القائمة الرئيسية


قراءات: قراءة تاريخية لحركة تحرير المرأة الأمريكية (6)

6 سبتمبر, 2017

  • شارك

 بسام المسلماني

 

امتد تأثير النسوية إلى ما وراء العالم الغربي، ليصل إلى مختلف بقاع العالم، التي تفاوتت في درجة استقبالها وتقبلها للأفكار النسوية، بحسب قيم ومعتقدات وثقافة وخصوصيات كل مجتمع.   لكن تظل النسوية فكرة غربية نشأت في ظروف وملابسات خاصة. مرتبطة بالمجتمعات الغربية والأفكار السائدة في هذه المجتمعات، وواقع المرأة فيها، لذلك الاطلاع على تجارب وتاريخ هذه الحركات في بيئتها التي نشأت فيها، يساهم بشكل كبير في تفهم المضامين الفكرية التي تحملها، والقيم التي تحاول تصدريها إلى بقية بلدان العالم. سنحاول من خلال سلسلة  من المقالات: رصد تاريخ الحركة النسوية، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها البلد الذي ظهرت فيه الموجة الأولى من الحركات النسائية، ومنها انطلقت إلى غيرها.
عرضنا خلال الحلقات السابقة من هذه السلسلة دور النساء العاملات في مصانع النسيج في إطلاق الشرارة الأولى في المسيرة المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة داخل الولايات المتحدة، من خلال مطالبهن بتحسين ظروف عملهن وزيادة أجورهن، وما أعقب ذلك من إقامة مؤتمر سنيكا فولز (1848م) والذي دعت إليه كل من إليزابيث كادي ستانتون، ولوكريشيا موت “لمناقشة الظروف والحقوق الاجتماعية، المدنية والدينية للمرأة”، والدعوة للإضرابات والنجاح الذي حققته الحركة النسائية، من خلال هذه الدعوات والمسيرات المناهضة لزيادة أجور الرجال على النساء، وأشهرها مسيرة الخبز والورود في الثامن من مارس عام 1908م وهو التاريخ الذي تم الاحتفال به سنويا بعد ذلك كيوم عالمي للمرأة، وتناولنا تأثير الحرب العالمية الأولى والثانية والتطورات الاقتصادية في تحقيق المرأة الأمريكية للعديد من المطالب التي نادت بها، نحو مساواتها بالرجل في التصويت في الانتخابات، وتعينها كحاكمة لولاية وتعينها كوزيرة، ثم تحدثنا عن الموجة النسوية الثانية والتي تعد هي البداية الحقيقية للحركة النسوية.
البداية الحقيقية للحركة النسوية الغربية تمت خلال عقد الستينات والتطورات التي قبلها هي التي ساهمت في تهيأة المناخ لبروز هذه الحركة، وكان لكتاب بيتي فريدان “الغموض الأنثوي” (Betty Friedan, The Feminine Mystique)، والذي صدر عام 1963م، التأثير الأكبر في مسار هذه الحركة، حيث طرحت فيه العديد من التصورات والمفاهيم والمقولات والتي أصبحت هي الموجه للحركة النسوية فيما بعد. فمن هي بيتي فريدان؟ وما أبرز القضايا التي تناولها كتابها “الغموض الأنثوي”؟.
منظرة وزعيمة الحركة النسوية الأمريكية:
وُلدت بيتي فريدان في 4 فبراير عام 1921م في بيوريا بولاية إلينوي باسم نعومي جولدشتاين، ودرست علم النفس بكلية سميث بولاية ماساشوستس (وهي كلية للنساء فقط). وتخرجت عام 1942م لتستكمل بعدها دراستها العليا في جامعـة بيركلي بكاليفورنيا، ثم عمـلت لعدة سـنوات محللـة نفسية وباحثة. تفرغت بعد زواجها عام 1947م لتربية أبنائها الثلاثة. وفي عام 1963م، نشرت كتابها الشهير “الغموض الأنثوي” الذي يُعَدُّ أبرز أدبيات الحركة النسوية في الولايات المتحدة في الستينيات التي تُعَد بتي فريدان أبرز رائداتها.
