  SOCIALIST FEMINISM
•النسوية الراديكالية  RADICAL FEMINISM.
في حين تضيف أبحاث أخرى إلى تلك تيارات أخرى هي:

•نسوية ما بعد الاستعمارية post colonialism
•النسوية البيئية ENVIRONMENTAL FEMINISM

يمكن قراءة نسوية الموجة الثانية بوضوح من خلال تلك السرديات الأربعة السابقة وملاحقاها، فالحركة النسوية دائما ما تتمظهر بالأفكار والنظريات التي تصبغ الحقبة الزمنية، وتضع نفسها موقع المظلومية، فهي الأرض المحتلة التي يجب تحريرها، وهي الطبيعة المنتهكة التي يجب إعادة الاعتبار إليها، وهي المستهدفة من النظام الرأسمالي وشيوع النظام الملكي البطريركي.

الموجة الثالثة:

أما الموجة الثالثة والتي نحن بصدد الحديث عنها فتدعى (ما بعد النسوية).
بدأ مصطلح (ما بعد النسوية) يظهر على ساحة التنظير الفكري لدى الحركة النسوية، بعد ظهور مصطلح (ما بعد الحداثة)، منذ الثمانينات وهي مستمرة إلى اليوم، كانت سيمون دوبوفوار، وهي رائدة من رواد الموجة النسوية الثانية تعتقد أن الوضع البشري واحد بالنسبة للجميع ذكراً كان أو أنثى، وكانت تدافع عن ضرورة تجاوز الاختلافات التي لم يصنعها سوى السياق الثقافي والتاريخي، وهذا هو ما تدل عليه القولة الشهيرة: «إن المرأة لا تولد امرأة ولكنها تصير كذلك».
أما اليوم: فإن المقاربات الجديدة تميل أكثر إلى الاعتراف بالنوع، وإلى إبراز مفهوم الأنوثة كهوية ضرورية للنسوية، وكما ترى إيريغاراي فإن فكرة المساواة ذاتها هي فكرة ذكورية؛ لأنها تعني بكل وضوح أن المرأة ينقصها شيء يمتلكه الرجل، وأن من حقها الحصول عليه لأنها تستحقه، وبالتالي فإن هذه المساواة تتم تسويتها ضمن المنظور الذكوري، أي ضمن الشروط والمقاييس التي يفرضها الرجل. فترى إريغاراي أن المرأة عليها أن تضع رهانها من أجل أن تصير امرأة؛ فالأمر يتعلق ببناء الذات وتأسيسها في هذا الاتجاه. تقول: «أنا أولد امرأة، لكن يجب علي مع ذلك أن أصبح هذه المرأة التي أكونها بالطبيعة».

(ما بعد الحداثة) وانعكاساتها على (ما بعد النسوية):
تعتمد النظرية الاجتماعية ما بعد الحداثية Postmodern social theory بقوة على  الرؤية التفكيكية باللزوم، وهي تسعى لتفادي إقصاء دور الاختلاف، فالعلوم الاجتماعية المتأثرة بـ(ما بعد الحداثة) ترفض “الثنائيات المتضادة” التي يُزعم أنها أساس وسند الفلسفة الغربية: الذات-الموضوع، الرجل-المرأة، الواقع-المظهر، العقل-العاطفة، الخطاب-الكتابة. من هذا المنطلق فإن مجهود التمثيل representation والتحليل السببي ينطوي على استبعاد وتقليل من شأن الشق “الأدنى” في المصطلح “الثنائي” الذي يُنظر إليه عادة بصفته غير عقلاني أو عاطفي. هذا الرفض للثنائيات المتضادة بصفته قمعي و”مُلزم بالقياس” كان له أبلغ الأثر على النظرية النسوية المعاصرة.

 ولذا بدا أن ما بعد النسوية تسعى لعملية تفكيك مشابهة لتفكيكية ما بعد الحداثة، فصار مصطلح ما بعد النسوية ويستخدم بطرق غير متسقة.

ففي عام 1919م صدرت صحيفة ذكر فيها “الأصوليات في الأدب النسائي “‘نحن مهتمون بالبشر، وليس بالرجال والنساء”، “فما من علاقة تربط بين الجنس والمعايير الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية” فينبغي أن تكون الأمور “مناصرة للمرأة دون أن تكون ضد الرجل” ومن هنا “أطلق ما بعد النسوية” على موقفهم هذا.

استخدم هذا المصطلح في الثمانينيات من القرن العشرين لوصف الحركة المضادة لـلموجة الثانية من الحركة النسوية. وهذا المصطلح الآن هو الاسم المعرف لنطاق واسع من النظريات التي اتخذت النهج النقدي تجاه الخطابات النسوية السابقة، ويشمل المصطلح التحديات التي تواجه أفكار الموجة الثانية. مع بداية الثمانينيات وصفت وسائل الإعلام الفتيات في سن المراهقة والشابات في العشرينات من أعمارهن بأنهن “جيل ما بعد النسوية”.

