هذه الدراسة تحليل نقدي قوي للمفهوم الغربي الشائع الذي يرى الحجاب رمزاً لاضطهاد المرأة المسلمة وتقييداً لحريتها. وفي بناء فكري يتسم بالعمق والتعقيد تسعى الباحثة إلى بناء نظرية إيجابية عن الحجاب، تتحدى رؤية الثقافة الشائعة للنساء المسلمات بوصفهن رهن الخضوع التام من جانبهن والتسلط المطلق من جانب الرجال، كما تتحدى الأطروحات الأشد تعقيداً التي تقدمها شخصيات ليبرالية في الحركة النسوية مثل فاطمة المرنيسي وأرلين ماكلويد، وغيرهما ممن سعين إلى انتقاد اختيار النساء ارتداء الحجاب بوصفه تراجعاً عن حركة التحرر.
تكشف المؤلفة في بحثها زيف أساطير شائعة وراسخة عن النساء المسلمات وعن الحجاب، تستدعي الاحترام المستحق لأصوات النساء المسلمات المؤمنات، وتقول: إن التحرر والمساواة للمرأة من أصل الإسلام نفسه.
مدخل: في عام 1991 شاهدت تقريراً إخبارياً في التلفاز تظهر فيه نساء تركيات، وقد رجعن لارتداء الحجاب، شعرت حينها بالصدمة وبالحزن من أجلهن، وقلت في نفسي: “تعرضت تلك المخلوقات المسكينة لعملية غسيل مخ ثقافي”، فقد كنت أعتقد، مثل كثير منا في الغرب، أن الإسلام يقهر النساء، وأن الحجاب رمز لذلك القهر. وبعد أربع سنوات رأيت انعكاس صورتي على زجاج واجهة أحد المحال، وأنا في رداء يشبه رداء أولئك السيدات المقهورات تماماً. كنت قد بدأت رحلة روحية أثناء دراستي لدرجة الماجستير، انتهت بي بعد أربع سنوات إلى اعتناق الإسلام. انتقلت في رحلتي تلك من كراهية الإسلام إلى احترامه، ثم الاهتمام الخاص به فاعتناقه.
كنت أشعر أن الحجاب مجرد تراث ثقافي يمكن للمسلمات أن يسعين إلى القضاء عليه، ولكن عندما عرضت علي آيات القرآن، التي يعتقد كثير من المسلمين أنها تفرض الاحتشام على الرجال والنساء جميعاً تبدد عندي كل شك في فرضية الحجاب.
إذا كانت الآيات بهذا القدر من الوضوح، فحينئذ يكون الحجاب فرضاً على كل امرأة مسلمة مؤمنة.
بعد عام ونصف من العمل في رسالة الدكتوراه اتخذت قرار اعتناق الإسلام، وقررت كذلك أن ارتدي الحجاب، بغض النظر عن موقفي منه، فهذا أمر إلهي ولا بد أن أنفذه.
بعد أن فرغت من رسالتي للدكتوراه عن “سياسات الحجاب”، وبعد الاستجابة الطيبة التي تلقيتها ممن قرأوا الرسالة، شعرت أنه من المهم أن أُشرك جمهوراً أوسع في هذا العمل. إن أهم أهداف هذا الكتاب هو تفنيد الصورة النمطية الغربية الشائعة عن ارتباط الحجاب بقهر المرأة. فكانت فكرتي الرئيسة هي أن الرأي الغربي الشائع حول كون الحجاب رمزاً لقهر المرأة المسلمة، ما هو إلا صورة مختلقة لا تعكس خبرة النساء اللاتي يرتدين الحجاب. هذه الصورة المختلقة كانت دائماً في خدمة السياسة الغربية، ولا زالت كذلك في القرن الواحد والعشرين. وبالإضافة إلى ذلك فإني أرى أن القول بارتباط الحجاب بالقهر قائم على تعريفات ليبرالية لمفهومي “المساواة” و”الحرية” هذه التعريفات تعوق بدورها طرقاً أخرى لفهم “المساواة” و “الحرية” من شأنها أن تتيح مدخلاً أكثر إيجابية للتفكير في ارتداء المرأة للحجاب.
