القائمة الرئيسية


تقارير: النسوية في المغرب العربي.. وعلاقتها بالنسوية الغربية

7 سبتمبر, 2017

  • شارك
إدريس أبو الحسن
ينطوي الحديث عن نشأة “النسوية ” في المغرب العربي وأثرها ومآلها” على العديد من الإشكالات الاصطلاحية على مستوى المفاهيم؛ مما يجعل الحاجة ماسة إلى تحريرها كمقدمة ضرورية للتفريق بين الاصطلاحات المتداخلة، فمفهوم النسوية يلتبس عند الكثيرين  في المغرب العربي، وفي غيره بمفهوم العمل النسائي، أو العمل النسوي.
كما أن مفهوم النسوية نفسه يبقى في اصطلاحه العام مطلقا كليا غامضا، تتغاير معانيه بتغاير الإضافة إليه.  فنجد النسوية تيارات متباينة، فمنها الليبرالية والاشتراكية والماركسية والراديكالية والبيئية وغيرها، بل والنسوية الإسلامية مؤخرا.
كما تلتبس الأبعاد الفكرية النظرية لهذا المفهوم بواقعه العملي الحركي، فيظن الكثير أنه مجرد اتجاه حقوقي لا أكثر، لاسيما حينما تتبناه الهيئات الحقوقية العالمية؛ مما يزيد من الحاجة إلى تحرير المعنى المطلق والمقيد للنسوية، كشرط مهم لدقة توصيف نشأة هذه الحركة في بلدان المغربي العربي، وعلاقتها بالنسوية الغربية وحقيقتها وأهدافها وأثرها السياسي والاجتماعي والفكري ومآلاتها المستقبلية.
النسوية: (من حيث اللغة هي مصدر صناعي مولد نسبة إلى اسم) نسْوة (بتسكين السين وضم النون أو نصبها والنسبة إليه نسْوي ٌّ.كما تقول) زَيْدية ( نسبة إلى زَيْد أو) بكْريَّة (نسبة إلى بَكْر، ويطلق عليه) النَّسَويَّة (بفتح السين تجوزا لأنها جرت بذلك مجرى الاصطلاح على معنى محدد شاع تداوله).
والنسوية في الاصطلاح
يعرفها معجم أوكسفورد بأنها: “الاعتراف بأن للمرأة حقوقًا وفُرَصًا مساوية للرجل”. وفي معجم “ويبستر” هي “النظرية التي تنادي بمساواة الجنسين سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، وتسعى كحركة سياسية إلى دعم المرأة واهتماماتها، وإلى إزالة التمييز الجنسي الذي تعاني منه”؛ وفي العموم هو مفهوم يتلخص إجمالا في القول بأنه: “حركة تعنى بقضايا النساء وشؤونهن وفق مرجعات فكرية محددة، جوهرها المطالبة بمساواة المرأة بالرجل مساواة مطلقة”، وقد نشأت هذه الحركة في الغرب، ومرت بمراحل عدة تغاير فيها التعريف تبعا لتغاير مضامين هذا الاصطلاح الذي يصطلح عليه في الغرب بـ: “فمينـزم”  (feminism).
وقد مرت النسوية  الغربية في نشأتها بمرحلتين هامتين هما باختصار:
المرحلة الأولى: نسوية المساواة : Equity Feminism كانت انطلاقتها خلال القرن التاسع عشر الميلادي في أمريكا وبريطانيا، ثم توسعت في الغرب للمطالبة بالحقوق الاجتماعية للمرأة في العمل والتوظيف والدراسة، وكل ما يخص الحقوق الفردية الأسرية. ومن هنا بدأت المطالبة بفكرة المساواة مع الرجل في كافة الحقوق.
المرحلة الثانية: نسوية الجندر “Gender Feminism  بدأت هذه المرحلة سنة 1960م، وبنيت على مفهومين اثنين هما: النوع   Gender، والضحية  Victim ، ومفهوم النوع يقوم على مبدأ واحد هو إلغاء الفروق الجنسية بين المرأة والرجل، بمعنى إلغاء مفهوم الأنوثة والذكورة، وإعطاء الأولوية للنوع، أي الإنسان بغض النظر عن تكوينه الجسدي الفسيولوجي. ويترتب على ذلك التناقض التام مع ثوابت الإسلام في التفريق بين الأنثى والذكر وخصوصية حقوق كل منهما في التشريع الإسلامي، ومنها الزواج وتشريعاته، والإرث ونحو ذلك مما هو مدون في الفقه الإسلامي، فبحسب هذه النظرية لا يقف الأمر عند المطالبة بالمساواة في أفق محدد، بل يشمل ذلك المساواة المطلقة لدرجة المطالبة بتشريع الزواج من جنس واحد، كزواج الأنثى من الأنثى مثلا، باعتبار الأنوثة والذكورة فوارق غير معترف بها في النسوية المعاصرة.