وتؤكد عالمة الاجتماع باميلا أرونسون، وكان من بين أولى الاستخدامات الحديثة لهذا المصطلح في مقالة كتبتها سوزان بولوتين عام 1982م تحت عنوان “أصوات من جيل ما بعد النسوية” ونشرت هذه المقالة في مجلة نيويورك تايمز. ولقد اعتمدت هذه المقالة على عدد من اللقاءات مع سيدات يتفقن إلى حد كبير مع أهداف الحركة النسوية، ولكن لا يمكن تعريفهم بأنهن من أنصارها أنه وبعد مرور عشرين عامًا، لا زال مصطلح ما بعد النسوية يستخدم للإشارة إلى النساء الشابات “اللواتي يعتقد أنهن استفدن من الحركة النسائية، من خلال الإمكانات الهائلة للحصول على وظائف وتعليم وترتيبات أسرية جديدة، ولكنهن في الوقت نفسه لم يجاهدن من أجل فرض المزيد من التغيرات في المجال السياسي”. فمصطلح ما بعد النسوية يثير جدلاً كبيرًا حيث إنه ينطوي على أن النسوية قد “انتهت” ولأن المساواة التي تنادي بها هي محض خرافات.

ترى بعض النسويات أن إضافة كلمتي (ما بعد) إلى (النسوية) تقوض الشوط الكبير الذي قطعته الحركة النسوية في تحقيق المساواة للجميع بما في ذلك المرأة. فمصطلح ما بعد النسوية يعطي انطباعًا بأن المساواة قد تحققت، وأن أنصار النسوية يمكنهم الآن التركيز على شيء مختلف تمامًا.

ترى بعض أنصار النسوية المعاصرات، مثل كاثا بوليت أو نادين ستروسن، أن النسوية تعني بسهولة أن “النساء بشر”. وترى هؤلاء الكتابات أن الآراء التي تفرق بين الجنسين بدلاً من الربط بينهما، هي أفكار جنسية وليست أفكارًا نسوية.
ووفقًا للأستاذة دي ديان دافيس، فإن مبتغى ما بعد النسوية هو ما كانت تريده الموجة الأولى والثانية من الحركة النسوية.

واعتبرت كريستينا هوف سومرز في كتابها الصادر عام 1994م بعنوان من سرق الحركة النسوية؟ كيف خانت المرأة المرأة، أن الكثير من النظرية النسوية الأكاديمية الحديثة والحركة النسوية هي محبة للمرأة وكارهة للرجال. وأطلق على ذلك اسم “نسوية النوع”، وتقترح استخدام مصطلح “النسوية العادلة”، وتهدف إلى المساواة المدنية والقانونية الكاملة. وتجادل سومرز بأنه في حين أن أنصار النسوية التي وصفتها بأنها نسوية النوع، يدافعون عن علاج تفضيلي، ويصورون المرأة على أنها ضحية، فإن النسوية العادلة تقدم نموذجًا بديلاً من النسوية قادرًا على البقاء.

ما بعد النسوية العربية:

أيا ما كان من أمر، فقد بدا أن مصطلح (ما بعد النسوية) سعى لتفكيك نظريات وأطروحات الموجة الثانية من الحركة النسوية، لكنه لم يطرح نظرية جديدة متماسكة، بل أحيانا كان يعني العدالة، وهي لا تجعل الرجل في خانة السيد القاهر الذي يجب نيل الحقوق منه، بل تراه في دائرة المظلومية أحيانا معها، وتارة يرين أن النساء حققن ما كن يطمحن إليه، لذا فمصطلح ما بعد النسوية يرى أن لا حاجة لنضال المرأة لأخذ حقوقها، بل نضالها سيكون من أجل البشرية جمعاء. وغير ذلك على نحو ما سبق الإشارة إليه.

وعندما انتقلت تلك الجدليات النظرية إلى نسوتنا العربيات رائدات الحركة النسوية، فكانت تعني بالنسبة لهن شيئا واحدًا: العداء للدين، وكسر كل مسلماته، وهذا هو جهادهن الأكبر، وإن غلفن حقدهن بشعارات أخرى، فهن يتحدثن عن نضالهن ضد الظلم والديكتاتورية، ولكن الواقع يشهد أن كافة معاركهن لم يدخلنها ضد ديكتاتورية أنظمة، أو ظلم مستعمر، بقدر ما دخلن في معارك لهدم ثواب الإسلام وتحطيم قيمه. تقول نوال السعداوي ـ مدللة على ما نقول ـ في مقال لها في مجلة الحياة: “أدركت النساء في الجنوب والشمال والشرق والغرب الترابط الوثيق بين تصاعد القوى الدينية الداخلية، وتصاعد القوى الاستعمارية الخارجية. تضامنت النساء لضرب الاستعمار الخارجي والداخلي معاً، السياسي الاقتصادي الديني العنصري في آن واحد، استعمار الأرض والجسد والعقل في آن واحد، يشمل التحرير الثلاثة معاً: الأرض والجسد والعقل. هذا هو الوعي الجديد الذي اكتسبته الحركات النسائية العالمية وداخل كل بلد، لا يمكن تحرير نصف المجتمع من النساء في ظل الاحتلال أو الاستعمار أو الحكم الطبقي أو الأبوي أو الديني، أصبحت حركات تحرير النساء في العالم كله ترفع شعار فصل الدين عن الدولة أو ما يسمى العلمانية“.

المصدر:
http://goo.gl/uWCwzC