7 سبتمبر, 2017
بسام حسن المسلماني
النسوية كحركة ومفهوم ومطالب هي ابنة الثقافة والتاريخ والفكر الأوربي بامتياز، بما يحمله هذا التاريخ من صراعات وأزمات وإبداعات وأفكار وانحرافات، خاصة في القرنين الأخيرين، فقد شهد المجتمع الأوربي خلال هذين القرنين العديد من الفلسفات والتطورات التاريخية التي أنتجت لنا الحركة النسوية بما تتضمنه من مفاهيم ومطالب وتفسيرات.
لكن قبل الحديث عن أبرز المحطات التاريخية والفكرية التي ساهمت في بلورة النسوية في منتوجها الأخير، نشير إلى أن النسوية نشأت في البداية كحركة تحرر، تهدف فقط لرفع الظلم والمعاناة عن المرأة الأوروبية، لكنها مع مرور الوقت تطورت وتبلورت لتشكل فكرًا مستقلًا بذاته، وفلسفة تسبح ضد كل المسلمات التي عرفتها البشرية في علاقة الذكر والأنثى وطبيعة المرأة.
الثورة على الدين:
عانت المجتمعات الأوروبية من اضطهاد الكنيسة، واستبدادها المالي والسياسي، وسيطرتها على العلوم والمنتجات الفكرية، ومحاربتها للعلم والعلماء، وكانت المرأة أكثر من عانى من الاضطهاد، نتيجة لنظرة المسيحية الدونية للمرأة، واعتبارها أصل الخطيئة في الأرض، وأنها جسد بلا روح، أو أن لها روحا، ولكنها في منزلة أقل من منزلة الرجل، لذلك فقد عاشت المرأة حياة هامشية منبوذة ومضطهدة بشكل مضاعف داخل المجتمع، ومع دخول أوروبا ما يسمى بعصر النهضة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ونتيجة للصراع بين العلم والدين، وتصاعد المعارضة في أوساط المفكرين والمثقفين ضد تصرفات الكنيسة وتعاليمها، بدأت تظهر بوادر الثورة على الكنيسة، ونبذ الدين وتنتشر في أوساط الأوروبيين، فكانت المرأة الأوربية من أوائل من ثاروا على الكنيسة، وناصبت الدين العداء نتيجة لاضطهاد المسيحية للمرأة على مدار قرون من الزمن، وورثت الحركة النسوية حالة العداء هذه وترسخت في فلسفة الحركة مع مرور الوقت، وأصبحت أحد الركائز التي تقوم عليها.
المطالبة بالمساواة
مع الدخول في عصر النهضة، شهدت المدن الأوربية تطورات كبيرة، وتحولت المجتمعات إلى مجتمعات صناعية، وهجر الرجال خاصة في الأرياف مزارعهم، وانتقلوا للعيش في المدن، وانغمسوا في الحياة الصناعية الجديدة بصخبها وعنفها، لتجد المرأة نفسها في بيتها دون عائل يوفر لها قوتها وقوت أطفالها، فاضطرت للخروج من بيتها تبحث عن عمل تقتات منه هي وأولادها، فاصطدمت باستغلال أصحاب رأس المال لحاجتها وتعرضها للابتذال والمهانة وانتهاك الكرامة وقسوة الحياة، ومن ثم لم تتحسن ظروفها بل ازدادت سوءا، صاحب ذلك انتشار ثقافة الحرية وحقوق الإنسان مع ظهور كتابات “جان جاك رسو” وفولتير، ومونتسيكو، فانتقلت هذه الثقافة في حس المرأة الأوروبية من المطالبة بالحرية و الحياة الكريمة في مواجهة ظلم الحكام واستبدادهم، إلى مطالبة المرأة في حياة كريمة وحقوقها المشروعة خاصة مساواتها بالرجل في الأجور.
الصراع
تطورت قضية الحرية وحقوق الإنسان في المجتمع الأوربي من مجرد مطالب إلى الدخول في صراع مع السلطات الحاكمة، وطبقة النبلاء ورجال الدين، والتي بلغت ذروتها في أحداث الثورة الفرنسية، والتي انتهت بإعدام لويس السادس عشر، والكثير من رجال الدين ومن النبلاء والارستقراطيين. أعقب ذلك ظهور كتابات كارل ماركس، وتنظيره لمفهوم الصراع بين الطبقات. فتراجعت مفاهيم التراحم الشخصي ،وانتقلت فكرة الصراع هذه إلى الحركة النسوية، وتبنت مفهوم الصراع مع الرجل على مستويين، عملي متمثل في الاحتجاجات والمظاهرات للحصول على حقوقها. والمستوى التنظيري في ترسيخ مفهوم المساواة، ثم مفهوم النوع الاجتماعي بعد ذلك، ورفعت شعارات مثل: (الحرب بين الجنسين) و (الرجال طبقة معادية) و (القتال من أجل عالم بلا رجال).