المفهوم الثاني: “الضحية” ويقوم على تعميق الشعور بأن المرأة هي ضحية الرجل؛ لذلك يجب بذل الجهود لانتشالها من وضع الضحية، لتستعيد مكانتها الإنسانية في إطار مفهوم “النوع”. وعلى أساس هذين المفهومين تصوغ النسوية المعاصرة مطالبها بإطلاق يتجاوز كل ثوابت الدين والمعايير الأخلاقية الاجتماعية.
حول مفهوم النسوية: الماهية والأبعاد
لقد أصبح مفهوم “النسوية” واحدا من أكثر المفاهيم إثارة للجدل والتجاذبات الفكرية في الثقافة المعاصرة، ليس في الشرق فحسب -كما قد يتبادر إلى الذهن – بل في عقر دارها ومحل نشأتها وميلادها: الغرب.
فهذا المفهوم يمثل –في الغرب نظرية فلسفية – قائمة بذاتها في العلوم الإنسانية والفلسفة ككل، فحينما نتحدث عن “النسوية” فنحن نتحدث عن اتجاه فلسفي، تماما كما نتحدث عن “الفلسفة الوجودية أو الليبرالية أو الماركسية أو نظرية داروين وغيرها، إنه اتجاه له فلاسفته ومنظروه، وكتبه بل وجدليته أيضا في أطروحات منظريه الغربيين حتى أصبح تخصصا قائما بذاته يعرف باسم: “الدراسات النسائية” يتم تدريسه في الجامعات الغربية، وهو من بين أسس نظرية العلاقات الدولية المعاصرة، وهذا الاتجاه وإن كان في جانبه العملي: “حركة تهتم بالقضايا النسوية بمنظور معين، “إلا أنه في العمق يقرر رزمة من التصورات ذات البعد العقدي لمواضيع حساسة غاية في الأهمية، مثل:  هوية المرأة، وماهيتها مقارنة بالرجل، وطبيعتها التي تصل إلى حد إمكانية زواجها بامرأة أخرى مثلا، وبناء على ذلك حقوقها بل وينظر للإنسان أي لجنس الإنسان: من هو؟ وما علاقته بالدين وبكل المحددات الأخرى  تقاليد، عادات اجتماعية، ثقافية.
ومن بين أهم المنظرين لفلسفة النسوية في نسختها أو مرحلتها الثانية “نسوية الجندر” : الفيلسوف الألماني الأمريكي اليهودي الأصل ورائد اليسار المتطرف “ماركيوز هربرت”  Herbert Marcuse) ( الذي جعل الدعوة إلى الحرية الجنسية المطلقة، بما في ذلك الشذوذ الجنسي بكل أشكاله جوهر فلسفته التي كانت نواة للنسوية في مطالبها وتحررها الاجتماعي في السبعينات من القرن الماضي. وكذلك فيلسوفة النسوية سيمون دي بوفار  – Simone de Beauvoir في كتابها : الجنس الثاني” ( The second Sex)  الذي طبع سنة 1949م والتي أنكرت حتى الفروق البيولوجية بين الجنسين ومن مقولاتها: “سلوك المرأة لا تفرضه عليها هرموناتها ولا تكوين دماغها بل هو نتيجة لوضعها”، وكانت من أبرز الدعاة لهدم مؤسسة الزواج باعتبارها تشكل مناخا لعبودية المرأة. وأيضا بيتي فريدان –Betty Friedan  في كتاب “الغموض الأنثوي” (The Feminine Mystique) المطبوع سنة 1963م وإن كان الاعتماد الأكبر في التنظير لهذا الاتجاه تم من خلال كتاب: (السياسات الجنسية” (Sexual Politics) (لـ كيت ملييت – Kate Millett سنة 1970م. وأيضا الفسلسوف الفرنسي: “شارل فوربيه”  Charles Fourier) ( صاحب )نظرية فوربيه( في علم الاجتماع; المعروف بأب النزعة النسوية الغربية والذي جعل الأسرة هي سبب عبودية المرأة، ودعا إلى تحررها من العبودية بهذا المنطق).