(الحجاب في عصر الاستعمار)
متى صار الحجاب رمزاً للقهر عند الغرب؟ على الرغم من أنني لم أستطع تحديد أصول هذه الفكرة، فالواضح أن اعتبار الحجاب من مظاهر القهر بين المسلمين، كان اعتقداً شائعاً لدى الأوربيين في القرن الثامن عشر: فالسيدة البريطانية ماري ورتلي التي صحبت زوجها الدبلوماسي إدوارد ورتلي إلى تركيا بين عامي 1717 و1718، أبدت اعتراضها على فكرة ارتباط الحجاب بالقهر، ولأنها جربت ارتداء الحجاب في أثناء إقامتها في تركيا، فقد أكدت أن الحجاب يُتيح للنساء حرية، لأنه يسمح لهن بالخروج دون أن يتعرف عليهن أحد.
في العصر الاستعماري، كان الحجاب يُدرج بين قائمة لمظاهر قهر النساء، لا تتغير إلا قليلاً، وتشمل تعدد الزوجات، والانعزال وحق الطلاق غير المقيد في يد الرجال، بل إن الحجاب صار كلمة تختزل كل مظاهر انحطاط مكانة المرأة.
لم يكن الغرب هو وحده المقتنع بارتباط الحجاب بالقهر. فقد تشربت النخب الوطنية الرأي الاستشراقي فيهم. حتى إنهم اقتنعوا بأنهم متخلفون، وأن نساءهم في انحطاط ولا بد لهم من اتباع الوصفات الغربية للتقدم. وصار خلع الحجاب أولوية مُلِحّة لدى النخب التي تسعى “للحاق” بالغرب. وهكذا صار الحجاب رمزاً قوياً لتقدم أي أمة أو تخلفها.
إن أي نقاش يطرح فكرة أن الحجاب رمز لقهر النساء يعتمد – على نحو صريح أو خفي – على الخطاب الاستشراقي والاستعماري بشأن الحجاب. وربما يفسر ذلك روح التقاتل التي تُصاحب المناظرات الفكرية حول الحجاب. فالحجاب كما تقول ليلى أحمد: ظل “يحمل شحنة” الدلالات الاستشراقية منذ عصر الاستعمار.
لا عجب أن يُسبب النقاب هذا الضيق للرحالة، فهو الذي يمنعهم رؤية حسناوات الشرق الشهيرات، فكيف كانوا يجدون رؤية الجمال الغريب البعيد سهلة المنال في أوروبا قبل مجيئهم، حيث لم يكن في تصورهم أن الحجاب عائق يمنع رؤية المرأة الشرقية؟ (بل إن التصوير الأوروبي للحجاب كان غالباً إضافة مثيرة لصورة المرأة). كان النقاب قطعة حقيقية من ملابس المرأة، يمنع الناس رؤية الجمال الموجود خلفه. وآثار الاحباط الناتج عن هذا هجمات على “النقاب” ذلك الشيء الذي يحرمهم من اشباع رغبتهم، أي النظر إلى النساء. كتب برادلي بيرت عن شكل النقاب الفارسي قائلاً: “كان أسوأ قطعة ملابس يمكن أن يصممها أشد الأزواج غيرة على زوجه، وأشدها فظاظة؛ فلا يمكن أن ينظر غريب إلى امرأة فارسية ويرى الجمال الذي تجعلنا القصائد والحكايات الخيالية نصدق بوجوده خلف هذه الحجب المستورة.
والحقيقة أن سخط الرحالة بسبب عجزهم عن الظفر بنظرة إلى ما جاؤوا ليروه، كان أكثر من مجرد حالة إحباط عابرة، بل كانت ضربة أصابت جوهر وجودهم والغرض من رحلتهم واكتشافهم.
لم يكن انزعاج الرحالات النساء من الحجاب أقل من انزعاج الرجال. كتبت لوسي بول مارجريت تقول: “أمام هؤلاء النساء المتسربلات من رؤوسهن إلى أخامص أقدامهن، وعيونهن التي لا يمكن أن تُرى أبداً لكنها تَرى دائماً، أشعر وكأنني عارية”.
(معنى الحجاب عند نخب التحديث)
كانت المكانة المتدنية للنساء الشرقيات (لاسيما المسلمات) قد أوضحت أن تلك المكانة تمثل عائقاً رئيساً في طريق تقدم الشرق، وقد اهتمت النخب الوطنية بالقضايا التي وصفها المستعمر بالمشكلات الأهم، التي تعوق تقدم بلادهم أي الحجاب، وانعزال النساء، وتعدد الزوجات..
