القائمة الرئيسية


مقالات: قراءة تاريخية لحركة تحرير المرأة الأمريكية (2)

2 سبتمبر, 2017

  • شارك

امتد تأثير النسوية إلى ما وراء العالم الغربي، ليصل إلى مختلف بقاع العالم، التي تفاوتت في درجة استقبالها وتقبلها للأفكار النسوية، بحسب قيم ومعتقدات وثقافة وخصوصيات كل مجتمع. لكن تظل النسوية فكرة غربية نشأت في ظروف وملابسات خاصة، مرتبطة بالمجتمعات الغربية والأفكار السائدة في هذه المجتمعات، وواقع المرأة فيها، لذلك الاطلاع على تجارب وتاريخ هذه الحركات في بيئتها التي نشأت فيها، يساهم بشكل كبير في تفهم المضامين الفكرية التي تحملها، والقيم التي تحاول تصدريها إلى بقية بلدان العالم. سنحاول من خلال سلسلة  من المقالات: رصد تاريخ الحركة النسوية، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها البلد الذي ظهرت فيه الموجة الأولى من الحركات النسائية ومنها انطلقت إلى غيرها.
عرضنا خلال الحلقة السابقة من هذه السلسلة دور “أبيجيل أدامز” زوجة الرئيس الأمريكي جون أدامز في المطالبة بما يسمى حرية المرأة، والحصول على حق التصويت وحق التمثيل. مشيرين إلى ارتباط  حركة حقوق المرأة بحركة حقوق العبيد، وخلال هذه الحلقة نستكمل استعراضنا لأهم المحطات في تاريخ الحركة النسوية الأمريكية.

البداية من معامل النسيج:
لم تعتقد النساء الفقيرات اللائي خرجن إلى شوارع مدينة نيوإنجلاند بولاية ماساتشوستس سنة 1820م احتجاجا على قسوة ظروف عملهن، بأنهن سيتحولن إلى شرارة أولى لانطلاق مسيرة المطالبة بالمساواة داخل الولايات المتحدة. فمصانع القماش الصغيرة التي كانت منتشرة عبر الولايات المتحدة لم تكن تتوانى عن تشغيل النساء لأكثر من اثنتي عشرة ساعة يوميا، مقابل أجر زهيد يقل عن ذاك الذي تمنحه للرجال بكثير. وكانت ظروف العمل المزرية والأجور الهزيلة، تزيد من فقر النساء، وتعمّق مأساتهن، مما انعكس حتى على حالتهن الصحية وتسبب في نحالتهن الشديدة، حتى أن بعض المراجع تسمي تلك المسيرة بثورة النحيلات!
ورغم الاستخفاف الذي واجهته النساء في تلك الفترة؛ بسبب تمردهن ورغبتهن في العمل في ظروف أكثر رحمة، إلا أن شرارة المطالبة بالمساواة، كانت قد اندلعت ولم ينجح شيء في الوقوف في وجهها بعد ذلك. وجاء إضراب عاملات مصنع للقطن كان اسمه “لوريل” سنة 1834م كخطوة ثانية في مسيرة الاحتجاجات التي تبنتها النساء داخل الولايات المتحدة، في سبيل تحقيق المساواة مع الرجال، وتصف الكثير من المراجع ذلك الإضراب بالتاريخي؛ لأنه كان بداية فعلية لانبثاق أول جمعية نسوية في الولايات المتحدة وكان ذلك سنة 1844م.

مؤتمر سنيكا فولز وحركة حقوق المرأة
انطلقت حركة حقوق المرأة في الولايات المتحدة من سنيكا فولز، بولاية نيويورك في يوليو 1848م، عندما دعت كل من إليزابيث كادي ستانتون، ولوكريشيا موت إلى عقد مؤتمر “لمناقشة الظروف والحقوق الاجتماعية، المدنية والدينية للمرأة”. وبالفعل أصبحت سنيكا فولز منشأ حركة حقوق المرأة.
تقابلت كيدي ستانتون وموت في لندن عام 1840م كمندوبتين إلى المؤتمر العالمي لمكافحة الاستعباد. ولكن عندما منعتا من احتلال مقعديهما في القاعة مع بقية المندوبات، غادرت ستانتون وموت القاعة، وبدأتا تتحدثان عن غياب حقوق المرأة بوجه عام. وقررتا أنه من الضروري عقد مؤتمر للنساء؛ لمناقشة كيفية تأمين الحقوق نفسها لهن التي يتمتع بها الرجال. ولكن تطلب الأمر انقضاء ثماني سنوات تقريباً، قبل أن تتقابل المرأتان من جديد للدعوة إلى عقد مثل هذا المؤتمر في سنيكا فولز بنيويورك.
قدمت إليزابيث كيدي ستانتون، في سنيكا فولز، إعلان المشاعر والقرارات المستند إلى إعلان الاستقلال الأميركي. كان من بين المطالب التي وردت في الإعلان: المساواة مع الرجال أمام القانون وفي التعليم والتوظيف.
انطلاقاً من مؤتمر سنيكا فولز، كان من المقدر أن تندلع ثورة تتعلق بحقوق المرأة. فقد سُمح للنساء بصورة تدريجية بالتحدث أمام الناس، وهو أمر كان ممنوعاً بصرامة في السابق. وتبنت ولايات بمفردها قوانين لحماية حقوق النساء المتزوجات، ومنحتهن حق امتلاك عقارات بأسمائهن الخاصة، والاحتفاظ بمداخيلهن الخاصة، والوصاية على أولادهن في حالة الطلاق.

قراءة لهذه الفترة:
مع ظهور الثورة الصناعية، وهجرة الكثير من الرجال للمزارع، والعمل في المدن ليترك أسرته بلا عائل، مما اضطر الكثير من النساء إلى الهجرة إلى المدينة للعمل هناك، حيث التقطهن أصحاب المصانع، يضربون بهن حركات العمال المطالبة بتخفيض ساعات العمل وزيادة الأجور. واستغل أصحاب المصانع حاجة المرأة، فأعطوها نصف الأجر على العمل نفسه، والساعات نفسها!
غير أن المسألة لم تقف عند هذا الحد، وإنما “تطورت” كثيرا. فقد كثرت العاملات في المصانع، اللواتى يقمن بالعمل نفسه، ويتناولن نصف الأجر، بسب استمرار هجرة العمال إلى المدينة، وترك أسرهم بلا عائل. فأصبحت لهن “قضية”! قضية المساواة في الأجر. وهى قضية عادلة دون شك، أيا كانت الظروف التي أدت إليها، والملابسات التي أحاطت بها والنتائج التي ترتبت عليها. فحين يعمل الرجل والمرأة العمل نفسه، ويقومان بالجهد نفسه، فأي مبرر في الأرض يبرر أن يأخذ أحدهما نصف الآخر!
النساء اللواتى وقع عليهن الغبن، رأين أن يطالبن بحقوقهن المسلوبة، وسارت قضية المرأة في خطوات متتابعة، كل خطوة تؤدى إلى تاليتها بصورة تبدو طبيعية ومنطقية وتلقائية، كما سنبين في الحلقات القادمة.
لكن لنا وقفة مع هذا الأمر.. إن كان في الغرب مبرر لمطالبة المرأة بالمساواة مع الرجل في الأجور، فما هو المبرر لافتعال هذه القضية في عالمنا الإسلامي، في ظل إعطاء الإسلام للمرأة حقوقها المالية كاملة.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى قضية المرأة برزت نتيجة لظروف وسياقات  اجتماعية واقتصادية  وسياسية وثقافية وتاريخية في المجتمعات الغربية، تختلف كليا وجزئيا مع حركة التاريخ والثقافة والاجتماع في مجتمعاتنا، وبالتالي لا يمكن فصلها عن سياقها، ومحاولة استنساخها في مجتمعاتنا هي محاولة فاشلة وسيكتب لها الإخفاق.

المصدر:

http://cutt.us/2OGv