7 سبتمبر, 2017
علي محمد الغريب
نقع كثيرا في أسر الصور الذهنية المسبقة، والتي من بينها أن المرأة المسلمة لم تنل نصيبا وافرا من التعليم، وأن قيودا مجتمعية تحول دون تعلمها أو مساهمتها في التعليم بعلم أو مال أو جهد من أي نوع.
وحين حاولنا رصد جهود المرأة في التعليم، وجدنا نماذج عربية وغير عربية صاحبة جهود ، سواء على مستوى تعليم المرأة إما بافتتاح الكتاتيب كما فعلت رقية الحجي في حائل بالمملكة العربية السعودية، أو راويات الحديث الشريف عبر العصور.
ففي العام 2007م قدم الباحث المسلم في مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية في بريطانيا محمد أكرم ندوي قاموسا بيوغرافيا للمحدِّثات المسلمات جاء في 40 مجلدا.
في حينها قال الباحث: إنه كان يعتقد حين بدأ إعداد بحث عن عالمات الحديث النبوي الشريف في العالم الإسلامي، أنه لن يهتدي إلى أثر أكثر من 20 أو 30 منهن، لكن رحلة البحث قادته إلى اكتشاف 8 آلاف محدِّثة، وبدلاً من كتاب واحد يحوي سيرهن، وجد أن قاموسه البيوغرافي للمحدِّثات المسلمات استغرق 40 مجلداً.
وقاده الغوص والتنقيب في معاجم العلماء والكتب التاريخية ووثائق الكتاتيب ورسائل شيوخها وفقهائها، إلى فقيهة ولدت في بغداد في القرن العاشر، وتنقلت بين سورية ومصر لتعليم النساء، كما أفضى بحثه إلى محدِّثة مصرية في القرن الثاني عشر، أذهلت طلبتها من الرجال بحفظها نصوصاً تعادل حِمْل جمل!
وعثر أيضاً على سيرة محدثة برعت في تدريس علم الحديث في المدينة المنورة في القرن الخامس عشر، بل اهتدى إلى عالمة في المدينة المنورة بلغت مرتبة الفقيهة في القرن السابع، وكانت تفتي في شؤون الحج والتجارة.
وقتها وصفت الصحافة الأميركية المعجم بأنه مذهل، وذلك بعدما أشارت إلى أن الإسلام عرف تعليم النساء منذ نشأته، خصوصاً الأحاديث النبوية التي روتها أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، وتقديرات المستشرق جولدتسيهر أن نحو 15 في المئة من علماء الحديث النبوي المسلمين في العصور الوسطى كنَّ من النساء.
وكشف الباحث أن العالمة السورية أم الدرداء التي نبغت في تدريس علوم الحديث في دمشق خلال القرن السابع، وكان خليفة الدولة الأموية من بين طلبتها.
وفي العصر الحديث قدمت “رقية بنت عوض بن محمد الحجي” المولودة في مدينة حائل نهاية القرن الثالث عشر الهجري نموذجا مبكرا في تعليم النساء، فقد نشأت مع أختيها “شماء” و”هياء”، وأخيها الوحيد “عبد المحسن” في بيئة علمية، تبين أثرها عليها حين أقبلت على العلم وأسهمت في نشره، ولا شك أن ذلك كان بتأثير من والدها الذي أحسن توجيهها، فأبدت مع أختها شماء وأمها اهتماماً كبيراً بوقف الكتب على طلبة العلم، لتكون متاحة لاستخدامهم، فمن الكتب التي وقفنها نسخة مخطوطة من كتاب “عمدة الفقه” لـ”ابن قدامة المقدسي، وجاء نص الوقفية على النحو التالي: “من جملة وقف بنات عوض رقية وسماء وأمهن قوت على طلبة العلم جعله الله خالصاً لوجه، وصلى الله على محمد وسلم، سنة 1325هـ”.
وقد ورد هذا النص على مجموعة من الكتب التي أوقفنها، وهي: كتاب الداء والدواء، وشرح معاني الآثار، الجزء الثالث من حاشية الصبان، والانتصار لحزب الله الموحدين، والكلام المنتقى فيما يتعلق بكلمة التقوى، ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة.
وهناك قائمة ببعض أسماء الكتب التي أوقفنها من بينها: شرح صحيح مسلم للنووي، ومجمع البحار، وميزان الاعتدال، وسنن الترمذي، وسنن ابن ماجه، وسنن الدرامي، وسيرة ابن هشام، ومقدمة ابن خلدون، والرسالة القشيرية، وشرح الشاطبية، والصارم المنكي، وشرح خلاصة الفرائض، وأسماء رجال صحيح البخاري، والعقد الفريد، وشرح الفوائد الشنشورية، والكلم الطيب لابن قيم، وأطواق الذهب للزمخشري، وجزء من صحيح البخاري.