إن هؤلاء المنظرين  من الفلاسفة والمفكريين يقررون أن التصور الإنساني للمرأة عبر التاريخ كله تصور خاطئ تماما، كما لو أن أحدا يعتقد بأن الشمس هي القمر؛ لذلك فهم يؤسسون جدليات فكرية في فلسفة النسوية لتصحيح النظرة إلى المرأة. من هي في الجنس البشري؟ وكانهم أنبياء بعثوا للبشرية برسالة جديدة، مفادها أن المرأة إنسان بكل مميزات وخصائص الرجل النفسية والعقلية والجسدية، وإن اختلفت عنه في شكلها وفي تكوينها الهرموني، إلا أنها في كل الأحوال ليست أنثى، كما تصفها سائر الثقافات والديانات والحضارات، وأن تصنيفها باعتبارها أنثى للذكر هو الإجرام الذي ارتكبته البشرية ولا تزال ترتكبه في حقها؛ لذلك فالمعركة مع الرجل هي معركة كونية لطرد مستعمر مهيمن على المرأة وسالب لكل مقومات وجودها، كما تقرر ذلك روبين مورغان في مقال كتبته سنة 1974 م بعنوان: “عن النساء كشعب خاضع للاستعمار” (on women s colonized people) والذي صدر في كتاب من مجموعة مقالات في هذا الشأن. إن جوهر هذه الفلسفة تلخصه (سيمون دي بوفوار) صاحبة كتاب “الجنس الثاني”  بمقولتها الشهيرة : “لا يولد المرء امرأة، بل يصير كذلك” أي أن ما تطلق عليه البشرية بالتصنيف الظالم “امرأة” هي كائن بشري كالرجل لا فرق، والقول بأنها امرأة هي الجريمة الكبرى التي ارتكبت في حقها على مر التاريخ لأجل استعبادها.. وعلى هذا المنطق، وبهذا الشعار انطلقت نسوية الجندر بفلسفتها لتحرير المرأة في ربوع العالم.
وإذا أمعنا النظر في عوامل نشأة هذه الفلسفة الشاذة، في نظرتها والمتطرفة في حكمها، سنجدها قامت على أنقاض النظرة الدونية للمرأة التي سادت في  فترة ما قبل النهضة الأوروبية، بل ورسختها نظريات فلسفية أيضا فالفيلسوف “كانط” كان يرى المرأة ضعيفة من الناحية العقلية، فلا يحق لها شورى ولا انتخاب ولا تحمل أي منصب. وجان جاك روسو يراها مجرد كائن وجد للجنس والإنجاب فقط! وفرويد جعل منها جنسا ناقصا لا يمكن أن تصل إلى مرتبة الرجل بأي حال. وقد ولَّدت هذه النظرة الدونية للمرأة الغربية حالة قهر بل وعبودية صارخة، عاشتها لقرون كما  تقول المستشرقة الألمانية “زيغرد هونكه” (Sigrid Hunke) : “إن موقف الرجل الأوروبي من المرأة، ونظرته إليها كانت تتسم بالازدواجية والنفاق، والشهوانية والتسلط، والتضارب في المفاهيم والأفعال)، وهو ما جعل رائدة الحركة النسوية الانجليزية إليزابيث ستانتون”(Elizabeth Stanton)، تلخص نظرة المرأة الأوربية للرجل بكونه: (يتسم بطبع قاس وأناني وعنيف ومغرور، ويحب الشرّ والعنف والدمار) لذلك كانت أولى الحركات ما قبل النسوية تطالب بحقوق عادية لا ترقى إلى المطالبة بالمساواة، كما أوضح ذلك كتاب ماري “وولستون كرافت”  (حقوق النساء)  سنة 1792م،  وهذا كان بعد الثورة الفرنسية بسنوات فكيف بالوضع قبلها؟
وفي أمريكا وإلى عهد قريب كان النساء السودوات تعشن حالة استعباد حقيقي؛ مما جعل مطالبهن تتركز على إلغاء العبودية، ومن ذلك الجمعية النسائية المناهضة للعبودية، تأسست سنة عام 1833م على يد سارة ماب دوجلاس.  ولم تكن المرأة الغربية تملك حتى حق التصرف في مالها ومكليتها، لذلك تمت المطالبة بمشروع قانون حق المرأة المتزوجة في ملكيتها في بريطانيا  سنة 1856م على يد بربرا لي سست  وبسي رينر باركس.
فعلى أنقاض هذا الموقف الفلسفي الغربي من المرأة، والذي كان مجسدا بشكل مشين في الواقع الاجتماعي الغربي قامت نظريات مناقضة تماما لهذا الطرح، تمثل ردة فعل غاضبة تمخض عنها ولادة “نظرية النسوية” ولعل أهم من تطرق إلى البعد الإيديولوجي والفلسفي “للنسوية الغربية” هو الأستاذ مثنى أمين كردستاني في كتابه: (حركات تحرير المرأة من المساواة إلى الجندر: رؤية نقدية إسلامية) الذي طبع سنة 2004م وعالج فيه في الفصل الثاني: محورا مهما هو “البيئة الفلسفية للأنثوية وأبرز آرائها”. وخلص فيه إلى أن النسوية ليست مجرد حركة حقوقية بل هي “إيديولوجيا” أي نظرية فلسفية عقدية.