أصدرت اللبنانية نظيرة زين الدين في عام 1928 كتاباً يناقش، ضمن ما يناقش قضية الحجاب، وقد خلصت الكاتبة إلى القول: “لاحظت أن الأمم التي نبذت الحجاب هي الأمم التي تقدمت في الحياة الفكرية والمادية، ولم تطاول الأمم المحجبة هذا التقدم”.
نشط المصلحون في العالم الإسلامي لهذه الأشكال من التغييرات في مجتمعاتهم، ففي مصر قامت هدى شعراوي وسيزا نبراوي بحركة مسرحية شهيرة عند عودتهن من مؤتمر تحالف النساء في روما عام 1923؛ إذ خلعتا حجابيهما عن وجهيهما فور خروجهما من القطار. كما ظهرت الملكة الأفغانية ثريا دون حجاب علناً في 1928، بينما كان الملك يدعو إلى إلغاء الحجاب.
ولا تزال الآليات التي أنشأتها الحركة الاستعمارية تعمل في العالم الإسلامي؛ إذ لا تزال النخب تشن حملاتها على الحجاب، وكأنه لباس معاد للحداثة (ولا يعلم مرددو الخطاب الشعبي في الغرب أن لهم نظراء في العالم الإسلامي، لا يقل عداؤهم للحجاب عن عداء أي غربي له) فقد صدر في تونس عام 1989 قانون يحظر على العاملات في الحكومة وطالبات المدارس والجامعة ارتداء الحجاب، وفي عام 1992حظر عميد إحدى كليات الطب في الكويت على الطالبات ارتداء النقاب.
(لماذا الحجاب؟)
يتوجه الكنديون إلى المسلمات المحجبات أحياناً بتعليقات مثل: “هذه كندا، أنتِ حرة هنا، لستِ مضطرة أن تضعي هذا الشيء على رأسك”. قد ترى المحجبة مثل هذا التعليق طريفاً أو مزعجاً، حسب أسلوب توصيل هذا التعليق. تلقت صديقتي التونسية “وردية” ذات يوم هذا النوع من “التطمين” من امرأة بيضاء متوسطة العمر داخل إحدى المغاسل العامة، ودُهشت المرأة، وشعرت بالإحراج عندما ردت وردية بحماس بأنها ترتدي الحجاب طواعية، لأسباب دينية، وليس لفرض اجتماعي: “في بلدي أُلقى في السجن بسبب ارتدائه”. وقد بدأت وردية ارتداء الحجاب بعد خمس سنوات من مجيئها إلى كندا.
أما نور وهي طالبة جامعية من جنوب آسيا، فواجهت موقفاً أكثر إيلاماً في مقصف المكتبة ذات مرة، عندما اقتربت منها امرأة مسنة وسألتها بعداء ظاهر: لماذا تأتين بالتخلف إلى كندا؟
ثلاث مزايا رئيسة لارتداء الحجاب: الحجاب يحسن العلاقات بين الذكور والإناث، الحجاب يفيد المجتمع، الحجاب يحمي النساء.
1/ علاقات الذكور بالإناث: يندهش الغربيون عندما يرون النساء المسلمات يغطين أجسادهن أكثر مما يفعل الرجال المسلمون، ويرون في ذلك دليلاً على دونية مكانة المرأة. والحقيقة أن الشرع الإسلامي يضع شروطاً للباس المسلم ذكراً كان أو أنثى، برغم اختلاف هذه الشروط بينهما.
العديد من حديثات الإسلام ممن تحجبن في العشرينيات من العمر يقلن: إنهن شعرن باحترام أكبر في تعامل الرجال معهن بعد الحجاب، وإن تعامل الرجال كان بوصفهن “بشراً” لا “كائنات جنسية”، وقد سمح لهن ذلك بالتركيز على ما في أيديهن من أعمال، ووفر عليهن ذلك التشتت الذي تسببه ضرورة مواجهة تحرش الرجال.
2/ الحجاب منفعة للمجتمع: تعي المسلمات التأكيد النسوي على أن النساء اللاتي يغطين أجسادهن؛ ليساعدوا الرجال على عدم التشتت الذهني، يقبلن فكرة ذكورية تخفي وراءها تضحية نسائية بالذات من أجل الرجال، ولكن النساء اللاتي قابلتهن في المقابلات الشخصية لم يتفقن مع هذا التخريج، فهن يعتقدن أن النساء شقائق الرجال وأخواتهم في الدين، ولم يجدن غضاضة في أن تساعد النساء الرجال على أن يرتقوا بسلوكهم الديني.
