نشأت النواة الأولى للنسوية في المغرب العربي بشكل عام في الأربعينات من القرن المنصرم، ولم تكن حركة نسوية بالمعنى الاصطلاحي، بقدر ما كانت عملا نسائيا ذا طابع وطني قومي، فرضت مساره طبيعة المرحلة التي عاشتها بلدان المغرب العربي، وهي حالة الاستعمار. ثم ما لبثت الحركة النسائية بعد الاستقلال أن تحولت إلى فاعل قوي في مجال التنمية، لتتحول مع بروز الأحزاب والاستقطاب الفكري والسياسي وتنامي النسوية العالمية بعد الخمسينات إلى حركة متشبعة بالمفاهيم النسوية، حتى أصبحت بنيتها الفكرية مع مرور الوقت وتحديدا في فترة الثمانينات وما بعدها، نسوية صرفة لاعتبارات داخلية وخارجية، وهناك جملة من المحددات التي ساهمت بشكل أو بآخر في نشأتها والتأثير على وجودها ومكتسباتها سلبا أو إيجابا. وهذه المحددات تعتبر قاسما مشتركا بين الدول المغاربية، وإن اختلفت عوامل أخرى مؤثرة في نشأة النسوية بين تلك البلدان، وهذه المحددات من حيث الإجمال هي:
حالة الاستعمار وتوقيت الاستقلال:
فقد خضعت دول المغرب العربي للاستعمار الفرنسي باستثناء ليبيا التي استعمرتها إيطاليا، وكان لفرنسا في فترة الاستعمار أجندة موازية لغزوها العسكري، تتمحور حول الغزو الفكري للمجتمع المغاربي، بتركيز كبير على المرأة تحديدا، باعتبارها نواة الأسرة وأداة للتغيير الاجتماعي السريع، فاستعانت بجملة من الباحثين الفرنسيين لدراسة المجتمعات المغاربية، بالتركيز على وضعية المرأة في الأسرة، بما في ذلك ولادتها ورضاعها ووضعها الاجتماعي والمهن الغريبة عن المجتمع، و التي تتعاطاها المرأة بما في ذلك السحر والوشم والدعارة.
كما ركز المستعمر الفرنسي على دراسة القوانين السائدة بخصوصها والتشريعات الإسلامية المتعلقة بذلك، وكان يقوم بهذه الدراسات باحثون في الدراسات الإثنوغرافية، وأدب الرحلات والمؤرخين، وبالاعتماد على الإحصاءات الفرنسية والبيانات الصادرة عن الوزارات الحكومية، وكانت هذه البحوث هي المرتكز الذي بنى عليه الفرنسيون دعواتهم الإصلاحية لأوضاع المرأة في المغرب العربي، وصاغوا قراراتهم تحت مسمى “حقوق المرأة” هادفين من خلالها إلى تثبيت جذور التغريب الفكري، وفي الوقت ذاته تفكيك الوحدة الوطنية، لتجد من خلاله النسوية طريقها معبدا بعد ذلك لاختراق البنية الاجتماعية والقانونية والسياسية لبلدان المغرب العربي.
لقد كانت الفترة الاستعمارية في بلدان المغرب العربي هي الفترة ذاتها التي نشطت فيها الليبرالية الغربية، لتسويق مفاهيم حرية المرأة على ضوء المساواة المطلقة بالرجل، ونبذ العنصرية في حقها، وهي الفترة ذاتها التي تحولت المفاهيم البدائية للنسوية الغربية (المرحلة الأولى للنسوية) إلى بنود تأسست عليها الأمم المتحدة وصاغتها فيما بعد على شكل مواثيق ملزمة لعضويتها. فهذه المفاهيم كانت جزءا من الفكر الغربي عموما والفرنسي أيضا، والذي تولد من فكر الثورة الفرنسية سنة 1789م وقبلها الثورة الأمريكية سنة 1779م وحركات التحرر النسائية في الغرب، وأصبح مجسدا على الصعيد الدستوري والقانوني في فرنسا وأمريكا والغرب عموما. وهو ما تجسد بعد حراك عالمي في بنود تأسيس الأمم المتحدة فيما بعد سنة 1945 م، والتي تضمنت منع التمييز بين المرأة والرجل، وفرض المساواة المتماثلة معه، وكانت الدول المغاربية وقتها خاضعة لاستعمار فرنسا الدولة الرائدة في المجلس التأسيسي للأمم المتحدة. وبعدها جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ليكرس تلك المفاهيم في مادتيه السابعة والسادسة عشر سنة 1948م، وهو الإعلان الذي سيلزم الدول المغاربية المستقلة فيما بعد على تنفيذ بنوده على المستوى الاجتماعي والثقافي والسياسي، كواحد من شروط عضويتها في الأمم المتحدة، ليصبح بمن بين أهم بوابات الغزو الفكري الأولى لهذه البلدان.
