القائمة الرئيسية


دراسات: “الأختية العالمية” أداة لفرض الهيمنة الغربية على المجتمعات

7 سبتمبر, 2017

  • شارك

بسام حسن المسلماني

 

تعود جذور حركة “الأختية العالمية ” (global sisterhood) إلى أوائل القرن العشرين وبالتحديد في مؤتمر كوبنهاجن، للنساء الديمقراطيات الاشتراكيات، حيث اشترك في المؤتمر 100 امرأة من 17 دولة، مثلن نقابات نسائية وأحزابا اشتراكية، ونوادي للمرأة العاملة وقد تم مناقشة قضايا المرأة خلال هذا المؤتمر بشكل عالمي، وتبادلت المجتمعات خبراتهن في العمل النسوي، وخلال هذه المؤتمر تم الاتفاق على تخصيص يوم عالمي للمرأة، وتم الاتفاق على الثامن من مارس من كل عام؛ للاحتفال بالمرأة على الصعيد العالمي، ومن هنا نشأت فكرة “عالمية” حقوق المرأة التي تستدعيها عالمية يوم المرأة.
لقد كرس اليوم العالمي للمرأة مفهوم الأختية العالمية، أي وقوف نساء العالم جميعا مع بعضهن؛ من أجل الدفاع عن “حقوقهن ومشاركتهن في إدارة هذا العالم، والسير به نحو الأمان والسلام”.
وتم إقرار هذا اليوم من قبل الأمم المتحدة عام 1977م كيوم عالمي من أجل تضامن النساء مع بعضهن، وتضامن أنصارهم معهن، والنضال سويا من أجل الدفاع عن حقوقهن.
مفهوم الأختية العالمية
تعتمد حركة الأختية العالمية على فكرة أساسية، قوامها أنه لو اختلفت الثقافات فإن النساء لا يختلفن، فالتماثل أو حلقة الاتصال بين النساء طبقاً لهذا الخطاب، هي اشتراكهن في كونهن نساء، وهو وضع واحد ومشترك رغم اختلاف الثقافات، فالاختلافات الثقافية، أي التاريخية، لا تعني شيئاً بالنسبة لهذه التجربة “والتي تقع في مكان تشترك فيه كل الثقافات الإنسانية، وتتجاوز حدود التاريخ. وبهذا المعنى فإن “مفهوم “الأختية العالمية” أو “تحرر النساء على مستوى عالمي بالفعل” تعتمد على تصور جوهري للمرأة يتجاوز التاريخ والوطن والطبقة”(1).
إن حقيقة مفهوم الأختية العالمية هو جعل قضية المرأة قضية عالمية فوق الحكومات، وعابرة للقارات، ومحاولة فرض نموذج معين لصورة المرأة في المجتمعات, هو تمهيد لما تسعى القوى الغربية من فرضه من نظام عالمي جديد، الذي يعدونه انتصاراً نهائياً وعالمياً للفكر الغربي العلماني، بحيث تكون هناك قوة عالمية واحدة، ومرجعية كونية واحدة، ونمط عالمي واحد للمرأة والرجل، وتنهار كل الحدود والقيود والحصون أمام هذه القوة العالمية الجديدة والمنفردة، بحيث تصبح إرادتها ورغباتها ومصالحها مُسلَّماً بها ومُرحَّباً بقدومها بلا أي عوائق من الدين أو اللغة أو اللون أو الجنس أو القومية أو الثقافة.
انتشار حركة الأختية العالمية:
“نالت حركة الأختية العالمية الشرعية والإقرار بها، من خلال عقد الأمم المتحدة لمؤتمرات خاصة بالمرأة خاصة في الفترة من 1975- وحتى عام 1995م “(2)، لكن لم تنتشر فكرة الأختية العالمية بشكل واسع، إلا خلال الربع الأخير من القرن الماضي، ساعد على بروز وانتشار خطاب الأختية العالمية التحولات التي شهدها العالم خلال الربع قرن الأخير، حيث تحول العالم من نظام الثنائية القطبية إلى نظام القطب الدولي الوحيد، وتصاعد نفوذ منظمة الأمم المتحدة، خاصة في ظل تنامي التأثير الأمريكي ـ الغربي على هذه المنظمة حتى أصبحت أداة لتنفيذ السياسات الغربية والتدخل في الشؤون المحلية للدول، ويأتي أهم مظهر من مظاهر العولمة هو تفجر ثورة الاتصالات عبر أدوات الإعلام الفضائي والشبكة الدولية وبروز ما يسمى بالقرية الكونية.
