1 سبتمبر, 2017
بسام حسن المسلماني
امتد تأثير النسوية إلى ما وراء العالم الغربي، ليصل إلى مختلف بقاع العالم، التي تفاوتت في درجة استقبالها وتقبلها للأفكار النسوية بحسب قيم ومعتقدات وثقافة وخصوصيات كل مجتمع، لكن تظل النسوية فكرة غربية نشأت في ظروف وملابسات خاصة، مرتبطة بالمجتمعات الغربية والأفكار السائدة في هذه المجتمعات وواقع المرأة فيها، لذلك الاطلاع على تجارب وتاريخ هذه الحركات في بيئتها التي نشأت فيها، يساهم بشكل كبير في تفهم المضامين الفكرية التي تحملها، والقيم التي تحاول تصدريها إلى بقية بلدان العالم. سنحاول من خلال سلسلة من المقالات رصد تاريخ الحركة النسوية، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها البلد الذي ظهرت فيه الموجة الأولى من الحركات النسائية ومنها انطلقت إلى غيرها.
يعود السبب وراء ظهور الحركة النسوية في الولايات المتحدة قبل غيرها، إلى ارتباطها بحركة تحرير العبيد، فتضامنت حركة المطالبة بحقوق المرأة، بحركة حقوق العبيد مع بعضهما البعض، وكان لتطور مسار كل منهما تأثيره في تطوير مسار الآخر.
النشأة على مستوى الفكرة:
على المستوى الفكري هناك العديد من الأفكار والكتابات التي مهدت لظهور الحركة النسوية، بدءاً من الصورة السلبية عن المرأة في التراث اليهودي المحرف، والتراث المسيحي المحرف، حيث اعتبرا أن المرأة أصل الخطيئة؛ لأنها هي التي أغرت آدم بالخطيئة، عندما أكلت من الشجرة كما هو منصوص عليه في كتبهم الدينية المحرفة، فالرب عندما فعلت هذا الفعل، حكم بسيادة الرجل عليها نهائياً، وقد ترتب على هذا الموقف – فيما بعد – أحكام وأوصاف أخرى للمرأة في هذا التراث، فهي شيطانة، وأنها ملعونة، وأن ليس لها روح تستحق من خلال هذه الروح أن تدخل الجنة، بل الأغلب أنها تدخل النار، ولا توجد امرأة لديها فضيلة يمكن أن تدخلها إلى الجنة، مرورا بصورة المرأة في أعمال ومواقف العديد من المفكرين والفلاسفة الغربيين تجاه المرأة من (أفلاطون) الذي يصنف المرأة في درجة دنيا مع العبيد والأشرار المخبولين والمرضى. إلى الفلاسفة المتأخرين مثل (ديكارت) من خلال فلسفته الثنائية التي تقوم على العقل والمادة: فيربط العقل بالذكر، ويربط المادة بالمرأة، مرورا بـ (كانط) الذي يصف المرأة بأنها ضعيفة في تكوينها ككل، وبخاصة في قدراتها العقلية، وفيلسوف الثورة الفرنسية (جان جاك رسو) الذي يقول: إن المرأة وجدت من أجل الجنس ومن أجل الإنجاب فقط، ونهاية بـ (فرويد) رائد مدرسة التحليل النفسي، الذي يرجع كل مشكلات المرأة إلى معاناتها من عقدة النقص تجاه العضو المذكر، فدعاة النسوية يتخذون من هذه الأفكار منطلقاً لنشر الثقافة المضادة عن المرأة، التي شكلت مفاهيم وقيم ومبادئ الحركة النسوية الغربية، ثم هم يهدفون أن تكون حركة نسوية عالمية.
الظهور على المستوى الميداني:
تعرف “أبيجيل أدامز” بأنها من أوائل المناصرين لما يسمى بحقوق المرأة، وكشفت العديد من الرسائل التي وجهتها لزوجها جون أدامز- الذي أصبح فيما بعد الرئيس الثاني للولايات المتحدة – عن أفكارها، سواء الداعية إلى تعزيز حقوق المرأة، أو نبذ العبودية، التي كانت تراها تهديدا للتجربة الديمقراطية الأمريكية. وفي أشهر خطاب لها مؤرخ في مارس 1776م، وكان موجها إلى زوجها بمناسبة المؤتمر القاري، كتبت أبيجيل: «فكر في المرأة، وكن كريما معها بخلاف أسلافك. لا تُمركز جميع السلط في يد الزوج. تذكر أن الرجال مستبدون. إذ لم يتم إيلاء أي اهتمام بالمرأة، فنحن على أتم استعداد للتمرد في ظل عدم وجود أي قانون لا يضمن لنا أي صوت أو تمثيل».
وفي عام 1791م قصد باب أبيجيل، رجل أسود حر يطلب تعلم الكتابة، فسجلت الولد في صف تعليم مسائي ردا على مظاهرة الجيران، الذين كان جوابها في وجهوهم قاسيا، إذ قالت: «إنه رجل حر، وليس لأنه رجل أسود يحرم من التعليم. كيف يكسب حياته إذن؟ ليس لدي أي عار للترحيب به في غرفة المعيشة لأعلمه القراءة والكتابة».
ومنذ ذلك الوقت ارتبطت حركة حقوق المرأة بحركة حقوق العبيد – لاحظ ارتباط دعاة ما يسمى بتحرير المرأة في عالمنا العربي، بالمطالبة بحقوق الاثنيات والأقليات، وافتعال أزمات طائفية وإثنية، وإقحام قضايا المرأة فيها، حيث انتمت أعضاء في كلا الحركتين إلى الجمعيات نفسها، وقاما بأنشطة مشتركة.
المصدر: