القائمة الرئيسية


مقالات: النسوية الاستعمارية.. كأداة لاحتلال الشعوب(2)

7 سبتمبر, 2017

  • شارك
بسام حسن المسلماني
الفكر النسوي الغربي منذ نشأته الأولى، ارتبط  بالقوى الاستعمارية، ولم يترعرع هذا الفكر ويؤتي أوكله، إلا في ظل أجواء الاحتلال والقهر والاستبداد؛ مما يجعله أبعد ما يكون عن المطالبة بالحرية أو بحقوق الإنسان. وتاريخ هذا الفكر والأطوار التي مر بها من أكبر الدلائل على هذا. وكرد فعل على عنصرية الحركة النسوية الغربية ونظرتها الاستعمارية، ظهرت حركة نسوية جديدة، تنتقد هذه النظرة  تحت اسم: “نسوية ما بعد الاستعمار، أو نسوية ما بعد الكولونيالية”، فما هذه الحركة وما أهدافها؟
ما بعد الاستعمارية (الكولونيالية):
نظرية ما بعد الاستعمار هي التي تهدف إلى تحليل كل ما أنتجته الثقافة الغربية، باعتباره خطابا مقصديا، يحمل في طياته توجهات استعمارية إزاء الشعوب التي تقع خارج المنظومة الغربية. وتعيد قراءة التاريخ من وجهة نظر المستعمَر، تأسست هذه النظرية على يد إدوارد سعيد، وهومي بابا، والمفكرة الهندية غياتري سبيفاك.
يعرف قاموس أكسفورد للعلوم الاجتماعية خطاب ما بعد الكولونيالية: نشأ خطاب ما بعد الكولونيالية في أعمال جماعة دراسات التابع القائمة على التاريخ الهندي، متأثرين بأعمال التقاليد الماركسية الإنجليزية، لتدوين التاريخ، وكانوا مهتمين للتعبير عن المستعمرين (الذين وقع عليهم الاستعمار) أكثر من تبني وجهة نظر المستعمر (الذي قام بالاستعمار) وسلطتهم .(1)
نسوية ما بعد الاستعمار(الكولونيالية):
يعتبر معظم مفكري الخطاب ما بعد الاستعماري، أن الأسس المعرفية للفكر الاستعماري ما زالت موجودة حتى يومنا هذا، لذا يسعون إلى تقديم خطاب جديد يعيد صياغة الإطار المعرفي الغربي حول بقية العالم. كما يبحث مفكرو ما بعد الكونيالية أيضاً  عن سبل تخطي الآثار التي خلفها الاستعمار على الشعوب التي عانت منه، لا سيما على الصعيد الثقافي، ويسعون إلى ذلك من خلال إبراز صوت الفئات المهمشة في المجتمعات التي خضعت للاستعمار.
وفي هذا الإطار تفرّع خلال العقدين الأخيرين من دراسات ما بعد الاستعمارية عدد من التخصصات تشمل مجالات عدة من الأبحاث، من أبرزها المجال النسوي وشكلت غياتري سبيفاك (1942) التي اشتهرت بمقالها «هل يستطيع التابع أن يتكلّم؟» (1988م) أحد أعمدة هذا النمط من الدراسات، إلى جانب باحثات أخريات مثيلات: المصرية ميرفت حاتم، والبريطانية دينيز كانديوتي، والإيرانية أفسانه نجمبادي، والهندية أوما ناريان .
كرست سبيفاك أبحاثها لنقد ما تطلق عليه (الثقافة الذكورية) المؤسسة والمكرسة في الخطابات الفكرية الغربية، ومعالجة التأثيرات الاستعمارية في العالم المستعمَر سابقاً، فضلاً عن تهميش المرأة في العالم الثالث، وبنيانه الاجتماعي والثقافي والسياسي والتربوي.
تحدثت سبيفاك عن التصنيف الطبقي من خلال تطرقها إلى وضع النساء الهنديات، وخصوصاً نساء الـ (Sati) اللاتي نُظِر إليهن من منظورين مختلفين: الأول، بريطاني كولونيالي: إذ رآهنّ ضحايا مثيرات للشفقة، ظلمهنّ الدين والمجتمع البطريركي. والثاني، وطني هندوسي: رآهنّ زوجات مخلصات، ومؤمنات تقيّات، وبطلات شجاعات. وبين هذين المنظورين المتناقضين يضيع «صوت التابع»، ويعجز عن التعبير عن نفسه بنفسه. فحين صوّرت الأرامل الهنديات على أنهنّ ضحايا البربرية، لم يطلب أحد رأيهن، ولم يُسمع صوتهن حول هذا الموضوع، وننسى أنّه مهما تبدو أصوات الأرامل واقعية، فإنها لا تعدو أن تكون – كما تقول سبيفاك – مجرّد تمثيلات خُلقت من منظور كولونيالي لكي يبرر بها وجوده وأطروحاته المعرفية حول مهمته الحضارية المزعومة (…) وعندما صوّرت على أنها بطلة وزوجة وفية، فإنها حُرمت هذا الحق بإلغاء هذه الشعيرة بقرار كولونيالي، فـ «في كلتا الحالتين –إذاً – ضاع صوت المرأة/ التابع بحجة أن هناك صوتين نخبويين يدّعيان أنهما يتحدثان باسمها ويدافعان عن حقوقها»(2).
واتهمت الكاتبة البريطانية من أصل فرنسي ميريام فرانسوا سيرا: المرأة البيضاء بالسطو على الحركة النسوية؛ وأوضحت أن الثقافة البيضاء لا تزال تسيطر على مجريات الأمور في كافة المجالات في العالم، على نحو يؤكد الحقيقة الخالدة بتفوق الغرب.
تقول  سيرا في مناظرة حوارية أجراها “اتحاد أكسفورد” في 12 فبراير 2015م: “لا يشير مصطلح “البيض” إلى لون بشرة الناس، بقدر ما يشير إلى تماهي الناس مع علاقات القوة المهيمنة، التي ما تزال تواصل إخضاع الناس الملونين والهبوط بهم إلى وضع الدرجة الثانية، والتي تدفع بالنساء ذوات البشرة الملونة على وجه التحديد إلى أسفل الكومة… إنني أعني القبول بأن الإطار العلماني الليبرالي الأبيض ليس هو العدسة الوحيدة المقبولة التي لا يمكن للمرأة أن تبلور نضالاتها إلا من خلالها.
مشيرة إلى رفض النساء في المغرب لمصطلح النسوية؛ نظرا لاعتباره مفهوماً غربياً، والذي لا يناسب كما ينبغي احتياجاتهن كنساء مسلمات مغربيات، وكناتج مستورد وصفته إحدى النساء هناك بأنه “شكل آخر من أشكال الإمبريالية الثقافية، والمصمم لتغريب النساء المحليات عن المصدر الحقيقي لقوتهن”-ثقافتهن الخاصة… عندما أقول إن الحركة النسوية اختُطفت من قبل النساء البيض، فإنني أعني بذلك أن الثقافة البيضاء ما تزال هي التي تسيطر على السرد في المجالات كافة، وتصور وجهات النظر البديلة على أنها مساهمات غريبة، والتي يُتاح لها فقط أن تؤكد الحقيقة الأبدية للتفوق الغربي.(3).
لكن على الرغم من ظهور نسوية ما بعد الاستعمار، كرد فعل رافض لمقولات النسوية الغربية، إلا أنها لم تتمكن من التخلص من تأثيرات مقولاتها. حيث ظلت أسيرة فكرة الصراع بين الرجل والمرأة، وظلت تطالب بإنهاء ما تطلق عليه السيطرة الذكورية، ورفض السلطة البطريركية. في حين أن هذه الأفكار هي نتاج لفلسفات وقيم وتطور المجتمعات الغربية.
المصدر:
http://cutt.us/xjQOA

(1) خطاب مابعد الكولونيالية، المصطلح والمفهوم، رامي أبو شهاب، موقع الحوار المتمدين.
(2) الدراسات النسوية ما بعد الكولونيالية، ريتا فرج، صحيفة الحياة ،16/5/2015م.
(3) النسوية اختُطفت على يد النساء البيض من الطبقة الوسطى، ميريام فرنسوا سيرا، ترجمة: علاء الدين أبو زينة، صحيفة الغد الأردنية، 8/3/2015م.