لم تستطع فرنسا خلال فترة الاستعمار أن تغير التشريع الإسلامي المتعلق بأحوال الأسرة؛ لوجود مقاومة وطنية أربكتها وأجبرتها على التركيز على مصالحها البراغماتية أكثر من غيرها، لكنها استطاعت صناعة مناخ ثقافي وسياسي واجتماعي عام، سيكون له دور في خدمة التغريب جزئيا، وخلق كيانات نسائية تحررية ستخرج النسوية فيما بعد من رحمها، فكانت مرحلة ما بعد الاستعمار مرحلة تشكيل النواة الأولى للنسوية المغاربية.
طبيعة الأنظمة الحاكمة في بلدان المغرب العربي:
تمخض الوضع بعد استقلال الدول المغاربية عن حالة من الضعف الإستراتيجي في كل المجالات، فكانت التحديات التنموية هي الهاجس الأكبر للأنظمة الحاكمة، كما أن المجتمعات المغاربية ظلت عصية على الاختراق الفكري من قبل كل القنوات التي كرسها المستعمر، لخدمة مشروع “تحرير المرأة” فبرغم التسهيلات التي قدمتها الأنظمة المغاربية لعملاء الاستعمار من بعض المثقفين والمفكرين والإعلاميين والنشطاء في هذا الاتجاه، إلا أن الهوية الدينية عموما وللمرأة خصوصا شكلت حصنا من الغزو في فترة ما بعد الاستعمار، فقد كانت المرأة المغاربية لا تزال ببرقعها كما هو قبل قرون لم تزحزحه الآلة الاستعمارية وأدواتها بعد الاستقلال؛ لذلك يمكن القول ‘ن النسوية لم يكن لها وجود فعلي في مرحلة ما بعد الاستعمار إلا على مستوى ثقافي محدود وأجندة سياسية خلفها الاستعمار.
التشابه في اللغة والمذهب والعادات الاجتماعية عموما:
وكان للمشتركات بين البلدن المغاربية على صعيد اللغة والمذهب الفقهي (المالكي) والعادات والتقاليد الحميدة، أثر في تشابه الوضع الاجتماعي المتعلق بالمرأة ومقرراته التشريعة، ما جعل مسار تطور النسوية في المغرب العربي متشابها إلى حد كبير في فترة ما بعد الاستعمار، لا سيما في كل من المغرب والجزائر وتونس.
التأثر بالنسوية المصرية:
فقد تأثرت النسوية المغاربية بالنسوية المصرية، التي تعتبر جسر عبور النسوية الغربية إلى العالم العربي، فتأثرت الثقافة المغاربية بمؤلفات الكتاب المصريين في هذا الاتجاه، وأصبحت المناهج التعليمية المغاربية تتضمن بعضا من تلك المؤلفات قي مراحل الإعدادي والثانوي من ذلك كتاب: “تحرير المرأة “و”المرأة الجديدة” لقاسم أمين، وكتاب “المرأة في الشرق” لمرقص فهي، وكتب رفاعة الطهطاوي، وكتابات نوال السعداوي وغيرهم.