تُعَدُّ بتي فريدان من أنشط العناصر النسائية الأمريكية في عقدي الستينيات والسبعينيات، حيث أسست المنظمة القـومية للنسـاء (ناو NOW) عام 1966م، ورأسـتها حتى عام 1970م، وهو العام نفسه الذي قادت فيه مظاهرة تضم 50 ألف امرأة؛ للمطالبة بمساواة المرأة في الحقوق والواجبات مع الرجل، كما شاركت في تأسيس المؤتمر السياسي النسائي القومي عام 1971م، وفي تأسيس بنك النساء 1973، والمجلس العالي للمرأة 1973م. وكذلك، فإنها تُعَدُّ من أبرز الشخصيات التي دافعت عن مشروع قانون المساواة الكاملة بين الجنسين الذي طُرح في عهد الرئيس ريجان، والمعروف باسم إيرا ERA.
يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته اليهود واليهودية والصهيونية: بتي فريدان تعد نموذجاً متكرراً بين قيادات حركة تحرير المرأة في الولايات المتحدة، إذ يُلاحَظ أن عدداً كبيراً منهن إما يهوديات، أو ذوي أصول يهودية. ويمكن القول بأن هذا يعود لمركب من الأسـباب منها مـا يلي:
1 ـ  يُلاحَظ تصاعُد معدلات العلمنة بين يهود الولايات المتحدة، لكونهم عناصر مهاجرة جديدة لا تحمل أعباءً تاريخية أو دينية، وباعتبار أنهم أعضاء في أقلية وجدت أن بإمكانها أن تحقق الحراك الاجتماعي، من خلال الاندماج في المجتمع الأمريكي العلماني، ومن خلال تآكل القيم المسيحية الأخلاقية المطلقة.
2 ـ  لعــل الخلفـــية الحلـولية (القبَّـاليـة) لكثير من هـذه القيــادات، قـد ساهم في دفعهم نحو تَبنِّي مواقف جذرية متطرفة، فالحلولية بأحاديتها المتطرفة لا تعترف بأية حدود أو تقسيمات أو اختلافات أو ثنائيات.
3 ـ  يُلاحَظ أن الأسرة اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتميَّز بقدر عالٍ من التماسك حتى أوائل الستينيات، ولكنها أخذت في التآكل والتراجع باعتبارها إطاراً للتضامن، وقد أدَّى هذا إلى غربة عدد كبير من النساء اليهوديات، وإلى إحساسهن بالاضطهاد داخل الأسرة. ولا شك في أن الدور المتميِّز الذي كانت تلعبه الأم اليهودية في الأسرة اليهودية في شرق أوروبا، ثم في الجيلين الأول والثاني من المهاجرين، وتآكل هذا الدور وتحوُّله إلى عبء على الأم وعلى أبنائها، بسبب ظهور المؤسسات الحكومية التي تضطلع بوظائف الأم التقليدية، لاشك في أن هذا عمَّق هذه الغربة وبالتالي زاد من تطرف الثورة.
وقد شاركت بتي فريدان في بعض الأنشطة اليهودية، فشاركت عضواً في المجلة الدولية للشؤون اليهودية، كما شاركت في الحملة الصهيونية المعادية للأمم المتحدة والتي تتهم المنظمة الدولية بأنها معادية لليهودية.
وتُوفيت فريدان في 4 فبراير عام 2006 في واشنطن.
كتاب الغموض الأنثوي:
في عام ١٩٥٧م، طُلب من بيتي فريدان إجراء استطلاع رأي، يشمل زملاءها السابقين في كلية سميث كوليدج، لكن النتائج أصابتها بالإحباط؛ فالفتيات اللاتي درسن وتميزن في الفنون والعلوم أخضعن عقولهن وشخصياتهن لدور ربة المنزل بنسبة: ٨٩٪ من خريجات كلية سميث كوليدج اللاتي أجبن على استطلاع الرأي أصبحن ربات بيوت. ولما شعرت ربة المنزل في فترة الستينيات بالكبت الفكري والافتقار إلى طريقة للتعبير عن نفسها غير الطهي والجنس، شعرت بالاختناق بفعل ما أطلقت عليه بيتي فريدان “الغموض الأنثوي”. كتبت بيتي قائلة: «تُصارِع كل ربة منزل في الضواحي هذا الغموض بمفردها. فبينما ترتب الأسِرَّة، وتبتاع البقالة، وتنتقي أغطية المقاعد المتناسقة، وتأكل شطائر زبدة الفول السوداني مع أطفالها، وتوصِّل الأولاد والبنات إلى معسكرات الكشافة، وترقد بجوار زوجها في الليل، كانت تخشى أن تطرح ولو على نفسها هذا السؤال الذي لم يتجاوز شفتيها: أهذا كل شيء؟».
يبدأ الكتاب بمقدمة، واصفا المحور الذي يدور حوله بـ”المشكلة التي لا يوجد لديه اسم”، أي عدم شعور المرأة بالرضا على نطاق واسع للمرأة في الفترة من عام 1950م، وحتى أوائل 1960م، ويناقش الكتاب حياة العديد من ربات البيوت، من جميع أنحاء الولايات المتحدة الذين كانوا غير راضين على الرغم من أنهم يعيشون في حالة من المستوى المادي المناسب ومتزوجات ولديهن أطفال، لتعلن أنه “لم يعد بإمكاننا تجاهل ذلك الصوت داخل المرأة الذي يقول: ‘أريد شيئا أكثر من زوجي وأطفالي وبيتي”.
يركز كتاب الغموض الأنثوي على قضية المساواة، ويهاجم إعلاء دور المرأة كأم وزوجة، ويدعو إلى تحقيق المرأة لذاتها، من خلال التعليم والعمل، وينتقد محاولات تصوير المرأة ربة المنزل كامرأة سعيدة، وترى فريدان أن تحرر النساء يبنى على تحريرهن في المجال الخاص (الأدوار الإنجابية والخدمية)، وانتقالهن إلى المجال العام، كما طرحت بيتي فردان مفهوم العمل المرن، والتمييز الإيجابي. وفي الواقع، فإن هذا الكتاب كان بمنزلة المرجع للعديد من الأفكار بشأن حركة التمركز حول الأنثى لفترة طويلة.
احتل كتاب «الغموض الأنثوي» قائمة صحيفة نيويورك تايمز للكتب الأعلى مبيعًا لمدة ستة أسابيع بعد إصداره، ويعتبر الكتاب على نطاق واسع واحدا من أكثر الكتب تأثيرا في القرن الـ( 20 (، وبحلول عام 2000م تم بيع أكثر من 3 ملايين نسخة من الكتاب، وترجم إلى العديد من اللغات الأجنبية.
مراجعات بيتي فريدان:
إلا أن بتي فريدان نفسها عادت (عام 1981م) فنشرت كتاب “الطور الثاني” الذي غيرت فيه كثيراً من آرائها، وهاجمت فيه كثيراً من أفكار الحركة النسوية، وانتقدت مفهوم المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، ودعت إلى عدم حرمان المرأة من خصوصيتها كامرأة، وأكدت أهمية دعم دور المرأة كأم وزوجة، وتأكيد حقها في الحرية والاختيار في إطار الحفاظ على مؤسسة الأسرة. كما دعت بتي فريدان الحركة النسوية إلى زيادة الاهتمام بالحقوق الاجتماعية للمرأة، وإلى تقليل التركيز على القضايا الجنسية، وعلى حرية الشذوذ الجنسي، وهو ما استثار ضدها التيارات الراديكالية في الحركة النسوية الأمريكية التي اتهمتها بالمحافظة، بل أحياناً بمعاداة النسوية (يتبع).

 
المصدر:

http://cutt.us/pkL0v


المراجع:
– بتــي فريــدان، اليهود واليهودية والصهيونية، د.عبد والوهاب المسيري، نسخة إلكترونية.
– تغير ملامح الأسرة الأمريكية، تيم ستانلي، ترجمة إنجي بنداري أحمد،على الرابط التالي:http://www.hindawi.org/safahat/18164913/
– موسوعة ويكيبيديا ، The Feminine Mystique، على الرابط التالي:
 https://en.wikipedia.org/wiki/The_Feminine_Mystique