هذه العوامل أثرت بشكل كبير على مفهوم الأختية العالمية، وساعدت على انتشاره وتعميقه حيث أصبحت قضايا المرأة تتم عولمتها وأصبح مفهوم “عولمة المرأة” أبرز تجليات الأختية العالمية وهو المفهوم الذي يشير إلى طرح تصورات معينة، هي بالأساس التصورات التي انتهى إليها الفكر الغربي المهيمن في مرحلة ما بعد الحداثة، وما بعد الصناعة والعمل على تعميمها، قبولها أو فرضها في مختلف المجالات ، وعلى مختلف التجارب الإنسانية.
ولقد شكلت الأمم المتحدة أهم آليات عولمة قضايا المرأة، تمثل ذلك في سلسلة من المؤتمرات والاتفاقات والمواثيق الدولية، عبر العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين. مثل: مؤتمر السكان في القاهرة عام 1994م أو المؤتمرات التي ركزت على قضايا النساء وهي أربعة: مؤتمر مكسيكو سيتي (١٩٧٥م)، ومؤتمر كوبنهاجن (١٩٧٥م)، مؤتمر نيروبي (١٩٨٥ م)، ومؤتمر المرأة في بكين عام (1995م)، الذي اعتبرت وثيقته مرجعية في مصاف اتفاقية (سيداو) من حيث الأهمية والمتابعة، ثم انعقد عام 2000م في نيويورك اجتماع دولي سمي ببكين +خمسة لمتابعة تنفيذ ما في هذه الوثيقة ،و في عام 2005م بكين + عشره ، ثم في 2010 بكين + 15، لمتابعة تنفيذ توصيات الوثيقة نفسها، وفي كل هذه الاجتماعات يطلب من الدول تقديم تقارير توضح مدى التقدم في تنفيذ هذه التوصيات، وما العوائق التي تقف في وجه تنفيذ ما لم ينفذ.
المعهد الدولي لتضامن النساء
ويعتبر المعهد الدولي لتضامن النساء (SIGI)  أحد أبرز المؤسسات التي تحاول نشر مفهوم الأختية العالمية في دول العالم، و”المعهد هو منظمة دولية غير ربحية تأسست عام 1984م لتعزيز حقوق النساء محلياً، وطنياً، إقليمياً ودولياً.
وللمعهد أعضاء في سبعين بلداً ولديه صلة بأكثر من ألف وثلاثمائة عضو من الأفراد والهيئات في مختلف أنحاء العالم، وينفذ مشاريع في مناطق عدة.
والمعهد الدولي لتضامن النســاء هو منظمـة غير حكومية، تتمتع بالصفة الاستشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي في هيئة الأمم المتحدة، وهو هيئة غير ربحية تتمتع بدعم شعبي وإعفاء ضريبي.
تأسس المعهد عام (1984م) على يد روبان مورغان، إثـر إصدارها كتاب بعـنوان: (التضامن الدولي بين النساء، تاريخ الحركة النسائية) أسهمت في كتابته قيادات نسائية من سبعين بلداً في مختلف أنحاء العالم، وتضمن الكتاب معلومات وإحصاءات و مؤشرات عن حالة المرأة، وتاريخ نضالها لنيل حقوقها، وقد وجدت المشاركات في تأليفه في اجتماع لهن بُعيد صدور الكتاب، أن الحاجة ملحة لإنشاء منظمة نسائية دولية دائمة، تعمل من أجل إرساء وإعمال وحماية حقوق الإنسان للنساء وتوفير الدعم والتضامن لتمكينهن من ممارسة هذه الحقوق”(3).
الأختية العالمية والهيمنة الغربية:
هناك العديد من الانتقادات التي وجهت لحركة الأختية، باعتبارها أحد أدوات الهيمنة الاستعماريةالغربية على المجتمعات الأخرى، حيث اعتبرتها الكثير من النسويات صورة من صور العنصرية الغربية التي تعمل في خدمة مصالح أقلية من النساء المرفهات المتمتعات بالامتيازات في الأمم المتقدمة والنامية.
“إن النقد الذي تم توجيهه ضد النسوية المؤسسية بأقلام كل من ليلى أحمد، وفاليري آموس وبراتيبا بارمار، وكوماري جاياواردينا، ومارنيا لازرق، وتشاندرا تالبيد موهانتي، وغاياتري تشاكرافورتي سبيفاك وغيرهن، هي انتقادات بشأن ادعاء النسوية الدولية المؤسسية المعترف بها من قبل أنظمة الدول، بأنها تتحدث بلغة الأختية العالمية، في حين أنها تعمل في الواقع على إعادة إنتاج صورة الآخر الأنثوي السلبي الذي يعتمد عليه وجود الكيان الذاتي للنسوية الغربية المرفهة والمتمتعة بالامتيازات”.
ومن المقالات التي تنتقد النسوية المؤسسية التي تتحدث بلغة الأختية مقالة تشاندرا موهانتي عن “البحوث النسوية والخطابات الكولونيالية” (Chandra Mohanty, “Under Western Eyes: Feminist Scholarship and Colonial Discourses“)، والتي ترى فيها أن البحث النسوي الغربي يمارس استعمار واستغلال نساء العالم الثالث خطابيا، وذلك عن طريق توحيد كيان وفئة “المرأة”، ومن الأمثلة التي تقدمها تشاندرا موهانتي هي تصوير وتمثيل المرأة المسلمة المحجبة ضمن فئة واحدة ثابتة، وباعتبارها مقهورة تماما وعالميا”(4).
تقول نيما ناغيبي: “إن النزعة النسوية الغربية الدافعة إلى إنقاذ النساء المسلمات من عقيدتهن الدينية، وميلها إلى تصوير الممارسات الإسلامية باعتبارها غير متماشية مع النسوية، أدى مرات إلى عرقلة إمكانية قيام أية تحالفات نسوية عبر الثقافات. إن الصعوبة الرئيسة المتعلقة بهذا النموذج من النسوية المخّلصة تكمن في أن أوجه اللامساواة الهيكلية، مبنية داخل علاقة عمادها الفرضية القائلة: بأن هنالك مجموعة من النساء أكثر تقدما واستنارة على الدوام من مجموعة أخرى. إن هذا النموذج من النسوية، والذي يزعم أن قهر النساء مسألة عالمية في الوقت الذي يضع اختلافات تراتبية بين النساء المنتميات إلى أمم وديانات مختلفة، هو نموذج يضرب بجذوره التاريخية في الكتابات النسوية من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كما يواصل التعبير عن نفسه في بعض الخطابات النسوية المعاصرة. إلا أن هذا النموذج الخاص بعلاقات الأخوة التراتبية بين النساء، بلغ ذروته خلال الموجة الثانية من النسوية الأمريكية والأوروبية(5).
لقد كان مفهوم الاختية العالمية أحد المبررات للحرب والهجمة الاستعمارية التي شنتها عدد من الدول الاستعمارية على دول أخرى، مثلما حدث في أفغانستان بحجة تحرير المرأة، ووقف معاناة المرأة الافغانية، وبعد الحرب كان “للمعهد الدولي لتضامن النساء”، دور كبير في عملية إعادة تشكيل المرأة الأفغانية.
لقد أصبحت قضايا المرأة حاضرة بقوة في علاقة الغرب بدول العالم الثالث، وللأسف الشديد يتم التلاعب بها، واستخدامها بشكل انتقائي وانتهازي في فرض الهيمنة الغربية على الدول.

 
المصدر:

http://cutt.us/VW5M2
 ______________________________________________________________


(1) شيء ما الجملة النسوية ، د. حسن مدن، صحيفة دار الخليج، 4 /9/2015م.
(2) الموجات النسوية في الفكر النسوي الغربي، د. مية الرحبي، موقع مصر المدنية على الرابط التالي:http://www.civicegypt.org/?p=27463
(3) المعهد الدولي لتضامن النساء، موقع الحوار المتمدن، على الرابط التالي:
 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=1730
(4) الدراسات النسائية /دؤاسات الجندر، نيما ناغيبي، ترجمة: هالة كمال، نسخة الكترونية.
(5) الدراسات النسائية ، مرجع سابق.