انتشار المد الشيوعي والاشتراكي:
كما كان لانتشار المد الشيوعي والاشتراكي في المغرب العربي في الخمسينات وما بعدها، أثر كبير على تطور مسار النسوية المغاربية، لا سيما بعد تحوله إلى كيانات سياسية مؤثرة في صناعة القرار، على شكل أحزاب ومنظمات معترف بها رسميا، في ظل ترهل الأحزاب الوطنية بما فيها الأحزاب ذات الميول الليبرالي، بل بعض الأحزاب السياسية اليسارية، استطاع الوصول إلى سدة الحكم، كما هو الشأن في الجزائر وليبيا أيضا. وقد استطاعت الفلسفة الشيوعية المبنية على الإلحاد أن تؤطر العديد من الفعاليات النسائية في قالب النسوية بنسختها الغربية. فالنسوية الشيوعية لا تقل انحلالية عن النسوية اللبرالية، ولا سيما بعد ترجمة أدبيات هذه الفلسفة مثل كتاب: (الجنس الآخر) لسيمون دي بوفوار، (لينين والمرأة)، (الحب والحضارة)، (نحو ثورة جديدة)، (الاشتراكية والمرأة)، (النشاط الجنسي وصراع الطبقات)، (الثورة الجنسية)، (تحرير المرأة العاملة)، وقد كان للطبيعة الثورية للاتجاهات الشيوعية والاشتراكية واليسارية عموما دور أيضا في استقطاب النساء في المجال التعليمي والعمالي، خصوصا لما كانت تعرفه بلدان المغرب العربي من تخلف سياسي واجتماعي واقتصادي، ساعد المد الشيوعي على تمرير أجندته تحت مطالب التغيير والثورة عموما.
ضغط الأمم المتحدة وأجندتها:
وفي ظل النظام العالمي الجديد أصبح المستقبل السياسي للأنظمة الحاكمة في المغرب العربي مرهونا بمدى تجاوبها مع القضايا الحقوقية، فأصبحت الدول المغاربية شريكة للغرب في الالتزام بالمواثيق الدولية، بل حتى بالتوصيات التي تتمخض عنها المؤتمرات العالمية المتعلقة بالمرأة ففي سنة 1979م صدرت الوثيقة الثانية عن الأمم المتحدة وهي: اتفاقية (سيداوcedaw ) أو (اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة)عام (1979م)، والتي جاءت عقب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكانت أكثر وضوحا في موادها في تقرير الاختلاط والمساواة بين الرجل والمرأة في الزواج والطلاق وعدم التميز العنصري، وفي هذا المرحلة التاريخية بالتحديد ستشهد النسوية المغاربية طفرة غير مسبوقة في جرأة مطالبها، كما ستشهد تحولات ومكتسبات غير مسبوقة أيضا على المستوى الاجتماعي والتشريعي القانوني.
كما عرفت النسوية المغاربية تحولات جذرية أكثر بعد مؤتمر السكان بالقاهرة سنة 1994م وبعده مؤتمر بكين سنة 1995م ومؤتمر بكين خمسة سنة 2000م ثم مؤتمر بكين عشرة سنة 2005م، فبعد هذه المؤتمرات أصبح مؤشر التزام الدول المغاربية بحقوق الإنسان، هو تنفيذ بنود وتوصيات هذه المؤتمرات، مما جعل الدول المغاربية تلتزم بمعظم التوصيات مع تحفظ بعضها على بعض البنود للاعتبارات خاصة، وهو ما سيجعل فترة التسعينات إلى يومنا هذا تشهد نشاطا حميما للنسوية المغاربية على المستوى السياسي والتشريعي والاجتماعي، وزيادة في تأسيس الجمعيات النسوية تمخض عنها مكتسبات أكبر وأعمق من ذي قبل. وقد كان هذا الضغط الدولي لفرض النسوية على المجتمع المغاربي مصحوبا ببرامج دعم اقتصادية ولوجيستية غير مسبوقة، أيضا ازدادت وتيرتها في إطار الحرب الأمريكية على ما يسمى: “الإرهاب” في بداية هذا القرن، حيث (أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية وقتها أن مشروعات في الأردن ومصر والجزائر ودول أخرى ستتقاسم منحا أمريكية تبلغ في مجملها 18.5 مليون دولار، لتشجيع ما تسميها “فض المنازعات والتعليم والقيادة النسائية في الشرق الأوسط”. (كان هذا في إطار) مبادرة شراكة الشرق الأوسط ” التي أطلقها الرئيس جورج بوش في عام 2003م لدعم الإصلاحات الديمقراطية في المنطقة” (كما صرحت وزارة الخارجية الأمريكية وقتها. وكان الهدف هو دعم (برامج تنفذها جمعيات نسائية، ومراكز أبحاث ذات تمويل أمريكي في كل من الأردن والجزائر والمغرب وتونس ومصر والضفة الغربية وغزة. وتشمل المشروعات المحددة تدريب نساء عربيات على “فض المنازعات وتشجيع القيادة النسائية” والتدريب على مهارات شبكات الكمبيوتر، بالإضافة إلى تشجيع التعليم الأولي والثانوي).