كان رأي رانيا أن الحجاب منفعة للرجال والنساء جميعاً. فالحجاب يحمي النساء من الاهتمام الذكوري “غير المرغوب”، والحجاب يعين الأزواج على عدم الانجذاب لنساء غير زوجاتهم، وتساءلت: “إذا أردنا مجتمعاً سليماً، عادلاً، فلماذا لا يعين بعضنا بعضا؟”.
3/ الحجاب يحمي النساء: معظم المتحدثات ممن أجريت معهم المقابلة الشخصية يرين في الحجاب شكلاً من أشكال الحماية للمجتمع، رجالاً ونساء. تؤكد إيلين فكرة الحماية في فهمها للحجاب: “ملبسي لا يكتمل دون غطاء رأسي، أي حجابي”. وهكذا لم تعد تعاني من أصوات الصفير وكلام المعاكسات في الشارع، وتُعد إيلين الحجاب نعمة، وهي تشعر براحة حقيقية عند ارتدائه.
(معانٍ متعددة للحجاب)
تغيرت عادات ارتداء الحجاب الإسلامي تحت تأثير دعوى النخب الاستعمارية والوطنية بأن في الحجاب قهراً للمرأة. وكان التغيير عنيفاً في بعض البلاد – ففي نهاية ستينيات القرن العشرين اختفى الحجاب أو النقاب في كثير من البلاد الإسلامية أو كاد (باستثناء نساء القرى الصغيرة والطبقات الدنيا) وكان التغيير أقل عنفاً في بلاد أخرى، ولكنه كان واضحاً. وفي نهاية سبعينيات القرن العشرين ظهر تحول جديد في عادة التحجب، فقد بدأ في التحجب نساء لم ترتدِ أمهاتهن الحجاب، وربما كافحت جداتهن لخلع الحجاب. تحول هذا التيار إلى حركة نسائية شملت العالم الإسلامي كله من الجزيرة العربية إلى آسيا إلى المسلمات اللاتي يعشن في الغرب، وتسمى هذه الحركة بحركة: “العودة إلى الحجاب”. برغم أنها ليست “عودة” لأن أغلب النساء المرتبطات بالحركة يتحجبن لأول مرة، كما أنهن اتخذن الحجاب وليس النقاب.
يعجز الفكر التقليدي الغربي عن إدراك التعقيد الاجتماعي لفعل التحجب، إذ يرى أن الحجاب (وكأنه نوع واحد) رمز لقهر النساء في الإسلام، وهدفي في هذا الكتاب أن أفند الافتراض الغربي الشائع بأن كل من ترتدي غطاء الرأس تفعل ذلك قهراً أو كرهاً، وأن غطاء الرأس يمثل قهرها في الإسلام، وكذلك إبراز الظلم الذي تتعرض له النساء في الغرب، حين يُفرض عليهن فكرة “الحجاب قهر”
أسباب التحجب:
1/ الاحتجاج الثوري: كانت أكثر ظواهر العودة إلى الحجاب عنفاً في القرن العشرين هي تلك المرتبطة بحركات الكفاح الثوري المناهض للاستعمار. إذ كان اتخاذ غطاء الرأس يعني أن هذه المرأة ضد الاستعمار أو ضد الحكم النخبوي المتعاطف مع الغرب وكل ما يرمز إليه.
لاحظت ليلى حسيني انتشاراً للحجاب عندما زارت المغرب عام 1989. وقد دهشت عندما لاحظت أن المحجبات كن في الغالب الأكثر جرأة ومشاركة في الفصل المدرسي، ووجدت أن ذلك يناقض الاعتقاد الغربي بأن المسلمات خاضعات.
2/ الاحتجاج الديني: من الواضح أن جزءً لا يتجزأ من الاحتجاج السياسي ضد التغريب والعلمنة هو الاقتناع بأن الإسلام نظام سياسي واجتماعي واقتصادي بديل، وقد شملت هذه الحركة الدولية “الإسلام هو الحل/ البديل” نداءات للرجال والنساء أن يلتزمن شروط الزي الإسلامي. وقد قرر نساء كثيرات ارتداء الحجاب استجابة لهذه الدعوات. ووجدت دراسة للنساء القاهريات، أن مرتديات الحجاب والنقاب يعددن التحجب إشارة إلى الهوية الدينية، أما غير المحجبات فلم يكن يرين التحجب فرض. كما وجدت الدراسة أن للسن والطبقة الاجتماعية أثراً مهماً على درجة استقبال الرسالة الإسلامية الجديدة، فقد وجدت ارتباطاً عكسياً بين التحجب والسن، فالأصغر أقرب إلى ارتداء الحجاب من الأكبر سناً، والطبقات المنخفضة الدخل أقرب إلى التحجب.
وفي المغرب أكدت النساء أن التزامهن بالحجاب تعبيراً عن التمسك “بالإسلام الصحيح” وأمراً أملاه الدين، تقول إحداهن: “ترتدي أمي الحجاب طوال عمرها، ولكنها لا تعرف شيئاً عن الإسلام، فهي ترتديه بحكم العادة الاجتماعية، أما أنا فارتديه من باب الاقتناع الديني”.
أدهش ظهور الحجاب في الشرق الأوسط بعض المراقبين، ولكن ظهوره في إندونيسيا كان أكثر مدعاة للدهشة، لأن التحجب ليس من التراث الإندونيسي (لم يكن يرتدي الحجاب سوى المسنات اللاتي ربما أدين فريضة الحج) وفي العام 1993 قامت س. برينر بإجراء مقابلات شخصية لثلاث عشر امرأة حضرية، وكنا جميعاً متعلمات، وفي العشرينات من العمر، ويقمن في جزيرة جاوا، وذلك في محاولة منها لفهم سبب ارتدائهن الحجاب، وقد وجدت أن النساء كن في حالة “تحول” ديني؛ حيث توصلن إلى الاعتقاد بأن المرأة المسلمة الصالحة لا بد أن تغطي شعرها.
3/ ضمان الاستمرار في العمل: تستخدم المغربيات الحجاب لضمان استمرار وجودهن في الفضاء العام، فهن يرينه وسيلة تسهل حركة المرأة خارج البيت، كما أنه تحدٍ لفكرة أن “المسلمة الصالحة” لا ينبغي أن تعمل، وكما تقول نادية: “يبين ارتداء الحجاب أن للنساء دوراً في المجتمع، وأنا بالطبع أؤيد عمل المرأة خارج البيت، وإلا فلن أؤيد ارتداء الحجاب؛ لأن النساء لا يرتدين الحجاب داخل بيوتهن”.
ومن الموضوعات الشائعة حول الجانب الإيجابي للحجاب، حسب ما يذكره النساء اللاتي يرتدينه، أنه يعني أن يُعامل النساء حسب “شخصياتهن وعقولهن”، ولا يُعاملن بوصفهن كائنات جنسية، كما يمنع الحجاب تقويمهن من خلال المظهر.
وتخلص فاطمة جيفيشان إلى نتائج مماثلة بالنسبة لإيران. فكثير من النساء العاملات سعيدات بارتداء الحجاب، ليس لأنه وفر عليهن كلفة ومشقة محاولة المحافظة على المظهر الموافق للموضة فحسب، بل لأن الحجاب “يجسد قدراتهن وإمكاناتهن، دون قلق كثير بشأن الملبس أو المظهر”.
4/ التعبير عن الهوية الشخصية: ثمة سبب آخر لارتداء الحجاب لا سيما عند المسلمات في الغرب، وهو إعلان الهوية الشخصية، وهذا ما وجدته كارمن كاير في مقابلاتها الشخصية للمسلمات الهندوباكستانيات من الجيلين الأول والثاني اللاتي يعشن في تورونتو. فقد اختار كثير من نساء الجيل الثاني ارتداء الحجاب ضد إرادة أسرهن. خلافاً للنظرة السائدة في الغرب التي ترى أن الحجاب علامة قهر.
إذا كانت المسلمات في الغرب يرتدين الحجاب تعبيراً عن الهوية الشخصية، فإن كثيراً من السعوديات يرتدينه للسبب نفسه، فقد خلصت نستا رمزاني من مقابلاتها الشخصية مع سعوديات في العام 1985 إلى أن المرء قد يقابل نساء سعوديات، تعلمن تعليماً أمريكياً، ويُعلنّ بفخر أنهن يرتدين الحجاب لأنه يظهر تقاليدهن وثقافتهن الوطنية.
الجدل الدائر في اليمن وعمان والسعودية وغيرها حول عادات التحجب يدل على أن الناس واعون بأسباب ما يفعلونه، فإذا اختارت امرأة أن ترتدي النقاب في مجتمع يكون النقاب فيه هو الزي المطلوب، فليس معنى هذا وجود ضغط خارجي أو غير طبيعي، فالمراهقات في الغرب يرتدين الجينز، حتى إن ارتداءه يمثل نوعاً من الزي الموحد، فهو زي مفروض حتى يتم التناغم مع المجموع ومع ذلك لن يقول أحد، إن المراهقة التي تختار الجينز في هذه الظروف تفعل ذلك بسبب “الضغط الكريه”.
(معنى الحجاب – رؤية الإعلام الغربي)
من السهولة بمكان اثبات الاختلافات بين التعقيدات السوسيولوجية لدوافع الحجاب ومعانيه والصورة النمطية التي يقدمها الإعلام الغربي لدوافع الحجاب ومعانيه؛ فالإعلام الغربي يرى الحجاب كله رمزاً للقهر، وكلمة تختزل كل فظائع الإسلام (التي تسمى الآن الأصولية الإسلامية) من إرهاب وعنف وتخلف.
ليس الحجاب هو الموضوع الرئيس في كثير من المقالات الرائجة والكتب ذات التوزيع الضخم، ولكنه يُستخدم رمزاً لمدى واسع من “ألوان القهر يدّعي أن النساء يعانينها في ظل الإسلام. وهكذا يرتبط الحجاب بمقولات راسخة عن دونية مكانة المرأة في الإسلام، ويفترض أن الحجاب “شعاراً صارخاً على قهر الإناث” ترغم عليه النساء. وتؤكد جان جودوين أن الحجاب غير مريح في الحر، وأن ارتداءه يمكن أن يسبب الأمراض بسبب قلة الشمس.
وكما رأينا سابقاً، يرتدي كثير من المسلمات في الدول الإسلامية الحجاب طواعية وعن اقتناع، ومع ذلك فإن هؤلاء النساء يصورهن أمثال ديبورا سكروجنز وجان جودوين غبيات ومغفلات أو مشوشات على أحسن تقدير.
ولا تتحسن الصورة كثيراً عندما يكون الحجاب موضوعاً رئيساً للمقال، تناقش ميشيل ليمون وهي تحمل درجة الماجستير في الدراسات الإسلامية من جامعة مكيجل، رد فعلها لرؤية امرأة ترتدي النقاب، حين كانت تنتظر إحدى الحافلات، تقول: “أشعر وكأنني تلقيت لكمة في بطني” وتبني رأيها على الفكرة الشائعة بأن المنقبات مقهورات.
وتناقش كاثرين جوفيير رد فعلها عند رؤية نساء منقبات يمثلن اليمن في مؤتمر المرأة ببكين: إذ تتساءل: “ما هذه الأشكال؟ لصوص بنوك؟ مومياوات مصرية بكامل ملابسها؟ هاربات من غرفة الإعدام؟” وهي بذلك تُجسد الرؤية الغربية التقليدية وهي أن المنقبات مقهورات، وهي تكتب أن المرأة المنقبة “تتخفى في شكل “لا إنسان”
تنتعش الصورة النمطية السلبية عن الحجاب في محاولات الإعلام الغربي وصف ما يجري في العالم الإسلامي من أحداث. وثمة علامات تغير في السنوات الأخيرة مع نشر صحف بارزة عدداً أكبر من المقالات الإيجابية، من منظور المسلمات المحجبات.
(فاطمة المرنيسي وخطاب الحجاب)
إذا كان ثمة كاتب يرجع إليه الغرب على نطاق واسع بشأن معنى الحجاب؛ فهي النسوية المغربية فاطمة المرنيسي فكتاباها: “وراء الحجاب” و”الحجاب والنخبة الذكورية” من المصادر الراسخة التي يستشهد بها الباحثون في الغرب. وتطرح المرنيسي في كتابيها مقولة: إن الحجاب رمز للسلطة الذكورية الجائرة على النساء، وبرغم أهمية الكاتبة في الغرب، لم أرَ حتى الآن نقداً أكاديمياً موسعاً لها، فيما عدا العروض النقدية لكتابيها. ويجنح الكُتاب الأكاديميون إلى استخدامها حجة في المجال بدلاً من إخضاع عملها لنقد متكامل. وكلما كان الكُتاب أبعد عن مجال المرأة والإسلام، أخذوا كلامها، بوصفه “حقيقة الإسلام”.