وإذا انتقلنا لأهم مساهمتين نسائيتين في العصر الحديث، فسنجد نموذجين مشرقين، الأول: للأميرة فاطمة بنت الخديوي إسماعيل، التي أنقذت مشروع الجامعة من التوقف حين بلغها عجز القائمين عليها سداد إيجار الدار التي كانت مقرا مبدئيا للجامعة، التي جاءت بعد مطالب شعبية عام 1908م، وحين علمت بالأمر من طبيب الأسرة الدكتور محمد علوى باشا، أوقفت ستة أفدنة خصتها لبناء دار جديدة للجامعة، هذا بخلاف 661 فدانا من أجود الأراضى الزراعية بمديرية الدقهلية، من ضمن 3357 فدانا خصصتها للبر والإحسان، وجعلت للجامعة من صافى ريعها (ريع 3357 فدانا و14 قيراطا و14 سهما) 40% بعد خصم استحقاقات ومرتبات يبلغ مجموعها 5239 جنيها كل سنة، وقدر إيراد هذه الوقفية بميزانية الجامعة بمبلغ 4000 جنيها سنويا.
كان هذا القرار بشرى عظيمة دفعت المهندسين الوطنيين لتنبي المشروع، ووضعوا مخططا للجامعة الوليدة، وشرعوا فى بناء القسم الأول من هذا الرسم، وتبلغ مساحته نحو أربعة آلاف متر، ويشتمل على مركز الإدارة العامة، ومجال تدريس العلوم الأدبية والقانونية، وغيرها من العلوم التي لا تحتاج إلى تمرينات عملية، وأن يكون على طراز عربي جميل.
أما الأقسام الأخرى، وعددها ستة، فشرعت الجامعة في بنائها كلما مست الحاجة، وسمحت به مواردها، وهى قسم للعلوم الطبيعية، وآخر للعلوم الكيميائية، وثالث لعلم طبقات الأرض والمعادن، ورابع لعلم الحيوان والتشريح المقارن، وخامس لدراسة النباتات تلحق به حديقة خاصة بالنباتات الوطنية والأجنبية، ويشمل كل قسم من هذه الأقسام على قاعات التدريس الخاصة بهذه العلوم، ومعامل للتجارب، وبكل منها مكتبة للكتب اللازمة لمراجعة المشتغلين به، وسادس لمكتبة الجامعة، مع قسم خاص بالمستندات والآثار الخطية، والمسكوكات.
النموذج الآخر هو ما قامت به خديجة هانم بنت محمد راغب أغا معتوق عباس الأول، وما قدمته لجامعة الأزهر، فالمعروف تاريخيا أن جامعة الأزهر أنشئت في أول عهد الدولة الفاطمية (العبيدية) بمصر، وجاءت تحت مسمى (جامع القاهرة الذي سمى الأزهر فيما بعد) حيث أرسى حجر أساسه في الرابع والعشرين من جمادى الأولى 359هـ/970م، وصلى فيه الخليفة المعز لدين الله الفاطمي ثاني خلفاء الدولة الفاطمية صلاة الجمعة الأولى من شهر رمضان سنة 361هـ/972م، وكانت الجامعة تدرس المذهب الشيعي في بدايتها، إلى أن جاء صلاح الدين الأيوبي وأطاح بالفاطميين (العبيديين) وأرسى المذهب السني في الجامعة.
وحين شاعت أشكال التعليم الحديثة التي تحتاج أبنية ومدرجات، كان لخديجة هانم معتوق المعروفة بالخازندارة الدور البارز الذي يعد نقطة هامة مرتبطة بتاريخ جامعة الأزهر، فقد أنشأت مسجدا به مدرسة الخازندارة، التي أنشاتها سنة 1912م لدراسة العلم والقرآن، وعندما أُدخل نظام الكليات سنة 1930م في الأزهر الشريف، تم اختيار هذه المدرسة لتكون مقر واحدة من الكليات الثلاث الأوائل: كلية أصول الدين: (لدراسة التوحيد والمنطق والفلسفة والتفسير والحديث والتاريخ)، كلية اللغة العربية: (لدراسة قواعد اللغة وآدابها)، كلية الشريعة: (لدراسة الشريعة والأصول والفقه المقارن).
وجاءت كلية أصول الدين من نصيب مدرسة الخازندارة، والتي تم افتتاحها سنة 1931م واختيار الشيخ عبد المجيد اللبان شيخا لها.
المصدر:
http://cutt.us/ge8qZ