المنطلقات الفكرية
بشكل عام تختلف المنطلقات الفكرية للنسوية في المغرب العربي باختلاف “التوجه والقناعات الفكرية :”الإيديولوجيا” وفي هذا الإطار يمكن قراءة برامج الحركة النسوية وتصوراتها للعمل النسوي بكل أشكاله، ويتحدد الإطار العام للمرجعية الفكرية للنسوية في العالم العربي في: الاتجاه اليساري الاشتراكي، والاتجاه الليبرالي، والاتجاه الوطني، وهذه الاتجاهات الثلاثة، تتداخل فيها مطالب النسوية بالبعدين السياسي والفكري، فالعمل النسوي يبقى مرتبطا بالبرامج الحزبية ومحدداتها الفكرية، وهناك الاتجاه النسوي الراديكالي، وهو الاتجاه الأكثر بروزا، والذي بدأ يتشكل بعد فترة الثمانينات متجليا في حركات نسوية مستقلة عن الأحزاب السياسية ومرجعياتها وبرامجها، ولها ارتباط أكبر بمؤسسات الأمم المتحدة ومقرراتها أكثر من ارتباطها بأي اتجاه سياسي. فهذه جملة من العوامل المؤثرة في نشاة النسوية في المغرب العربي عموما، لكن يبقى لكل بلد مغاربي خصوصيات سياسية واجتماعية تؤثر على مسار نشأة النسوية فيه.
نشأة النسوية في المغرب:
كانت “جمعية أخوات الصفا” التابعة لحزب الشورى والاستقلال التي تأسست سنة 1947م واحدة من أقدم الحركات النسوية التي تأسست في المغرب، وهو لا يزال تحت الاحتلال الفرنسي، كما تأسس بعد الاستقلال الاتحاد الوطني لنساء المغرب سنة 1969م بدعم من الدولة.
فمن بين الرموز النسوية المغربية التي عايشت حالة الاستعمار، وخدمت هذا الاتجاه عالمة الاجتماع الدكتورة فاطمة المرنيسي التي تطرقت في كتابها “أحلام النساء الحريم” إلى الخصوصية النسائية المغربية في سرد روائي، داعية في مضمون روايتها إلى ضرورة التخلص من الحجاب، وتحرير المرأة من القيود. مشيدة في ثنايا دعوتها بنهج هدى الشعراوي في نسويتها، وعاشة تيمور، وزينب فواز. بل وقاسم أمين وكتابه “تحرير المرأة” بل أشادت بكمال أتاتورك في معاداته للحجاب ومحاربته من تركيا. ومن الجدير بالتبيه عليه أن الكتاب طبع أولا باللغة الفرنسية، ثم ترجم لخمس عشرة لغة أوروبية، وكأنه رسالة تحفيزية موجهة إلى الغرب قبل الشرق. إن مثل هذه الكتابات كانت نواة التأطير الأولى على المستوى الثقافي، وقد تكررت في صور كثيرة على المستوى الإعلامي مقالات وكتب وبحوث ودوريات، واتسعت لتشمل الناحية الأكاديمية، بل وتصبح كتابات قاسم أمين والنسوية المصرية من صميم الدراسات التي تتضمنها المناهج التعليمية، بداية من المرحلة الثانوية خصوصا إلى يومنا هذا. وقد ساهم ذلك في خلق بنية اجتماعية وثقافية جديدة، تمخض عنها تيار يتبناه إعلاميون وأكاديميون وسياسيون وأحزاب، وتساهم في تأطيره قيادات نسوية ساهمت هي الأخرى في تطوير أساليب النهوض بالنسوية بشكل أسرع، إلى جانب العاملين السياسي والتشريعي الذي أكسبها المشروعية التامة في تقرير مطالبها والمضي في مسارها إلى مدى أبعد.