هناك قصة طريفة في السيرة الذاتية لفاطمة المرنيسي تُبرز علاقتها بالحجاب على نحو واضح. ففي الحرب العالمية الثانية ولم تكن وقتها قد بلغت التاسعة تقول المرنيسي: أخذت أجري وعلى رأسي أحد أغطية رأس أمي، مربوطاً بإحكام حول رأسي، حتى لاحظته أمي وأجبرتني على خلعه، وصرخت قائلة: “إياك أن تغطي رأسك، أتفهمينني؟ إياك أن تفعلي ذلك مطلقاً! فأنا كافحت ضد الحجاب، وأنتِ ترتدينه؟ ما هذا الهراء؟
تعتقد المرنيسي في “وراء الحجاب” أن النساء كن أسعد حالاً قبل عصر النبي” – صلّ الله عليه وسلم- فإنها تبدو بعد اثني عشر عاماً في كتابها: “الحجاب والنخبة الذكورية”، وقد غيّرت رأيها فتقول: “وصلت مع انتهائي من كتابة هذا الكتاب إلى إدراك أمر، وهو إذا كانت حقوق النساء تمثل مشكلة لبعض المسلمين المحدثين، فليس هذا بسبب القرآن أو النبي أو التراث الإسلامي، بل ببساطة لأن تلك الحقوق تتعارض مع مصالح النخبة الذكورية” وهي تقول إنها وجدت في المجتمع النبوي نساء قويات ذكيات وناشطات يتحدثن بحرية ويشاركن في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع.
تقول المرنيسي: إن المؤسسات الاجتماعية التي تنظم علاقة الذكر بالأنثى فيما يخص المكان، قسمت الفضاء الاجتماعي إلى مناطق منفصلة، عالم الرجال (ويعني الأمة، وعالم الدين والسلطة) وعالم النساء،، ويعني دنيا البيت والجنس والأسرة. وللعالمين بُعد مكاني
، فالعالم الذكوري يختص بكل ما هو خارج البيت، وعالم النساء يقتصر على الفضاء المنزلي، أما وجود النساء خارج البيت فيُد أحياناً ضرورة، ولكنه يُعد في معظم الأحيان شذوذً وتعدياً.
وتذهب المرنيسي إلى أن فرض الحجاب على النساء خارج البيت يهدف إلى ضمان عدم تعدي عالمي الذكور والإناث كل على الآخر. فالحجاب “شكل رمزي للانعزال”.
صدر كتاب المرنيسي “الحجاب والنخبة الذكورية” في العام 1987، وكان الهدف منه الإجابة عن السؤال الآتي: “هل يحتمل أن تأثير رسالة الإسلام كان محدوداً وسطحياً على عرب القرن السابع الغارقين في الخرافة، والذين عجزوا عن تشرب رؤيته الجديدة للعالم والنساء؟ هل يحتمل أن يكون الحجاب، أي السعي إلى تغطية النساء، الذي يُدعى اليوم أنه أصيل في الهوية الإسلامية، ليس سوى تعبير عن استمرار الذهنية الجاهلية التي يُفترض أن الإسلام يقضي عليها؟
وللإجابة عن هذا السؤال: هل الحجاب علامة على الجاهلية؟ تعود المرنيسي إلى المجتمع النبوي؛ لتدرس أسباب النزول التي سبقت الآيات التي تفرض الحجاب على النساء، وكما ذكرنا سابقاً، فإن هذه المنهجية تختلف تماماً عن منهجية كتاب “وراء الحجاب” مع ذلك، وبرغم المنهجية الجديدة، فإن كتاب “الحجاب والنخبة الذكورية”، يصل إلى النتائج نفسها عن رؤية الإسلام للمرأة: النساء يرتبطن بالشيطان ويستبعدن من الأمة. ولكن الشهوة الجنسية تلقى اهتماماً أقل في هذا النص.