التحرر الأخلاقي
نتيجة للتطورات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي شهدتها المجتمعات الأوروبية خاصة منذ بداية القرن العشرين، من اعتماد لنظم علمانية في إدارة البلاد، وتراجع أو غياب دور الكنيسة، وخروج المرأة من بيتها واختلاطها بالرجل في ميادين العمل والدراسة، وسيطرة الفلسفة الفردية وغلبة الروح الذاتية، وظهور نظريات في العلوم الإنسانية كمدرسة التحليل النفسي لسيجموند فرويد، وريتشارد فون كرافت إيبنج مؤلف كتاب (Psychopathia Sexualis) ويعد أول كتاب مكرس كليا لتناول الشذوذ الجنسي، وهو أول من أطلق عليه (المثلية الجنسية) وأطلق على العلاقة الطبيعية (مغاير الجنس)، وألفريد كينسي عالم أحياء أمريكي الذي قام بأبحاث عن سلوك الإنسان الجنسي، وصاحب تقارير كنسي الشهير، وهما كتابان عن سلوك الإنسان الجنسي، وقد صعق الكتابان المجتمع آنذاك؛ لأنها ناقشت أشياء ومواضيع كانت تعد من المحرمات.
كان من نتاج ذلك انهيار مؤسسة الأسرة، وخروج الممارسات الجنسية من سياقها الاجتماعي والديني واعتبار الحرية الشخصية واللذة هدفا مقصودا في حد ذاته، مما أدى لصعود موجات من التحلل الأخلاقي لتضرب المجتمعات الأوروبية، وقد كان لهذه التطورات تأثيرها على الحركة النسوية، حيث اعتبرت أن قيم العفة والأمومة إنما هي لتزييف وعي المرأة لتقنع بالمجال الخاص، ونادت باستقلال المرأة مالياً، لتتحرر من سيطرة الرجل، ودعت للشذوذ والتلقيح الصناعي كبديل لإقامة علاقة مع الرجل.
موت النسوية
عانت المجتمعات الغربية من موجات التحلل الأخلاقي والفوضى الجنسية التي ضربت المجتمعات، حيث دفعت هذه المجتمعات والمرأة بشكل خاصة ضريبة باهظة للتحرر الجنسي، فانتشرت الأمراض التي تنتقل عن طريق الاتصال الجنسي، وصارت الإباحية تهدد مستقبل المراهقين، وكان لانفجار العلاقات خارج إطار الزوجية، وإنجاب أولاد بعيدا عن مؤسسة الأسرة اختلالات اجتماعية خطيرة مصاحبة، سواء على الأطفال الذين ينشأون من دون آبائهم، أو حتى بالنسبة للنساء اللاتي عانين من صعوبات نفسية وعصبية واجتماعية، وزادت نسبة الإقبال على الانتحار.
هذه الحالة انعكست على الحركة النسوية، فقامت حركات واتجاهات ترفض الطرح النسوي و تناوئ تلك المطالب، وترى فيها ليس فقط خروجًا على التقاليد والأوضاع والقيم المتوارثة, بل تجد فيها أيضًا تهديدًا لكيان المجتمع نفسه, ولحياة المرأة نفسها،. “ففي مقال بعنوان: (مستقبل الدراسات النسائية والأخطار التي تهدد النسوية الأكاديمية) نشرتها مجلة Surfaces الأمريكية عام 1997م, تقول المؤلفة سوزان ستانفورد – وهي أستاذة بجامعة ويسكونسن ماديسون لتدريس مادة (دراسات نسائية): إن الدراسات النسائية تواجه بكثير من التحديات من جانب أعداء الحركة النسوية, وأن كثيرًا من النقد والرفض يأتي من بعض الكاتبات الأمريكيات البارزات، من أمثال كريستينا هوف هومرز، التي ترفض نزعة المبالغة والتطرف التي تميل إليها بعض تلك الحركات, وأن الدراسات النسائية ذاتها التي تقدمها بعض الجامعات دراسات عديمة الجدوى؛ لافتقارها إلى الطابع الأكاديمي الجاد. وبالمثل تذهب الكاتبة الشاعرة الأمريكية إيف ميريام إلى القول إن كثيرًا جدًا من الكتابات التي تنادي بتحرير المرأة هي أعمال دعائية سطحية وخاوية, وتقوم على استثارة العواطف, وأن القليل جدًا منها هو الذي يعتمد على البحث والدراسة والفهم.
وبدأت المطالبة بضرورة عودة المرأة إلى البيت والأسرة لا قهراً ولا إذلالاً، ولا تسليماً بتدني المرأة عقلياً وخلقياً، ولا إنكاراً لإنسانيتها ودورها في الحياة، ولا رفضاً لحقها في الاختيار وفقد خصوصيتها وظروفها، بل عن قناعة رسختها التجربة. وخرجت أفلام سينمائية تلفزيونية أبرزها (زوجة الأب) و (الشيء الحقيقي الوحيد) وكلها تمجد دور المرأة كأم وربة أسرة.
وبرزت كاتبات شهيرات منهن (كارولين جراقليا) و (دانييل كريتندال) يهاجمن الحركة الأنثوية، ويؤكدن أن استرجال المرأة لم يؤد بها إلا إلى التعاسة واليأس. وأنهن لن يحققن طبيعتهن وتطلعاتهن إلا من خلال رعاية أطفالهن وربط أسرهن؛ والعودة إلى البيت لا تقلل من شأنهن، ولا تحرمهن حقاً دستورياً أو قانونياً من دون الرجل.
تقول الكاتبة (دانييل كريتندن) في كتابها «الأشياء التي لم تطلعنا أمهاتنا عليها» (ص 35): “لقد كانت لجداتنا حياةٌ جنسية نظيفة ومستورة عن طريق الزواج. وفي الوقت ذاته قمن بمنع الاختلاط الجنسي من الحدوث. فقد قمن بوضع قواعد للممارسة الجنسية، وذلك بممارسته في إطار الزوجية فقط، وكل من تسوِّل له نفسه خرق هذه القواعد من الرجال أو النساء فإنه يتعرض لدفع ثمن غال مقابل ذلك، بفرض عقوبة عليهم، سواء بإجبارهم على الزواج أو نبذهم وحرمانهم من الصحبة الجديرة بالاحترام. تؤدي القواعد الجنسية إلى خلق تضامن جنسي بين النساء. ولهذا إذا وجد الرجال الفرصة مهيأة لهم للانتقال من امرأة إلى أخرى، فإنهم سيفعلون ذلك لا محالة، وسوف يتمتعون بنا ما دُمنا متاحات وميسرات لهم، ويستغلوننا استغلالاً فاحشاً لتحقيق مصالحهم. ولكن إذا تضامنت النساء، وبدأن يطالبن بالالتزام الحقيقي المتمثل في الزواج، بدلاً من ممارسة الجنس مع كل من هب ودب، عندئذ فقط ستتغير الأمور لصالح النساء”.
ويشكك عدد من كبار علماء الاجتماع في أمريكا من أمثال ديفيد ريسمان في (صدق رغبة) النساء (النسويات) أنفسهن في تحقيق كل أهداف الحركة، فيما يتعلق بالاستغناء التام عن الرجل، وتغيير المجتمع والثقافة إلى الشكل الذي تنادي به الحركة النسوية، وأن المرأة الحديثة المتحررة لاتزال – رغم كل مزاعم هذه الحركة – في حاجة إلى الرجل والعيش في كنفه بالطريقة نفسها التي كانت (جدتها) تنظر بها إلى تلك العلاقة, وأن الكثير من النساء (النسويات) يتعرضن للضغوط السيكولوجية نفسها التي تتعرض لها المرأة (التقليدية) إذا ظلت من دون زواج، وعاشت بمفردها دون تكوين أسرة, وأنه لو أبدى الرجال قدرًا أكبر من التساهل والتسامح إزاء المرأة، فإن ذلك سوف يؤدي إلى القضاء تمامًا على الحركة النسوية التي بدأت في التراجع والنكوص بالفعل.
وتقول تقول (روز ميري تشادويك): لقد نجحت رائدات الحركة الأنثوية في إقناع المرأة والرجل على حد سواء بأن تكريس الجهد للبيت والأطفال تضحية عظيمة بحياة الحرية، وسعي عديم الجدوى لا يعطي أية فرصة لاستعمال الطاقات والذكاء حتى عند المرأة العادية، وأقنعت المرأة بأن الزواج اتفاق قاسٍ وظالم بالنسبة للفتاة التي تتزوج في سن المراهقة أو في بداية العشرينيات من عمرها، ودائماُ ما يذكّرونها وباستمرار بالفرص التي ستفوتها إذا ما أقدمت على الزواج؛ ونتيجة لهذا فقد أصبحت كثيرات من النساء أنانيات ومنهمكات في شؤونهن الذاتية إلى حد يعزين أسباب كافة مشكلاتهن إلى الرجال أو المجتمع أو الزواج.”(1).
مجتمعاتنا والحركة النسوية
إننا نسوق هذه المراحل في تاريخ النسوية، لنؤكد أن النسوية كمفهوم وفلسفة وحركة نشأت في بيئة حضارية مغايرة تماما لبيئتنا الإسلامية، ومن ثم فإنها وإن نجحت في بعض مراحلها في بيئتها التي نشأت فيها، فلن تؤتي ثمارها عندنا لاختلاف البيئة والثقافة والتاريخ والمكون النفسي والاجتماعي، وهذا ما يفسر أن هذه الحركات في مجتمعاتنا حركات نخبوية ليس لها امتدادات شعبية.
يضاف إلى ما سبق أنه وعلى الرغم من نشأة النسوية في ظروف وبيئة مغايرة، ونتيجة لتطورات موضوعية في مجتمعاتها، لكنها فشلت في هذه المجتمعات، وتكاد أن تودي وتهدم التماسك الاجتماعي في هذه البلدان، حتى تعالت صيحات مفكري وعقلاء الغرب تطالب بوقف هذه الحركات وتهاجم نشاطها، فهل يعقل أبناء جلدتنا ممن يتبنون هذه الأفكار ويوفروا علينا الجهد والوقت.
المصدر:
http://cutt.us/hNNY