كانت هذه الحقبة هي التاريخ الفعلي لبروز أولى بوادر النسوية في المملكة المغربية، ولم يكن لها تأثير كبير في التغيير الاجتماعي لواقع المرأة، إلا بانخراطها في قطاعات محددة داخل الأحزاب المغربية في السبعينات، حيث وجدت فيها مساحة سمحت لها إلى حد ما بتحقيق نسبي لبعض مطالبها، وهنا أود الإشارة إلى أن الاتجاه اليساري الاشتراكي المتنامي منذ الخمسينات، أعطى بعدا كبيرا للقضية النسوية في المغرب، فقد كانت المرأة من صلب أولويات الفكر الاشتراكي؛ لذلك استقطبت الأحزاب اليسارية كوادر نسائية انخرطت في حزب الاتحاد الاشتراكي، وحزب التقدم والاشتراكية، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وكذلك الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وكان مرتعا وقتها للاتجاه الاشتراكي، لكن مع ذلك بقيت تشكو من معاناة التهميش السياسي الذي كانت تمارسه الأحزاب برغم تبنيها لحقوق المرأة نظريا، وفي الثمانينات وموازاة مع صدور “اتفاقية سيداو” سنة 1979م اتجهت النسوية المغربية إلى تأسيس قطاعات جمعوية واتحادات مستقلة عن الأحزاب، استطاعت من خلالها أن تتخلص من عقدة التناقضات الحزبية التي كانت تقف عائقا أمام أي تنسيق يخدم المطالب النسوية، كما ساعدت هذه القطاعات النسوية المستقلة في صياغة المشروع النسوي المغربي، بعيدا عن أي مواضيع أخرى. فأصبح صوتها مسموعا من خلال نشاطاتها ومنابرها الإعلامية، فمن بين جرائدها الصادرة وقتئذ جريدة “نساء المغرب”، وجريدة “8 مارس” وجريدة “كلمة” فمن بين المطالب التي نشرتها جريدة 8 مارس مثلا في مقال بتاريخ 13ديسمبر سنة1984م 🙁 ضرورة الالتزام بتطبيق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وذلك بالعمل على احترام حقوق الإنسان والحريات العامة والشخصية, وإلغاء كل القوانين المبنية على أساس التمييز بين الجنسين, والقضاء على كل مظاهر اللامساواة والاضطهاد التي تعاني منه المرأة المغربية) ونتج عن نشاطاتها في حقبة التسعينات نتائج ملموسة، منها: تأسيس لجنة التنسيق لوضع مذكرة الإصلاح الدستوري سنة 1992م، ولجنة لإقامة محاكمة ضد العنف سنة 1996م، و تنسيقيات مراكز مناهضة العنف ضد النساء، و”ربيع المساواة” لمتابعة إصلاح مدونة الأحوال الشخصية”.
ويمكن القول بأن مرحلة ما بعد الثمانينات، هي البداية الفعلية للنسوية المغربية التي تكامل فيها الوعي بطبيعة النشاط النسوي سياسيا وحقوقيا، فأصبحت لها ملفات مطلبية، وأدوات ضغط كالوقفات الاحتجاجية والمسيرات والمظاهرات والتنسيق السياسي مع الأحزاب؛ لفرض مطالبها عبر القنوات السياسية كالبرلمان والتنسيق في ذلك مع الحركات النسوية في الداخل والخارج.
أهم مكونات الحركة النسوية في المغرب:
الاتحاد الوطني للنساء بالمغرب.