لا يمسك عرض المرنيسي للرؤية التقليدية الإسلامية للطبيعة الجنسية الأنثوية ومكانة النساء ودورهن في المجتمع سوى ببعد واحد من أبعاد خبرة بعض النساء المسلمات. بل إن عرضها يرتبط بتجربتها الشخصية في نشأتها بالمغرب في أربعينيات القرن العشرين، كما نجد في سيرتها الذاتية. وصحيح أن هناك نقداً نسوياً يوجه للرؤى الثقافية للنساء في العالم الإسلامي التي من شأنها حسب رأي بعضهم أن تجعل الحضور الأنثوي عورة مما يؤدي إلى تقييد النساء واحتوائهن، (على سبيل المثال، جعل صوت النساء عورة، ومنعهن من الكلام أو قصر كلامهن على الهمس في حضرة الرجال الأجانب، والفصل الكامل للنساء في المطاعم والحافلات والمصارف وغيرها) وهذه الرؤى الثقافية التي تهاجمها المرنيسي وتحللها في أعمالها. ولكن المشكلة كما ذكرت سابقاً، أن المرنيسي تطابق بين ما تجده في المغرب وبين عموم الإسلام، فليست كل المجتمعات الإسلامية أو الطبقات تعزل النساء وتفصلها أو تحجبها.
(نظرية بديلة حول الحجاب)
من أهداف هذا الكتاب إثبات أن السياق الاجتماعي يؤثر على ما يعزى إلى الحجاب من دلالات، وهدفي في هذا الفصل تقديم نظرية إيجابية عن معنى الحجاب إلى ثقافة القرن الواحد والعشرين الرأسمالية الاستهلاكية. فأقول: إن اهتمام الرأسمالية الكبير بالجسد وبالجانب المادي يمكن أن يجعل ارتداء الحجاب خبرة تقوي النساء وتحررهن.
تقول ناهد مصطفى: إن النساء اللاتي يحاولن الخروج من لعبة الجمال عن طريق عدم وضع مساحيق التجميل أو ارتداء الحجاب يلاقين “السخرية والاحتقار” من الرجال والنساء في المجتمع. مع ذلك فهي تعد قرار ارتدائها الحجاب، سبيلاً لتحقيق مساواة النساء بالرجال.
كتبت سلطانة يوسفالي، وهي طالبة في المرحلة الثانوية، مقالة في صحيفة كندية، بعنوان “جسدي شأني الخاص”، (عندما يسألني الناس هل أشعر بالقهر؟ أستطيع أن أقول: “لا” بصدق؛ فقد اتخذت هذا القرار بمحض إرادتي، فأنا أحب كوني متحكمة في طريقة نظر الناس إلي. وقد حررت نفسي من رق بندول صناعة الموضة الذي لا يتوقف، ومن غيره من المؤسسات التي تستغل الإناث).
كما تبين من الاقتباسات التي سقناها لناهد مصطفى وسلطانة يوسفالي. فهما مقتنعتان بأن التزام الحجاب معناه السعي للهروب من لعبة الجمال، وفي الهروب من لعبة الجمال فإنهما تعتنقان رمزاً من تراثهما الإسلامي تعدانه أداة تحرر. وقد يراه غيرهما في سياقات أخرى أداة قهر. فالحجاب عند عند هاتين المرأتين ومن على شاكلتهما من المسلمات إجراء مضاد في الغرب. فإذا نظرنا للحجاب من هذه الزاوية نراه يقول: “عاملني كإنسان وليس كائناً جنسياً”.
(الحجاب والتدين)
تقول نظريتي الإيجابية عن الحجاب: إن الحجاب أداة تقوي المرأة على المقاومة في الثقافة الرأسمالية الاستهلاكية للقرن الواحد والعشرين، بما فيها سلعنة الجسد الأنثوي، وأقول إن الحجاب لا يخنق الأنوثة، ولا يدل على غياب الاختيار. والحجاب أمر ديني، إذا ارتدته المرأة احتراماً للدين، فإنه يمثل لهن بوابة دخول إلى الدين الإسلامي.
كان كتابي محاولة لتقديم قصة أخرى عن الحجاب: قصة نساء مثلي يجدن السكينة والسعادة في الإسلام، نساء لا يعتقدن أن الإسلام يقهر النساء، أو أن الحجاب يكبتهن…
كتابي هذا محاولة لفتح خطوط اتصال مع من يريدون أن يسمعوا، وهو طلب أن تُعامل المسلمات اللاتي يسعدهن ارتداء الحجاب باحترام، وأن يُستمع إليهن بأدب.. ينبغي أن نكون قادرين على الاختلاف، ومع ذلك نظل شركاء في هذه القرية الكوكبية.
انتهى.
المصدر: