القائمة الرئيسية


مقالات: وأرعاه على زوج في ذات يده

7 سبتمبر, 2017

  • شارك

فاطمة محمد الشاشي

 

 

لم يكن عبثاً أن يسطر الفقهاء ربع مدوناتهم الفقهية متوناً ومطولات في المال، بل كان إدراكاً وتعليما ًمنهم رحمهم الله للأمة أفراداً وجماعة لأهميته، فلذا بدؤوا به قبل أحكام الأسرة كما عند فقهائنا الحنابلة ، ولأنه في الأهمية الثانية بعد العبادات لايستغني عنه أي أحد ،فهو قوام المعاش كما قال تعالى : (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) بل ربما وجد من الفقهاء من صنف في  المعاملات تواليف مستقلة كصينع الإمام القاسم بن سلام في كتابه الأموال وغيره ممن حذى حذوه.
و التشريع الإسلامي لم يعزل المرأة في خطابه أبداً بل كانت المرأة مخاطبة به كما الرجل معنيا جدا بنفض قوانين الجاهلية الأولى، لاسيما فيما يتعلق بأمور المرأة المالية، فأقر لها ذمة مالية مستقلة، وكفل لها حرية التصرف في مالها، وقرر لها حقوقاً مالية كالنفقة والميراث والعمل ، وقد حفل تراثنا الفقهي نوازل المعاملات المتعلقة بالمرأة كبحثهم لمسألة هبة بنات القبائل مما يحتم على الشرعيات خاصة المتفقهات منهن بث الوعي الفقهي الاقتصادي في مجامع النساء بشتى الوسائل وإلا فدراستهن لربع المعاملات تذهب أدراج الرياح.
وامتلاك المرأة للوعي الفقهي الاقتصادي ضرورة تفرضه عليها مكانتها ووظيفتها المجتمعية فهي شريك في مؤسسة الأسرة –خلية المجتمع- شراكة مطلقة مع الرجل في كل جوانب الحياة المتعلقة بهذه المؤسسة «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها »([1]) ولما كانت النصوص الشرعية تأخذ بعناق بعضها فقد بينت السنة للمرأة تمام قيامها بهذه المسؤولية فقال صلى الله عليه وسلم  (نساء قريش خير نساء ركبن الإبل، أحناه على طفل، وأرعاه على زوج في ذات يده)( [2] ) وكأن اقتصاد الأسرة –المكون الاقتصادي الأول لاقتصاد الدولة المسلمة- في كفتي ميزان والحقوق في مقابل الواجبات لا بخس فيه لأحد ولا هضم (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) وبمثل هذه النصوص تستقيم ميزانية الأسرة وتجتاز عقبات الحياة باستقرار اقتصادي فينتظم المجتمع من انتعاش مجموع أسرة اقتصادياً..
(وأرعاه على زوج في ذات يده) جاءت في سياق الثناء النبوي على المرأة الصالحة وفيها كما يرى المتأمل إيماء إلى تشوف الشريعة لامتلاك المرأة وعياً اقتصادياً ورشداً مالياً  فيريد الإسلام منها المحافظة على مال زوجها ويعده مما يرغب في نكاحها ويرفع به درجتها عند الله وتكاد حروفي عاجزة عن التحليق مع البيان النبوي في قوله صلى الله عليه وسلم :(وأرعاه) دون حفظه فهو يشمل حفظها وصيانته وترك التبذير فيه كما ذكر شراح الحديث، وبمثل هذه المرأة تعبر الأسرة أزماتها المالية والاقتصادية بسلام، ولن تصل امرأة إلى هذه الرتبة المنيفة إلا بعد أن تتربى على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فنرى أثرهما في شخصها عقلاً راجحاً ترى به  الأمور بموازين صحيحة وتختفي عندها المقارنات و إرهاق الزوج بنفقات مالية  تزج به في وادي الديون السحيق ، فهي تدرك أن نفقتها منه  إنما على قدر ماعنده (من سعته)، والمرأة حين تحكم شرع الله في نفسها وبيتها، فلن تجد لها (المهايط) سبيلا ولن يروج عليها ثقافة المسلسلات البائسة (فلسيه لايتزوج عليك)، وتدرك معه المرأة أن السعادة -التي تلهث النساء لها من وراء بذخهن في الاستهلاك – ليست مرهونة بالملبس الفاخر والمسكن الراهي بل بالإيمان والعمل الصالح : (من عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) لقد عاش آل محمد صلى الله عليه وسلم أسعد حياة تحصل للبيوت وقد كان يمر عليهم الشهر والشهران والثلاث وطعامهم الأسودان _التمر والماء_.
ولست أطلب من المرأة أن تتقشف وتزهد كلا :(قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) ولكني أدعو المرأة إلى تحكيم عقلها وأن تستبدل ثقافة المسلسلات البائسة بالعودة إلى أفياء الوحي والعيش في ظلاله، وأن تدرك عظم المسؤولية الملقاة على عاتقها وأن تكون بقدر التحدي الذي يحيط بأسرتها فتكون عوناً وسنداً لزوجها ،  وأن ترسم بحكمة مستقبل أسرتها وهذا لن يتأتى مع الاستغراق في الاستهلاك الذي نراه اليوم في جل النساء إلا مارحم ربي ،وانظروا لحجم الإنفاق في مناسبات الأفراح لتدركوا مدى تقصير النساء في التمثل بـ  : (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) فالوعي الاقتصادي مطلوب من كل امرأة أياً كانت وهي في الزوجة المستأمنة على  مال زوجها بكلمة الله أشد.

 

 

المصدر:
http://cutt.us/luLAy