إن النسوية بهذا التأطير التاريخي الموجز من حيث الماهية، هي فلسفة قبل أن تكون حركة. ومن حيث المصدر هي فلسفة غربية مادية قبل أن تكون شرقية، ومن حيث المضمون هي عقيدة تنشأ منها تصورات أخلاقية وأحكام ومطالب وحقوق على أسس عقدية صرفة،  قبل أن تكون مجرد مواثيق ومقررات دولية، يقررها هذا المؤتمر أو ذاك أو حتى مجلس الأمن أو منظمات دولية، وقبل أن تكون مجرد حلول اجتماعية لقضايا الأسرة والطفل والمجتمع.
إنها فلسفة أصبحت تُقيَّد في أدبيات المنظرين لها بالنظريات الفلسفية، التي تشكل روح مرجعيتها، فأصبحت النسوية كمفهوم مطلق تتضح مفاهيمها التفصيلية بالتقييد الإيديولوجي لها، فيما يعرف بالنسوية الليبرالية والنسوية الماركسية والنسوية الاشتراكية والنسوية الراديكالية التي طرحت نظرية الجندر، كحل جذري لتحقيق كافة مطالب تحرر المرأة، وهو الحل الذي حظي بالدعم الغربي المطلق سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وقانونيا.
ويجري اليوم تسويقه وعولمته على قدم وساق من قبل الغرب وأتباعه.
إننا أمام إيديولوجيا ولدت في بيئة الغرب المادي المتنكر لتدخل الدين في أي من الحياة الاجتماعية والسياسية للإنسان، ورسمت مقاساتها بكل التفاصيل على أساس هذا التنكر المطلق للقيم الدينية، فضلا عن التقاليد والعادات والأعراف الحميدة. كما أنها ولدت في مناخ فساد الكنيسة والسياسات في مرحلة ما قبل النهضة الأوروبية ،حيث سادت النظرة الدونية للمرأة الغربية والحط من قيمتها في المجتمع.
وقد تلتبس “النسوية” في عالمنا العربي، ومنه المغرب العربي في كثير من الأحيان  بمفهوم “العمل النسائي” أو العمل النسوي، أو الحركة النسائية” بسبب تغييب دعاة النسوية للبعد الفلسفي للنسوية، وتركيزهم على البعد الحقوقي فقط، كشكل من أشكال التمويه والاستغفال؛ ليقينهم بأن المجتمعات العربية المسلمة لا تقبل أي فلسفة وافدة تتنافي مع قيمها الدينية والأخلاقية؛ لذلك تلجا الحركات النسوية إلى تغليف مطالبها ذات الجوهر الغربي بغلاف القيم الحقوقية، وأحيانا تلبسها بلباس ديني بطرق متعددة، منها: توظيف “الاجتهاد الفقهي بطرق مغلوطة لتمرير أدبياتها ومطالبها، وهنا يجب التفريق، فالنسوية اتجاه فلسفي له أسس فكرية محددة “كما أوضحنا أعلاه”.  أما العمل النسائي ومرادفاته فهو وصف للنشاط النسوي في اتجاهات مختلفة، أهلية وجمعوية وثقافية وحقوقية وغيرها، فلا يلزم بالضرورة أن يكون مشبعا بمفاهيم “النسوية” وأبعادها  وما يميز هذا عن ذاك  “أي النسوية عن العمل النسائي” هو طبيعة المطالب والبرامج والاستراتيجيات.
وعلى هذا يعتبر الحديث عن “نشأة النسوية في المغرب العربي”  بهذه المحددات حديثا عن اختراق  فكري وثقافي لهذه البلدان، وعن تسلل خطير لنظرية فلسفية مادية محضة ولا دينية، إلى دول مسلمة تقوم في بنيتها الاجتماعية التي محورها المرأة على أساس القيم الدينية، باعتبارها مقدسات لا يمكن المساس بها على الأقل في جانب ثوابتها المطلقة التي لا تقبل النظر فيها ولا الاجتهاد، مهما كانت أهلية المجتهد وجهته، ومهما كان موقعه في المجتمع أو السلطة.
فكيف نشأت النسوية في المغرب العربي؟  وما هو جوهر مطالبها؟ وكيف أصبحت امتدادا للنسوية الغربية.
المصدر:
 http://cutt.us/mx7O