جمعية اتحاد العمل النسائي.
جمعية “الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة.
الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة.
الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب.
جمعية آفاق:
جمعية “جسور”.
نشأة النسوية في تونس:
يحظى تاريخ النسوية التونسية بمفارقات غريبة، فقد كانت أول حركة نسائية في تونس حركة إسلامية لا نسوية وهي الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي، سنة 1936م، وحصلت على ترخيص بالعمل رسميا سنة 1951م ولعبت أدوارا وطنية في عهد الاستعمار الفرنسي، ثم سنة 1956م، حلت محلها حركة أخرى، هي الاتحاد القومي النسائي التونسي، لتصبح فيما بعد قالبا للحركة النسوية، و واحدة من أخطر قنوات التغريب في المجتمع التونسي المدعومة من نظام بورقيبة أنذاك.
ومقارنة مع المغرب والجزائر استطاعت النسوية في تونس أن تفرض وجودها، وتحقق نتائج مبكرة في فرض مطالب النسوية قسرا على المجتمع التونسي، حتى مع غياب أي نشاط للحركة النسوية التونسية، وهنا لا بد أن نشير إلى أن تونس كانت السباقة إلى ترسيخ المفاهيم التغريبة، وأن النسوية دخلت إلى تونس من بوابة النظام الحاكم (الدول) وقتئذ، لا من قبل منظمات أو هيئات، إذ تم تغيير مدونة الأحوال الشخصية التونسية بعد الاستقلال مباشرة سنة 1956م، واستبدلت بمدونة ليبرالية صرفة، تم فيها تجريم تعدد الزوجات، وإعطاء حق الطلاق للمرأة وغير ذلك من القوانين ذات الجوهر النسوي الغربي، مما يجعل تلك القوانين إفرازا طبيعيا من إفرازات الاستعمار الفرنسي المبكرة.
بينما ظلت مدونات الأسرة أو الأحوال الشخصية في بلدان المغرب العربي الأخرى (المغرب- الجزائر-ليبيا-موريتانيا) تعتمد في عموم قوانينها على المرجعية الإسلامية “المذهب المالكي تحديدا”.
أهم مكونات الحركة النسوية بتونس
جمعية النساء الديمقراطيات وهي من الجمعيات المشبوهة جدا في تونس؛ لارتباطها بالنظام السابق من جهة، وبرموز داخل الحزب الاشتراكي الفرنسي من جهة أخرى، كما أن مطالبها انحلالية بامتياز ويعرف عنها وقوفها المتعنت ضد الحجاب والقيم الإسلامية، بما في ذلك التنصيص على الهوية الإسلامية للدولة في الدستور التونسي وكانت من المدافعين باستماتة على عرض فيلم مسيء للإسلام بعنوان: “لا ربي لا سيدي” من إخراج تونسية حاملة للجنسية الفرنسية.
جمعية أمهات تونس.
جمعية الأمهات العازبات.
وهذه الجمعيات الثلاث أخطر الحركات النسوية الراديكالية في المجتمع التونسي، وكانت تحظى بدعم النظام التونسي وتعتبر امتدادا لطموحاته في تغريب المرأة التونسية، موازاة مع مقررات النسوية الغربية المستجدة.
