القائمة الرئيسية


مقالات: دراسات الجندر في جامعاتنا.. وتأثيرها على المجتمع (4)

10 سبتمبر, 2017

  • شارك

ذكرنا في سلسلة من المقالات السابقة مدى تغلغل دراسات الجندر في جامعاتنا، وأشرنا إلى  تأسيس حقول دراسية خاصة بقضايا النوع الاجتماعي في عدد من جامعاتنا في فلسطين ومصر واليمن وتونس والسودان والأردن. موضحين أبرز المواد التي يتم تدريسها في هذه الحقول، وخلال هذه الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة، سنحاول أن نكشف المخاطر التي تشكلها مثل هذه الدراسات على قيم وأخلاق وتماسك مجتمعاتنا.
وعملت الدراسات النسائية، والتي تعتبر الذراع الفكري للحركة النسوية، على رصد التجارب المختلفة للنساء في واقع الحياة. فدرست مختلف مناحي الحياة الاجتماعية من الإعلام، والسياسة، والتاريخ، والاقتصاد، ومجال الأعمال، واللغة، والدين، والحروب، والنشاط الجنسي، وغيرها الكثير من منظور نسوي مكرسة لمفهوم النوع الذي يقضي بإلغاء كافة الفروق بين الرجل والمرأة، والتعامل مع البشر على أنهم نوع من المخلوقات المتساوية في كل شيء من الخصائص والمقومات، وهذا النوع الإنساني في مقابل الحيوان والنبات.
وقد تم توثيق هذه التجارب، من خلال عقد المؤتمرات والندوات، وإنتاج الأفلام الوثائقية والدرامية، وإصدار المجلات الأكاديمية، والكتب. وكانت لهذه الإصدارات أكبر الأثر على واقع الحياة المجتمعية، حيث فرضت تلك الدراسات نفسها على صانعي القرارات، والتي تم ترجمتها في عدد من التشريعات والقوانين.
كما سعت الحركات النسوية من خلال إنشاء هذه الحقول الدراسية إلى توظيف المنظور الجسماني (الجندر) في تأسيس أدوات تحليل مفاهيمي، ضمن المقاربات المعرفية في حقل العلوم الاجتماعية، أي العمل على تغيير النماذج المعرفية في كافة التخصصات بإضافة الجندر كعامل تحليل جديد.

وبشكل عام يمكننا تصنيف مقررات دراسات الجندر في ثلاثة محاور:
المحور الأول: القضايا الفكرية التي يثيرها المنظور النسوي المستهدف إظهار التحيز الذكوري ضد المرأة. ويضم هذا المحور مقررات نظريات ومفاهيم دراسات المرأة والجندر، ونظريات التنمية، والجندر والاقتصاد، وتحديات الجندر في القرن الـ21.
المحورالثاني: القضايا المنهجية وأدوات التحليل النسوي التي تحاول المقاربات النسوية إظهار أهميتها العلمية. ويضم هذا المحور مقرري مناهج البحث، وتخطيط مشاريع الجندر.
المحورالثالث: القضايا المجتمعية والأبعاد الثقافية والسياسية في قضية تحديد هوية المرأة في التشريعات المختلفة، ومناقشة هذه التشريعات من منظور حقوق الإنسان، وقياس وضعها من منظور كمي، مقارناً بوضع الرجل في مؤسسات اتخاذ القرار.

مخاطر ناجمة عن دراسات النوع الاجتماعي:
– توجيه الدارسين، وربطهم بمفاهيم ومصطلحات القاموس العلمي الغربي، يضعف ربطهم بمعجمهم الحضاري وبالمفاهيم والتصورات التي يُعبر عنها. وقد يؤدي ذلك إلى تشكيل هوية الدارس الذهنية بشكل يتناقض مع هويته الاجتماعية.
– تقدم هذه الدراسات قضية المرأة (في محور أدوات التحليل النسوي)، وكأنها قضية يمكن بحثها بطريقة منفصلة عن القضية الاجتماعية، من خلال عقد موازنة بين الرجل والمرأة، تخرج بنتائج كمية تشير إلى قيمة المرأة في المجتمع، وتحديد أن قيمتها أكبر أو أقل من قيمة الرجل أو تساويها. وهذه الطريقة – وهي شائعة في معظم دراسات الجندر- يعاب عليها أنها تهمل عوامل واعتبارات أخرى تقتضيها مثل هذه المناقشات، تتصل بفلسفة التصور الاجتماعي لقضية المرأة والرجل ومناقشة المنطلقات الفلسفية ذاتها، بدلاً من مناقشة أعراضها وتجلياتها وإرجاع الاختلاف الجنسي لعوامل ثقافية واجتماعية.
– تتبنى هذه الدراسات (في معالجتها  قضية إدماج المرأة في التنمية) نظريات ووسائل التنمية المستمدة من التجربة الغربية، واستثمار المقاربات النسوية لتأسيس منظور يكرس اعتماد مفاهيم الجندر في النظرية التنموية.
ويقوم منظور الجندر التنموي على ضرورة مبدأ تغيير النسق الثقافي، بنسق تنموي فعال، يُفسح فيه المجال للمرأة لتحتل مكانة متميزة في عملية الإنتاج المادي، بكل ما تحتمله عملية الإفساح هذه من إمكانيات تمرد وثورة (منظمة أو غير منظمة) على الوضع الذي تنحبس فيه المرأة في مجال الإنتاج البشري والتنشئة الاجتماعية (التربية السكانية وتنظيم النسل من القضايا المألوفة في هذا الصدد).
فالمنظور النسوي يرى أن إدماج المرأة في عمليات التنمية لا يتحقق إلا بالقضاء على النسق الثقافي التقليدي، ذي الطابع الأبوي- من وجهة نظرها – ، ليحل محله بناء ثقافي علماني، ويساوي تماما بين المرأة والرجل.
مما تقدم يتضح أن هذه الدراسات لا تقدم محاولة علمية جادة، تستهدف اكتشاف مسار مختلف لقضية المرأة عن المسار الذي رسمته الحركة النسوية العالمية، أو المنظمات الدولية، بل يعمل على تعميق وإفساح المجال لهذا المسار داخل المجتمعات الإسلامية، مما يخلق حالة من الصراع بين قيم وعقيدة الأفراد في هذه المجتمعات، وبين ما يطرحه هذا النموذج من فلسفات، بل وينظر إلى الدين الإسلامي، باعتباره كعائق لحل قضية المرأة، نتيجة الانطلاق من البناء النظري العلمي المتحيز ضد القيم والرؤى الدينية.
هذا المنهج في الدراسة الذي يعالج قضية المرأة في سياقها الدولي، والنظر لقضية المرأة في المجتمعات الإسلامية بمنظار ما انتهت إليه التجربة الغربية، يُعد في حد ذاته مسألة خطيرة، ويترتب عليها مسائل نفسية أخطر منها، إذ تحول العملية التعليمية من عملية تواصل مع قيم وعقيدة المجتمع إلى عملية تكرس الجهل بالتراث والقيم والعقائد، وتضعف الثقة في جدوى استلهامها في الممارسات والمعالجات الفكرية الراهنة.

 

 

 

 

المصدر:

http://goo.gl/YXlg93