نشأة النسوية في الجزائر:
كان الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات هو أول حركة نسائية أسست سنة 1943م، وكانت نواتها من ضمن أدرع الجيش الوطني للتحرير بالجزائر، وكانت الحركة الوطنية الجزائر في كفاحها للمستعمر الفرنسي تعلن حتى قبل الاستقلال عن ميلاد النسوية الجزائرية، وتركز على بعض حقوقها بخلفية لا تخلو من التأثر بالطرح التغريبي، فكانت البيانات الصادرة في ميثاق الصومال عن الثورة الجزائرية سنة 1956م وبعده ميثاق طرابلس سنة 1962م، تشيد بالحركة النسوية وجهودها في المقاومة، كما تنص على التزام الحركة الوطنية بدعم تطور هذه الحركات، فقد جاء في بيان ميثاق الصومال: “توجد في الحركة النسوية إمكانات واسعة تزيد وتكثر، وإننا نحيي بكل انفعال وإعجاب وتقدير” كما جاء في بيان ميثثاق طرابلس: “ينبغي للحزب في الجزائر أن يقضي على كل عوائق تطوير المرأة وتفتحها، و أن يدعم عمل المنظمات النسوية، ولسوف يكون عمل الحزب ناجحا في هذا الميدان” كما جاء فيه: “ولن يتسنَ للحزب أن يخطو خطوة واحدة إلى الأمام، ما لم يساند دوما محاربة الأحكام الاجتماعية المسبقة والمعتقدات الرجعية، ولا يمكنه أن يكتفي بالمواقف المبدئية فقط، بل عليه أن يجعل من تطور المرأة واقعا لا رجعة فيه، وذلك بواسطة تخويل النساء مسؤوليات حزبية..” وكانت مثل هذه البيانات تدغدغ أحلام المستعمر الفرنسي، إذ تتناغم مع أولويات أهدافه الاستعمارية، ثم جاء ميثاق الجزائر بعد ذلك ليؤكد على المطالب النسوية في بيانه على أن: “المساواة بين الرجل والمرأة يجب أن تكون أمرا واقعيا، وينبغي على المرأة الجزائرية أن تكون قادرة على المشاركة الفعلية في النشاط السياسي، وفي بناء الاشتراكية بالنضال في صفوف الحزب والمنظمات القومية والنهوض بمسؤوليات فيها”.
ومنذ الاستقلال بقيت الحركات النسائية رهينة للبرامج الحزبية، لا سيما الحزب الحاكم بخلفية اشتراكية، أسهمت في اختزال المطالب النسوية في الحقوق الشخصية، وحق التعليم والتوظيف وهامش من الحقوق السياسية في ظل إقرار الدستور الجزائري للمساواة بين الجنسين، وكل ذلك لم يسهم إلا في تغريبها وطمس هويتها الإسلامية دون أن تنال الحقوق النسوية الغربية المتعلقة بمكانتها الأسرية تحديدا.
فقانون الأحوال الشخصية الصادر سنة 1984م بقي عصيا على تلبية مطالب النسوية، برفع القصور عن المرأة كعدم اشتراط الولاية في الزواج أو إعطائها حق الطلاق، كما يجري به العمل في تونس مثلا، فقد كانت المادة التاسعة من قانون الأحوال الشخصية تنص على أنه: “يتم عقد الزواج برضى الزوجين، وبولي الزوجة و بشاهدين و الصداق”. بل إن المادة 222 في هذا القانون تنص على أن: (كل ما لم يرد النص عليه في هذا القانون يرجع فيه إلى أحكام الشريعة الإسلامية). وكان من بين أهم الأسباب في تباطئ نشأة النسوية، وتحقيق مطالبها احتكار الحزب الحاكم للعمل الجمعوي والحزبي معا، ولذلك شهدت فترة ما بعد انتفاضة 1988م طفرة في تأسيس الجمعيات النسائية بمختلف توجهاتها اليسارية الاشتراكية والليبرالية والإسلامية، وتحديدا بعد صدور قانون الجمعيات سنة 1991م، وهنا بدأت النسوية الجزائرية في التنامي، لاسيما بعد حضورها مؤتمر بكين 1995م والدعم المقدم لها بلا حدود لمواجهة التيار الإسلامي بمختلف توجهاته، ونشر الوعي بالمبادئ النسوية، وهو ما تزال تعمل عليه إلى وقتنا الحاضر.
أهم مكونات الحركة النسوية بالجزائر:
جمعية “راشدة”، حركة نسوية راديكالية تدعو لتغيير قانون الأسرة، تأسست بعد مؤتمر بكين سنة 1996م تحظى بدعم النسويات الإيطالية.
جمعية ترقية والدفاع عن حقوق المرأة، وهي حركة نسوية راديكالية معارضة لقانون الأحوال الشخصية.
التجمع الجزائري للنساء الديمقراطيات (وهي حركة نسوية راديكالية أيضا).
المصدر: